Indexed OCR Text

Pages 21-40

وقال بعضهم: ((لكأنما مالك ، والله ، إذا سئل عن مسألة واقف بین
الجنة والنار)). وكان يقول: ((من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض
نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار ، وكيف يكون خلاصه فى الآخرة ،
ثم يجيب))(١) . وما كان، رحمه الله، يفتى فى مسألة إلا قال: ﴿إِن نَظُنُّ
إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣١].
وكان من تحريه فى الحديث أنه قال : ((أخذت من ابن شهاب عشرة
قناديق فى بطونها وظهورها ، إنّ منها أشياء ما حدثت بها منذ أخذتها
(٣)
بالمدينة ))
قال ابن مالك : «لما دفنا مالگا دخلنا منزله فأخرجنا کتبه فإذا هی سبع
قنادیق من حديث ابن شهاب ظهورها وبطونها ملأى وعنده قنادیق أو
صناديق من حديث أهل المدينة فجعل الناس يقرءون ويدعون ويقولون :
رحمك الله يا أبا عبد الله ، لقد جالسناك الدهر الطويل فما رأيناك ذاكرت
بشىء مما قرأناه))(٤) .
قال أحمد بن صالح: « نظرت فى أصول مالك فوجدتها شبيهًا باثنی
عشر ألف حديث)). قال بعضهم: (( وهو حديث أهل المدينة فى ذلك
الوقت ، فلم يحدث مالك إلا بثلثها أو ربعها))(٥).
(١) ترتيب المدارك ١٧٨/١، ١٧٩.
(٢) القناديق جمع قُنْدوق وهى صحيفة الحساب . اللسان (قندق) .
(٣) ترتيب المدارك ١٨٦/١.
(٤) ترتيب المدارك ١٨٦/١، ١٨٧ .
(٥) ترتيب المدارك ١٨٨/١.
٢١

و کان مالك ، رحمه الله ، لا يحدث إلا عن ثقة ، ويُسأل عن الرجل ،
فيقول للسائل: ((هل رأيته فى كتابى؟!)). وكان إذا شك فى الحديث
طرحه كله .
توقيره للعلم ولحديث النبى تليفون:
كان من توقير مالك لحديث النبى وَالتر أنه كان لا يحدث إلا
على طهارة، وأنه كان لا يحدث ولا يكتب حديث رسول اللَّه ◌َلخير
واقفًا، وكان لا يفضل على المدينة بقعة سواها، وكلما جدت
المناسبات للترحل قال: ((المدينة خير لهم لو يعلمون)). وعوتب فى
تقديمه الإذن لأصحابه، فقال: ((أصحابى وجيران رسول اللَّه
عَلَّهِ))(١)
وَستَلة
وقد كان مالك رحمه اللّه من شدة حرصه على حديث رسول اللَّه
وَ له، ما يتهيّأ لأحد بالمدينة أن يقول: قال رسول اللَّهُ وَّله ، إلا حبسه،
فإذا سئل فيه قال: ((يصحح ما قال ثم يخرج)).
شهادة أهل العلم له بالإمامة وثناؤهم عليه (٢):
تقدم أن مالگًا لم یجلس للفتیا حتی شُهد له. وقد امتلأت
كتب التراجم بالروايات التى تؤكد ثناء العلماء عليه وثقتهم فيه، فمن
ذلك :
(١) ترتيب المدارك ١٤/٢.
(٢) ينظر ترتيب المدارك ١٤٨/٢ - ١٦٢ .
٢٢

قال ابن هرمز يومًا لجاريته: ((من بالباب؟)). فلم تر إلا مالكًا،
فذكرت ذلك له، فقال: ((ادعيه، فإنه عالم الناس)).
وقال له ابن شهاب: ((أنت من أوعية العلم)).
وقيل لأبى الأسود ، شيخ مالك بمصر ، سنة إحدى وثلاثين ومائة :
((من للرأى بعد ربيعة بالمدينة ؟ فقال: الغلام الأصبحى)).
وقال سفيان بن عيينة: (( ما نحن عند مالك؟ إنما كنا نتبع آثار مالك))
وقال: ((ما أرى المدينة إلا ستخرب بعد مالك)). قال: ((ومالك سيد أهل
المدينة)). وقال: ((مالك سيد المسلمين)).
وقال الشافعى: ((إذا جاءك الأثر عن مالك فشد به يدك)) .
وقال: ((إذا جاء الخبر فمالك النجم)). وقال: ((مالك بن أنس
معلمى - وفى رواية : أستاذى - وما أحد أمنّ على من مالك ، وعنه أخذنا
العلم وإنما أنا غلام من غلمان مالك)).
وقال: ((مالك وسفيان قرينان، ومالك النجم الثاقب الذى لا يلحق)).
وذكره الأوزاعى فقيل له: كيف رأيت مالكًا؟ قال: ((رأيت رجلاً.
عالمًا)).
وقال أبو يوسف : ((ما رأيت أعلم من ثلاثة ؛ مالك ، وابن أبی لیلی،
وأبى حنيفة )) .
وعن الليث: ((علم مالك تقى ، علم مالك نقى ، مالك أمان لمن أخذ
عنه من الأنام)) .
٢٣

وقال ابن المبارك: ((لو قيل لى: اختر للأمة إمامًا. اخترت لها مالكًا)).
وقال ابن مهدى: ((مالك أفقه من الحكم وحماد)). وقال: ((أئمة
الحديث الذين يقتدى بهم أربعة ؛ سفيان بالكوفة ، ومالك بالحجاز ،
والأوزاعى بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة )) .
وقال: ((ما بقى على وجه الأرض آمن على حديث رسول اللَّه وَّله من
مالك)) .
وقال يحيى بن سعيد القطان: (( مالك أمير المؤمنين فى الحديث)).
وقيل ليحيى بن معين: الليث أرفع عندك أو مالك؟ قال: ((مالك ، وهو
أعلى أصحاب الزهرى، وأوثقهم، وأثبت الناس فى كل شىء)).
وقال: (( مالك نجم الحديث ، المتوقف عن الضعفاء، الناقل عن أولاد
المهاجرين والأنصار )).
وقال النسائى: ((أمناء اللَّه على وحيه ؛ شعبة، ومالك، ویحیی بن
سعيد القطان ، ما أحد عندى بعد التابعين أفضل من مالك ، ولا أجل منه ولا
أوثق ، ولا أحد آمن على الحديث منه)) .
وقال أحمد بن حنبل : « مالك أحسن حديثًا عن الزهری من ابن عيينة ،
ومالك أثبت الناس فى الزهرى)» .
المؤثرات فى ثقافته رحمه اللَّه :
لقد كان ثمة مؤثرات وعوامل كونت شخصية الإمام وثقافته ، وأبرز
هذه المؤثرات :
أ- البيئة التى نشأ فيها .
٢٤

ب- مواهبه وصفاته .
جـ- شيوخه .
د- الحالة السياسية فى عصره .
أ- البيئة :
لقد كانت المدينة موطن العلم والفتيا، إذ بها ميراث النبى وَ لهر،
واجتماع الرعيل الأول من علماء الصحابة، ثم تلاميذهم من علماء
التابعين، وقد كانت وقت نشأة مالك مهد السنن وموطن الفتاوى
المأثورة ، فقد وجد تلك التركة المثرية من العلم والحديث والفتاوى أمام
عينيه ، ومذللة بين يديه ، فنمت مواهبه تحت ظلها وجنى من ثمراتها ،
وشدا بما تلقى من رجالها .
إضافة لذلك فقد نشأ وترعرع فى بيت اشتهر بعلم الأثر واستطلاع
الآثار وأخبار الصحابة وفتاويهم ، قد كان لهذه الأمور أثر بالغ فى أن تجعله
یسیر فی اتجاه لا عوج فیه فى طلب العلم والنبوغ فیه حتى صار إمامًا فقيهًا
ومحدثًا عالمًا .
ب- مواهبه وصفاته :
وما كان للإمام أن يحصل هذا العلم وينبغ فيه إلا بما حباه اللَّه من
صفات ومواهب أهلته لذلك .
- أول هذه الصفات وأهمها : الحفظ ، حتى إنه ليسمع نيفًا وأربعين
حديثًا مرة واحدة ، ثم يردها على الشيخ فلا ينسى منها إلا النيف ، ويسمع
٢٥

فی جلسة واحدة ثلاثین حدیثًا ، لا یقیدها فی کتاب ، فلا یغیب عنه إلا
حديث واحد، حتى لقد قال له الزهرى: ((أنت من أوعية العلم)). ولا شك
أن الحافظة القوية جعلت من مالك وعاء علم، وهى ألزم المواهب
للمحدث .
- أما الصفة الثانية فهى الصبر والجلد، والمثابرة ، ومغالبة المعوقات
فى الوصول إلى الغاية ، وعدم تأثره بالصوارف ، كالهجير، وشدة البرد ،
وما يصدر عن بعض شيوخه من حدة ولاذع قول ومرارة لوم .
- والصفة الثالثة هى الإخلاص فى طلب العلم، وقد كان يدفعه إلى
ذلك أن العلم الذى يطلبه قربة يتقرب بها إلى الله .
كذلك أنه کان یعتقد أن نور العلم لا يؤنس إلا ممن امتلأ قلبه بالتقوى
والإخلاص، وكان يقول: ((العلم نور لا يأنس إلا بقلب خاشع تقى)).
ويقول لتلميذه ابن وهب يوصيه: ((إن كنت تريد بما طلبت ما عند الله
فقد أصبت ما تنتفع به، وإن كنت تريد بما تعلمت الدنيا فليس فى يدك
شیء )) .
وكان لحرصه على الكتاب والسنة يتحرز أن يقول : هذا حلال ، وهذا
حرام . من غير نص منهما ، وكان يقول : ما شىء أشد علىّ من أن أسأل عن
مسألة من الحلال والحرام ، فإن هذا هو القطع فى حكم الله .
ولتورعه فى شأن الفتوى فى دين اللَّه كان يقول: لا أحسن، ولا
أدرى. ولقد دفعه إخلاصه إلى أن يبتعد كل الابتعاد عن الجدل ، وكان
يرى أن شيوع الجدل بين المسلمين يفسد عليهم أمور دينهم؛ ولذلك كان
٢٦

يقول: (( كلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل!)).
وكذلك دفعه إخلاصه إلى عدم الإكثار من التحديث ، فكان لا يحدث
بكل ما يعلم، وكان يبتعد أيضًا عن الإكثار من الإفتاء.
- أما الصفة الرابعة فهى قوة الفراسة والنفاذ إلى بواطن الأمور وإلى
نفوس الأشخاص . ولقد كان الشافعی صاحب فراسة ، فقيل له : من أين
أخذتها؟ قال: ((أخذتها من مالك)). يعنى أنه نماها فيه . ولقد قال أحد
تلاميذ مالك: ((كان فى مالك فراسة لا تخطئ)» . ومما یذ کر فی ذلك قوله
للشافعی : « یا محمد ، اتق الله ، واجتنب المعاصى ، فإنه سيكون لك شأن
من الشأن )) .
- من كل ما سبق تحققت لمالك المهابة فى نفس كل من يعرفه
ويلقاه، حتى مع الخلفاء والأمراء، حتى بلغ منها حدًّا تنفَسه عليه الملوك
والخلفاء .
ج - شيوخه:
لقد كان لشیوخ مالك أثر کبیر فی تحصیل علمه وثقافته ، بل وتکوین
شخصیته، و کان قد طلب العلم وهو حدثٌ بُعید موت القاسم ، وسالم،
فأخذ عن نافع، وسعيد المقبرى، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وابن
المنكدر، وعبد الله بن دينار، وخلق كثير، وتقدم ذكر أساتذته الأول
الذين اتصل بهم وأفاد منهم إفادة جمة ؛ كابن هرمز، وربيعة ، وابن شهاب
الزهرى . وإلى جانب كل واحد منهم من روى عنه فى ((الموطأ))، وهم
خلق كثير .
٢٧

وقد أخذ العلم عن نحو مائة من هؤلاء العِلْية ، يتلقف من هنا ومن هنا ،
بشرط الأمانة والورع والتقى فيمن يأخذ عنه من العلماء.
يقول مالك: (( سمعت ابن شهاب يقول : جمعنا هذا العلم من رجال
فى الروضة وهم: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وعروة، والقاسم،
وسالم، وخارجة، وسليمان، ونافع)). يقول مالك: (( ثم نقل عنهم ابن
هرمز، وأبو الزناد، وربيعة، والأنصارى، وبحر العلم ابن شهاب)). وكل
(١)
هؤلاء يقرأ عليهم (١) .
هؤلاء الأخیرون هم أخص مشايخ مالك ، فإنه خصهم بالذ کر لمزید
اتصاله بهم وملازمته لهم حتى تخرج عليهم .
وقد تقدم القول عن تعلمه علی ربیعة الرأى وملازمته لابن هرمز نحو
سبع سنين ، وأنه كان يتبع نافعًا مولى ابن عمر فى غدواته وروحاته ، وأنه
تتلمذ لابن شهاب ، فمن هؤلاء من غلب عليه علم الحديث والأثر کنافع،
وأبى الزناد ، وابن شهاب الزهرى ، ومنهم من غلب عليه الفقه كربيعة الرأى
ویحیی بن سعید ، وقد تأثر مالك کثیرًا بابن هرمز حیث أخذ منه قدرًا من
الثقافات العامة ، حتى إنه تعلم منه الرد على أهل الأهواء والبدع. وهكذا
كان لكل شيخ من شيوخ مالك تأثيره المباشر أو غير المباشر فى شخصية
مالك محدثًا وفقيهًا وعالمًا يرد على أهل الأهواء والفرق والمتكلمين .
(١) ترتيب المدارك ١/ ١٥٩ . وقد ترجم ابن عبد البر لشيوخ مالك تراجم وافية ، سيجدها
القارئ فى مواضعها من النص المحقق ، وسنضمن الفهارس فهرسًا خاصًا بشيوخ الإمام
مالك
٢٨

1
د - الحالة السياسية فى عصره:
أدرك مالك الدولة الأموية فى عهد الوليد ، الذى استقر فيه الملك
الأموى بعد النزاع الطويل . واستمرت به الحياة حتى توفى فى عهد الرشيد
العباسى .
رأى مالك نعمة الاستقرار وثمراته ، ووصل إلى علمه ما كان من فتن بين
معاوية وعلی ، وما كان من فتن فى عهد يزيد استبيحت فيها الحرمات فى
المدينة ، وعلم أمر الفتن بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان ،
وكيف سرى الفساد بسببها بين جماعة المسلمين. وعلم مالك وعاين
خروج الخوارج، وإزعاجهم لأمن الناس ، وتخطّفهم المسلمين فى أطراف
البوادى ، ورآهم بقيادة أبى حمزة يساورون المدينة ، ويقتلون من أهلها ثم
يدخلونها ، فلا يقيمون حقًّا ، ولا يخفضون باطلًا .
هذا ما رآه مالك من فساد جرّه الخروج على الولاة، وجرّته
الفتن ،لذلك کان مبغضًا لکل خروج ، ولکل داعیة إلیه ، بل کان یری فی
الخروج فوضى تُفسد ولا تصلح، وتزعج الآمنين ولا ترد ظلمًا، ولذلك
نجد مالكا يرضى بالاستقرار، ويرى أن صلاح حال الأمة يؤدى إلى صلاح
حكامها .
ثم جاء الحكم العباسی ، وقد سبقته اضطرابات شديدة فى أکثر البقاع
الإسلامية ، وحروب شديدة اشتجرت فيها السيوف الإسلامية ، وغُزيت
المدينة وقتل أبناء المهاجرين والأنصار على أيدى الخوارج ، فكان مالك
غير راض عن ذلك إلى أن استقرت الأمور بعد أن قضى أبو جعفر على
خارجة العلويين. فوجد فى بنى العباس سامعين لنصحه، مسترشدين
٢٩

بوعظه ، فشجعه ذلك على الاتصال بهم وقبول هداياهم .
وكان مالك لهذا لا يضن بالنصائح، ويدل بها. قال مالك: ((حق
على كل مسلم، أو رجل جعل اللَّه فى صدره شيئًا من العلم والفقه ، أن
يدخل إلی ذی سلطان يأمره بالخير وینهاه عن الشر، ویعظه حتى يتبين
دخول العالم على غيره؛ لأن العالم إنما يدخل على السلطان لذلك))(١).
وقيل لمالك: (( تدخل على السلاطين وهم يظلمون ويجورون ؟!
فقال: يرحمك الله، وأين التكلم بالحق!))(١).
وقال الآخر: ((لولا أنى آتيهم ما رأيتَ للنبى وَله فى هذه المدينة سنة
معمولا بها ))(٢).
وكان مالك يرد عطايا الأمراء والخلفاء إذا أحسَّ وراءها شيئًا، كما فعل
مع المهدی . و کان جريئًا فى الحق شديدًا فى تنفيذ أحكام الله لا يخشى
فى ذلك حاكمًا أو محكومًا .
وهكذا كان لكل ما عاينه مالك من أحداث مرت بالأمة الإسلامية فى
عصره أثر فى تكوين آرائه الفقهية ، فيما يتعلق بأمر الولاة وسياساتهم ، بما لا
يؤثر فى مصالح الأمة الإسلامية ويفت فى عضدها ، وبما لا يهدم معلومًا من
الدین .
(١) ترتيب المدارك ٩٥/٢ .
(٢) ترتيب المدارك ٩٦/٢.
٣٠

محنته رحمه الله :
مع بُعد مالك عن الفتن والخوض فيها ، نزلت به محنة فى عهد أبى
جعفر المنصور، وقد ضرب فى هذه المحنة بالسياط ، ومدت يده حتى
انخلعت كتفاه. واختلفوا فى أسبابها على أقوال، ولكن المشهور
المستفيض هو أنه کان یحدث بحديث: ((ليس على مستكره طلاق )).
وأن مروجى الفتن اتخذوا من هذا الحديث حجة لبطلان بيعة أبى جعفر
المنصور، وأن هذا ذاع وانتشر فى وقت خروج محمد بن عبد الله بن
حسن النفس الزكية بالمدينة، وأن المنصور نهاه عن أن يحدِّث بهذا
الحدیث ، ثم دس إلیه من يسأله عنه فحدَّث به على رءوس الناس ، فضربه ،
والسبب فى ضربه على تحديثه بهذا الحديث ليس مجرد التحديث ، وإنما
التحديث به وقت الفتن، واستخدام الثائرين لذلك الحديث لتحريض
الناس على الخروج .
وقیل : إن الذى أنزل به ذلك هو جعفر بن سليمان والى المدينة ، ربما
من غير علم أبى جعفر وربما بعلمه ورضاه. يروى عن مالك أنه قال: ((لما
دخلت على أبى جعفر، وقد عهد إلىّ أن آتيه فى الموسم ، قال لى : والله
الذى لا إله إلا هو ما أمرت بالذى كان، ولا علمته، إنه لا يزال أهل الحرمين
بخير ما كنتَ بين أظهرهم ، وإنى إخالك أمانًا لهم من عذاب الله ، ولقدرفع
الله بك عنهم سطوة عظيمة ، فإنهم أسرع الناس إلى الفتن ، وقد أمرت بعدوِّ
اللَّه أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب ، وأمرت بضيق محبسه
والاستبلاغ فى امتهانه ، ولابد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه .
فقلت : عافی الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه، قد عفوت عنه لقرابته من
٣١

رسول اللَّهُ وَّله وقرابته منك. قال: فعفا اللَّه عنك ووصلك))(١).
وقيل : إن مالكا لم يكن فى آخر حياته يخرج إلى المسجد بسبب ما ناله
من العذاب فى هذه المحنة ، حیث انخلعت كتفاه، فكان يخرج منهما ريح
يؤذی الناس .
وقد ذ کر أنه إنما اعتزل المسجد بسبب مرض أصابه وهو سلس البول ،
وأنه کان ینزه المسجد ومجالس العلم فیه عن أن يحضرها وقد أصابه ذلك
المرض، وكان يقول: ((ما كل أحد يستطيع أن يتكلم بعذره)) (١).
(١) ترتيب المدارك ١٣١/٢، ١٣٢.
(٢) ترتيب المدارك ٥٥/٢ .
٣٢

وفاته :
اتفق أهل السير على أن وفاته كانت بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة ،
عن بضع وثمانين سنة . وقيل : عن تسعین ، ودفن بالبقیع ، إلى جوار قبر
إبراهيم ولد النبى ◌َّله، وقبره مشهور. وقد غسله ابن كنانة وابن أبى
الزبير ، وابنه يحيى وكاتبه حبيب يصبان الماء، ونزله فى قبره جماعة ،
وأوصى أن يكفن فى ثياب بيض ، ويصلى عليه فى موضع الجنائز ، فصلى
علیه عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن
عباس، وكان خليفة لأبيه على المدينة ، ومشى فى جنازته، وحمل نعشه .
قال بكر بن سليمان الصواف : دخلنا على مالك بن أنس فى العشية التى
قبض فيها ، فقلنا : يا أبا عبد الله، كيف تجدك ؟ فقال : ما أدرى كيف
أقول ، ألا إنكم ستعاينون غدًا من عفو الله ما لم يكن فى حساب. ثم ما برحنا
حتى أغمضناه. وقيل: إنه تشهد ثم قال: للَّه الأمر من قبل ومن بعد (١).
ورأى عمر بن يحيى بن سعيد الأنصارى فى الليلة التى مات فيها مالك
قائلًا يقول :
غداة ثوی الهادی لدی ملحد القبر
لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه
عليه سلام اللَّه فى آخر الدهر
إمام الهدى ما زال للعلم صائنًا.
قال: وانتبهت وكتبت البيتين فى السراج، وإذا الصارخة على مالك
رحمه الله(٢) . فرحم اللَّه مالكًا، وجعل ما قدم للإسلام وللعلم فى ميزان
حسناته ، ورفعه بذلك إلى أعلى الدرجات .
(١) ترتيب المدارك ١٤٦/٢.
(٢) المرجع السابق ١٤٧/٢.
٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٣/١)

تلاميذه :
تلاميذ مالك لا یحصون کثرة ، وقد أفرد الخطیب البغدادی کتابًا فى
رواة مالك، وقال الذهبى: (( وقد كنت أفردت أسماء الرواة عنه فى جزء
كبير يقارب عددهم ألفًا وأربعمائة))، وسنذكر هنا أشهر تلاميذ الإمام مالك
ممن لم يرو عنه الموطأ، وسنفرد لمن روى عنه الموطأُ مبحثًا مستقلًا فى
هذه الترجمة(١):
١ - آدم بن أبى إياس ، أبو الحسن الخراسانى(١).
٢- بقية بن الوليد بن صائد ، أبو یحمد الحمیری(٢)
٣- خالد بن خداش بن عجلان ، أبو الهيثم المهلبی".
٤ - زياد بن عبد الرحمن ، أبو عبد اللَّه اللخمى الأندلسى المعروف
.(٥)
بزياد شبطون(٥).
٥ - سعيد بن منصور بن شعبة ، أبو عثمان الخراسانى.
٦ - سليمان بن داود بن الجارود ، أبو داود الطيالسى".
(١) ينظر ص٤٦ - ٦٦ .
(٢) تاريخ بغداد ٢٧/٧، وسير أعلام النبلاء ٣٣٥/١٠.
(٣) الجرح والتعديل ٤٣٤/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٥٥/٨ .
(٤) الجرح والتعديل ٣٢٧/٣ ، وسير أعلام النبلاء ٤٨٨/١٠.
(٥) تاريخ علماء الأندلس ص١٥٤ ، وجذوة المقتبس ص٢١٨ .
(٦) سير أعلام النبلاء ٥٨٦/١٠، وطبقات الحفاظ ص١٧٩ .
(٧) سير أعلام النبلاء ٤٨/٨، والجرح والتعديل ١١١/٤.
٣٤

٧- صالح بن عبد الله بن ذكوان ، أبو عبد اللَّه الترمذى(١).
٨- عبد الأعلى بن حماد بن نصر ، أبو يحيى النرسى" .
٩- عبد الله بن عثمان بن جبلة، عبدان المروزى، أبو عبد الرحمن (١).
١٠- عبد الله بن نافع بن ثابت الزبيرى().
١١- عبد الملك بن عمرو القيسى ، أبو عامر العقدى".
١٢- وكيع بن الجراح بن مليح ، أبو سفيان الرؤاسى" .
ولسعة علمه فقد حدث عنه من شيوخه جماعة منهم :
١- زیاد بن سعد(٧).
٢- زيد بن أبى أنيسة، أبو أسامة الجزرى الرهاوى الغنوى ".
٣- محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدى القرشى ، المعروف بيتيم
(٩)
عروة (٦) .
٤- محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهرى ، أبو
(١) العقد الثمين ٢٩/٥، وسير أعلام النبلاء ٥٣٨/١١.
(٢) التاريخ الكبير ٧٤/٦، وسير أعلام النبلاء ٢٨/١١ .
(٣) تهذيب الكمال ٢٧٧/١٥، سير أعلام النبلاء ٧٢٠/١٠.
(٤) الانتقاء ص٥٧، سير أعلام النبلاء ٣٧٤/١٠.
(٥) التاريخ الكبير ٤٢٥/٥، طبقات القراء ٤٦٩/١.
(٦) تاريخ بغداد ٤٦٦/١٣، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٧) تهذيب الكمال ٤٧٤/٩ .
(٨) طبقات ابن سعد ٤٨١/٧، وترتيب المدارك ١٧٢/٢ .
(٩) الانتقاء ص ١٢، سير أعلام النبلاء ١٥٠/٦.
٣٥

بكر المدنى(١) .
٥- نافع بن مالك بن أبى عامر ، أبو سهيل الأصبحى المدنى ، عمه (١١.
٦- النعمان بن ثابت الكوفى ، الإمام أبو حنيفة (٢) .
٧- يحيى بن أبي كثير ، أبو نصر الطائى (٤).
٨- يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو، أبو سعيد الأنصارى الخزرجی
المدنی(٥) .
٩- يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد، أبو عبد اللَّه الليثى(١)
وحدث عنه من أقرانه :
١ - إبراهيم بن محمد بن الحارث ، أبو إسحاق الفزارى(٧).
٢- إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، أبو بشر الأسدى البصرى(4).
(١) الانتقاء فى فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص١٣ وقال ابن عبد البر: قيل : إنه روى عنه
ابن شهاب ولا يصح ، وإنما روى ابن شهاب عن عمه أبى سهيل نافع بن مالك حديثًا
واحدًا، وانظر السير ٤٧/٨، وما رواه الأكابر عن مالك بن أنس للدورى ص٣٤ ،
وترتيب المدارك ١٧١/٢ .
(٢) الانتقاء فى فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص ١٤، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨
(٣) الانتقاء ص١٢، وترتيب المدارك ١٧٤/٢.
(٤) تهذيب الكمال ٥٠٤/٣١ ، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٥) ما رواه الأكابر عن مالك بن أنس ص٣٨ ، والانتقاء ص١٢.
(٦) تهذيب الكمال ١٦٩/٣٢، وسير أعلام النبلاء ١٧٢/٢.
(٧) ترتيب المدارك ١٧٣/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٨) ترتيب المدارك ١٧٦/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
٣٦

٣- إسماعيل بن جعفر بن أبى كثير، أبو إسحاق الأنصارى(١).
٤- حماد بن سلمة بن دينار ، أبو سلمة البصرى(١) .
٥- خلف بن هشام بن ثعلب ، أبو محمد البغدادى البزار
(٣)
المقرئ(٢).
٦ - سفيان بن سعيد بن مسروق الثوری(*) .
٧- سفيان بن عيينة بن أبى عمران ، أبو محمد الهلالى (9).
٨- شعبة بن الحجاج بن الورد، أبو بسطام الأزدى العتكى (١).
٩- عبد الرحمن بن أبى الزناد ، أبو محمد المدنى(٧).
١٠- عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، أبو عمرو الأوزاعى(٩).
١١ - عبد العزيز بن محمد بن عبيد، أبو محمد الدراوردى(٨).
١٢ - عبد الله بن نافع الصائغ".
(١) ترتيب المدارك ١٧٥/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٢) تريب المدارك ١٧٤/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٣) تاريخ بغداد ٣٢٢/٨، وسير أعلام النبلاء ٥٧٦/١٠ .
(٤) الانتقاء ص ١٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٥) الانتقاء ص١٢، وترتيب المدارك ١٧٤/٢.
(٦) ترتيب المدارك ١٧٣/٢، والانتقاء ص١٣.
(٧) ترتيب المدارك ١٧٦/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٨) ترتيب المدارك ١٧٧/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٩) الانتقاء ص٥٦، وسير أعلام النبلاء ٣٧١/١٠.
٣٧

١٣- عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، أبو خالد وأبو الوليد القرشى
(١)
الأموى(١) .
١٤ - عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد اللَّه، أبو أمية الأنصارى(٢).
١٥- الليث بن سعد بن عبد الرحمن ، أبو الحارث الفهمى (١) .
١٦- معمر بن راشد، أبو عروة بن أبى عمرو الأزدى(٤).
١٧- يزيد بن صالح النيسابورى، أبو خالد الفراء(٥).
(١) ترتيب المدارك ١٨٣/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٢) ترتيب المدارك ١٧٢/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٣) الانتقاء ص١٣، وترتيب المدارك ١٧٣/٢.
(٤) ترتيب المدارك ١٧٥/٢، وسير أعلام النبلاء ٤٧/٨.
(٥) ميزان الاعتدال ٤٢٩/٤، والعبر ٤٠٥/١.
٣٨

مصنفاته :
قال القاضى عياض: ((اعلموا وفقكم اللَّه أن لمالك رحمه الله
أوضاعًا شريفة مروية عنه، أكثرها بأسانيد صحيحة، فى غير فن من
العلم ، لكنه لم يشتهر عنه منها ، ولا واظب على إسماعه وروايته ، غير
((الموطأ))، مع حذفه منه وتلخيصه له شيئًا بعد شىء، وسائر تواليفه
إنما رواها عنه من كتب بها إليه، أو سأله إياها ، أو آحاد من أصحابه ،
ولم تروها الكافة .
- فمن أشهرها رسالته إلى ابن وهب فى القدر والرد على القدرية ، وهو
من خيار الكتب فى هذا الباب ، الدال على سعة علمه بهذا الشأن ، رحمه
(١)
لله(١).
- ومنها كتابه فى النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر(١) ، وهو
کتاب جيد مفيد جدًّا قد اعتمد عليه الناس فى هذا الباب وجعلوه أصلًا،
وعليه اعتمد أبو محمد عبد الله بن مسرور القروى فى تأليفه فى هذا الباب
وصدّر بفصوله، وقد أدخل جميعه صاحبا كتاب ((الاستيعاب لأقوال
مالك)): أبو عبد الله المعيطى وأبو عمر بن المكوى، فى جامع كتابهما
الكبير .
- ورسالة فى الأقضية(١)، مجلد، رواية محمد بن يوسف بن
مطروح، عن عبد الله بن عبد الجليل مؤدب مالك بن أنس .
٠٠
(١) ترتيب المدارك ٩٠/٢، وسير أعلام النبلاء ٧٩/٨.
(٢) ترتيب المدراك ٩١/٢، وسير أعلام النبلاء ٩١/٢.
(٣) ترتيب المدارك ٩٤/٢، وسير أعلام النبلاء ٧٩/٨.
٣٩

- ورسالته إلى أبى غسان محمد بن مطرف فى الفتوى (١)، وهى
مشهورة ، يرويها خالد بن نزار ، ومحمد بن مطرف ، وهو ثقة من كبار أهل
المدينة .
- ومنها رسالته إلى هارون الرشيد المشهورة فى الآداب والمواعظ(٢).
قال الذهبى: ((إسنادها منقطع، قد أنكرها إسماعيل القاضى وغيره،
وفيها أحاديث لا تعرف، قلت : هذه الرسالة موضوعة . وقال القاضى
الأبهرى: فيها أحاديث لو سمع مالك من يحدث بها لأدبه ))(١). وقد
أنکرها أصبغ بن الفرج أيضًا ، وحلف ما هی من وضع مالك .
..
- ومن ذلك كتابه فى التفسير لغريب القرآن الذی یرویه عنه خالد بن
عبد الرحمن المخزومى(4) .
- وقد نسب إلى مالك أيضًا كتاب يسمى ((كتاب السر))، من رواية
ابن القاسم عنه (٢) .
(١) ترتيب المدارك ت٩٢/٢، وسير أعلام النبلاء ٨٠/٨.
(٢) ترتيب المدارك ٩٢/٢، وسير أعلام النبلاء ٨٠/٨.
وقد طبعت عدة مرات فى القاهرة : مطبعة بولاق بتصحيح محمد الحسينى ، ١٣١١ هـ/
١٨٩٣م، ثم طبعة ثانية فى بولاق أيضًا ١٣١٩هـ / ١٩٠١م، ثم فى المطبعة المحمودية
١٣١٥هـ / ١٨٩٧م، ثم فى المطبعة اليمنية ١٣٢٥ هـ / ١٩٠٧م، ثم فى دار الشعب
بتقديم وشرح عبد الله أحمد أبو زينة، القاهرة ، ١٩٧٠. ثم فى شركة مكتبة ومطبعة
البابى الحلبى بدون تاريخ .
(٣) ترتيب المدارك ٩٠/٢، وسير أعلام النبلاء ٧٩/٨، ٨٠ .
(٤) ترتيب المدارك ٩٣/٢، وسير أعلام النبلاء ٨٠/٨ .
(٥) ترتيب المدارك ٩٤/٢، وسير أعلام النبلاء ٨٠/٨.
٤٠