Indexed OCR Text

Pages 201-220

الموطأ
التمهيد
خلفَ المُقِيم صلاةَ مسافِرٍ ، فإذا تشَهَّدَ فى الجِلْسَةِ الوُسْطَى ، سلَّمَ وخِرَجَ ، وإنْ
أدرَكَ الْمُقِيمَ جالِسًا، صلَّى صلاةَ مُسَافٍ. هذا قولُ إِسْحاقَ بنِ راهُويَه. وهذان
قولانٍ ضعيفانٍ شادَّانِ ، والناسُ على القَوْلَيْنِ الأُوَّلينِ .
ومِن هذا البابِ أيضًا، المأمومُ لا يُدْرِكُ رَكْعَةً مع الإمامِ ، أو يُدْرِكُها وقد سَهَا
الإمامُ قبلَ أنْ يدْخُلَ معه هذا الدَّاخِلُ ؛ هل عليه سُجُودُ السَّهوِ أم لا ؟ فقال مالِكٌ:
إِذا أدرَكَ معه رَكْعَةٌ لَزِمَه أنْ يَسْجُدَ معه لسَهْوِهِ، وإنْ لم يُدركْ معه رَكْعَةٌ لم يَلْزَمْه
ذلك ومذْهَبُ مالِكِ فى ذلك أنَّ سَجْدَتَي السهوِ إِنْ كانتا قبلَ السَّلامِ سجَدَهما
معه، وإنْ كانَتا بعدَ السَّلامِ لم يَسْجُدْهما معه، وسجَدَهما إذا قَضَى باقِىَ
صَلاتِه. وهو قولُ الأوزاعِيّ، واللَّيْثِ. وقال الشافعىُ، والگوفُون، وسائرُ
الفُقَھاءِ: مَن دخَلَ مع الإمامِ فی بعضٍ سَهْوهِ، لَزِمه، ويسجُدُ معه. وعن
الشافعيّ أنَّه يَسْجُدُهما بعدَ القَضاءِ أيضًا .
قال أبو عمر : مَن راعی الرّکعةَ وإذراگها فى هذه المَسائِلِ ، شَهِدَ له ظاهِرُ
قولِ رسولِ اللهِ وَله: ((مَن أُدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصلاةِ فقد أدرَكَ الصلاةَ)). لأنَّ مَن
أدرَكَ الصلاةَ مِن أوَّلِها لَزِمه حكمُها فى كلِّ شيءٍ منها، فقد جعَلَ رسولُ اللهِ
وَلَّ مُدرِكَ رَكعةٍ منها كمُدركِها، فذلك عندِى على العمومِ، واللهُ أعلمُ.
ومِن هذا البابِ عندَ مالِكٍ وأصحابِهِ، الرجلُ يُدرِكُ ركعةٌ مِن صَلاةِ
الجماعَةِ، فلا يُعيدُ تلك الصلاةَ فى جماعةٍ ، إذا أدرَكَ منها ركعةً تامةً ، وإِنْ لم
يُدركْ إلَّ السجودَ أو الْجُلُوسَ، فله أنْ يُعِيدَ فى جماعةٍ .
ومِن هذا البابِ أيضًا، الحُكْمُ فِيمَنْ أدرَكَ ركعةً مِن الصلاةِ؛ هل هى أوَّلُ
القبس
٢٠١

الموطأ.
التمهید
صلاتِه أو آخِرُها؟ فاختلفَ العلماءُ فى ذلك؛ فُرُوِىَ عن مالِكِ أَنَّ ما أدْرَكَ هو أوَّلُ
صلاتِهِ ، إلّا أنَّه يَقضِى ما فاتَّه بـ ((الحمد)) وسُورَةٍ. ولم يخْتَلِفْ قولُ مالِكٍ
وأَصْحابِهِ أنَّ المأْمُومَ يَقْضِى ما فاتَه على حَسَبٍ ما قَرأْ إِمامُه . وقال ابنُ القاسِم :
وما أدرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِه . ورَوَاه عن مالكِ . وقولُ الشافِعِيِّ فى هذه المسألةِ
كروايَةِ ابنِ القاسم سَواءً؛ ما أدرَكَ هو أوَّلُ صَلاتِهِ، ويَقْضِى بـ ((الحمد لله))
وسورة . وهو قولُ الأوزاعى، ومحمد بن الحسنِ . وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ،
والطبرىُّ، وجماعةٌ. وروى ابنُ عبدِ الحكم عن مالكِ أنَّ ما أدركَ فهو آخِرُ
صلاتِه. وبه قال أَشْهَبُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثورىِّ، وأبى يوسُفَ ،
والحسنِ بنِ حَىٍّ . وكلُّ هؤلاءِ القائِلِينَ بالقَوْلَيْ جميعًا يقولون: يَقْضِى ما فاتَّه
بـ ((الحمد)) وسُورَةٍ على حسَبٍ ما قرَأْ إِمامُه. وقد رُوِىَ عن علىٍّ بن أبى طالبٍ،
وأبى الدَّرْدَاءِ، وسعيدٍ بنِ المُسَيَّبِ، والحسَنِ البصرىِّ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ،
ومَكْحُولٍ، وعَطاءٍ، والزهرِىِّ، أنَّ ما أدرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِه (١) . ولم يُزْوَ عنهم فى
قَضاءِ القراءةِ شىءٌ مَنْصُوصٌ . ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، ومجاهِدٍ ، وابنِ سِيرينَ ، أَنَّ
ما أدرَكَ فهو آخِرُ صَلاتِه(١٢). ومَن قال هذا القولَ فليسَ يَجىءُ على أصلِه إِلَّ القراءَةُ
كما قرَأَ الإمامُ لا غيرُ. وقال المُزَنىُ صاحِبُ الشافعِيِّ، وداودُ بنُ علىّ ، وإسحاقُ
ابنُّ راهُويه ، وطائفةٌ ؛ منهم عبدُ العزيزِ بنُّ أبى سَلَمةَ الماجِشُون: ما أدركَ فهو أوَّلُ
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣١٦٠ - ٣١٦٢، ٣١٧٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٢٣/٢،
٣٢٤، والأوسط لابن المنذر ٢٣٩/٤، وسنن البيهقى ٢٩٨/٢، ٢٩٩.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣١٦٨، ٣١٧٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٢٤/٢، ٣٢٥،
والأوسط لابن المنذر (٢٠٩٤).
٢٠٢

١٥ - وحدّثنى يحيى، عن مالكِ، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ الموطأ
ابنِ الخطّابِ كان يقولُ: إذا فاتَّكَ [٤ و] الرَّكَعَةُ فقد فاتَتْكَ الشَّجْدَةُ .
٦
صَلاتِه، ويقْرَأُ فى الرَّكْعَتَيْ اللَّتَيْ يقْضيهما بـ((الحمد)) وحدَها.
التمهيد
قال أبو عمرَ: هذا الاختلافُ كلُّه أَّما هو فى القضاءِ للقراءَةِ، ولا يخْتَلِفُونَ
أُنَّ مَن فاتَه شىءٌ مِن صَلاتِهِ ، فهو بَانٍ فی رُكُوعِه وسُجُودِهِ، فَقِفْ على هذا
الأُضْلِ . والقيَّاسُ على قولٍ مَن قال: ما أدْرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِه. ما قالَه المُزْنِئُ،
واللهُ أعلمُ . ولم يخْتَلِفُوا أنَّ مَن فاتَه بعضُ صَلاتِه، يتَشهَّدُ فى آخِرِها ، ويُحرِمُ إذا
دخَلَ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ ما أدرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِهِ، ويَقْضِى آخِرَها . وباللَّهِ
التوفيقُ. وقد رُوىَ عن النبيِّ بَلِّ أنَّه قال: ((وما فَاتَكم فاقْضُوا))(١). ويَحْتَمُ
بهذا كلُّ مَن قال: ما أدرك فهو آخر صلاتِه. وسنَذْكُرُ الرّواياتِ فى ذلك على
وَجْهِها إن شاء اللَّهُ، فى بابِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، مِن كتابِنا هذا ، وباللهِ
تَوْفِيقُنا وعَوْنُنا .
مالكٌ، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ : إذا فاتّتك الركعةُ فقد
فَاتَتْك السجدةُ .
الاستذكار
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٨) من الموطأ .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٤٨) من الموطأ .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٣٢)، وبرواية أبى مصعب (١٧). وأخرجه البيهقى ٩٠/٢
من طريق مالك به .
٢٠٣
٠

١٦ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، أَنَّهُ بَلَغَه أنَّ عبدَ اللَّهِ
الموطأ
ابنَ عمرَ وزيدَ بنَ ثابتٍ كانا يقولان : مَن أدرَكَ الرَّكْعَةَ فقد
أُدْرَكَ الشَّجْدَةَ .
١٧ - وحدّثنى يحيى، عن مالكِ ، أَنَّهُ بَلَغَه أن أبا هريرةَ كان يقولُ :
مَنْ أَدْرَكَ الركعةَ فقد أدرَكَ السجدةَ، ومن فَاتَتْه قِراءةُ أَمِّ القُرآنِ فقد فاتَه
خیر کثیرٌ .
الاستذكار
مالكٌ ، أنه بلَغه أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ وزيدَ بنَ ثابتٍ كانا يقولان: مَن أَدرَك
الركعةَ فقد أدرَك السجدةَ . هكذا رواه یحیی بن یحیی .
وأما القَعْنَبِىُّ وابنُ بُكيرٍ وأكثرُ رواةِ ((الموطأ))؛ فروَوه عن مالك ، أنه بلَغه أنَّ
عبدَ اللهِ بنَ عمرَ وزيدَ بنَ ثابتٍ كانا يقولان: من أدرَك الركعةَ قبلَ أن يَرفعَ الإمامُ
رَأْسَه فقد أدرَك السجدةَ(١).
مالكٌ، أنه بلغه أنَّ أبا هريرةَ كان يقولُ: مَن أدرَك الركعةَ فقد أدرَك
السجدةَ، ومَن فاتَتْه قراءةُ أُمّ القرآنِ فقد فاتَّه خيرٌ كثيرٌ(١).
معنى إدراكِ الركعةِ ههنا أن يركعَ المأمومُ قبلَ أن يَرفعَ الإمامُ رَأْسَه مِن
الركوعِ. هذا قولُ مالكِ وأكثرِ العلماءِ، وفيه اختلافٌ. رُوى عن أبى هريرةً :
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨). وأخرجه البيهقى ٢/ ٩٠، من طريق ابن بكير عن مالك به.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٩). وأخرجه البيهقى ٩٠/٢ من طريق مالك به.
٢٠٤

الموطأ
الاستذكار
مَن أدرَك القومَ ركوعًا فلا(١) يَعْتَدُّ بها. وهذا قولٌ لا نعلَمُ أنَّ أحدًا قال به من فقهاء
الأمصارِ، وفيه وفى إسنادِه نظرٌ. وقدْ رُوِىَ معناه عن أشْهَبَ . ورُوِى عن جماعةٍ
من التابعين ضدُّ ذلك؛ قالوا: إذا أحرَم الدَّاخلُ والناسُ ركوعٌ أَجْزَأه وإن لم يُدْرِكِ
الركوعَ . وبهذا قال ابنُ أبى ليلى ، والليثُ بنُ سعدٍ، وزُفَرُ بنُ الهُذئِلِ، قالوا : إذا
كبّرٍ قبلَ أن يَرفعَ الإمامُ رأسَه ركَع كيف أمْكَنه ، واتَّبَع الإمامَ و كان بمنزلةِ التابعِ،
واعتدَّ بالركعةِ .
وقد رُوى عن ابنِ أبى ليلى ، والليثِ بنِ سعدٍ، وزُفَرَ بنِ الهذيلِ، والحسنِ بنِ
زيادٍ، أنه إذا كبّر بعدَ رفعِ الإمامِ رأسه من الركعةِ قبلَ أن يركعَ اعتذَّ بها .
وقال الشعبىُّ : إذا انْتَهَيتَ إلى الصفِّ المؤخّرِ ولم يَرْفعوا رءُوسَهم وقد رفَع
الإمامُ رْسَه ، فقد أدركتَ؛ لأنَّ بعضَهم أئمةُ بعضٍ .
قال جمهور الفقهاء : من أدرك الإمامَ راكعًا فكبر ورگع، وأمْگن یدَيْه مِن
رُكْبَيْهِ قبلَ أن يرفعَ الإِمامُ رأسَه مِن الركعةِ ، فقد أدرَكُ الركعةَ، ومَن لم يُدْرِكْ
ذلك فقد فاتَتْه الركعةُ، ومَن فاتَتْه الركعةُ فقد فاتَّتْه السجدةُ؛ أى لا يُعْتَدُّ بها
ويَسْجُدُهما. هذا مذهبُ مالكِ، والشافعيِّ، وأبى حنيفةً، وأصحابِهم،
والثورىِّ، والأوزاعيِّ، وأبى ثورٍ، وأحمدَ، وإسحاقَ .
وژوی ذلك عن على بن أبى طالبٍ ، وابن مسعودٍ، وزید بن ثابتٍ وابنٍ
عمرَ. وقد ذكّرْنا الآثارَ بذلك فى ((التمهيدِ))"، وبه قال عطاءً، وإبراهيمُ،
القبس
٠
(١) سقط من النسخ . والمثبت مما تقدم ص ١٩٦ .
(٢) تقدم فى الموطأ (١٥، ١٦)، وفى ص ١٩٧، ١٩٨.
٢٠٥

الموطأ
وعروةُ بنُ الزبيرِ، وميمونُ بنُ مِهْرانَ .
الاستذكار
وذكر ابنُّ أبى شيبةً (١) ، عن عبدِ الأعلى، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن سالم
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن ابنِ عمرَ وزيدِ بنِ ثابتٍ ، قالا : إذا أدْرَك القومَ
ركوعًا فإنَّه تُجْزِئُه تكبيرةٌ واحدةٌ .
وهو قولُ إبراهيمَ، وعروةَ، وعطاءٍ، والحسنِ، وقتادةَ، والحكم، وميمون،
وجماعةٍ، إلا أنَّهم يَسْتَحِبُّون أن يُكبِّرَ تكبيرَتَين؛ واحدةً للإحرامِ، وثانيةً
للركوعِ، وإن كبّر واحدةً لافتتاحِ الصلاةِ أجزأه من الركعةِ . وعلى هذا مذهبُ
الفقهاءِ بالحجازِ والعراقِ والشامِ .
وقال ابنُ سیرین وحمادُ بنُ أبی سليمانَ : لا يُجْزِتُّه حتى يُگبِّر تكبيرتین؛
واحدةٌ يَفْتَتِحُ بها ، وثانيةً يركعُ بها. والقولُ الأولُ أصحُ من جِهِ الأثرِ والنَّظرِ ؛
لأَنَّ التكبيرَ لِمَا عدا الإحرامَ مسنونٌ يُستحبُّ، قد أجْمَعوا أنَّه لا يَضُرُ سقوطُ
التكبيرةِ منه والتكبيرتَين. وسَنُبيِّنُ هذا البابَ ونوضِّحُه فى افتتاحِ الصلاةِ إِن
شاءَ اللهُ .
وأما قولُ أبى هريرةَ: مَن فاتَتْه قراءةُ ((أُمّ القرآنِ)) فقد فاتَّه خيرٌ كثيرٌ. فإنَّ ابنَ
وضَّاحِ وجماعةٌ معه قالوا : ذلك لموضع التأمين، واللهُ أعلم. يَغْنون قولَه عليه
السلامُ: ((مَن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبِه)). وسيأتى هذا
فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٩٩ .
٢٠٦

الموطأ
ما جاء فى دُلوكِ الشمسِ وغَسَقِ الليلِ
١٨ - حدّثنى يحيى، عن مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
كان يقولُ : دُلُوكُ الشمسِ مَيْلُها .
١٩ - وحدّثنى يحيى، عن مالك، عن داود بنِ الحُصَيْنِ، قال :
أخبرَنى مُخْبِرّ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ كان يقولُ: دُلُوكُ الشمسِ إذا فاء
الفَىْءُ، وغَسَقُ الليلِ اجتماعُ الليلِ وَظُلْمَتُه .
الاستذكار
بابُ ما جاء فى دُلُوكِ الشمسِ وغَسَقِ الليلِ
مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: دُلوكُ الشمسِ مَيْلُها (١).
مالك ، عن داود بن الحصين ، قال : أخبرنى مُخْپِرٌ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ
القبس
بابُ ما جاء فى دُلُوكِ الشمسِ
أدخَله مالكٌ رحِمه اللهُ تعالى لنكتةٍ واحدةٍ ، وإن كان فيه كلامٌ كثيرٌ لِيُبيِّنَ -
مِن قولِ ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ، وهما أصلانٍ فى اللغةِ - أن الدُّلُوكَ الزوالُ حتى
يكونَ قولُه تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ﴾ إلى قولِه:
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٠٠٦)، وبرواية أبى مصعب (٢٠). وأخرجه ابن المنذر فى
الأوسط (٩٣٦)، والبيهقى ٣٥٨/١ من طريق مالك به .
٢٠٧

الموطأ
الاستذكار.
وظُلْمَتُه(١).
كان يقولُ: دُلوكُ الشمسِ إذا فاءَ الفىءُ، وغَسَقُ الليلِ اجتماعُ الليلِ
(١)
قال أبو عمرَ : المخْبِرُ هلهنا عكرمةُ، وكذلك رواه الدراوَرْدِىُّ، عن ... (١) عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ . وكان مالكٌ يَكْتُمُ اسمَه ؛ لكلامٍ سعيدِ بنِ المسيبِ فيه ،
وقد صرّح به فى كتابٍ الحجّ(٤) . وقد ذكرنا فى ((التمهيدِ)) السببَ الموجبَ
الكلامِ ابنِ المسيبِ فى عكرمةَ، ومَن قال(١) بتفضِيلِ عكرمةَ والثناءِ عليه . ومات
عكرمةُ عندَ داودَ بنِ الحُصينِ بالمدينةِ(٥) .
﴿ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. متناولًا للصلواتِ الخَمْسِ.
القبس
تَأْصيلٌ: يَئِن مالكٌ رحِمه اللهُ فى هذا البابِ أصلًا مِن أصول الفقهِ؛ وهو أن
الحُكْمَ إذا تعلَّق باسم له أوَّلٌ وآخِرٌ تعلَّقَ بأولِه . وقد اختلف العلماءُ فى ذلك اختلافًا
كثيرًا، وتتعلَّقُ به الفروعُ مِن كتابٍ الطهارةِ إلى كتابٍ أمهاتِ الأولادِ آخرِ الفقهِ.
وللدُّلُوكِ أولٌ وهو سقوطُ الشمسِ عن كَبِدِ السماءِ، وآخِرٌ وهو الغروبُ فى رأي
العينِ، فكلُّ ذكرٍ (١ مِن مَثَلٍ ، أو خبرٍ ، أو شِئْرٍ ، أو قرآنٍ ، يتعلَّقُ بهذِه الجملةِ على حدٍّ
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢١). وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٣٥/٢، والبيهقى ٣٥٨/١ من طريق
مالك به .
(٢) كذا فى م، وطمس فى ص .
(٣) طمس فى ص. والمثبت من : م .
(٤) سيأتى فى الموطأ (٨٧٩) .
(٥) ستأتى ترجمة المصنف لعكرمة مستوفاة فى شرح الحديث (٦٣٩) من الموطأ .
(٦) بعده فى ج، م: ((فى)).
(٧) فى م: ((ذلك)).
٢٠٨

الموطأ
الاستذكار
ولم يُخْتلَفْ عن ابن عمرَ فی أنَّ دُلوك الشمسِ مَيلُها ، رُوِی ذلك عنه مِن
وجوهٍ ثابتةٍ ، إلا أنَّ الألفاظ مختلفة والمعنى واحدٌ . منھم من یروی عنه: دُلو کُها
زوالُها(١). ومنهم من يقولُ عنه: دُلوكُها مَيْلُها بعدَ نصفِ النهارِ(١). وكلِّ
سواءٌ، وهو قولُ الحسنِ ومجاهدٍ، ورواه مجاهدٌ أيضًا عن قيسٍ بنٍ
السائبِ، وهو قولُ أبى جعفرٍ محمدِ بنِ علىٍّ، والضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ،
وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وكذلك رُوِى عن الشعبىِّ ومجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ :
دُلوكُها زوالُها(٣).
وأما عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ فلم يُختَلفْ عنه أن دُلوكَها غروبُها(٤)، وهو قولُ
علىٌّ بن أبى طالبٍ وأبى وَائلٍ وطائفةٍ، والوجهان فى اللغةِ معروفان .
وقال بعضُ أهلِ اللغةِ: دُلوكُها مِن زوالِها إلى غروبِها.
وأما غَسَقُ الليل ، فالأكثر على أنه أراد به صلاة العشاءِ ، وژُوِى عن مجاهدٍ :
غَسَقُ الليلِ غروبُ الشمسِ) . وقال غيرُه: غَسَقُ الليلِ المغربُ والعشاءُ .
ما يليقُ به منها فارقُبُوهِ ورَكِّبوه .
القبس
(١) أخرجه البزار (٢٢٢٧ - كشف).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٢٣٥، والبيهقى ٣٦٤/١.
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٥/ ٢٥، وابن المنذر فى الأوسط ٣٢٢/٢، ٣٢٣، والطبرانى فى
الأوسط (١٣٧١) عن الشعبی به .
(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٢/١٥، ٢٣، وابن المنذر فى الأوسط ٣٢٣/٢.
(٥) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣١/١٥.
٢٠٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٤/٢ )

الموطأ
جامع الؤقوتِ
٢٠ - حدّثنى يحيى، عن مالكِ،عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ،
أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَه قال: ((الذى تَفُوتُه صلاةُ العصرِ كأَنَّمَا وُيِّرَ أَهْلَه
ومَالَه)) .
مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللَّهِ وَ لَه قال: ((الذى
تفوتُه صلاةُ العصرِ فكأنما ؤُتِر أهلَه ومالَه))(١) .
التمهید
هذا حديث صحيح پاسنادِه هذا، لم يُختلف فيه على مالك ، و کذلك رواه
أيوبُ وعبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ .
حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثَنَا قاسمُ بنُّ أصبغَ، حدَّثَنا بكرُ بنُ
حمادٍ ، حدّثنا مُسدّدٌ ، حدثنا یحیی، عن عبيدِ اللَّهِ ، قالَ: حدَّثنی نافتٌ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّه قال: ((الذى تفوتُه صلاةُ العصرِ، كأَمَا ؤُتِرَ أَهْلَه
(٢)
ومالَه))(١).
القبس
حديثٌ: قولُهُ وَهِ: ((مَن فاتَتْه صلاةُ العَصْرِ فكأنّما وُبِّرَ أهلَه ومالَه)). أُدخَل
مالكٌ هذا الحديثَ فى جامعِ الؤُقوتِ لِماً ) رأَى مِن تَضْبِيعِ الناسِ لها خُصوصًا حتى
.
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٢). وأخرجه أحمد ٢٢٧/٩ (٥٣١٣)، والبخارى (٥٥٢)،
ومسلم (٦٢٦)، وأبو داود (٤١٤)، والنسائى فى الكبرى (٣٦٥) من طريق مالك به.
(٢) أخرجه أحمد ١٥٢/٩ (٥١٦١) عن يحيى به، وأخرجه أحمد ٥٧/١٠ (٥٧٨٠)، والدارمى
(١٢٦٧)، وأبو عوانة (١٠٤٢) من طريق عبيد اللَّه به.
(٣) فی ج، م: ((بما)).
٢١٠ ٠

الموطأ
التمهید
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ويعيشُ بنُ سعيدٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
محمد البِرْتِىُّ، حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، وحدَّثنا
عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسمٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، حدّثنا
الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، حدَّثنا داودُ بنُ نوح، حدَّثنا حمادٌ، قالا جميعًا: حدّثنا
أيوبُ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللّهِ وَلِ: ((إِنَّ الذى
تفوتُه صلاةُ العصرِ كأنّما وُتِرَ أهلَه ومالَه))(١) .
القبس
أخرجوها عن وقتها المختارِ لها؛ وهو البياضُ الغالبُ على الشمسِ، وقد أدخَل فَضْلَ
غيرِها فى موضِعِه وقدَّم هذه الصلاةَ للحاجةِ إلى تقديمها . وفى البخارىِّ عن بُريدةً:
((مَن فاتته صلاةُ العصرِ فقد حبِط عَمَلُهُ)) (١) . معناه: ذهَب . ففی حدیثِ ابنِ عمر
جعَلها قرينةَ الأهلِ والمالٍ، وفى حديثٍ بُريدةَ جعَلها مُعادِلَةً العملِ، والمعنيانِ
مُتقاربان (١) يتشارَ كان عندَ التأويلِ؛ لأن المراد بقوله: ((وُِرَ أَهْلَه وماَلَه)) . بَقِى سَليًا
مَخْرومًا فى الدنيا. فضرّبه مثلًا لبقائه كذلك فى الآخرة، وكذلك هو " إذا خَبِط
عملُه. فأحدُ اللَّفظين مَثَلٌ والآخَرُ حقيقةٌ. فإن قيل: ظاهرُهُ يقدَحُ فى عقيدةِ أهلِ
السّنةِ؛ وهى أن الكبائرَ لا تُحُبِطُ الأعمالَ، فما تأويلُ هذا؟
قلنا: أمَّا مَن يقولُ بأن مُخرِجَ الصلاةِ عن وقتِها كافرٌ فقد كُشِف الغطاءُ فيه،
ولكنه يرجعُ معناه فى صلاةِ العصرِ إلى الفوتِ المُعْقِبِ لغروبِ الشمسِ ؛ لاختلافٍ
(١) أخرجه أحمد ٢٤٥/١٠ (٦٠٦٥)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣١٩٤) من طريق حماد
به ، وأخرجه أحمد ١٠٢/٩ (٥٠٨٤) من طريق أيوب به.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٢٢١، ٢٢٢ .
(٣) سقط من: م.
(٤) بعده فى ج: ((یکون)).
(٥) فى ج، م: ((ظاهر ما ذكرتم)).
٢١١

الموطأ
التمهيد
وهو عند ابن شهاب ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، ورواه عن ابنٍ شهاب
جماعةٌ مِن أصحابِه؛ منهم ابنُ عبينةً(١)، ومحمدُ بنُ أبىٌ عَتِيقٍ، وإبراهيمُ
ابنُ سَغدٍ ().
حدَّثَنَا سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أَصْبَغَ ،
حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصائغُ، حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ الهاشمىُّ، حدَّثنا
إبراهيم بنُ سعدٍ ١، عن ابنِ شهابٍ ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، عن ابنِ عمرَ قال :
سمِعتُ رسولَ اللَّهِ فَهِ يقولُ: ((من فاتته صلاةُ العصرِ فكأَنَّما وُتِرَ أَهلَه
(٤)
ومالَه))(٤) .
العلماءِ فى أن ما قبلَ غروب الشمس وقتٌ اختيارىٌّ للعصرِ أم لا. وإنما يتوجّه الإشكالُ
القبس
على مَن يُنكِرُ إحباطَ الكبائرِ للأعمالِ .
والذى يَكشِفُ الغطاءَ فيه ما مَهَّدناه فى كُتبٍ الأصول، عندَ ذکرِ الآياتِ
والأحاديثِ المتشابهةِ والجمع بينها وبينَ المُحْكّمةِ ، وهتْكِ الخفاءِ عن أن الأعمالَ لا
يُحبِطُها إلا الشِّرْكُ، وأن المعاصِىّ والطاعاتِ مُتعارضةٌ حتى يَحكِّمَ اللهُ فيها للعبدِ
بالخاتمةِ، فإن ماتَ على الإِيمانِ فلابدَّ مِن مغفرتِها على أربعة أوجهٍ(٥)؛ آخِرُها(٦):
(١) أخرجه أحمد ١٤٦/٨ (٤٥٤٥)، ومسلم (٢٠٠/٦٢٦)، والنسائى (٥١١)، وابن ماجه
(٦٨٥) من طريق ابن عيينة به .
(٢) ليس فى: الأصل، ى. وينظر تهذيب الكمال ٥٤٩/٢٥.
(٣) فى الأصل: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ٨٨/٢.
(٤) أخرجه الطيالسى (١٩١٧)، وأحمد ٤٠٢/١٠، ٤٠٣ (٦٣٢٤)، والطحاوى فى شرح
المشكل (٣١٩٠) من طريق إبراهيم بن سعد به .
(٥) ليس فى : ج ، م .
(٦) فى ج، م: ((أحدما)).
٢١٢

الموطأ
التمهید
ورواه سعدُ(١) بنُ إبراهيمَ، عن الزهريِّ، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا بغيرِ هذا اللفظِ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيْم، حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسینِ
ابنِ زيدٍ أبو جعفرٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، حدَّثنا نُعيمُ بنُ حمادٍ ، حدَّثنا ابنُ
المباركِ، حدَّثنا شعبةُ، عن سعدٍ (١) بنِ إبراهيمَ، "عن الزهرىِّ" ، عن ابنٍ عِمرَ،
أنَّ النبيَّ مَِّ قال: ((إنَّ الرجلَ ليدركُ الصلاةَ وما فَاته منها خيرٌ من أهلِه
ومالِهِ))(٢). وسنذكرُ هذا المعنى فى بابٍ يحيى بنٍ سعيدٍ(٤) إن شاءَ اللَّهُ .
وعندَ ابنِ شهابٍ أيضًا فى هذا الحديثِ إسنادٌ آخرُ عن أبى بكرِ بنِ
عبد الرحمنِ ، عن نوفلٍ بنِ معاويةَ الدِّيلىِّ، رواه عنه مالكٌ وغيره. إِلَّ أنَّه محفوظٌ
عن ابن أبی ذئب ، عن الزهرى ، وغیرُ محفوظ عن مالك إلّ من حدیث خلفِ بنِ
سالم، عن مَعْنٍ، عن مالكٍ . قال أبو عبد الرحمنِ النسائىُّ: أخافُ ألا يكونَ
محفوظًا من حديثٍ مالكٍ، ولعله أن يكونَ : مَغْنٌ ، عن ابنِ أبی ذِئْبٍ .
القبس
الخروجُ مِن النارِ - عافانا اللهُ مِن ذلك - فاطلُبوها(°) هنالِكَ ، بَتْدَ انًّا نذكُرُ لكم هدهنا
دستورًا مختصرًا يَسْتشرِفُ به المبتدِىُّ ويشرِفُ به على الغابةِ المُنْتَهِى، وذلك أن اللفظَ
العامَّ إذا ورَد فلا يَخْلُو إما أن يتعلَّقَ بالزمانِ أو بالأعيانِ أو بالأَمْكِينةِ ؛ كقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُُّوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. فهذه الآيةُ ركنُ العمومِ، فإنَّ فيها ذكرً
(١) فى م: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٤٠.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) أخرجه محمد بن نصر المروزى فى تعظيم قدر الصلاة (١٠٤٣) من طريق شعبة به .
(٤) ينظر ما سيأتى ص ٢٢٧ - ٢٣٠.
(٥) فى ج، م: «فاطلبوه)) .
٢١٣

الموطأ
التمهید
فأمَّا حديثُ مالكِ ، عن ابن شهابٍ فى ذلك ، فقرأتُّه على أحمدَ بنِ فتحِ بنِ
عبدِ اللَّهِ، أنَّ حمزةَ بنَ محمدٍ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَسَنِ بنِ
عبدِ الجبارِ ، قال : حدَّثنا خلفُ بنُ سالم المخزومىُّ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى،
عن مالك ، عن الزهرىِّ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هِشَامٍ، عن
نوفلٍ بنِ معاويةَ الدِّيلىّ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَّهِ قال: ((مَن فاتَتْه صلاةُ العصرِ فكأنّما
وُتِرَ أَهلَه ومالَه))(١) .
وخالَفه ابنُ أبي ذئبٍ فى هذا الإسنادِ ، فجعَله عن الزهريِّ، عن أبى سلمةَ .
فيما رَوَيْنا مِن حديثٍ أسدٍ، حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم قراءةً منِّى عليه ، قال :
القبس
الأزمنةِ كلِّها؛ لقولِه (١): ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ . وفيها ذِكرَ الكفارِ بأجمعهم ؛
لقولِه(١): ﴿اَلْمُشْرِكِينَ﴾ (١). وفيها ذِكرَ الأمكنةِ كلِّها)؛ لقولِه(١): ﴿حَيْثُ
وَجَدْتُّمُوهُمْ﴾. وفيها تبينَ ) الغاية؛ لقوله: ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ . فمثلُ هذه الآيةِ هى التى
يُتْعَبُ فی تخصیصٍ عموماتِها .
وأمّا قولُه: ((وُتِرَ أهلَه ( ومالَهُ)). أو: ((حَبِطَ عَمَلُهُ)). فليس مِن ألفاظِ العمومِ،
وإنما هو خبر عن حالٍ أو صفةٍ، فالذى يدَّعى عمومَ الصفةِ والحالِ هو الذى يلزَمُه الدليلُ.
فإن قيل: لقد عرّفنا هذا الأصلَ حقَّ معرِفتِه، فهل مِن مزيدٍ بيانٍ فى تَفْصيلٍ تَأْويلِه؟
(١) ينظر فتح البارى لابن رجب ٣٠٣/٤.
(٢) فى م: (( كقوله)).
(٣) فى ج، م: ((فاقتتلوا المشركين)).
(٤) سقط من: م.
(٥) فى ج: ((تمهيد))، وفى م: ((تعيين)).
(٦ - ٦) سقط من: ج، م.
٢١٤

الموطأ
التمھید
حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَرِ، قال: حدَّثنا مِقْدَامُ بنُ داودَ ، قال: حدّثنا
أسدُ بنُ موسى ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الزُّهرىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ
عبدِ الرحمنِ، عن نوفلِ بنِ معاويةً، قال: سمِعتُ رسولَ اللّهِ وَ لَه يقولُ: ((مَن
فاتته صلاةٌ فكأنّما وُتِرَ أَهلَه ومالَه))(١) .
القبس
قلنا : نعم. فيه وجهانٍ؛ أما أحدُهما ، فمعناه يُوقَفُ عمَلُه عنه مدَّةً يكونُ فيها
بمنزلةِ المُحُبَطِ ، حتى يأتيَه مِن فَضْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ ما يُدرِكُ به ثوابَ عملِه. وإلى هذا
التوقيفٍ وقَعت الإشارةُ بحديثٍ يُروَى: ((أَوَّلُ ما يَنظُرُ اللهُ فيه مِن عملِ العبدِ يومَ
القيامةِ الصَّلاةُ، فإذا (١) جاءَ بها نظَر فى سائرٍ عملِه، وإن لم يأتِ بها لم ينظُرْ له(٢) فى
شىءٍ مِن عملِه)). فكما أنه فى قِسْمِ المنهياتِ أيضًا: ((أولُ ما يُحكَمُ فيه منها
الدماءُ)) (١) . فإن خلَص منها نُظِرِ فى سائرٍ معاصِيه، وإن لم يخلُصْ منها فهذه تَكْفِيه،
فيتوقَّفُ النظرُ فى بقيةِ المعاصِى مُدَّةً هنا كما يتوقَّفُ النظرُ فى بقيةِ الطاعاتِ مدةٌ هناك.
الجوابُ الثانى، أنَّ معنى: ((حَبِطَ عَمَلُهُ)). عندَ الموازنةِ فإنه إذا وُضِعت السيئاتُ
والحسناتُ فى كِفَّتيهما فرجَحت كِفةُ السيئاتِ - ونعوذُ باللهِ - فقد بطَلَت حينئذٍ
وصارَ صاحبُها فى قسم العقابٍ ، وبقى أمرُ اللهِ ، فإذا جاء بالفضْلِ بعدَ الاقتصاصِ مِن
الزائدِ أو إسقاطِه أدرَك ثوابَ عملِه. وهذا هو تأويلُ قولِه عز وجل: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ
(١) ينظر فتح البارى لابن رجب ٣٠٣/٤.
(٢) فى ج، م: ((فإن)).
(٣) سقط من : ج، م.
(٤ - ٤) سقط من: ج.
وينظر ما سيأتى فى الموطأ (٤٢٢).
(٥) البخارى (٦٥٣٣، ٦٨٦٤)، ومسلم (٠٠٠/١٦٧٨).
٢١٥

الموطأ
التمهید
هکذا قال: ((صلاةٌ)) . فیما كتبنا عنه وقرأنا علیه، وذِْؤُ أبى سلمةَ بنِ
عبد الرحمنٍ فى هذا الحديثِ خطأٌ مِن قائلِه، وإَّما هو أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ،
وليس ذلك مِن ابن أبى ذئب ، وأَما الخطأَ فيه مِن أسدٍ، أو ممن دونَ أسدٍ ، وأمَّا مِن ابنٍ
أبی ذِئْپ فلا .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُّ إسماعيلَ الصائغُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أَبِى بُكَيْرٍ، قال: حدَّثنا
ابنُّ أبى ذئبٍ، عن الزهرىِّ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن نوفلِ بنِ
معاويةَ الدِّيلىٌّ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ وَلَةِ يقولُ: ((مَن فاتتْه الصلاةُ
فكأنَّما وُتِرَ أَهلَه ومالَه)). قلتُ: ما هذه الصلاةُ؟ قال: صلاةُ العصرِ. قال :
وسمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ إِلّهِ: ((إِنَّ الذى تفوتُه صلاةُ العصرِ
فكأنَّما وُتِرَ أَهلَه ومالَه))(١).
هکذا فى هذا الحديث بهذا الإسنادٍ : وسمِعتُ ابنَ عمرَ. فإن صحّ هذا،
فالحديثُ لابنِ شهابٍ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن نَوْفَلِ بنِ مُعَاوِيَةً وابنٍ
عُمَرَ جميعًا، عن النبيِّ بَّهَ. وعن سالم أيضًا، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ وَهُ.
ومَمَّا يُصَحِّحُ ذلك أنَّ محمدَ بنَ إسحاقَ روَى هذا الحديثَ عن يزيدَ بنِ أبى
القبس
ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاُلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. فافْهَموا ذلك(١) .
(١) أخرجه الطیالسی (١٩١٢) من طريق ابن أبى ذئب به .
(٢) ينظر العارضة ٢٨٧/١، ٢٨٨.
٢١٦

الموطأ
التمھید
حبيبٍ، عن عِرَاكِ بنِ مالكِ الغفارىِّ، قال: سمِعتُ نوفلَ بنَ معاويَّةً
الدِّيلىَّ وهو جالسٌ مع عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ بسوقِ المدينةِ يقولُ: سمِعتُ
رسولَ اللَّهِ وَ لَهِ يقولُ: ((صلاةٌ؛ مَنْ فاتتْه فكأنَّما وُيِرَ أهلَه ومالَه)). فقال
عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: قال رسولُ اللَّهِ وَّةِ: ((هى العصرُ)). ذكَرَه الطّحَاوِىُّ
فى ((فوائدِه)) عن علىِّ بنِ مَعْبَدٍ، عن يَعْقُوبَ بنِ إِبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن
أبيه، عن ابنِ إسحاقَ(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ
زهير، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ ويحيى بنُ أبى بُكَيْرٍ، قالا: حدَّثنا
ابنُّ أبى ذئبٍ ، عن الزهرىِّ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن نوفلِ بنِ معاويةَ،
قال: سمِعتُ رسولَ الَّهِ وَ لَه يقولُ: ((مَن فاتَتْه صلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُبِرَ أَهْلَه
(٢)
ومالَه))(٢) .
وهذا يدُلَّك على أنَّ قولَه فى حديثٍ نوفلِ الدِّيلىّ: «مَن فاتتْه الصلاةُ)) . أراد
صَلاةَ العصرِ ، فيكونُ معناه ومعنى حديثِ ابنِ عمرَ سواءً، وتكونُ صلاةُ العصرِ
مخصوصةً بالذكرِ ، " ويَدخلُ) فى ذلك غيرُها بالمعنى. وقد ذهَب قومٌ مِن أهلِ
العلمِ إلى أنَّ حديثَ نوفلٍ بن معاويةً أعمّ وأولى بصحيحٍ المعنى مِن حديث ابنٍ
القبس
(١) ذكره ابن رجب فى فتح البارى ٣٠٦/٤.
(٢) أخرجه أحمد ٤٩/٣٩ (٢٣٦٤٢)، وابن حبان (١٤٦٨) من طريق أبى عامر العقدى به .
(٣ - ٣) سقط من: م.
٢١٧

الموطأ
التمهید
عمرَ. وقالُوا فيه: قولُه: ((مَن فاتته الصلاةُ)). (أو: ((مَن١) فاتته صلاةٌ)). يريدُ
كلَّ صلاةٍ؛ لأنَّ حرمةَ الصلواتِ كلِّها سواءٌ. قال: وتخصيصُ ابنِ عمرَ لصلاةِ العصرِ
هو كلام خرَج على جوابٍ السائلِ؛ كأنَّه سمع رسولَ اللَّهِ وَ لِّقد أجابَ مَن سأله عن
صلاةِ العصرِ بأنْ قال له : ((الذى تفوتُه صلاةُ العصرِ فكأنّما وُيِّرَ أَهلَه ومالَه)). ولو
سُئِلَ عن الصبح وغيرها ، لكان كذلك جوابه أيضًا، واللهُ أعلم، بدليلٍ حديثٍ نوفلٍ
ابنِ معاويةَ: ((الذى تفوتُه الصلاةُ - أو تفوتُه صلاةٌ - فكأنّما وُتِرَ أهلَه وماَه)).
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ ، حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ ،
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى فُدَيْكِ، قال:
حدّثنا ابنُ أبی ذئبٍ ، عن ابن شهاب ، عن أبی بکرِ بنِ عبد الرحمن بن الحارثِ
ابنِ هشامٍ، عن نوفلِ بنِ معاويَّةَ الدِّيلىِّ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((مَن فاتتْه
الصلاةُ فكأنَّما وُتِرَ أهلَه وماَه))(٢).
وفى هذا الحديثِ تعظيمٌ لعملٍ الصلاةِ فى وقتها ، وهى خيرُ أعمالِنا ، كما
قال ◌َّهِ: ((و"اعلَموا أنَّ" خيرَ أعمالِكم الصلاةُ))(٤). وقد سُئِلَ وَلِّ عن أَىِّ
الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ؟ فقال: ((الصلاةُ فى وقتِها))(١). ورُوِىَ: ((فِى أولٍ
القبس
(١ - ١) فى م: ((وقد)).
(٢) أخرجه البيهقى ٤٤٥/١ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم به، وأخرجه الشافعى ٧٣/١
من طريق ابن أبی فديك به .
(٣ - ٣) فى الأصل: ((اعملوا و))، وفى م: ((اعملوا إن)).
(٤) أخرجه الطيالسى (١٠٨٩)، وأحمد ٦٠/٣٧ (٢٢٣٧٨)، وابن ماجه (٢٧٧)، وابن حبان
(١٠٣٧) من حديث ثوبان .
(٥) أخرجه أحمد ٥/٧ (٣٨٩٠)، والبخارى (٥٢٧، ٥٩٧٠، ٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥) من
حديث ابن مسعود .
٢١٨

الموطأ
التمهيد
وقتها)) (١) . وفيه تحقيرٌ للدُّنيا، وأنَّ قليلَ عملِ البِرّ خيرٌ مِن كثيرٍ من الدنيا؛ فالعاقلُ
العالمُ بمقدارِ هذا الخطابِ ، يحزَنُ على فَواتِ صلاةِ العَصْرِ إِنْ لم يدرِكْ منها ركعةً
قبلَ غروبِ الشمسِ، أو قبلَ اصفرارِها، فوقَ حزنِه على ذهابٍ أهلِه
ومالِهِ، وما توفيقى إلَّ باللَّهِ. وقد ذكرنا ما للعلماءِ فى آخرٍ وقتِ العصرِ من
الأقوالِ والاعتلالِ، فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ(١) ، مِن كتابنا هذا، فلا وجه
لإعادته هلهنا .
وحكم صلاةٍ الصبحِ وسائرِ الصلواتِ فى فواتِها كذلك إن شاء اللَّهُ . وقد
يَحتملُ أن يكونَ هذا الحديثُ خرج على جوابِ السائلِ عمن تفوتُّه صلاةُ
العصرِ، فلا يكونُ غيرُها بخلافٍ حكمِها فى ذلك. ويحتمِلُ أن يكونَ خُصَّتْ
بالذِّكْرِ لأَنَّ الإِثمَ فى تضييعِها أعظمُ. والتَّأْويلُ الأوَّلُ أَوْلَى، واللَّهُ أعلمُ .
وقد احْتَجَّ بهذا الحديثِ مَن ذهَبَ إلى أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطَى صلاةُ العصرِ ،
فقال: خصَّها رسولُ اللَّه ◌َ له بالذِّكرِ من أجلِ أنَّ اللّهَ خصَّها بقولِه: ﴿حَفِظُواْ
عَلَى الصََّلَوَتِ وَالضََّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فجَمَعَها
فى قوله : ﴿الصَّلَوَاتِ﴾. ثم خَصَّها بالذِّكْرٍ تَعْظِيمًا لها، كما قال عزَّ وجلَّ:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبيْنَ مِثَقَهُمْ﴾. فَعَمَّ النبيين ثم قال: ﴿ وَمِنكَ وَمِن نُوجِ
وَإِبْرَهِمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٌ ﴾ [الأحزاب: ٧]. فخَصَّ هؤلاءٍ تَغْظِيمًا لهم،
وهم أولو العزمٍ من الرسلِ .
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٢٢٩، ٢٣٠.
(٢) تقدم ص ١٢١ - ١٢٥.
٢١٩

الموطأ
التمهید
وقد اختلف العلماءُ من الصحابةِ والتابِعِينَ وسائرٍ علماءِ المسلمينَ فى الصَّلاةِ
الوسطى ، على حسب ما قد بيناه فى بابٍ زيد بن أسلمَ مِن کتابِنا هذا ، فلا وجه
لإعادته هلهنا(١).
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((فكأنَّما وُتِرَ أَهْلَه ومَالَه)). فمَعْناه عندَ أهلٍ
العلم: فكأنَّما أُصيب بأهلِه ومَالِه، وكأنَّما ذهَبَ أهْلُهُ(٢) ومالُهُ والَغَتَى فى ذلك
ذَهَابُ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ ؛ لأنَّ الأَهْلَ والمالَ باقِتَانِ ، لكن ذهابَ الأُجرِ علی ذی
العقلِ والدينٍ كذهابٍ الأهلِ والمالٍ .
وأمَّا أصلُ الكلمةِ مِن اللغَةِ ، فإِنَّها مأخوذةٌ من الوَتْرِ والتّرَةِ؛ وهو أن يَجْنِىَ
الرجلُ على الآخَرِ جِنايةً فى دم أو مالٍ، فيطلُبَه حتى يأخذَ منه ذلك المالَ أو مثلَه
ومثلَ ذلك الدَّمِ، وقلّما يكونُ ذلك إلا أكثرَ مِن الجنايةِ الأُولى، فيُذهبُ المالَ،
ويُجحفُ به وبالأهلِ ، وقد يُسمَّى كُلُّ واحدٍ منهما مَؤْتُورًا لذهابٍ مالِهِ وأهلِه،
قال الأعشى() :
عَلْقَمُ ما أنت إلى عامرٍ الناقضِ الأُوْتارِ والواتِرِ
وقال أعرابى :
كأَنَّما الذئبُ إِذْ يَعْدُو على غنمِى فى الصبحِ طالبُ وَثْرٍ كان فاتَّأْرا
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديثين (٣١٣، ٣١٤) من الموطأ .
(٢) فى الأصل: ((بأهله)).
(٣) ديوانه ص ١٤١.
٢٢٠
١