Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
الوجل والتوثق بالعمل.
رجوت أن أتمول فهو خير من عمل القدوم، فلما عرض ذلك من رأيه على أبيه قال:
يا بني لا تفعل، فإن رجلاً من المنجمين أخبرني أيام ولدت أنك تموت غرقاً. قال:
فما أخبرك أني أصيب مالاً؟ قال: بلى، ولذلك نهيتك عن التجارة والتمست لك
عملا تعيش فيه يوما بيوم. قال: أما إذا كان في قوله أني أصيب مالاً فوالله ما جل
إصابة المال إلا في التجارة في البحر. قال: يا بني، لا تفعل فإني أخاف عليك الهلاك.
قال: أليس يكون لي مال، إن عشت عشت بخير، وإن مت تركت أولادي بخير؟
قال: يا بني لا يكونن ولدك آثر عندك من نفسك. قال: لا والله، ما أنا بنازع عن
رأيي.
فعمل سفينة وأجاد عملها، ثم حملها من صنوف التجارات ثم ركب فيها،
فغاب عن أهله سنة، ثم قدم عند تمام الحول بقيمة مائة قنطار ذهب، فحمد الله
والده وأثنى عليه، وكره له ما أصاب من المال، فقال له: يا بني إني كنت نذرت لله
عز وجل إن ردك الله سالماً أن أحرق سفينتك. قال: يا أبه، لقد أردت هلاكي
وخراب بيتي. قال: يا بني إنما أردت بذلك حياتك وقوام بيتك، وأنا أعلم بالأمور
منك، وأراك قد وسع الله عليك، فأقبل على العمل برضوان الله تعالى والشكر له،
فإنك قد أصبت غنى الدهر، وأمنت بإذن الله من الفقر، وإنما أردت بما جعلت علي
السلامة لبدنك، فلا تفجعني يا بني بنفسك. قال: أليس الحق أحب إليك من
الباطل؟ قال: بلى. قال: فما أريد أن أقيم إلا أياماً حتى أرجع فأجول جولة أصيب
فيها أضعاف ما قد تری.
٤٨٢
موسوعة ابن أبي الدنيا
فخرج فغاب سنة وبعض أخرى ثم قدم بأضعاف ما قدم به أول مرة من
الأموال، ثم قال لأبيه: كيف ترى؟ لو أني أطعتك لم أصب من هذا المال شيئاً. قال
أبوه: يا بني أراك تعمل لغيرك، ولوددت أن هذا صرف عنك في سلامة بدنك،
وسيجرعك ما ترى غصة، فتتمنى لو كان بينك وبين هذه اللذة جبال المشرق. قال:
يا أبه إنما دعاك إلى هذا قول المنجم، وأنا أرجو أن يكون قد أصاب في الغنى وأخطأ
في الغرق.
ثم أمر بصنعة سفينة أخرى فلم يقم إلا أربعين ليلة حتى أجمع أن يركب البحر
فقال له أبوه: أما إنه ليس يمنعني من الإلحاح عليك في هذه المرة إلا ما قد يكون
من معصيتك في المرة الأولى، فقد رأيت أشياء صدقت عندي قول المنجم،
وانسكبت عيناه بالدموع، فرق لذلك ابنه وقال: يا أبه جعلني الله فداك، اصبر لي
مرتك هذه، فوالله لئن ردني الله سالماً لا ركبت بحراً ما عشت. قال الشيخ: يا بني
اليوم والله أيقنت بفقدك، والله لا ترجع من هذا الوجه حتى ترجع الشمس من
مغربها، ثم تلهف عليه وبكى إليه وناشده الله، فلم يسمع مقالة أبيه، ولم يمنعه أن
خرج في سفينتين قد شحنهما تجارة، فلما توسط البحر أصابه موج شديد، فأصابت
إحدى سفينتيه الأخرى فانصدعتا فغرقتا، فذكر التاجر وهو يسبح مقالة المنجم،
وتلهف على عصيانه والده، وهلك هو وجميع أصحابه بعد سباحة يوم، فنبذهم
البحر إلى الساحل من منزل أبيه على مسيرة يومين، فلم تمر بهم أيام حتى وصل إلى
الشيخ الخبر، فصبر واحتسب، ونحل وكمد حتى هلك أيضا، وقسم الميراث على
امرأة التاجر وابنه وابنته، فتزوج ابنه، وتزوجت امرأته وابنته، فصار ما جمع إلى
زوج امرأته، وزوج ابنته، وامرأة ابنه، وكل ما يجمع الأشقياء إلى ذلك يصير.
٤٨٣
الوجل والتوثق بالعمل.
ولقد عجبت للمدخر عن نفسه والمؤثر لغيره، فويحك قابل همومك بخفة المال،
وتبلغ بالكفاف تبلغ المنزل، وادخر الفضل لنفسك، ولا تؤثر غيرك فتلق ما لقي
صاحب الحوت. قالوا: وما الذي لقي صاحب الحوت؟ قال أنطونس: زعموا أن
صياد سمك أصاب في صيده حوتاً عظيماً سميناً، فقال: ليس مثل هذا يباع، وما
أحد أحق بأكله مني فانقلب به إلى منزله، ثم بدا له أن يهديه إلى جار له من الحكماء،
فلما أتاه به دعا للصياد بعوض منه، فأبى الصياد أن يقبله، فقال له الحكيم: فما دعاك
إلى هذا، لعل لك حاجة تحب قضاءها؟ فقال: لا، ولكن أحببت أن أوثرك به. قال:
قد قبلته، ثم أمر خادماً له فقال: اذهب بهذا الحوت إلى جارنا هذا المقعد المسكين،
فلما رأى ذلك الصياد ضرب جبهته، وقال: يا ويله مما حرم نفسه من أكل هذا
الحوت، ثم صار إلى أعدى الناس له. قال له الحكيم: إن هذه الأثرة التي آثرت بها
المقعد إنما هي ذخيرة لي وضعتها عنده ليوم فاقتي. قال: ومتى ذاك اليوم؟ قال: يوم
يحتاج الناس إلى ذخائرهم في الآخرة، فتعجب الصياد لذلك وندم.
ولقد عجبت لهذا الشغل الذي غر أهل العقل والجهل حتى هلكوا جميعاً
بالرجاء والطمع، كما هلك اليهودي والنصراني. قالوا: أخبرنا كيف كان ذلك؟ قال
أنطونس: اصطحب رجلان يهودي ونصراني إلى أرض يبتاعان الجوهر، فسارا في
عمران من الأرض واتصال من المياه حتى انتهيا إلى بئر، ومن وراء تلك البئر مفازة
مسيرتها أربعة أيام، ومع كل واحد منهما قربة، فملأ اليهودي قربته، وأراد النصراني
أن يملأ قربته فقال له اليهودي: تكفينا قربتنا هذه ولا تثقل دوابنا، فقال له
النصراني: أنا أعلم بالطريق. فقال له اليهودي: تريد إلا أن تشرب الماء كلما
عطشت. قال: لا، فترك النصراني قربته فارغة وسار مع صاحبه وهو يعلم أنه
٤٨٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
سيحتاج إلى الماء، فلما توسطا المفازة أصابهما سموم شديدة أنفد ما كان في القربة،
فقعدا في الطريق يتلاومان ويقول النصراني لليهودي: ما أهلكنا إلا رأيك القبيح،
وما صنعت ذلك إلا لعداوة ما بيننا في أمر المسيح. قال اليهودي: أتراني كنت أريد
أن أقتلك وأقتل نفسي؟ قال النصراني: أبعدك الله كما لم ترحمني. قال اليهودي:
ويحك، إنما نهيتك عن حمل الماء لضعف حمارك، وكرهت لك المشي. قال النصراني:
لعمري للمشي كان أهون علي من الموت، وما فعلت هذا إلا لعداوتكم القديمة،
وإنما يحزنني أن نموت فندفن جميعا في قبر واحد فيمر بنا من القسيسين من يصلي
علینا.
قال اليهودي: ويحك، ولم يشق عليك أن ندفن جميعا ويصلي من يصلي علينا؟
قال النصراني: لأنك قتلت نفسك وصاحبك، فليس ينبغي أن يصلى عليك، فبينما
هي تخرج أنفسهما إذ مر بهما رجل ماش يسوق حماراً عليه قربتان من ماء، فلما رأياه
ابتدرا فقالا: احتسب علينا بشربة من ماء عافاك الله. قال: هذا طريق ليس فيه
حسبة. قالا له: أخبرنا ما دينك؟ قال: ديني دينكما. قالا: فإن أحدنا يهودي والآخر
نصراني. قال: اليهودي والنصراني والمسلم إذا لم يعمل بما في كتابه، واتكل على
الغرة في الرجاء والطمع لقي ما لقيتها، وولى عنهما ولم يسقهما. فقالا: هذا رجل
حازم. فقال: ما أقل ما يغني عنكما حزمي، وعمن فرط في الأخذ بالوثيقة، واتكل
على الرجاء والطمع، وقد ينبغي للعاقل أن يأخذ بالحزم في أمر آخرته كما يأخذ به في
أمر دنياه، ولا يتكل على الرجاء والطمع في المغفرة والرحمة بغير اتباع لما أمر به،
والترك لما نهي عنه.
٤٨٥
الوجل والتوثق بالعمل.
ولقد عجبت لأهل الأعمال السيئة واستتارهم من العباد بقبيح أعمالهم، ولا
يستترون ممن يلي عقوبتهم، ولا يراقبونه وهو الذي يثيب على الحسن ويجزي
بالسيء، كيف أمنوا أن يصيبهم ما أصاب صاحب الدير؟ قالوا: وما الذي أصاب
صاحب الدیر؟
قال أنطونس: زعموا أن رجلاً كان يبيع العسل والسمن والزيت، والخمر،
وكان يشتريه طيباً نقياً، ويبيعه غالياً مغشوشاً، وكان ذا لحية عظيمة جميلة، وكان
أكثر من يراه إنما يقول له: لو كنت أسقفاً، فما صلحت لحيتك إلا للأساقفة، فلما كثر
قولهم ذلك له وقعت في نفسه الرهبانية لرجاء منزلة يصيبها، فقال لا مرأته ذات
يوم: إن الناس قد أكثروا في لحيتي ولا يعلمون عملي، ولو أني ترهبت لرجوت أن
أصيب مالاً ومنزلة، فجزعت لذلك امرأته جزءاً شديداً، وقالت: لقد أردت أن
تؤيمني وتيتم أولادي. قال: ويحك، لم أرد ذلك لنية في العبادة، ولكن رجوت أن
تكون لي منزلة، وأنال فضيلة في أهل ملتي. قالت: أخاف أن تداخلك حلاوة
العبادة إذا صرت مع الرهبان، فتلج وتتركني، فحلف لها وأقبل على تعلم الإنجيل
والمزامير وأشياء من كتب الأنبياء، وحلق رأسه، ثم انطلق إلى دير عظيم فيه جماعة
من الرهبان فنزله، فلم يقم فيه إلا قليلاً حتى أعجب الرهبان ما رأوا من جماله
ونبل لحيته، فأجمعوا على رئاسته وولوه أمرهم، فلما بلغ همته وأمكنته الأمور من
أموال الدير وخزانته لاطف عظماء الناس وأشرافهم، فعظمت منزلته في أعينهم،
وصغرت منزلة الرهبان في عينه فأذلهم، ونقص أرزاقهم، وغير مراتبهم، وعمد إلى
أهل العبادة منهم فولاهم غلات الدير وخزانته، وتفرغ ينعم نفسه، والتذ بالنساء،
وشرب الخمر، وأكل الطيب، ولبس اللين، فلما رأى الرهبان ذلك غاظهم.
٤٨٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
وفيهم رجل سناط كان يحسده على نبل لحيته، فقال لأصحابه: إن هذا الفاسق
يذلكم ويستعين بكم على فسقه، فاتقوا الله في أنفسكم. قالوا: قد اعتزلنا الدنيا وما
فيها، وتفرغنا للعبادة فابتلينا من هذا الرجل بالشغل والهم والحزن. قال السناط:
هذا ما عمل بكم سوء رأيكم، وحسن نظركم في طول اللحى، ومن قلد أمره أهل
اللحى والرياء، وترك أهل العفاف والدين والورع فليصبر لما جنى على نفسه،
فأجمعوا رأيهم على أن يعظوه، فأتاه السناط في جماعة منهم، فقال له: إنك قد
أسرفت على نفسك، وقد ظهر لأصحابك ما تظن أنه قد خفي عليهم من أمرك وما
أنت عليه، فاحذر عقوبة الله تعالى، فإنه ربما عجلها في الدنيا للعبد قبل الآخرة،
فقال لهم الراهب: أليس إن الخطيئة قد أحاطت ببني آدم حتى نالت الأنبياء؟ فقد
أخطأ داود وسليمان بن داود ویحیی بن زکریا.
قال السناط: أراك عالماً بخطايا الأنبياء، جاهلاً بالتوبة التي كانت منهم، إنما
كانت خطيئة داود نظرة واحدة، فخر لله ساجداً أربعين ليلة، وإنما سها سليمان عن
صلاة واحدة فأخر وقتها للذة في الخيل، فتاب واستغفر وضرب أعناقها وعرقبها،
وإنما ترك يحيى صلاة واحدة من نوافل الليل، اتهم بذلك كثرة طعامه، فما ملأ بطنه
من الطعام حتى قبضه الله عز وجل، وكان ذلك كله فرقاً من الله عز وجل، وخوفاً
من عقابه، ورجاء لثوابه. قال صاحب الدير: أرجو التوبة. قال السناط: ربما عاجل
الموت صاحب الخطيئة عن التوبة.
٤٨٧
الوجل والتوثق بالعمل
فأقام صاحب الدير على خطيئته حتى أذن الله في هلاكه على يدي رجل من
اللصوص، كان له أصحاب متفرقون في القرى فبعث رأس اللصوص أصحابه
يبيتون القرية التي فيها امرأة الراهب صاحب الدير، فلما بيتوهم وجدوا الراهب
مع امرأته في لحاف، فأتوا به رأسهم، فقالوا: لو لم يكن راهباً لعذرناه، ولكنما نقيم
فيه حد الله فيمن حرم النساء ثم ركبهن، فسأل عن عقوبته أهل العلم فقيل عقوبته
أن يحرق بالنار، فألقي في تنور مسجور، وكفى الله الرهبان مؤنته، وعجله للنار في
الدنیا، لعبادته التي نواها للدنيا.
ولقد عجبت لأهل المصائب، كيف لا يستعينون على مصائبهم بالصبر،
ويذكرون ما يؤملون من الثواب، فإنه سيأتي على صاحب المصيبة يوم يتمنى فيه ما
تمنى الأعمى في مصيبته. قالوا: وما تمنى الأعمى في مصيبته؟ قال أنطونس: زعموا
أن تاجراً دفن مائة دينار في موضع فبصر بها جار له فأخرجها، فلما فقدها التاجر
جزع جزعاً شديداً، ثم طال به العمر حتى عمي واحتاج حاجة شديدة، فلما
حضرت جاره الوفاة تخوف الحساب، فأوصى أن ترد المائة دينار إلى الأعمى، فردت
عليه، وأخبروه بالقصة، فسر الأعمى سروراً لم يسر بمثله قط، وقال: الحمد لله
الذي ردها علي أحوج ما كنت إليها، فيا ليت كل مال كان لي يومئذ قبض عني ثم
رد علي اليوم، فينبغي لمن عرف أن له عملاً صالحاً أن يوقن أنه سيلقاه يوم يحتاج
إليه.
٤٨٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
ولقد عجبت لنفاذ عقولهم، كيف لا يعملون بما يعلمون، كأنهم يريدون أن
يهلكوا كما هلك صاحب المسيل. قالوا: وكيف كان ذلك؟ قال أنطونس: زعموا أن
رجلا نزل بطن مسيل، فقيل له: تحول عن هذا المنزل فإنه منزل خطر. فقال: قد
عملت، ولكن يعجبني نزهته ومرافقه. فقيل له: إنما تطلب الرفق لصلاح نفسك،
فلا تخاطر بها. قال: ما أريد التحول عن منزلي، فغشيه السيل وهو نائم فذهب به،
فقال الناس: أبعده الله، وهم على مثل حاله كأنهم يعملون على قول صاحب الدهر
الذين قالوا: ننشأ ونبيد، والهالك منا لا يعود.
قال أنطونس: فلو أخذنا بالحزم كنا كأصحاب أفرولية. قيل: وكيف كان
ذلك؟ قال: بعث ملك أسقولة بعثا إلى أفرولية، وكان المسير إليها في البحر ستين
ليلة، لا يجدون من الزاد والماء إلا ما حملوه معهم، وكان مع صاحب أسقولية
كاهنان، فقال أحدهما: أما إن هذا الجيش سيقيمون على أفرولية سبعة أيام يرمونها
بالمجانيق، وتفتح في اليوم الثامن. قال الآخر: لا بل يقيمون سبعة وينصر-فون في
اليوم الثامن.
فلما سمع أصحاب البعث قولهما قالوا: ما ندري للبدأة نحمل الزاد أم للبدأة
والرجعة؟ قال فوج منهم: نقبل قول الكاهن الذي قال نفتحها في اليوم الثامن، ولا
نعني أنفسنا بحمل ثقيل الزاد، وقال الفوج الآخر: إنما هي أنفسنا لا نخاطر بها،
فحملوا الزاد للبدأة والرجعة، ثم ساروا حتى انتهوا إلى أفرولية، وقد أخذوا
بالحزم، وتحرزوا دونهم بحصن دون حصن، فأقاموا عليها سبعة أيام بالمجانيق
ففتحوا حائطها الظاهر فناهضوهم، فلما دخلوا الثغرة إذا لها قصبة أخرى حصينة،
٤
٤٨٩
الوجل والتوثق بالعمل.
فلم ينتفعوا بدخول الحائط الأول، وجاءهم بريد في اليوم الثامن أن ملكهم قد
مات فانصرفوا راجعين، فهلك ممن فرط في حمل الزاد سبعون ألفاً فصاروا مثلاً،
وكذلك يهلك من فرط في عمل الآخرة، وينجو من تزود لها وتحرز من بوائقها، كما
تحرز أهل أفرولية، وكما نجا من تزود من أهل أسقولية للرجعة.
قال النفر الستة لأنطونس: ما أحسن قولك، وأبلغ موعظتك. قال: أما إن
حلاوة عظتي لا تجاوز آذانكم، ألم تعلموا أن فيما جاء به موسى في الناموس، وفيما
جاء به داود من الزبور، والمسيح من الإنجيل، وفي كتب جميع الأنبياء: إنما تجزون
بما كنتم تعملون، والثواب لمن عمل يعطى بقدر عمله، والأجير ينبغي له أن يعرف
ما يصير إليه عند رب أجره، فانظروا في أعمالكم، واقضوا على أنفسكم يتبين لكم
ما لكم وما علیکم، وانصرفوا عني راشدين.
فانصرفوا عنه، فاقترعوا بينهم وملكوا أحدهم ورضوا به.
آخر الکتاب
کتاب الورع
٤٩٣
الورع
بسم الله الرحمن الرحيم
١٢٣٩١- (١) أخبرنا الهيثم بن خارجة والحكم بن موسى قالا: حدثنا الحسن
ابن يحيى الخشني، عن صدقة الدمشقي، عن هشام الكناني، عن أنس بن مالك، عن
النبي ﴿، عن جبريل، عن الله تبارك وتعالى قال: ((ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما
افترضت علیه»(١).
١٢٣٩٢-(٢) حدثنا فضیل بن عبد الوهاب قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن
أبي طارق السعدي، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله {#: ((اتق
المحارم تكن من أعبد الناس))(٢).
١٢٣٩٣-(٣) سمعت محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي يحدث، عن عبد
الرحمن بن محمد المحاربي، عن أبي رجاء، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن واثلة
بن الأسقع، أنه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله :﴿: «كن ورعاً تكن أعبد
الناس))(٣).
(١) سبق مطولاً برقم (١٩٩٠).
(٢) رواه أحمد (٢/ ٣١٠)، والترمذي (٢٣٠٥) وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث
جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع عن أبي هريرة شيئاً، هكذا روي عن أيوب ويونس بن عبيد
وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وروى أبو عبيدة الناجي عن الحسن هذا
الحديث قوله ولم يذكر فيه عن أبي هريرة عن النبي ﴿). ورواه الطبراني في الأوسط (٧٠٥٤)، وأبو
يعلى (٦٢٤٠).
(٣) رواه ابن ماجه (٤٢١٧)، والطبراني في مسند الشاميين (٣٨٥). قال البوصيري في مصباح الزجاجة
(٤ /٢٤٠): ((هذا إسناد حسن وأبو رجاء اسمه محرز بن عبد الله رواه الترمذي في الجامع بغير هذا
اللفظ)».
٤٩٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
١٢٣٩٤- (٤) حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن يوسف
الصباغ، عن عطاء، عن عائشة قالت: قال رسول الله 8$: ((من سره أن يسبق
الدائب المجتهد فلیکف عن الذنوب)»(١).
١٢٣٩٥- (٥) حدثنا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم الأشعث قال:
أخبرنا الفضيل، عن سفيان الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: إنكم
لن تلقوا الله بشيء هو أفضل من قلة الذنوب.
١٢٣٩٦- (٦) حدثنا المثنى بن معاذ، عن معاذ العنبري قال: أخبرنا معتمر بن
سليمان، عن علي بن زيد قال: خطبنا عمر بن عبد العزيز بخناصرة فقال: أرى
أفضل العبادة اجتناب المحارم وأداء الفرائض.
١٢٣٩٧- (٧) حدثنا خلف بن هشام قال: حدثنا حزم قال: سمعت الحسن
يقول: الخير في هذين: الأخذ بما أمر الله، والنهي عما نهى الله عنه.
١٢٣٩٨- (٨) حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، عن ضمرة بن ربيعة، عن
رجاء بن أبي سلمة، عن يونس، عن الحسن قال: ما عبد العابدون بشيء أفضل من
ترك ما نهاهم الله عنه.
١٢٣٩٩- (٩) حدثني محمد بن قدامة الجوهري، عن شيخ حدثه قال: قال
رجل لداود الطائي: أن أوصني قال: لا يراك الله عند ما نهاك الله عنه، ولا يفقدك
عند ما أمرك به.
(١) سبق برقم (٢٦٣٣).
٤٩٥
الورع.
١٢٤٠٠- (١٠) حدثني عون بن إبراهيم بن الصلت الشامي قال: حدثنا أحمد
بن أبي الحواري قال: حدثني أبو قرة محمد بن ثابت، عن بعض أصحابه قال: من
كانت همته في أداء الفرائض لم يكن له في الدنيا لذة.
١٢٤٠١- (١١) حدثني القاسم بن هاشم بن سعيد قال: حدثتنا سعيدة ابنة
حكامة قالت: حدثتني أمي حكامة بنت عثمان بن دينار، عن أبيها، عن مالك بن
دينار، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴾: ((خشية الله رأس كل حكمة،
والورع سيد العمل، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله
بشيء من عمله))(١).
١٢٤٠٢- (١٢) حدثني أبو جعفر محمد بن يزيد الآدمي، أن يحيى بن سليم
حدثهم، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه قال: قال رسول الله (142: ((رأس
التقوى الصبر، وحقيقته العمل، وتكملته الورع))(٢).
١٢٤٠٣- (١٣) حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثنا عبد الله بن عبد الجبار
الخبائري الحمصي قال: حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثني عمرو بن خالد، عن
قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله :﴿ر: ((حدود الإسلام المحيطة به
أربعة: الورع وهو ملاك الأمر، والشكر في الرخاء وهو الفوز بالجنة، والصبر على
الشدة وهو النجاة من النار، والتواضع وهو شرف المؤمن))(٣).
(١) رواه القضاعي في الشهاب (٤١)، وأبو نعيم في الحلية (٣٨٦/٢)، وابن عساكر في تاريخ مدينة
دمشق (٣٩٥/٥). وفي إسناده حكامة بنت عثمان، قال العقيلي (٢٠٠/٣): «أحاديث حكامة تشبه
حديث القصاص ليس لها أصول)). وابنتها سعيدة لم أجد من ترجمها.
(٢) مرسل.
(٣) مرسل.
٤٩٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
١٢٤٠٤ - (١٤) حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن
عمرو بن قيس الملائي قال: قال رسول الله 18: ((فضل العلم خير من فضل العبادة،
وملاك دینکم الورع)»(١).
١٢٤٠٥ - (١٥) حدثني إسماعيل بن أبي الحارث قال: أخبرنا كثير بن هشام
قال: أخبرنا عيسى بن إبراهيم، عن مقاتل بن قيس الأزدي، عن علقمة بن مرثد،
عن سلمان قال: قال رسول الله ﴿: ((جلساء الله غداً أهل الورع والزهد))(٢).
١٢٤٠٦ - (١٦) حدثنا خالد بن خداش بن عجلان قال: حدثني عبد العزيز
ابن محمد، عن ابن موسى، عن مكحول، أن رسول الله# قال لأبي هريرة: «كن
ورعاً في دين الله تكن أعبد الناس))(٣).
١٢٤٠٧ - (١٧) حدثنا أبو محمد العتكي عبد الرحمن بن صالح قال: أخبرنا
عمرو بن هاشم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي 8# قال:
((قال الله لموسى عليه السلام: لم يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع)) (٤).
١٢٤٠٨-(١٨) حدثنا خالد بن خداش قال: حدثني عبد العزيز بن محمد، عن
عبد الله بن سليمان، أن عمر بن الخطاب قال: أي الناس أفضل؟ قالوا: المصلون.
(١) مرسل، إن لم يكن معضلاً.
(٢) إسناده ضعيف؛ مقاتل بن قيس ضعفه الأزدي. انظر: المغني في الضعفاء ٢/ ٦٧٥.
(٣) مرسل.
(٤) رواه الطبراني في الكبير (١٢٠/١٢)، والأوسط (٣٩٣٧)، والآجري في الشريعة (١١٢٠/٣)،
والقضاعي في الشهاب (١٤٥٨). قال الهيثمي في المجمع (٢٠٣/٨): "رواه الطبراني وفيه جويبر
وهو ضعيف جدا". وأشار المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٧٥) إلى ضعفه بقوله وروي. وقد
سبق موقوفاً برقم (٣٨٦٥).
٤٩٧
لورع.
قال: إن المصلي يكون براً وفاجراً. قالوا: المجاهدون في سبيل الله. قال: إن المجاهد
يكون براً وفاجراً. قالوا: الصائمون. قال: إن الصائم يكون براً وفاجراً من عمر،
لکن الورع في دين الله یستکمل طاعة الله.
١٢٤٠٩- (١٩) حدثني سلمة بن شبيب، عن علي بن بكار، عن الحسن بن
دينار، عن الحسن في قوله: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال:
الورع.
١٢٤١٠- (٢٠) حدثنا خلف بن هشام قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن
معاوية بن قرة قال: دخلت على الحسن وهو متكئ على سريره، فقلت: يا أبا سعيد
أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الصلاة في جوف الليل، والناس نيام. قلت: فأي
الصوم أفضل؟ قال: في يوم صائف. قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند
أهلها وأغلاها ثمناً. قلت: فما تقول في الورع؟ قال: ذاك رأس الأمر كله.
١٢٤١١- (٢١) حدثنا محمد بن هارون قال: حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس
قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن خالد بن معدان قال: قيل له: أتعرف النية؟
قال: ما أعرف النية ولكني أعرف الورع، فمن كان ورعاً كان تقياً.
١٢٤١٢- (٢٢) حدثنا إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا موسى بن أيوب النصيبي
قال: حدثنا مسكين بن بكير، عن أرطأة قال: قال عيسى ابن مريم /: لو صليتم
حتى تصيروا مثل الحنايا وصليتم حتى تكونوا أمثال الأوتاد، وجرى من أعينكم
الدموع أمثال الأنهار ما أدركتم ما عند الله إلا بورع صادق.
٤٩٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
١٢٤١٣- (٢٣) حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثني إسحاق بن عباد قال:
حدثنا أبو إسماعيل المؤدب قال: جاء رجل إلى العمري فقال: عظني، فأخذ حصاة
من الأرض فقال: زنة هذه من الورع يدخل قلبك خير لك من صلاة أهل
الأرض. قال: زدني. قال: کما تحب أن یکون الله لك غداً فکن له اليوم.
١٢٤١٤- (٢٤) حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثنا سهل بن عاصم، عن عبد
العزيز بن السائب قال: قال بعض السلف: لترك دائق مما يكره الله أحب إلي من
خمس مائة حجة.
١٢٤١٥- (٢٥) حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال:
حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن يونس، عن الحسن قال: ما في الأرض شيء أحبه
للناس من قيام الليل. قال: فقال أبو إياس: فأين الورع؟ قال: به به ذلك ملاك
الأمر.
١٢٤١٦ -(٢٦) حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا زافر بن سليمان، عن بشير
أبي إسماعيل، عن الضحاك قال: أدركت الناس وهم يتعلمون الورع، وهم اليوم
يتعلمون الكلام.
١٢٤١٧- (٢٧) حدثنا عبد الله بن الهيثم قال: حدثنا شعيب بن حرب، عن
مالك بن مغول، عن عمر الماصر، عن الضحاك قال: لقد رأيتنا وما يتعلم بعضنا
من بعض إلا الورع.
١٢٤١٨- (٢٨) حدثنا سلمة بن شبيب قال: حدثنا سهل بن عاصم قال: قال
النضر بن محمد: نسك الرجل على قدر ورعه.
٤٩٩
الورع.
١٢٤١٩- (٢٩) حدثني الحسن بن الصباح قال: حدثني أبو جعفر الصفار
قال: قالت امرأة من البصرة: حرام على قلب يدخله حب الدنيا أن يدخله الورع
الخفي.
١٢٤٢٠ - (٣٠) حدثني علي بن الحسن، عن أبي وهب محمد بن مزاحم قال:
قيل لابن المبارك: أي شيء أفضل؟ قال: الورع. قالوا: ما الورع؟ قال: حتى تنزع
عن مثل هذا، وأخذ شيئاً من الأرض.
١٢٤٢١- (٣١) حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثنا سهل بن عاصم قال: قال
صالح المري: كان يقال: المتورع في الفتن كعبادة النبيين في الرخاء.
١٢٤٢٢- (٣٢) حدثنا عبد الرحمن بن واقد قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة قال:
أنبأنا ثور بن يزيد قال: لا أعلمه إلا عن خالد بن معدان قال: من لم يكن له حلم
يضبط به جهله، وورع يحجزه عما حرم الله عليه، وحسن صحابة من يصحبه، فلا
حاجة لله فيه.
١٢٤٢٣ - (٣٣) حدثنا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث قال:
سألت فضيل بن عياض فقلت: أي الأعمال أفضل؟ قال: ما لا بد منه. قلت: أداء
الفرائض واجتناب المحارم. قال: نعم، أحسنت يا بخاري وهو الورع.
١٢٤٢٤ - (٣٤) قال ابن إسحاق: ورأيت فضيلاً في النوم فقلت: أوصني.
قال: عليك بالفرائض، فلم أرَ شيئاً أفضل منها.
١٢٤٢٥- (٣٥) حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا خلف بن الوليد، عن عباد
بن عباد، عن هشام بن عروة قال: كان أبي يطول في الفريضة ويقول: هي رأس
المال.
٥٠٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
١٢٤٢٦- (٣٦) حدثنا خلف بن هشام قال: حدثنا عون بن موسى قال:
سمعت معاوية بن قرة قال: تذاكروا عند الحسن أي الأعمال أفضل؟ قال: فكأنهم
اتفقوا على قيام الليل. قال: فقلت أنا: ترك المحارم. قال: فانتبه الحسن لها فقال: تم
الأمر تم الأمر.
١٢٤٢٧ - (٣٧) حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا الربيع بن صبيح، عن الحسن
قال: أفضل العبادة التفكر والورع.
١٢٤٢٨-(٣٨) حدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا سیار قال: حدثنا عامر
ابن یساف قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: يقول الناس فلان الناسك، فلان
الناسك، إنما الناسك الورع.
١٢٤٢٩- (٣٩) حدثني القاسم بن هاشم قال: عن الخطاب بن عثمان الفوزي
- وكان يقال أنه من الأبدال - قال: حدثنا عبيد بن القاسم الأسدي، عن العلاء بن
ثعلبة الأسدي، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع قال: تراءيت للنبي 8# بمسجد
الخيف، فقال لي أصحابه: إليك يا واثلة، تنح عن وجه رسول الله ﴾، فقال رسول
الله: ((دعوه فإنما جاء ليسأل)). قال: فقلت بأبي أنت وأمي تفتينا بأمر نأخذه عنك
من بعدك. قال: ((لتفتك نفسك)) قلت: وكيف لي بذلك؟ قال: ((تدع ما يريبك إلى
ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون)). قلت: وكيف لي بذلك؟ قال: ((تضع يدك على
قلبك؛ فإن الفؤاد ليسكن للحلال، ولا يسكن للحرام، وإن الورع المسلم يدع
الصغير مخافة أن يقع في الكبير))(١).
(١) رواه الطبراني في الكبير (٧٨/٢٢)، وأبو يعلى (٧٤٩٢). قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم
(١/ ٢٥١): "وخرج الطبراني وغيره بإسناد ضعيف من حديث واثلة بن الأسقع ﴾" فذكره. قال
الهيثمي في المجمع (١٠ / ٢٩٤): "رواه أبو يعلى والطبراني وفيه عبيد بن القاسم وهو متروك".