Indexed OCR Text

Pages 281-300

الموطأ
التمهيد
كذلك، وقد جلَّ رسولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يتكلَّمَ بما لا معنى له، أو يكونَ مِن أجلِ
أنَّها بقعةُ سُخطٍ ، فلو كان كذلك ما كان رسولُ اللهِ وَلَه لِيَبنىَ مسجدَه
فى مقبرةٍ المشركينَ، ويَنْبُشَها ويُسوِّيَها ويَينِىَ عليها، وقد أجازَ العلماءُ الصلاةَ
فى الكنيسةِ إذا بُسطَ فيها ثوبٌ طاهرٌ، ومعلومٌ أنَّ الكنيسةَ أقربُ إلى أنْ تكونَ
بقعةً سُخطٍ مِن المقبرة ، لأَنَّها بقعةٌ يُعصَى اللهُ ويُكفر به فيها ، وليس كذلك
المقبرةُ؛ وقد وردتِ السنةُ بإباحةِ اتِّخاذِ البِيَع والكنائسِ مساجدَ .
ذكَر البخارىُّ(١) أنَّ ابنَ عباسٍ كانَ يُصلّى فى البِيعَةِ إذا لم يكُنْ فيها تماثيلُ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن الثورىِّ، عن خُصيفٍ، عن مِقسمٍ، عن ابنٍ
عباس ، أنَّه کان یکرَهُ أنْ يُصلِّی فی الكنيسةِ إذا كان فيها تماثيلُ .
وروَى أَيُّبُ وعُبِيدُ اللهِ بنُ عمرَ وغيرُهما، عن نافع ، عن أسلمَ مولى عمرَ ،
أنَّ عمرَ لَّ قدِم الشامَ، صنَع له رجلٌ مِن عظماءِ النصارى طعامًا ودَعاه، فقال
عمرُ: إِنَّا لا ندخُلُ كنائسَكم ولا نُصلِّى فيها مِن أجلِ ما فيها مِن الصُّوَرِ
والتماثيلٍ(١) . فلم يَكرَة عمرُ ولا ابنُ عباسٍ ذلك إِلَّ مِن أجلِ ما فيها مِن التماثيلِ.
وحكى عبدُ الرزاقٍ ، عن الثورىِّ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ ، وعن الثورىِّ، عن
القبس
(١) البخارى قبل (٤٣٤).
(٢) عبد الرزاق (١٦٠٨).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٦١١، ١٩٤٨٦)، وابن أبى شيبة ٨/ ٢٩١، ٢٩٢، ٤١/١٣، وابن
المنذر فى الأوسط (٧٧٣) من طريق أيوب به .
٢٨١

الموطأ
التمهید
جابرٍ، عن الشعبىِّ، قالا: لا بأسَ بالصلاةِ فى البِيعَةِ(١). وأمَّا جثثُ الموتى، فقد
اختلف فيها العلماءُ؛ فمنهم مَن جعَلها كلَّها سواءً، ويتحقَّظُ عندَ غَسلِ الميّتِ
مِن أَنْ يَطيرَ إليه شىءٌ مِن الماءِ. ومنهم مَن حمَل قولَ ابنِ مسعودٍ : لا تنجُسوا مِن
موتاكم(١) . على أنَّ جُثثَ المؤمنين خاصَّةً طاهرةٌ، وليس هذا موضعَ القول فى
هذه المسألةِ .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا رجاءُ بنُ المُرَى، قال: حدَّثنا أبو همَّام ، قال: حدَّثنا سعيدُ
ابنُ السائبِ ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عياضٍ، عن عثمانَ بنِ أبى العاصِى ، أنَّ
النبىَِّ نَّهِ أَمَرِه أَنْ يجعَلَ مسجدَ الطائفِ حيثُ كانت طواغيتُهم (١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاحِ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً ، قال :
حدَّثنا مُلازمُ بنُ عمرو ، عن عبد الله بن بدرٍ ، عن قيس بن طلقٍ ، عن أبيه طلقٍ بنِ
علىّ، وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ ، قال : حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال: حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرىِّ، عن مُلازمٍ بن عمرو، قال :
حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُّ بدرٍ ، عن قيسٍ بنِ طَلقٍ ، عن أبيه طَلقٍ بنٍ علىٍّ - والمعنى
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٨٠/٢ من طريق الثورى به.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٦١٠٤، ٦١٠٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٦٧/٣، وسنن البيهقى
٣٠٧/١.
(٣) أبو داود (٤٥٠). وأخرجه ابن ماجه (٧٤٣) من طريق أبى همام الدلال به .
٢٨٢

الموطأ
التمهید
واحدٌ، وحديثُ هنَّادٍ أثمُّ - قال: خرَجنا وفدًا إلى النبيِّ وَِّ، فبايعناه وصلَِّنا
معه، وأخبرناه أَنَّ بأرضِنا بِيعةً لنا. فذكَر الحديثَ، وفيه: ((فإذا أتَيْتُم أرضَكم ،
فاكسِروا بِيعَتكم، واتَّخِذوها مَسجدًا)). مختصرًا(١).
وأجمعَ العلماءُ على أنَّ التيُّمَ على مقبرةٍ المشركين إذا كان الموضعُ طيِّبًا
طاهرًا نظيفًا، جائزٌ. وكذلك أجمعوا على أنَّ مَن صلَّى فى كنيسةٍ أو بِيعةٍ فى
موضعٍ طاهرٍ ، أنَّ صلاتَه ماضيةٌ جائزةٌ . وقد كَرِه جماعةٌ مِن الفقهاءِ الصلاةَ فى
المقبرة، سواءً كانت لمسلمين أو مشركين؛ للأحاديثِ المعلولةِ التى ذكّرنا،
ولحديث أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((صلُّوا فى بيوتِكم ولا تتّخذُوها
قبورًا))(١). ولحديثٍ واثِلَةَ بنِ الأسقع، عن أبى مَرَثدِ الغَنَوىِّ، عن النبيِّ وَّلِ أَنَّه
قال: (( لا تُصلُّوا إلى القبور ، ولا تَجلِسوا عليها))() . وهذان حديثان ثابتان مِن
جهةِ الإِسنادِ، ولا محُجّةَ فيهما؛ لأنَّهما مُحتَمِلانِ للتأويلِ ، ولا يجوزُ أنْ يُمْتَنَعَ مِن
الصلاةِ فى كلِّ موضع طاهرٍ إلَّا بدليلٍ لا يَحتمِلُ تأويلاً. ومِمَّن كَرِه الصلاةَ فى
المقبرة؛ الثَّورىُّ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُهم. وقال
الثَّورِىُّ: إنْ صلَّى فى المقبرةِ لم يُعِدْ . وقال الشافعىُّ: إنْ صلّى أحدٌ فى المقبرة ،
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢/ ٨٠، والنسائى (٧٠٠)، وفى الكبرى (٧٨٠)، وأخرجه ابن حبان (١١٢٣)،
والطيرانى (٨٢٤١) والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٥٤٢، ٥٤٣ من طريق ملازم بن عمرو به.
(٢) أخرجه أحمد ٢٢٤/١٣، ١٦٠/١٤ (٧٨٢١، ٨٤٤٣)، ومسلم (٧٨٠)، وابن حبان
(٧٨٣) .
(٣) أخرجه أحمد ٢٨/ ٤٥٠، ٤٥١ (١٧٢١٥، ١٧٢١٦)، ومسلم (٩٧٢)؛ وأبو داود
(٣٢٢٩)، والنسائى (٧٥٩)، والترمذى (١٠٥٠، ١٠٥١) من طريق واثلة به.
٠
١
٢٨٣

الموطأ
التمهيد
فى موضعٍ ليس فيه نجاسةٌ ، أجزأه . ولم يُفرِّقْ أحدٌ مِن فقهاءِ المسلمين بينَ مقبَرَةٍ
المسلمينَ والمشركينَ ، إلّا ما حَكَينا مِن خطَلِ القولِ الذى لا يُشتَغلُ بمثلِه، ولا
وجهَ له فى نظرٍ ، ولا فى صحيح أثرٍ ؛ لأَنَّ مَن كَرِه الصلاةَ فى المقبرة، گرِهها فى
كلِّ مقبرةٍ على ظاهرِ الحديثِ وعمومِه، ومَن أباحَ الصلاةَ فيها ، دَفَع ذلك بما
ذكّوْنا مِن التأويلِ والاعتلالِ. وقد بنَى رسولُ اللهِ وَلَه مسجدَه فى مقبرةٍ
المشركين .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ
السّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ
البُخارىُّ، وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قالا جميعًا: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ
الوارِثِ، عن أبى التَّاحِ، عن أنسٍ بنِ مالكِ - المعنَى واحدٌ، واللفظُ مُتقاربٌ -
قال: قدِمِ رسولُ اللهِ وَّهِ المدينةَ، فنزَل أعلَى المدينةِ، فى حىٍّ يُقالُ لهم : بنو
عمرو بنِ عوفٍ . فأقام فيها أربعَ عشرةَ ليلةً ، ثم أرسَل إلى بنى النَّجَارِ، فجاءوا
مُتقلِّدين بسيوفِهم. قال أنس: فكأنّى أنظُرُ إلى رسولِ اللهِ وَ لِّ على راحِلتِهِ،
وأبو بكرٍ رِدِفَه، وملأَّ بنى النجَّارِ حولَه، حتى ألقَى بفِناءِ أبى أيُّوبَ (١) ، وكان
رسولُ اللهِ وَّهِ يُصلِّى حيثُ أدرَ كَتْه الصلاةُ، ويُصلِّى فى مرابضٍ الغنمِ ، وأَنَّه أمَر
ببناء المسجد ، فأرسل إلى بنى النَّارِ، فقال: « يا بنى النجّارِ ، ثامِنونی بحائطكم
هذا)). فقالوا : واللهِ لا نطلُبُ ثمنَه إِلَّ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. قال أنس : فكان فيه ما
القبس
(١) ألقى: أى ألقى رحلَه، والفناء: الناحية المتسعة أمام الدار. فتح البارى ٥٢٥/١، ٥٢٦.
٢٨٤

الموطأ
أقولُ لكم؛ كانت فيه قبورُ المشركين، وخِرَبٌ، ونخلٌ، فَأَمَرَ النبيُّ وَله بقبورِ
المُشْرِكينَ فَنُبِشَتْ، وبالنخلِ فقُطِعٍ، وبالخِرَبِ فسُوِّيت، فصفُّوا النَّخلَ قِبِلَةً
المَسْجِدِ ، وجعَلوا عِضادَتَّه حجارةٌ، وجعلوا يَنقُلون الصخرَ ويَرتَّجزون ، والنبىُّ
حَلّ ر معهم ويقولون :
التمهيد
اللَّهُمَّ لا خيرَ إلَّا خيرُ الآخِرَه فاغفِرْ للأنصارِ والمهاجرَهُ(١)
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمَةً، عن أبى
التَّاحِ، عن أنسٍ بن مالكٍ(٢).
"وذكره أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(٤)، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال :
حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمَةً، عن أبى التَّاحِ، عن أنَسٍ )، قال : كان موضعُ مسجدٍ
رسولِ اللهِ وَلّ حائطًا لبنى النََّجَارِ، فيه خِرَبٌ، ونخلٌ، وقبورُ
المشركين، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ثامنُونِى(١)). فقالوا: لا نَلتمِسُ به
ثمنًا إِلَّ عندَ اللهِ. فَأَمَر رسولُ اللهِ وَهِ بالنخلِ فَقُطِعٍ، وبالخِرَبِ فسُوِّىَ،
وبقبورٍ المشركين فتُبِشَتْ، قال: وكان رسولُ اللهِ وَلَهِ يُصلِّى حيثُ
القبس
(١) أخرجه البغوى فى شرح السنة (٣٧٦٥) من طريق محمد بن يوسف به ، وهو عند البخارى
(٤٢٨). وأخرجه البيهقى ٤٣٨/٢ من طريق محمد بن بكر به ، وهو عند أبى داود (٤٥٣).
(٢) أبو داود (٤٥٤)، وأخرجه أحمد ٢١٧/١٩ (١٢١٧٨)، وأبو عوانة (١١٧٧) من طريق
حماد بن سلمة به .
(٣ - ٣) سقط من: ص ٤.
(٤) ابن أبى شيبة ٣٨٨/٣، ٣٨٩.
(٥) بعده فى م: (فيه)).
٢٨٥

الموطأ
التمهيد
أدركَتْه الصلاةُ، وفى مرابضٍ الغنمِ .
فهذا رسولُ اللهِ وَّهِ قد بنَى مسجدَه فى موضعٍ مقبرةٍ المشرِكينَ، ولو
جاز أنْ يَخُصَّ مِن المقابرِ مقبرةً، لكانت مقبرةُ المشركين أولَى بالخصوصِ
والاستثناءِ مِن أجلِ هذا الحديثِ، وكلُّ مَن كرِه الصلاةَ فى المقبرةِ لم يخُصَّ
مقبرةً ( من مقبرةٍ)؛ لأنَّ الأَلِفَ واللَّمَ فى المقبرةِ والحَقَّامِ إشارةٌ إلى الجنسِ،
لا إلى المعهودِ، ولو كان بينَ مقبرةِ المسلمين والكفارِ فرقٌ، لبَيِّتَه رسولُ اللهِ
وِّه ولم يُهمِلْه؛ لأنَّه يُعِث مُبيِّنًا لُرادِ اللهِ مِن عبادِهِ، والقومُ عربٌ لايعرفون
مِن الخطابٍ إلَّ استعمالَ عمومِه، ما لم يكُنِ الخصوصُ والاستثناء يصحبُه،
فلو أراد مقبرةً دونَ مقبرةٍ، لوَصَفها ونَعَتها، ولم يُحِلْ على لفظِ المقبرةِ
مجملةً؛ لأنَّ كلَّ ما وقَع عليه اسمُ مقبرةٍ يدخُلُ تحتَ قولِه: ((المقبرةَ)). هذا
هو المعروفُ من حقيقةِ الخطابٍ ، وبالله التوفيقُ. ولو ساعَ لجاهلٍ أنْ يقولَ:
مقبرةُ كذا. لجازَ لآخِرَ أَنْ يقولَ: حمَّامُ كذا. لأنَّ فى الحديثِ: ((إلَّ المقبرةَ
والحمَّامَ)). وكذلك قولُه: ((المزبلةَ، والمجزرةَ، ومحبّةَ الطريقِ)). غير جائزٍ
أن يُقالَ: مزبلةُ كذا، ولا مجزرةُ كذا، ولا طريقُ كذا؛ لأنَّ التّحكمَ فی دینِ
اللهِ غيرُ سائغٍ، والحمدُ للهِ .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ سعيدٍ، قال: حدَّثنا
عبدُ الملكِ بنُ بحرٍ ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارونَ ، قال : حدَّثنا العباسُ بنُ الوليد
ابنِ نصرِ التَّرْسِىُّ، قال: حدَّثنا وُهَيْبُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
٢٨٦

الموطأ
يزيدَ بنِ جابرٍ، عن القاسم بنِ مُخيمِرَةَ، عن أبى سعيد الخُدرىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَالـ
نهَى أَنْ يُصلَّى على القبرِ، أو يُقْعَدَ عليه، أو يُبنَى عليه(١) . قال موسى بنُ هارونَ:
قولُه: أنْ يُصلَّى على القبرِ. وَهْم، وإنَّما هو أَن يُصلَّى إلى القبرِ.
التمهيد
وفى حديثٍ زيد بن أسلمَ هذا: ثم أمَرَهم رسولُ اللهِ وَرَ أَنْ ينزِلوا
ويتَوضَّقُوا، وأمَر بلالًا أن يُؤْذِّنَ أو يُقيمَ. هكذا رواه يحيى على الشَّكُّ، وتابعه
قومٌ، واختلَفَتِ الآثارُ فى ذلك، على ما نذكُرُه فى هذا البابِ إن شاء اللهُ،
وأكثرها فيه أنَّه أَذَّنَ وأقام، وكذلك فى أكثرِها أنَّه صلَّى ركعتي
الفجرِ، وأمرهم أن يُصلُّوها، ثم صلَّى بهم الصبحَ. ولم يُذكَرْ فى بعضِها أنَّه
صلَّى ركعتي الفجرِ ) . وهذا موضعّ قد تنازَع فيه العلماءُ، ومَن ذكَر شيئًا وحَفِظه
فهو خّةٌ علی مَن لم يذكُرْ.
فأمَّا اختلافُهم فى الأذانِ والإقامةِ للصلواتِ الفوائتِ ؛ فإنَّ مالكًا،
والأوزاعىَّ، والشافعيَّ، وأصحابَهم، قالوا فيمن فاتَتْه صلاةٌ أو صلواتٌ حتى
خرج وقتُها : إِنَّه ◌ُقِيمُ لكلِّ واحدة إقامةً ، ولايُؤذِّنُ . وقال الثورىُّ : ليس علیه فى
الفوائتِ أذانٌ ولا إقامةٌ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: مَن فاتته صلاةٌ واحدةٌ ،
صلَّاها بأذانٍ وإقامةٍ ، فإن لم يَفعَلْ، فصلاتُه تامَّةٌ . وقال محمدُ بنُّ الحسنِ : إذا
فاتَته صلواتٌ، فإِنْ صلَّاهُنَّ بإقامةٍ إقامةٍ، كما فعَل النبيُّ بَّه يومَ الخندقِ،
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (١٥٦٤)، والخطيب فى تاريخه ١٧٦/٨ من طريق وهيب به. ووقع عند ابن
ماجه: وهب. وينظر تحفة الأشراف (٤٢٧٧).
(٢ - ٢) سقط من: ص ٤.
٢٨٧

الموطأ
التمهيد
فحسنٌ، وإِنْ أُذَّن وأقام لكلِّ صلاةٍ ، فحسنٌ. ولم يذكُرْ خلافًا . وقال أحمدُ بنُّ
حنبلٍ ، وأبو ثورٍ ، وداودُ بنُ علىّ : يُؤذِّنُ وُقیمُ لكلِّ صلاةٍ فائتةٍ ، على ماژُوَ عن
النبيِّ بَّه إذا نام عن الصلاةِ.
قال أبو عمرَ : حُجَّةٌ مَن قال: إِنَّه يُقيمُ لكلِّ صلاةٍ فائتةٍ ولا يُؤَذُِّ لها . أنَّ
رسولَ اللهِ وَّهِ حُبِس يومَ الخندقِ عن صلاةِ الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ إلى
هَوِىٌّ(١) مِن الليلِ، ثم أقامَ لكلِّ صلاةٍ ولم يُؤْذِّنْ. روَى هذا الخبرَ عن النبيِّ وَل
أبو سعيد الخدرِئُ وابنُ مسعودٍ .
فأمَّا حديثُ أبى سعيدٍ ، فحدَّثناهُ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىِّ ،
قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحُسينِىُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرِ الطَّحاوىُّ،
قال : حدَّثْنا المُنىُ، قال حدَّثنا الشافعىُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ
أبى قُديكٍ، عن ابنٍ أبى ذِئبٍ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا
قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحيم، قال: حدَّثنا عمَّارُ بنُ
عبدِ الجَّارِ الْخُراسانىُ، قال: أخبرنا ابنُّ أبى ذِئبٍ ، عن المقبُرِىِّ، عن عبد الرحمنِ
ابن أبى سعيد الخُدرىِّ، عن أبيه، قال: مُحُبِسنا يومَ الخندقِ عن الصلاةِ حتى كان
حَوِىٌّ مِن الليلِ، حتى كُفِينا، وذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
اٌلْقِتَالُ وَ كَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. قال: فدعا رسولُ اللهِ وَله
بلالاً فأقام، فصلَّى الظهرَ كما كان يُصلِيها فى وقتِها، ثم أقام العصرَ فصلًّاها
كذلك، ثم أقام المغربَ فصلًّاها كذلك، ثم أقام العشاءَ فصلًّاها كذلك
القبس
(١) الهَوِى: الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختص بالليل. النهاية ٢٨٥/٥.
٢٨٨

الموطأ
أيضا، وذلك قبلَ أَنْ يَنزِلَ فى صلاةِ الخوفِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ
رُكْبَانً﴾ (١) [البقرة: ٢٣٩]. المعنَى واحدٌ.
التمهيد
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعیبٍ ، قال : أخبرنا هنَّادُ بنُ السّریِّ ، عنمُشیم ، عن أبى الزُّبیرِ ، عن
نافعٍ بن جبيرٍ بنِ مُطعمٍ، عن أبى عُبيدَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، قال : قال
عبدُ اللهِ: إِنَّ المشركين شَغلوا النبىَّ وَ لِّعن أربع صلواتٍ فى الخندقِ، فَأَمَر بلالًا
فأذَّن ، ثم أقام فصلَّى الظهرَ، ثم أقام فصلَّى العصرَ، ثم أقام فصلّى المغربَ ، ثم
أقام فصلّى العشاءً(٢) .
هكذا قال هُشيمٌ فى هذا الحديثِ : فأذَّنَ، ثم أقام فصلَّى الظهرَ. فذَكَر
الأذانَ للظهرِ وحدَها . وكذلك رواه أبو بكرٍ بنُّ أبى شيبةً (١ ، عن هشيم سواءً.
وخالفَه هشام الدَّستُوائىُّ، فقال فيه: فأمَر بلالاً فأقام ، فصلَّى الظهرَ. لم يذكُرْ
أذانًا للظهرِ ولا لغيرِها، وإنَّما ذكَر الإقامةَ وحدَها فيها كلِّها .
قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بنِ سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا
القبس
(١) الشافعى فى السنن المأثورة (١). وأخرجه الطيالسى (٢٣٤٥)، وأحمد ٢٩٣/١٧، ٢٩٤،
٤٥/١٨، ١٨٧، ١٨٨ (١١١٩٨، ١١١٩٩، ١١٤٦٥، ١١٦٤٤)، والنسائى (٦٦٠) من
طریق ابن أبی ذئب به .
(٢) النسائى (٦٦١). وأخرجه الترمذى (١٧٩) من طريق هناد به، وأخرجه أحمد ١٧/٦، ١٨
(٣٥٥٥) عن هشيم به .
(٣) ابن أبى شيبة ٢/ ٧٠، ٢٧٢/١٤.
٢٨٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٩/٢ )
٠٫٠

الموطأ
التمهيد
أبو العباس أحمدُ بنُ محمدِ البِرْتِئُ (١) القاضِى، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ، قال:
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُّ أبى عبدِ اللهِ ، عن أبى الزُّبيرِ ، عن نافعٍ
ابنِ تجبيرٍ بِنِ مُطعِم، عن أبى عُبيدَةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: كَّا مع رسولِ اللهِ وَله-
فحُبِسنا عن صلاةِ الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ. قال: فأمَر رسولُ اللهِ وَ الإِ بلالاً
فأقام فصلَّى الظهرَ ، ثم أقام فصلَّى العصرَ ، ثم أقام فصلَّى المغربَ، ثم أقام فصلَّى
العِشاءَ، ثم طاف علينا ، فقال: ((ما على الأرضِ عِصابةٌ يذكرون اللهَ غيرُ كم)) (١).
وهكذا رواه ابنُّ المباركِ ، عن هشامِ الدَّستُوائىٌّ، بإسنادِه سواءً(٢) . وقد رواه
سعيدُ بنُ أبى عروبةَ ، عن هشامِ الدَّستوائىّ ، بإسنادِه مثلَه . ذكر ذلك أحمدُ بنُ
شعیب وغیرُه .
واحتجَّ مَن قال: يُؤْذِّنُ ويُقيمُ للفوائتِ . بأنَّه ذُكر فى هذا الحدیثِ، وفی
حديثٍ أبى سعيد الخُدرىِّ قبلَه: ثم أقام فصلَّى العشاءَ. قال: والعشاءُ كانت
مفعولةً فى وقتِها ، ولم يذكُرْ فيها أذانًا ، وهى غيرُ فائتةٍ ، فعُلِمٍ أَنَّ مُرادَه إقامتُها بما
ينبغى أن يُقامَ لها مِن الأذانِ والإقامةِ. ورُوِى مِن حديثٍ عِمرانَ بنِ محُصينٍ
وغيرِهِ ، أنَّ النبيَّ ،وَ لِّ حينَ فاتَتْه صلاةُ الفجرِ فى السفرِ، صلَّاها بأذانٍ وإقامةٍ (٥).
القبس
(١) فى م: ((البرقى)).
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى جزء أحاديث أبى الزبير عن غير جابر (١٣٩) من طريق عبد الوارث به ،
وأخرجه أحمد ١١٤/٧ (٤٠١٣) من طريق هشام به .
(٣) النسائى (٦٢١)، وفى الكبرى (١٥٨٩).
(٤) النسائى (٦٦٢).
(٥) سيأتى تخريجه ص ٣٠٥ - ٣٠٧ .
٢٩٠

الموطأ
التمهید
وأمَّا صلاةُ ركعتي الفجرِ لمن نام عن صلاةٍ الصبح فلم ينَبِهْ لها إلا بعدَ طلوعٍ
الشمس، فإن مالكًا قال: يبدأُ بالمكتوبة. ولم يعرِفْ ما ذُكِر عن رسولِ اللهِ وَل
فى ركعتي الفجرِ أَنَّه ركَعها يومَ نام عن صلاةِ الصبح فى سفرِه قبلَ أنْ يُصلَِّ
الصُّبحَ. ذكَر أبو قُرّةَ فى سماعِه مِن مالكٍ ، قال : قال مالكٌ فيمَن نام عن الصبحِ
حتى طَلَعتِ الشمسُ: إِنَّه لا يركعُ ركعتي الفجرِ ، ولا يبدأ بشىءٍ قبلَ الفريضةِ .
قال: وقال مالكٌ: لم يبلُغْنا أنَّ النبيَّ وَلَّهِ صلَّى ركعتي الفَجرِ حينَ نام عن صَلاةِ
الصُّبحِ حتى طلَعَتِ الشمسُ . وقال ابنُ وهبٍ : سُئِل مالكٌ : هل كان رسولُ اللهِ
وَّه حينَ نام عن صلاة الصبح حتى طَلَعتِ الشمسُ رَكَع ركعتي الفجرِ؟ قال :
ما عَلِمتُ .
قال أبو عمر : لیس فی رواية مالك رحمه اللهُ، لا فی حدیث زيد بن أسلم
هذا، ولا فى حديث ابن شهابٍ عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ ، أنَّ رسولَ اللهِ ێےرگع
يومَئِذٍ ركعتي الفجرِ قبلَ صلاةٍ الصبح، وإنما صارَ فى ذلك إلى ما روَى، وعليه
جمهورُ أصحابِهِ ، إلَّا أَشهَبَ وعلىَّ بنَ زِيادٍ، فإنَّهما قالا: يركعُ ركعتي الفجرِ
قبلَ أن يُصلِّىَ الصبحَ. قالا: وقد بلغنا ذلك عن النبيِّ وَ ل يومئذٍ . و كذلك قال
الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، والثورىُّ، والحسنُ بنُ حىٍّ . وهو قولُ جماعةِ أصحابٍ
الحديثِ . وإليه ذهَب أحمدُ، وأبو ثورٍ، وداودُ؛ لما رُوِى فى ذلك عن النبيِّ وَليه
مِن حديثٍ عِمرانَ بنِ محصين وغيرِهِ. وقد كان يجبُ على أصلِ مالكٍ أنْ
يركَعَهما قبلَ أنْ يُصلِّىَ الصبحَ؛ لأنَّ قولَه فيمن أتَى مسجدًا قد صُلِّى فيه : لا بأسَ
أنْ يتطوَّعَ قبلَ المكتوبةِ إذا كان فى سَعةٍ مِن الوقتِ . وكذلك قال أبو حنيفةً
وأصحابُه، والشافعىُّ، وداودُ، إذا كان فى الوقتِ سَعةٌ . وقال الثورىُّ: ابدأْ
القبس
٢٩١

الموطأ
التمهید
بالمكتوبةِ ، ثم تطوَّعْ بما شئتَ . وقال الحسنُ بنُّ حىّ : يبدأ بالفريضةِ ، ولا يتطوَّعُ
حتى يَفرُغَ مِن الفريضةِ. قال: فإن كانتِ الظهرَ، فرَغ منها ثم مِن الركعتين
بعدَها ، ثم يُصلِّى الأربعَ التى لم يُصلِّها قبلَ الظهرِ . وقال الليثُ بنُ سعدٍ : كلُّ
واجبٍ مِن صلاةٍ فريضةٍ ، أو صلاةِ نذرٍ ، أو صيامٍ ، أَنَّه يبدأُ بالواجِبِ قبلَ النَّفلِ .
وقد ژُوی عنه خلافُ هذا مِن روایة ابنٍ وهپ ایضًا ، قال ابنُ وهب: سمِعتُ
الليثَ بنَ سعدٍ يقولُ فى الذى يدرِكُ الإمامَ فى قيامِ رمضانَ ولم يُصلِّ العشاءَ: إِنَّه
يدخُلُ معهم ويُصلِّى بصلاتِهم، فإذا فرغ صلَّى العشاءَ. قال: وإِنْ عَلِم أنَّهم فى
القيامِ قبلَ أنْ يدخُلَ فى المسجِدِ، فوجَد مكانًا طاهرًا، فليُصلِّ العشاءَ، ثم لْيدَخُلْ
معهم فى القيامِ .
قال أبو عمرَ: ويَجِىءُ على ما قدَّمنا مِن قولٍ مالكٍ، وأبى حنيفةً،
والشافعىٌّ، وداودَ ، فيمن أتَى المسجدَ وقد صلَّى أهلُه، وفى الوقتِ سعةٌ - أنَّه لا
بأسَ أنْ يتطَوَّعَ قبلَ المكتوبةِ ، مثلَ قولِ الليثِ فيمن أدرَك القومَ فى قيامِ رمضانَ ،
سواءً، إلَّا أَنَّه لا ينبغى له أنْ يُوتِرَ معهم، وإِنْ أُوتَر معهم، لَزِمه إعادَةُ الوَتِرِ بعدَ
صلاةٍ العشاءِ، ووَترُه قبلَ صلاةِ العشاءِ كلا وَترٍ ؛ لأَنَّه قبلَ وقتِه .
وأمَّا قولُه فى الحديثِ: ((إِنَّ الله قبض أرواحنا، ولو شاء لرَدَّها إلينا فى حينٍ
غيرِ هذا)). فإِنَّ العلماءَ اختَلَفوا فى الروح والنفسٍ؛ هل هما شىءٌ واحدٌ أو
شيئانٍ ؛ لأنَّه قد جاء فى الحديثِ: ((إنَّ اللهَ قبض أرواحنا)). وجاء فى حديثٍ
سعيدِ بنِ المُسيِّبِ قولُ بلالٍ: أَخَذ بنفسى الذى أخَذ بنفسِك(١) . فقال جماعةٌ
القبس
(١) تقدم فى ص ٢٣٧ - ٢٣٩.
٢٩٢

الموطأ
التمهید
مِن أهلِ العلم: الروح والنفسُ شىءٌ واحدٌ . ومِن حُجّتِهم قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ:
﴿ اللَّهُ يَتَوَلَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلِّى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: ٤٢].
فرُوِى عن ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ مجبيرٍ ، فى هذه الآيةِ، أَنَّهما قالا: تُقبَضُ أرواح
الأمواتِ إِذا ماتوا، وأروائح الأحياءِ إذا ناموا ، تتعارفُ ما شاء اللهُ أنْ تتعارفَ ،
﴿فَيُمْسِكُ اَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾: التى قد ماتت، ﴿ وَبُرْسِلُ الْأُخْرَىّ
إِلَىَ أَجَلِ تُسَمِّىَّ﴾. ذكَره بقىُ بنُ مخلَدٍ، عن يحيى بنِ عبد الحميدِ الحِمَّانىٌّ،
عن يعقوبَ القُّمِّىِّ، عن جعفر بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ يجبيرٍ (١). وذكره أيضًا
عن يحيى بنِ رجاءٍ، عن موسى بنِ أعيّنَ، عن مُطرّفٍ ، عن جعفرٍ، عن سعيد
ابنِ مجبيٍ، عن ابنِ عباسٍ(١) . ومعنى حديثهما واحدٌ. وهذا يدُلُّ على أنَّ النفسَ
والروحَ شىءٌ واحدٌ؛ لأَنَّهم فسَّروا الآيةَ وقد جاءَتْ بلفظِ ﴿يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ﴾ -
﴿وَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً﴾. فقالوا: يَقِضُ الأرواحَ. كما رأيتَ ، وذلك
واضح فى أنَّ النفسَ والروحَ سواءٌ .
ويشهَدُ بصحةٍ ذلك قولُ رسولِ اللهِ وَ له فى هذا الحديثِ: ((إنَّ اللهَ قبَض
أرواحنا)). ولم يُنكِرْ على بلالٍ قولَه: أخَذ بنفسى الذى أخَذ بنفسك. فالقرآنُ
والسنةُ يُشيرانِ إلى معنًى واحدٍ ، بلفظِ النفسِ مرَّةً ، وبلفظِ الروح أُخرى .
وقال آخرونَ: النفسُ غيرُ الروح. واحتجُوا بأنَّ النفسَ مخاطَبةٌ منهيةٌ
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢١٥/٢٠، وأبو الشيخ فى العظمة (٤٢٩) من طريق يعقوب به بنحوه.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (١٢٢) من طريق موسى بن أعين به، وأخرجه أبو الشيخ فى
العظمة (٤٤٢) من طريق مطرف به .
٢٩٣

الموطأ
التمهيد
مأمورةٌ . واستدلُّوا بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ (9) أَرْجِعِىّ إِلَى
رَبِّكِ رَضِيَةٌ تَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨]. وقوله: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَقَ عَلَى مَا
فَرَّطَتُ فِى جَنْبٍ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. ومثلُ هذا فى القرآن كثيرٌ. قالوا : والروح لم
تُخاطَبْ ولم تُؤُمَرْ ولم تُنهَ فى شىءٍ مِن القرآنِ ، ولم يَلحَقْها شىءٌ مِن التوبيخِ كما
لحِق النفسَ فى غيرِ آيةٍ مِن كتابِ اللهِ . وتأَوَّلوا فى قولٍ بلالٍ ؛ أىْ: أَخَذ بنفسى
مِن النومِ ما أخَذ بنفسِك .
وذكَر سُنيدٌ، عن حجَّاجٍ، عن ابن جريجٍ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ
يَتَوَلَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ اَلَّتِ قَضَى
عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ الآية. قال: فى جوفِ الإنسانِ روحٌ ونفسٌ، بينهماً(١) مثلُ
شعاعِ الشمسِ، فإذا تَوفَّى اللهُ النفسَ، كان الرُّوحُ فى جوفِ الإنسانِ، فإذا
أمسَك اللهُ نفْسَه، أخرَج الروحَ مِن جوفِه، فإنْ لم يُمِتْه، أرسَل اللهُ نفْسَه فرجَعتْ
إلى مكانِها قبلَ أنْ يستيقِظَ . قال ابنُ مجريجٍ: وأُخيرتُ عنِ ابنِ عباسٍ نحوَ هذا
الخبرِ .
وذكر عبدُ المنعمِ بنُّ إدريسَ، عن وَهبٍ بنِ مُنبِّهِ، أَنَّه حكى عن التوراةِ فى
خلق آدم عليه السّلامُ، قال اللهُ عزَّ وجلّ : حين خَلَقتُ آدم ، ركبتُ جسدَه مِن
رَطبٍ ويابسٍ ، وسُخْنٍ وباردٍ ، وذلك لأَنِّى خلَقتُه مِن ترابٍ وماءٍ ، ثُمَّ جعَلتُ فيه
نفْسًا ورُوحًا، فيُبوسةُ كلِّ جسدٍ خِلقتُه مِن الترابِ، ورطوبَتُه مِن قِبَلِ الماءِ،
القبس
(١) بعده فى م: ((فى الجوف)).
٢٩٤

الموطأ
وحرارتُه مِن قِبل النفس ، وبرودتُه مِن قِبَلِ الرّوحِ، ومِن النفسِ حِدَّتُه وشهوتُه ،
ولهؤُه ولَعِبُه، وضَحِكُه وسَفَهُه، وخِداعُه وعُنفُه وخُرقُه، ومِن الروحِ حِلمُه
ووقاره، وعفاُه وحياؤه، وفهمُه وتگُّمُه، وصدقُه وصبرُه.
التمھید
وأخبَرَنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: أخبَرَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: حدَّثنا المُسيَّبُ بنُ واضح، قال: حدَّثنا الحكم
ابنُّ محمدِ الظَّفَرِىُّ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ، عن عبدِ الصمدِ بنِ
مَعقلٍ، عن وَهبِ بنِ مُنبّهٍ، قال: إنَّ أَنفُسَ الآدميِينَ كأَنفُسِ الدوابُ التى
تُشتَهى وتدعو إلى الشرّ، ومَسكَنُ النّفْسِ البَطنُ، إلَّا أنَّ الإنسانَ فُضِّل
بالروحِ، ومسكّنُه الدِّماغُ، فبِه يستَحبى الإنسانُ، وهو يَدعو إلى الخيرِ ويأمُرُ
به. ثم نفَخ وهبّ على يدِه فقال: هذا باردٌ، وهو مِن الروحِ. ثم تنهّد على
يدِه فقال: هذا حارٌّ، وهو مِن النَّفسِ، ومَثْلُهما كمَثلِ الرَّجُلِ وَزَوجَتِه، فإذا
انحدَر الروح إلى النفسِ والتقَيًا، نامَ الإنسانُ، فإذا استيقظَ، رجَع الروح إلى
مكانِه، ويُعتبرُ ذلك بأنَّك إذا كنتَ نائمًا فاستيقظتَ، كان كلُّ شيءٍ يبدُرُ
إلى رأسِك(١) .
وذكر أبو إسحاقَ محمدُ بنُّ القاسم بنِ شعبانَ ، أَنَّ عبد الرحمنِ بنَ القاسمِ
ابنِ خالدٍ صاحبَ مالك قال: النفسُ جسَدٌ مُجسّدٌ، کخَلقِ الإنسانِ ، والروح
القبس
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٤٢٧، ١٠٧١) من طريق إسماعيل به بنحوه.
٢٩٥

الموطأ
التمهید
كالماءِ الجارِى. قال: واحتجّ بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿ اَللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً﴾ الآية . وقال : ألا ترى أنَّ النائمَ قد توقَّى
اللهُ نفسه، ورُوحُه صاعدٌ ونازل، وأنفاسه قیام، والنفسُ تسرح فى كلِّ وادٍ،
وترَى ما تراه مِن الرؤيا، فإذا أَذِن اللهُ فى ردِّها إلى الجسدِ عادت، واستيقظَ
بعودتِها جميعُ أعضاءِ الجسدِ، وحرَّك السمع والبصرَ وغيرَهما مِن الأعضاءِ.
قال: فالنفسُ غيرُ الروحِ، والروحُ كالماءِ الجارِى فى الجنانِ ، فإذا أراد اللهُ إفسادَ
ذلك البُستانِ، منَع منه ١ الماءَ الجارىَ فيه، فماتت حياتُه، فكذلك الإنسانُ .
قال أبو إسحاقَ : هذا معنى قولِ ابنِ القاسمِ وإن لم يكنْ نَسَقَ لفظِه. قال أبو
إسحاقَ: وقال عبيدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ(١): إذا محمِل المَتُ على السّريرِ، كانت
نفسُه بيدٍ ملَكِ من الملائكةِ، يسيرُ بها معه ، فإذا وُضِع للصلاةِ عليه وقَف ، فإذا
محمِل إلى قبرِهِ سار معه، فإذا أُلحِد وؤُورِى فى الترابِ ، أعاد اللهُ نفسَه حتى
يخاطبَه المَلَكان، فإذا ولَّيا عنه مُنصَرِفينٍ ، اختلَعِ المَلَكُ نفسَه، فرمَی بها إلى
حيثُ أُمِرَ، وهذا الملَكُ مِن أعوانِ ملَكِ الموتِ. قال أبو إسحاقَ : هذا معنى قولٍ
عبيد الله بن أبى جعفرٍ، وقد قاله معه غيره .
قال أبو عمرَ : قد قالتِ العلماء بما وصَفنا، واللهُ أعلمُ بالصحيحِ مِن ذلك،
وما احتجَّ به القومُ فليس حجةً واضحةً ، ولا هو مما يُقطعُ بصحتِه؛ لأُنَّه ليس فيه
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) عبيد الله بن أبى جعفر أبو بكر المصرى الكنانى مولاهم الليثى - اسم أبيه يسار - فقيه مصر،
كان عالما عابدًا زاهدًا، توفى سنة اثنين وثلاثين ومائة. سير أعلام النبلاء ٦/ ٨.
٢٩٦

الموطأ
التمهید
خبر صحیح یقطغُ العذر ويُوجب الحجةَ ، ولا هو مما يُدرَكُ بقیاس ولا استنباطٍ ،
بل العقولُ تنحَسِرُ وتعجِزُ عن علم ذلك . وقد قال جماعةٌ مِن العلماءِ فى قولِ اللهِ
عزَّ وجلّ: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوْتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قليلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]: إِنَّه هذا الروح المشارُ إليه فى هذا الباب بالذ کر ؛ رومځ
الحياةِ. وقال غيرُهم: إنَّه ملَكٌ مِن الملائكة، يقومُ صفًّا، وتقومُ الملائكةُ صفًّا.
فكيف يُتعاطى علمُ شيءٍ استأثر اللهُ به، ولم يُطلِع عليه رسولَه ◌َلټ؟ وقد قيل فى
الروحِ المذكورِ فى هذه الآيةِ : إِنَّه جبريلُ عليه السلامُ. وقيل : هم خلقٌ مِن خلقٍ
اللهِ . وقيل غيرُ ذلك(١) . وكذلك اختُلِف فى الذين ◌ُنوا بقوله: ﴿وَمَّا أُوتِيتُم مِّنَ
الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فقيل: أراد اليهودَ السائلين عن الروحِ؛ لأنّهم
زعموا أنَّ فى التوراةِ عِلمَ كلِّ شيءٍ، فأنزلَ اللهُ: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ اَلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ
أَقْلَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّمُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾ الآية [لقمان: ٢٧]. يقولُ: ما
أُوتِيتُم فى التوراةِ والإنجيلِ يأهلَ الكتابِ مِن العلمِ إلَّ قليلًا . وقيل: بل عتَى بالآيةِ
أُمَّةَ محمدٍ وَِّ والناسَ كلَّهم .
قال أبو عمرَ: لو كان الأمرُ على النظرِ والقياسِ والاستنباطِ فى معنى الروحِ
مِن حديثٍ ((الموطأ)، لقلنا: إنَّ النظرَ يشهدُ للقولِ الأُولِ، وهو الذى تدلُّ عليه
الآثارُ. واللهُ أعلمُ .
وقد تضعُ العربُ النَّفسَ موضعَ الروحِ ، والروحَ موضعَ النَّفسِ، فيقولون :
القبس
(١) ينظر تفسير ابن جرير ٢٢١/٢ - ٢٢٤، ٧٠/١٥، ٧١، وتفسير ابن كثير ١١٣/٥.
٢٩٧

الموطأ
خرَجَت نفسُه، وفاضَتْ نفسُه، وخرَجَت روحه. إمّا لأنَّهما شىءٌ واحدٌ ، أو
التمھید
لأَنَّهما شيئانِ متصلانٍ لا يقومُ أحدُهما دونَ الآخرِ . وقد يُسُّون الجسدَ نفسًا ،
ويُسُّونَ الدمَ جسدًا، قال النابغةُ(١) :
وما أُرِيقَ على الأنصابِ مِن جسدِ *
*
يريدُ : مِن دَمٍ .
وقال ذُو الرُّمَّةِ(١) فجعَل الجسدَ نفسًا:
يا قابِضَ الرُّوحِ مِن نفسٍ إذا احتُضِرَتْ وغافِرَ الذَّنبِ زَحرِخْنِى عن النارِ
ويقالُ للنفسِ : نسَمَةٌ أيضًا ، يقالُ: علىَّ عِتقُ نسَمةٍ . أىْ نفسٍ ..
وقال ◌َله: (( إنما نسمةُ المؤمن طائرٌ)) . یعنی روحه. وسنذ کژ هذا الخبر فى
حديث ابنٍ شهابٍ () إن شاء الله تعالى .
وفى هذا الخبرِ: ((فإذا رقَد أحدُ كم عن الصلاةِ أو نسيها ، فلْيُصلِّها كما كان
يُصلِّيها فى وقتها)). وهذا أَّما فيه إيجابُ إقامة الصلاةِ ، وأنَّها غيرُ ساقطةٍ عمن نامَ
أو نسِى، ولم يَخُصَّ وقتًا من وقتٍ ، فالبِدارُ إليها أولى، إلّا أنَّ فى حديثِ أنسٍ "
وحديثِ ابنِ المسيَّبِ وغيرِهِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لهَ قال: ((مَن نام عن
القبس
(١) ديوانه ص ١٩.
(٢) البيت فى اللسان (ز ح ح ).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٥٧٠).
(٤) تقدم تخريجه ص ١٤٢.
(٥) تقدم فى الموطأ (٢٤).
٢٩٨

الموطأ
التمهید
الصلاةِ أَو نَسِيها، فليُصلِّها إذا ذكرها؛ فإِنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
لِذِكْرِىّ﴾)) [طه: ١٤]. وفى هذا وُجوبُ صلاتِها عندَ الذكرِ لها والانتباهِ
إليها ، أىَّ وقتٍ كان، وهو موضعُ اختلافٍ، وقد ذكرناه واستوعَبنا القولَ
فيه وفی معنی ذکرٍ صلاةٍ فی صلاةٍ، أو فى آخرِ وقتٍ صلاة ، فی بابِ ابنِ
شهابٍ، عن سعيدِ بنِ الُسيَّبِ ، مِن كتابِنا هذا(١) ؛ لأنَّ ذلك الموضعَ أولى بذ کرِ
ذلك، لقوله فيه: ((فليُصلِّها إذا ذكرها)). وأَّما فى حديثٍ زيدٍ هذا: « فليُصلِّها
كما كان يُصلِّیها ». وبالله التوفيقُ .
وفى إخبارِ رسولِ اللهِ وَ ﴿ أبا بكرٍ بما عرَّض لبلالٍ فى نومِه ذلك، عَلَمْ مِن
أعلامِ نُبُوَّتِهِ وَله .
وفيه ما کان علیه أبو بكرٍ رضِى اللهُ عنه مِن صريح الإيمانِ ، والبدارِ إلى
تصديقٍ رسولِ اللهِ وَله، والفرحِ بكلِّ ما يأتى منه، وهو الصِّدِّيقُ حقًّا مِن أُمَّتِهِ،
رحمةُ اللهِ عليه .
وأما الآثارُ المرويةُ فى هذا البابِ ، فرَواها جماعةٌ مِن الصحابةِ ؛ منهم أبو
هريرةَ ، وابنُّ مسعودٍ ، وأبو قتادةً، وابنُ عباسٍ، ومجبيرُ بنُ مُطعِمٍ، وعمرُو بنُ
أُميَّةَ ، وعمرانُ بنُ محصينٍ ، وأبو مريم السّلُولى ، وأبو جحيفةً الشُوائِئُ، وذو مِخْرٍ
الحبشئُ ؛ فأمَّا حديثُ أبى هريرةَ ، فنذكُرُ منه ههنا ما يُشبِهُ حديثنا ويكونُ فى
القبس
(١ - ١) فى م: ((فى باب زيد بن أسلم وسيأتى منه ذكر)).
(٢) ينظر ما تقدم ص ٢٥٠ - ٢٥٨.
٢٩٩
٠٠

الموطأ
التمهيد معناه، ونذكرُ مَن قطَعه ومَن وصَله، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ ، عن أبى هريرةَ ، إِذا
ذكرناه فی بابٍ ابن شهاب إن شاء اللهُ.
فمِن حديث أبى هريرةَ ، ما حدَّثنا محمدُ بنُ خليفةً ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ
الحسين، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ الحسنُ بنُّ علىَّ الجصَّاصُ (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُّ الفرج أبو عُتبةَ الحجازىُّ بحِمصَ ، قال: حدَّثنا أيُوبُ بنُ سُويدٍ ، قال : أخبرنا
يونسُ بنُّ يزيدَ، عن الزهرِىٌّ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ وأبى سلمةً ، عن أبى هريرةَ،
قال: لمَّا قَل رسولُ اللهِ وَلَه مِن خيبَرَ، عَّس بنا ذاتَ ليلةٍ، ثم قال: ((أيُّكم يكلأُ
لنا الفجرَ اللَّيلةَ؟ ». فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ اللهِ. قال: ((اكلأُه لنا يا بلالُ، ولا
تكنْ لُكَعًا (٢)). قال بلالٌ: فنام النبىُ وَّله ونام أصحابُه، فعمَدتُ إلى حجَفَةٍ(٢).
لى استَنَدتُ إليها ، فجعَلتُ أَراعى الفجرَ، فبعث اللهُ علىَّ النومَ ، فلم أستيقظْ إلَّا
لحرِّ الشمسِ بينَ كَتِفِيَّ، فقُمتُ فزِعًا، فقلتُ: الصلاةَ عبادَ اللهِ. فانتبه النبيُّ
وَإِّه، وانتبه الناسُ، وقال لى: ((يا بلالُ، ألم أقل لك: اكلأ لنا الفجرَ؟)).
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَخَذ بنفسى الذى أخَذ بنفسِك. فقال رسولُ اللهِ وَِّتِ:
((إِنَّ أرواحَكم كانت بيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، حبسها إذ شاء، وأطلَقها إذ شاء، اقتادوا
مِن هذا الوادى، فإنَّه وادٍ ملعونٌ به الشيطانُ)). قال: فخرَجنا مِن الوادى ، ثم أمَر
بلالًا فأذَّن، وتوضَّأُ النبىُ وَّهِ، وتوضَّأ أصحابُه، ثم صلَّوا، فقام إليه رجلٌ ،
القبس
(١) فى ص ٤: ((الحصحاص)).
(٢) اللكع عند العرب: العبد، ثم استعمل فى الحمق والذم. النهاية ٢٦٨/٤.
(٣) الحجفة: الترس. النهاية ٣٤٥/١.
٣٠٠