Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
الهواتف
١٢٣٧٠ - (١٦٣) حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل
بن أبي خالد، حدثنا أبو إسحاق قال: خرج زيد بن ثابت إلى حائط له فسمع فيه
جلبة، فقال: ما هذا؟ قال: رجل من الجن أصابتنا السنة فأردنا أن نصيب من
ثماركم أفتطيبونه؟ قال: نعم ثم خرج الليلة الثانية فسمع فيه أيضا جلبة فقال: ما
هذا؟ قال: رجل من الجن أصابتنا السنة فأردنا أن نصيب من ثماركم أفتطيبونه؟
قال: نعم فقال له زيد بن ثابت: ألا تخبرني ما الذي يعيذنا منكم؟ قال: آية الكرسي.
١٢٣٧١- (١٦٤) حدثني عبد الله بن أبي بدر، حدثني يحيى بن اليمان، عن
سفيان، عن عمر بن محمد، عن سالم بن عبد الله قال: أبطأ خبر عمر على أبي موسى
فأتى امرأة في بطنها شيطان فسألها عنه فقالت: حتى يجيء إلي الشيطان فجاء فسألته
عنه فقال: تركته مؤتزرا بكساء يهنأ إبل الصدقة وذاك لا يراه شيطان إلا خر لمنخره
الملك بين يديه وروح القدس ينطق بلسانه.
١٢٣٧٢- (١٦٥) حدثني عبيد الله بن عمر، حدثني المؤمل بن حماد الموصلي
الكلبي، حدثني عمرو بن شيبان قال: كنت ليلة قتل المتوكل في منزلي بالشام ولم
أعلم أنها الليلة التي قتل فيها جعفر فلم أشعر إلا وهاتف يهتف في زوايا الدار يقول:
أفض دموعك یا عمرو بن شيبان
یا نائم اللیل في جثمان یقظان
ففزعت لذلك ثم إني نمت فأعاد الصوت فما زال على هذا ثلاث مرار كأنه
يفهمني فقلت للجارية: أعطيني دواة وقرطاساً فوضعته بجنبي فاندفع يقول: يا نائم
الليل البيت ..
بالهاشمي وبالفتح بن خاقان
أما ترى العصبة الأنجاس ما فعلوا
أهل السماوات من مثنى ووحدان
وافى إلى الله مظلوماً فعج له
والنبت منتقص في كل إبان
فالطير ساهمة والغيث منحبس

٤٦٢
·موسوعة ابن أبي الدنيا
والأرض هامدة في کل أوطان
والسعر ينقص والأنهار يابسة
توقعوها لها شأن من الشان
وسوف تأتيكم أخرى مسومة
فقد بکاہ جميع الإنس والجان
فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم
١٢٣٧٣ - (١٦٦) وحدثني ميسرة بن حسان، حدثني جعفر بن مسعدة قال:
كنت بسامراء بعد قتل المتوكل فرأيت في المنام كأن قائلاً يقول:
فما ألووا ولا ربعوا
لقد خلوك وانصدعوا
فتبا للذي صنعوا
ولم يوفوا بعهدهم
إلى من كنتم تقع
ألا يا معشر الموتى
قد أودى به الوجع
ليطلبها فإن القلب
فقلبي حشوه جزع
ولم نعرف لكم خبرا
فبکیت في يوم أشد البکاء فانتبهت، وقد حفظت الأبیات فقال لي صاحب كان
معي: ما قصتك ما زلت سائر ليلتك تبكي في نومك.
١٢٣٧٤ - (١٦٧) حدثنا بشر بن بشار، عن عبد الله، حدثنا أبو الجنيد
الضرير، حدثنا عقبة بن عبد الله، أن رجلاً أتى الحسن بن أبي الحسن فقال: يا أبا
سعيد إن رجلاً من الجن يخطب فتاتنا، فقال الحسن: لا تزوجوه ولا تكرموه، فأتى
قتادة فقال: يا أبا الخطاب إن رجلاً من الجن يخطب فتاة لنا، فقال: لا تزوجوه
ولكن إذا جاء فقولوا: إنا نحرج عليك إن كنت مسلماً لما انصرفت عنا ولم تؤذنا،
فلما كان الليل جاء الجني حتى قام على الباب، فقال: أتيتم الحسن فسألتموه فقال
لكم: لا تزوجوه ولا تكرموه، ثم أتيتم قتادة فسألتموه فقال: لا تزوجوه ولكن
قولوا له: إنا نحرج عليك إن كنت مسلماً لما انصرفت عنا ولم تؤذنا. قالوا: نعم، فإنا

٤٦٣
الهواتف
نحرج عليك إن كنت رجلاً مسلماً لما انصرفت عنا ولم تؤذنا، فانصرف عنهم ولم
یؤذهم.
١٢٣٧٥- (١٦٨) حدثني الفضل بن إسحاق، حدثني أبو قتيبة، عن سفيان،
عن الحجاج، عن الحكم أنه کره تزويج الجن.
١٢٣٧٦- (١٦٩) حدثنا الفضل بن إسحاق، حدثني أبو قتيبة، عن عقبة
الأصم، سمع الحسن وقتادة وسئلا عن تزویج الجن، فکرهاه.
١٢٣٧٧ - (١٧٠) حدثني محمد بن إدريس، حدثنا أحمد بن خالد، سمعت
سهلا الخراساني أو غيره قال: كنا في غزاة فمن الله على شاب بالشهادة فجعل
يقول: اسقوني شربة من ماء الفرات فسمعوا صوتاً: بل نسقيك من ماء غير آسن،
ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن عسل مصفى، ومن خمر لذة للشاربين.
١٢٣٧٨-(١٧١) وحدثني محمد بن إدريس، حدثنا أحمد بن خالد، سمعت
محمد بن مخلد قال: قدمت من مكة مع قوم فدعتني نفسي إلى أمر سوء فسمعت
هاتفا من ناحية البيت: ويلك ألم تحج ويلك ألم تحج؟ فعصمني الله عز وجل إلى
الساعة.
١٢٣٧٩- (١٧٢) وحدثت عن إسحاق بن إسماعيل، عن بكر العابد قال:
كنت بقزوين فسمعت هاتفاً يهتف بالليل: قسا قلبي فيأبى أن يلينا، أنام وأغبط
المتهجدینا.
١٢٣٨٠- (١٧٣) حدثني الحسن بن الصباح، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن
الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة ، عن عبد الله بن أبي بن كعب، أن أباه أخبره أنه

٤٦٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
كان له جرن فيه تمر وكان يتعاهده فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة
تشبه الغلام المحتلم. قال: فسلمت فرد السلام، فقلت: ما أنت؟ أجني أم إنسي؟
قال: جني. قلت: ناولني يدك فناولني يده فإذا يد كلب وشعر كلب. قلت: هكذا
خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني. قلت: ما حملك على ما
صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال:
فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية آية الكرسي فغدا أبي إلى النبي لا لا
فأخبره، فقال النبي ﴾: ((صدق الخبيث))(١).
١٢٣٨١- (١٧٤) حدثني أبو عثمان سعيد بن عثمان الجرجاني، حدثنا زيد بن
الحباب العكلي، حدثني عبد المؤمن بن خالد الحنفي من أهل مرو، أخبرنا عبد الله
ابن بريدة الأسلمي، عن أبي الأسود الدؤلي قال: قلت لمعاذ بن جبل: أخبرني عن
قصة الشيطان حين أخذته. قال: جعلني رسول الله :8 على صدقة المسلمين
فجعلت التمر في غرفة. قال: فوجدت فيه نقصانا فأخبرت رسول الله ﴿ بذلك،
فقال: ((هذا الشيطان يأخذه)) قال: فدخلت الغرفة وأغلقت الباب علي فجاءت
ظلمة عظيمة فغشيت الباب ثم تصور في صورة ثم تصور في صورة أخری فدخل
من شق الباب، فشددت إزاري علي فجعل يأكل من التمر فوثبت إليه فضبطته
فالتقت يداي عليه فقلت: يا عدو الله. قال: خل عني فإني كبير ذو عيال كثير وأنا
من جن نصيبين وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم فلما بعث أخرجنا
(١) رواه النسائي في الكبرى (١٠٧٩٦)، والطبراني في الكبير (٢٠١/١)، والحارث (زوائدالهيثمي)
(١٠٥١)، والشاشي (١٤٤٨)، وابن حبان (٧٨٤)، والحاكم (٧٤٩/١) وغيرهم. قال المنذري في
الترغيب والترهيب (٢٦١/١): ((رواه النسائي والطبراني بإسناد جيد)).

٤٦٥
الهواتف
منها، خل عني فلن أعود إليك فخليت عنه، فجاء جبريل عليه السلام فأخبر
رسول الله ﴾ بما كان فصلى رسول الله # الصبح ونادى منادیه: أين معاذ بن جبل؟
فقمت إليه فقال رسول الله ﴿: ((ما فعل أسيرك)) فأخبرته فقال: ((أما إنه سيعود
فعد)) قال: فدخلت الغرفة وأغلقت علي الباب فجاء فدخل من شق الباب فجعل
يأكل من التمر فصنعت به كما صنعت في المرة الأولى فقال: خل عني فإني لن أعود
إليك فقلت يا عدو الله ألم تقل: إنك لن تعود؟ قال: فإني لن أعود وآية ذلك أنه لا
يقرأ أحد منكم خاتمة البقرة فيدخل أحد منا في بيته تلك الليلة(١).
١٢٣٨٢- (١٧٥) حدثني يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا الحارث بن مرة،
حدثنا عمر بن عامر السلمي قال: عاتب صاحب شرطة معاوية ابنا له حتى أخرجه
من البيت، ثم قام حتى أغلق الباب بينه وبينه وابنه في الصفة، فأرق الفتى من
سخط أبيه فبينا هو كذلك إذا مناد ينادي على الباب: يا سويد يا سويد، فقال الفتى:
والله ما في دارنا سويد حر ولا عبد. قال: فانخرط لنا سنور أسود من شرجع لنا في
الصفة. قال: فأتى الباب. قال: من هذا؟ قال: أنا فلان. قال: من أين جئت؟ قال:
من العراق. قال: فما حدث فيها؟ قال: قتل علي بن أبي طالب. قال: فهل عندك
شيء تطعمنيه فإني غرثان؟ قال: لا والله لقد خمروا آنيتهم وسموا عليها غير أن
هاهنا سفودا شووا عليه شوية لهم وعليه وضر فهل لك فيه؟ قال: نعم. قال: فجاء
سويد السنور والسفود مسند في زاوية الصفة. قال: فغمض الفتى عينيه فأخذ
(١) رواه الطبراني في الكبير (٥١/٢٠، ١٠١/٢٠)، والحاكم (٧٥١/١) وقال: "هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه، وعبد المؤمن بن خالد الحنفي مروزي ثقة يجمع حديثه، وروى عنه زيد بن
الحباب هذا الحديث بعينه".

٤٦٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
سويد السفود فأخرجه إليه من ذلك الباب. قال: فعرقه حتى سمعت عرقه إياه.
قال: ثم جاء به فأسنده في زاوية الصفة. قال: فقام الفتى فضرب على أبيه الباب
حتى أيقظه، فقال: من هذا؟ قال: فلان اخرج إلي. قال: لا. قال: إنه قد حدث أمر
عظيم ففتح له. قال: أسرج لي فأسرج له، فأتى باب معاوية فطلب الإذن حتى
وصل إليه فحدثه الحديث. قال: من سمع هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين سمعه ابن
أخيك فلان. قال: ومعك هو؟ قال: نعم. قال: فأدخله فحدثه الحديث. قال:
فکتب تلك الساعة وتلك الليلة فکانت کذلك.
١٢٣٨٣- (١٧٦) حدثني عيسى بن عبد الله التميمي، حدثنا ابن إدريس،
حدثني أبي، عن وهب بن منبه قال: كان يلتقي هو والحسن البصري في الموسم في
كل عام في مسجد الخيف إذا هدأت الرجل ونامت العيون، ومعهما جلاس لهم
يتحدثون إليهم، فبينا هما ذات يوم يتحدثان مع جلسائهما إذ أقبل طائر له حفيف
حتى وقع إلى جانب وهب في الحلقة، فسلم فرد وهب عليه السلام وعلم أنه من
الجن من مسلميهم. قال وهب: فما حاجتك؟ قال: أو تنكر علينا أن نجالسكم
ونحمل عنكم العلم، إن لكم فينا رواة كثيرة وإنا لنحضركم في أشياء كثيرة من
صلاة وجهاد وعيادة مريض وشهادة جنازة وحج وعمرة وغير ذلك، ونحمل
عنكم العلم ونسمع منكم القرآن، فقال له وهب: فأي رواة الجن عندكم أفضل؟
قال: رواة هذا الشیخ وأشار إلى الحسن، فلما رأى الحسن وهبا قد شغل عنه. قال: يا
أبا عبد الله من تحدث؟ قال: بعض جلسائنا، فلما قاما من مجلسهما سأل الحسن وهبا
فأخبره وهب خبر الجني وكيف فضل رواة الحسن على غيرهم. قال الحسن لوهب:
أقسمت عليك أن لا تذكر هذا الحديث لأحد، فإني لا آمن أن ينزله الناس على غير

٤٦٧
الهواتف
ما جاء. قال وهب: فكنت ألقى ذلك الجني في الموسم كل عام فيسألني وأخبره،
ولقد لقيني عاما في الطواف فلما قضينا طوافنا قعدت أنا وهو في ناحية المسجد
فقلت له: ناولني يدك فمد إلي يده فإذا هي مثل برثن الهرة وإذا عليها وبر، ثم
مددت يدي حتی بلغت منکبه فإذا مرجع جناح. قال: فأغمز یدہ غمزة، ثم تحدثنا
ساعة ثم قال لي: يا أبا عبد الله، ناولني يدك كما ناولتك يدي. قال: فأقسم بالله عز
وجل لقد غمز يدي غمزة حين ناولتها إياه حتى كاد يصيحني وضحك. قال
وهب: فكنت ألقى ذلك الجني في كل عام في المواسم، ثم فقدته فظننت أنه مات أو
قتل. قال: وسأل وهب الجني أي جهادكم أفضل؟ قال: جهاد بعضنا بعضاً.
آخر کتاب الهواتف

كتاب
الوجل والتوثق بالعمل

٤٧١
الوجل والتوثق بالعمل
بسم الله الرحمن الرحيم
١٢٣٨٤ - (١) حدثنا أبو الحارث سريج بن يونس، حدثنا محمد بن حميد، عن
سفيان الثوري قال: قال مسلم بن يسار: من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب
منه، ما أدري ما حسب رجاء امرئ عرض له بلاء لم يصبر عليه لما يرجو، ولا أدري
ما حسب خوف امرئ عرضت له شهوة لم يدعها لما يخشى.
١٢٣٨٥- (٢) حدثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم، عن هاشم بن القاسم، عن
أبي محمد الكوفي قال: قال الحسن: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من
الدنيا وليست لهم حسنة، يقول: إني لحسن الظن بربي، وكذب لو أحسن الظن بربه
لأحسن العمل.
١٢٣٨٦- (٣) وحدثني أحمد بن إبراهيم، عن علي بن شقيق، عن ابن المبارك،
عن سعيد بن زيد قال: سأل المغيرة بن مخادش الحسن فقال: يا أبا سعيد كيف نصنع
بمجالسة أقوام يحدثونا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: أيها الشيخ إنك والله إن
تصحب أقواماً يخوفونك حتى تدرك أمناً خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك
حتى تلحقك المخاوف.
١٢٣٨٧- (٤) وحدثني أبو عبد الله محمد بن عبد الله المديني الزاهد، عن
عثمان بن مطر، عن ثابت، عن مطرف أنه كان يقول: يا إخوتاه اجتهدوا في العمل،
فإن يكن الأمر كما ترجون من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات، وإن يكن
الأمر شديدا كما نخاف ونحاذر لم نقل: ﴿ رَبَّنَآَ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا
نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] نقول: قد عملنا ، فلم يكن ينفعنا ذلك.

٤٧٢
موسوعة ابن أبي الدنيا
١٢٣٨٨-(٥) حدثني محمد بن عبد المجيد قال: سمعت سفیان قال: قال رجل
لمحمد بن المنكدر ولرجل آخر من قريش: الجد الجد، والحذر الحذر، فإن يكن
الأمر على ما ترجون كان ما قدمتم فضلاً، وإن يكن الأمر على غير ذلك لم تلوموا
أنفسكم.
١٢٣٨٩- (٦) وأخبرني عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب بن منبه قال: قال لقمان
لابنه: يا بني ارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من
رحمته.
حديث أنطونس السائح ومواعظه وأمثاله
١٢٣٩٠ - (٧) قال أبو بكر بن أبي الدنيا: ثم إنا وجدنا فيما وضع الأولون من
حکمهم وضربوا من أمثالهم كتابا فیه حكم وأمثال تحدو ذا اللب على رفض
العاجلة وتحثه على الأخذ بالوثيقة في العمل للآجلة وهو الكتاب الذي ينسب إلى
أنطونس السائح فقالوا فيما يذكرون:
كان ملك بعد زمان المسيح يقال له أنطونس عاش ثلاثمائة سنة وعشرين سنة،
فلما حضرته الوفاة بعث إلى ثلاثة نفر من عظماء أهل ملته وأفاضلهم فقال لهم: قد
نزل بي ما ترون، وأنتم رؤوس أهل مملكتكم وأفاضلهم، ولا أعرف أحداً أولى
بتدبير رعيتكم منكم، وقد كتبت لكم عهداً جعلته إلى ستة نفر منكم من أخياركم
ليختاروا رجلاً منهم لتدبير ملككم، والذب عن رعيتكم، فسلموا ذلك لمن اجتمع
علیه ملأکم ، وإیاکم والاختلاف ، فتهلکون أنفسكم ورعیتکم.
قالوا: بل الله یمن علینا بطول مدتك، ویمنع رعيتك فقد سياستك. قال: دعوا
هذه المقالة، وأقبلوا على ما وصفت لكم من هذا العهد الذي فيه قوام أمركم،

٤٧٣
الوجل والتوثق بالعمل.
وصلاح دينكم، فإن الموت لا بد منه، فلم تمر بهم ليلة حتى هلك.
فدب أولئك الثلاثة نفر إلى الستة الذين جعل إليهم اختيار الملك، فصار كل
رجلين من الستة يدعوان إلى رجل من الثلاثة، فلما رأى ذلك حكماؤهم وأهل
الرأي منهم قالوا: يا معشر الستة الذين جعل إليهم الاختيار، قد افترقت كلمتكم
واختلف رأيكم، وبحضرتكم اليوم رجل أفضل أهل زمانكم ممن لا يتهم في
حكمه، وممن يرجى اليمن والبركة في اختياره، فمن أشار إليه منكم سلمتم هذا
الأمر له.
وكان في جبل بحضرتهم رجل سائح يقال له أنطونس في غار معروف مكانه،
قد تخلى من الدنيا وأهلها، فاجتمعت كلمتهم بالرضا بمن أشار إليه السائح من
الثلاثة نفر، فوكلوا بالمملكة رجلا من الستة، وانطلق الثلاثة نفر إلى ذلك السائح،
فاقتصوا عليه قصتهم وأعلموه رضاهم بمن أشار إليه منهم، فقال لهم السائح: ما
أراني انتفعت باعتزالي عن الناس، وإني وإياهم كمثل رجل كان في منزل غشيه
الذباب فيه، فتحول منه إلى منزل يرجو فيه السلامة فغشيه فيه الأسد، فقال: لقد
كان السبع الذي تنحيت عنه أيسر علي من السبع الذي غشيني في منزلي، وما هذا لي
بمنزل.
قالوا: هذا أمر دعانا إليه أفاضل أهل مملكتك رجاء البركة والرشد واليمن في
رأيك، وما عليك إلا أن تشير إلى أفضلنا في نفسك فتوليه هذا الأمر. قال: وما
علمي بأفضلكم؟ أنتم جميعا تطلبون أمراً واحداً أنتم فيه سواء، فطمع بعضهم إن
هو أظهر الكراهية للملك أن يشير إليه، فقال: أما أنا فغير مشاح صاحبي هذين،
وإن السلامة لدي لفي اعتزال هذا الأمر.

٤٧٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
قال السائح: ما أظن صاحبيك يكرهان اعتزالك عنهما فأشير إلى أحدهما
وأتركك. قال: بل تختار لأمتك من بدا لك. قال له السائح: ما أراك إلا قد نزعت
عن قولك، وصرتم الآن عندي بمنزلة واحدة، غير أني سأعظكم وأضرب لكم
أمثال الدنيا وأمثالكم فيها، وأنتم أعلم والخيار لأنفسكم.
فأخبروني: هل عرفتم مداكم من الملك، وغايتكم من العمر؟ قالوا: لا ندري
لعل ذلك لا يكون إلا طرفة عين. قال: فلم تخاطرون بهذه الغرة؟ قالوا: رجاء طول
المدة. قال: كم أتت عليكم من سنة؟ قالوا: أصغرنا ابن خمس وثلاثين سنة، وأکبرنا
ابن أربعين سنة. قال: فاجعلوا أطول ما ترجون من العمر مثل سنكم التي عمرتم.
قالوا: لسنا نطمع في أكثر من ذلك، ولا خير في العمر بعد ذلك. قال: أفلا تبتغون
فيما بقي من أعماركم ما ترجون من ملك لا يبلى، ونعيم لا يتغير، ولذة لا تنقطع،
وحياة لا يكدرها الموت، ولا تنغصها الأحزان ولا الهموم ولا الأسقام؟ قالوا: إنا
لنرجو أن نصيب ذلك بمغفرة الله ورحمته. قال: قد كان من أصابه العذاب من
القرون الأولى يرجون من الله ما ترجون، ويؤملون ما تؤملون، ويضيعون العمل،
حتى نزلت بهم العقوبة ما قد بلغكم، فليس ينبغي لمن صدق بما أصاب القرون
الأولى أن يطمع في رجاء بغير عمل، ويوشك من سلك المفازة بغير ماء أن يهلك
عطشا، أراكم تتكلون على الرجاء في هلاك أبدانكم، ولا تتكلون عليه في صلاح
معایشکم، تؤثثون لدار قد عرفتم مزایلتها، وتتركون التأثيث لدار مقامكم، ثم قد
رأيتم مدائنكم التي ابتنيتموها، واعتدتم فيها الأثاث والرباع، لو قيل لكم: إنه
سینزل عليكم ملك بجيوشه وجنوده فيعم أهلها بالقتل، وبنيانها بالهدم، هل كنتم
تطيبون نفسا بالمقام فيها والبنيان بها؟ قالوا: لا. قال: فوالله إن أمر هؤلاء الآدميين

٤٧٥
الوجل والتوثق بالعمل.
لصائر إلى هذا ولكني أدلكم على مدينة آمنة سليمة لا يؤذيكم فيها جبار، ولا
یغشمکم فيها وال، ولا تعدمکم فيها الثمار.
قالوا: قد عرفنا الذي أردت، فكيف وقد اشرأبت أنفسنا بحب الدنيا؟ قال: مع
الأسفار البعيدة تكون الأرباح الكثيرة، فيا عجبا للجاهل والعالم، كيف استويا في
هلاك أنفسهما؟ ألا إن الذي يسرق ولا يعرف عقوبة السارق أعذر من السارق
العارف بعقوبته، ويا عجبا للحازم كيف لا يبذل ماله دون نفسه فينجو بها، فإني
أرى هذا العالم يبذلون أنفسهم دون أموالهم، كأنهم لا يصدقون بما يأتيهم به
أنبيائهم.
قالوا: ما سمعنا أحداً من أهل هذه الملة يكذب بشيء مما جاءت به الأنبياء.
قال: من ذلك اشتد عجبي من اجتماعهم على التصديق ومخالفتهم في الفعل كأنهم
یرجون الثواب بغیر أعمال.
قالوا: أخبرنا كيف أول معرفتك للأمور من قبل الفكر؟ قال: تفكرت في هلاك
العالم فإذا ذاك من قبل أربعة أشياء جعلت فيهن اللذات، وهي أبواب مركبة في
الجسد، منها ثلاثة في الرأس، وواحد في البطن؛ فأما أبواب الرأس فالعينان
والمنخران والحنك، وأما باب البطن فالفرج، فالتمست خفة المؤنة علي في هذه
الأبواب التي من قبلها دخل البلاء على العالم فوجدت أيسرها مؤنة باب المنخرين
لذته يسيرة موجودة في الزهر والنور والريحان، ثم التمست الخفة لمؤنة باب الحنك
فإذا هو طريق للجسد، وغذاء لا قوام له إلا بما يلقى فيه، فإذا تلك المئونة إذا
صارت في الوعاء استوت فتناولت منها ما تيسر من المطعم والمشرب، ورفضت ما
عسر فصرت فيما قطعت عن نفسي من مئونة الوعاء، ولذة الحنك بمنزلة رجل كان

٤٧٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
يتخذ الرماد من الخلنج والصندل والعيدان المرتفعة، فلما ثقل عليه مؤنة ذلك اتخذ
الرماد من الزبل والحطب الرخيص، فرحى ذلك عليه، ونظرت في مؤنة الفرج فإذا
هو والعينان موصولان بالقلب، وإذا باب العين يسقي الشهوة وهما معينان على
هلاك الجسد، ثم تنقطع تلك اللذة على طول العمر، فهممت بإلقائهما عني وقلت:
هلاكهما واطراحهما أيسر علي من هلاك جسدي، وأشفقت أن يضر ذلك بجميع
الجسد، فرويت وفكرت فلم أجد لهما شيئا أفضل من العزلة عن الناس، وكان ما
بغض إلي منزلي الذي كنت فيه فكري في مقامي مع من لا يعقل إلا أمر دنياه
فاستوحشت من المقام بين ظهرانيهم، فتنحيت عنهم إلى هذا المنزل، فقطعت عني
أبواب الخطيئة، وحسمت نفسي لذات أربعا، وقطعتهن بخصال أربع.
قالوا: ما اللذات؟ وبماذا قطعتهن؟ قال: اللذات: المال والبنون والأزواج
والسلطان، فقطعتهن بالهموم والأحزان والخوف وبذكر الموت المنغص للذات،
وقطعت ذلك أجمع بالعزلة وترك الاهتمام بأمور الدنيا، فلا أحزن على أحد هلك
فيها، ولا أخاف إلا الله عز وجل وحده، فما خير في لذة وهذا الموت يقفوها؟ وأي
دار شر من دار الفجائع جوارا؟ كونوا كرجل يسافر يلتمس الفضل، فغشى مدينته
التي خرج منها العدو، فأصابوا أهلها بالبلاء في أموالهم وأنفسهم، فسلم ذلك
الرجل في مخرجه، وحمد الله على ما صرف عنه، فأنا معتزل في منزلي هذا عن أهل
الخطايا أتذكر الموت الذي يكرهه الناس، وأجد لذكره حلاوة للقاء ربي، ولقد
عجبت لأهل الدنيا، كيف ينتفعون بلذاتها مع همومها وأحزانها، وما تجرعهم من
مرارتها بعد حلاوتها.

٤٧٧
الوجل والتوثق بالعمل
واشتد عجبي من أهل العقول ما يمنعهم من النظر في سلامة أبدانهم؟ فإنهم
يريدون أن يهلكوا أنفسهم كما هلك صاحب الحية. قالوا: أخبرنا كيف كان مثل
صاحب الحية؟ قال: زعموا أنه كان في دار رجل من الناس حية ساكنة في جحر قد
عرفوا مكانها، وكانت تلك الحية تبيض كل يوم بيضة من ذهب وزنها مثقال،
فصاحب المنزل مغتبط مسرور بمكان تلك الحية، يأخذ كل يوم من جحرها بيضة
من ذهب، وقد تقدم إلى أهله أن يكتموا أمرها فكانت كذلك لأشهر، ثم إن الحية
خرجت من جحرها فأتت عنزاً لأهل الدار حلوباً ينتفعون بها فنهشتها فهلكت
العنز، فجزع لذلك الرجل وأهله، وقالوا: الذي نصيب من الحية أكثر من ثمن
العنز، والله يخلف ذلك منها.
فلما أن کان عند رأس الحول عدت على حمار له کان یر کبه فنهشته فقتلته، فجزع
لذلك الرجل، وقال: أرى هذه الحية لا تزال تدخل علينا آفة، وسنصبر لهذه
الآفات ما لم تعد البهائم.
ثم مر بهم عامان لا تؤذيهم فهم مسرورون بجوارها مغتبطون بمكانها، إذ
عدت على عبد كان للرجل لم يكن له خادم غيره فنهشته وهو نائم، فاستغاث العبد
بمولاه فلم يغن عنه شيئاً حتى تفسخ لحمه، فجزع الرجل وقال: أرى سم هذه
الحية قاتلاً لمن لسعته، ما آمن أن تلسع بعض أهلي، فمكث مهموماً حزيناً خائفاً
أياما، ثم قال: إنما كان سم هذه الحية في مالي، وأنا أصيب منها أفضل مما رزئت به،
فتعزى بذلك على خوف ووجل من شر جوارها.

٤٧٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
ثم لم يلبث إلا أياماً حتى نهشت ابن الرجل، فارتاع والده لذلك، ودعا بالخواء
والترباق وغيره فلم یغن عنه شيئاً وهلك الغلام، فاشتد جزع والدیه علیه، ودخل
عليهما ما أنساهما كل لذة أصاباها من الحية، فقالا: لا خير لنا في جوار هذه الحية،
وإن الرأي لفي قتلها والاعتزال عنها، فلما سمعت الحية ذلك تغيبت عنهم أياما لا
يرونها ولا يصيبون من بيضها شيئاً، فلما طال ذلك عليهما تاقت أنفسهما إلى ما كانا
يصيبان منها، وأقبلا على جحرها بالبخور، وجعلا يقولان: ارجعي إلى ما كنت
عليه ولا تضرينا ولا نضرك، فلما سمعت الحية ذلك من مقالتهما رجعت، فتجدد
لهما سرور على غصتهما بولدهما، وكانت كذلك عامين لا ينكرون منها شيئاً.
ثم دبت الحية إلى امرأة الرجل وهي نائمة معه فنهشتها، فصاحت المرأة فثار
زوجها يعالجها بالترياق وغيره من العلاج فلم يغن شيئاً وهلكت المرأة، فبقي
الرجل فريداً وحيداً كئيباً مستوحشاً، وأظهر أمر الحية لإخوانه وأهل وده، فأشاروا
عليه بقتلها، وقالوا: لقد فرطت في أمرها حين تبين لك غدرها وسوء جوارها،
ولقد كنت في ذلك مخاطراً بنفسك، فولى الرجل وقد أزمع على قتلها، لا يرى غير
ذلك، فبينما هو يرصدها إذ طلع في جحرها فوجد فيها درة صافية وزنها مثقال،
فلزمه الطمع وأتاه الشيطان فغره حتى عاد له سرور هو أشد من سروره الأول،
فقال: لقد غير الدهر طبيعة هذه الحية، ولا أحسب سمها إلا قد تغير كما تغير
بيضها ، فجعل الرجل يتعاهد جحرها بالكنس ، والبخور ، ورش الماء، والريحان ،
وكرمت عليه الحية، والتذ الرجل بذلك الدر التذاذا شديدا وأعجبه، ونسي ما كان
من أمر الحية فيما مضى، وعمد إلى ما كان عنده من الذهب فعمل به حقاً، فجعل
ذلك الدر فيه، وجعل موضع ذلك الحق تحت رأسه، فبينما هو نائم إذ دبت الحية

٤٧٩
-
الوجل والتوثق بالعمل.
فنهشته، فجعل يغوث بصوت عال، فأقبل إليه جيرانه وأقاربه وأهل وده، فأقبلوا
عليه باللوم له فيما فرط من قتل الحية، فأخرج إليهم الحق فأراهم ما فيه، واعتذر مما
عجزوا فيه رأيه، فقالوا: ما أقل غناء هذا عنك اليوم إذ صار لغيرك، وهلك
الرجل، فقال إخوانه الذين أشاروا عليه بقتل الحية: أبعده الله، هو قتل نفسه وقد
أشرنا عليه بقتل الحية.
ولقد عجبت لأهل العقول يعرفون الأمر الذي ضربت هذه الأمثال له ولا
ينتفعون بالمعرفة، كأنهم يرجون الثواب على المعرفة بالقول والمخالفة بالعمل.
ويل لأصحاب المعرفة الذين لو قصرت عنهم عقولهم لكان أعذر لهم، ويل لهم
ويل لهم، لو قد أصابهم ما أصاب صاحب الكرم. قالوا: وكيف كان مثل صاحب
الكرم؟ قال أنطونس: زعموا أنه كان رجل له كرم واسع كثير العنب متصل الشجر
مثمر، فاستأجر لكسح الكرم وحفظه ثلاثة نفر، ووكل كل رجل منهم بناحية
معلومة، وأمره بحفظ ناحيته وكسحها، وقال لهم: كلوا من العنب ما شئتم، وكفوا
عن هذه الثمار فلا تقربوها فتحل بكم عقوبتي، واعلموا أني متفقد عملكم وناظر
فيه، فإياكم والتعدي لما أمرتكم به فتوجبون على أنفسكم العقوبة.
فأقبل أحدهم على حفظ ما أمر به من الكرم وكسحه ونزع العشب منه وقنع
بأكل العنب وكف عن أكل الفاكهة التي نهي عنها، وأقبل الثاني على مثل صنيع
صاحبه الأول حينا، ثم تاقت نفسه إلى أكل الثمار فتناولها، وأقبل الثالث على أكل
الثمار وترك العمل، فضاعت ناحيته وفسدت، وقدم صاحب الكرم لينظر إلى كرمه
ويتفقد ما عمل أجراؤه، فبدأ بالنظر في عمل الأول فرأى عملاً حسناً وتوقيراً،
وكفا عما نهاه عنه، فحمده وأعطاه فوق أجره، فانقلب راضياً مغتبطاً مسروراً،

٤٨٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
ونظر في عمل الثاني فرأى عملاً حسناً، ورأى في الثمار فساداً قبيحاً، فقال: ما هذا
الفساد الذي أرى؟ قال: أكلت من هذه الثمار. قال: أولم أنهك عن ذلك؟ قال: بلى،
ولكن رجوت عفوك إلي وإحسانك. قال: ذاك لو لم أكن تقدمت إليك في الكف
عن أكل الثمار، ولكني لست أعتدي عليك في العقوبة إلا بما أذنبت، ونظر في عمل
الثالث فإذا هو قد أضاع الكرم وأكل الثمار، فقال له: ويحك ما هذا؟ قال: هو ما
ترى. قال: أرى عملاً قبيحاً وفساداً كثيراً، وسأبلغ من عقوبتك ما أنت أهله، فلما
عرض أمر هؤلاء الأجراء على الناس قالوا: الأول نعم الأجير كان، وقد أحسن
إليه صاحب الكرم وأعطاه أفضل من أجره، وقالوا للثاني: عمل الأحمق ولم يتم
عمله، لو صبر عما نهي عنه من أكل الثمار لأصاب من صاحب الكرم مثل ما
أصاب صاحبه، وقالوا للثالث: بئس الأجير، ضيع ما أمر به، ثم أكل ما نهي عنه،
فهو أهل لما لقي من شر، فهكذا أعمالكم يا معشر الحكماء في الذي يصير إلى ما صار
إليه هؤلاء الأجراء في اليوم الذي تجزی فیه كل نفس بما عملت.
قال أنطونس: ولقد عجبت لأهل الأمل وطمعهم في طول العمر، فوجدت
أعدى الناس للناس الأولاد لآبائهم، عمل آباؤهم في الاستكثار لهم، وأتعبوا
أبدانهم في إصلاح معايش غيرهم بهلاك أنفسهم، وشاركهم في اللذة غيرهم،
فأفردوا بالسؤال عما كدحوا كصاحب السفينة. قالوا: وكيف كان مثل صاحب
السفينة؟ قال: زعموا أنه کان رجل نجار کان یعمل بیده فیصیب في کل یوم درهما،
ینفق نصفه على أب له شیخ کبیر وامرأة له وابن وبنت، ويدخر نصفه، فعمل زمانا
عائشا بخير، فنظر يوما فيما عمل وما كسب فإذا هو قد استفضل مائة دينار، فقال:
والله إني لفي باطل من عملي هذا، ولو عملت سفينة واستقبلت تجارة البحر