Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ الصبر والثواب عليه. ٥٣٩٠- (٨٧) حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي، حدثنا أبو مسهر قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز قال: إذا رأيت أمراً لا تستطيع غيره فاصبر وانتظر فرج الله. ٥٣٩١- (٨٨) حدثنا أبو عمران الخصاصي قال: سمعت صالح بن عبد الكريم يقول: جعل الله رأس أمور العباد العقل، ودليلهم العلم، وسائقهم العمل، ومقويهم على ذلك الصبر. ٥٣٩٢-(٨٩) حدثني محمد بن إدريس، حدثنا أصبغ، أخبرني ابن وهب قال: سمعت مالك بن أنس قال: قال عمرو بن العاص: إني لأصبر على الكلمة لهي أشد علي من القبض على الجمر، ما يحملني على الصبر عليها إلا التخوف من أخرى شر منها. ٥٣٩٣-(٩٠) حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا عمر بن معروف المؤدب، عن ليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد ابن عبيد الله السلمي، عن عمران بن حصين صاحب رسول الله 8# قال: ثلاث يدرك بهن العبد رغائب الدنيا والآخرة: الصبر عند البلاء، والرضا بالقضاء، والدعاء في الرخاء. ٥٣٩٤- (٩١) حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عمر بن معروف، عن ليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن ابن حلبس قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله 8$ يقول شيئا ما سمعته قبلها ولا بعدها قال: ((إن الله عز وجل قال: يا عيسى، إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، أعطيهم من ٢٨٢ موسوعة ابن أبي الدنيا حلمي وعلمي))(١). ٥٣٩٥- (٩٢) حدثنا أبو محمد الأزدي البصري قال: رأى رجل الحسن بن حبيب بن ندبة في النوم بعدما مات، فقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بصبري على الفقر في الدنيا. ٥٣٩٦-(٩٣) حدثني عبيد الله بن جرير الأزدي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا عقبة بن عمار، عن المغيرة بن حذف، عن ربعي بن حراش، أن عمر بعث إلى غزية من الأرض، فأتي بأشياخ من بني عبس، فقال: إنكم قاتلتم الناس في الجاهلية، فأي الخيل وجدتم أصبر؟ قالوا: الكمت الخمر. قال: فأي الإبل وجدتم أصبر؟ قالوا: الحمر الجعاد. قال: فأي النساء وجدتم أصبر؟ قالوا: ما صبرت فينا غريبة قط. قال: بم كنتم تغلبون الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قوما إلا صبرنا لهم ما صبروا لنا. ٥٣٩٧- (٩٤) حدثني علي بن الحسن بن موسى، عن موسى بن عيسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قال: حدثني بعض الحكماء قال: خرجت وأنا أريد الرباط حتى إذا كنت بعريش مصر، أو دون عريش مصر إذا أنا بمظلة وإذا فيها رجل قد ذهبت يداه ورجلاه وبصره، وإذا هو يقول: اللهم إني أحمدك حمداً يوافي محامد خلقك، كفضلك على سائر خلقك إذ فضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلاً، (١) رواه أحمد (٦/ ٤٥٠)، والطبراني في الأوسط (٣٢٥٢)، والحاكم (٤٩٩/١) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه". وقال الهيثمي في المجمع (٦٧/١٠ -٦٨): "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن سوار وأبي حلبس يزيد بن ميسرة وهما ثقتان". ٢٨٣ الصبر والثواب علیه فقلت: والله لأسألنه أعلمه أم ألهمه إلهاماً؟ قال: فدنوت منه فسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت: إني سائلك عن شيء أتخبرني به؟ قال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به، فقلت: على أي نعمة من نعمه تحمده عليها؟ أم على أي فضيلة من فضائله تشكره عليها؟ قال: أليس ترى ما قد صنع بي؟ قال: قلت: بلى. قال: فوالله لو أن الله سبحانه صب علي السماء ناراً فأحرقتني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فخسفت بي، ما ازددت له إلا حباً، ولا ازددت له إلا شكراً. وإن لي إليك حاجة، بني لي كان يتعاهدني لوقت صلاتي، ويطعمني عند إفطاري، وقد فقدته منذ أمس، انظر هل تحسه لي؟ فقلت: إن في قضاء حاجة هذا العبد لقربة إلى الله. قال: فخرجت في طلبه حتى إذا كنت بين كثبان من رمال، إذا أنا بسبع قد افترس الغلام يأكله. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كيف آتي هذا العبد الصالح من وجه رفيق فأخبره الخبر لا يموت؟! قال: فأتيته، فسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت: إني سائلك عن شيء أتخبرني به؟ قال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به. قال: قلت: أنت أكرم على الله منزلة أم أيوب عليه السلام؟ قال: بل أيوب / كان أكرم على الله مني، وأعظم منزلة عند الله مني. قال: قلت: أليس ابتلاه الله فصبر حتى استوحش منه من كان يأنس به وصار غرضاً لمرار الطريق؟ قال: بلى. قلت: فإن ابنك الذي أخبرتني من قصته ما أخبرتني، خرجت في طلبه حتى إذا كنت بين كثبان من رمال إذا أنا بسبع قد افترس الغلام يأكله، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا ثم شهق شهقة فمات رحمه الله. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون من يعينني على غسله وكفنه ودفنه؟ قال: فبينما أنا ٢٨٤ - موسوعة ابن أبي الدنيا كذلك إذا أنا بركب قد بعثوا رواحلهم يريدون الرباط. قال: فأشرت إليهم، فأقبلوا إلي. فقالوا: ما أنت وهذا؟ فأخبرتهم بالذي كان من أمره. قال: فثنوا أرجلهم، فغسلناه بماء البحر، وكفناه بأثواب كانت معهم، ووليت الصلاة عليه من بينهم، ودفناه في مظلته تلك ومضى القوم إلى رباطهم، وبت في مظلته تلك الليلة أنسابه فلما مضى من الليل مثل ما بقي منه، إذا أنا بصاحبي في روضة خضراء عليه ثياب خضر قائما يتلو الوحي، فقلت: ألست أنت صاحبي؟ قال: بلى. قلت: فما الذي صيرك إلى ما أرى؟ قال: وردت من الصابرين على درجة لم ينالوها إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء. قال الأوزاعي: قال لي الحكيم: يا أبا عمرو وما تنكر من هذا الولي؟ والاه، ثم ابتلاه فصبر، وأعطاه فشكر، والله لو أن ما حنت عليه أقطار الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار، وأتى عليه الليل والنهار، أعطاه الله أدنى خلق من خلقه، ما نقص ذلك من ملکه شیئا. قال الوليد: قال لي الأوزاعي: ما زلت أحب أهل البلاء منذ حدثني الحكيم بهذا الحديث. ٥٣٩٨- (٩٥) حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا وكيع، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم قال: مروا برجل يوم القادسية، وقد قطعت يداه ورجلاه، وهو يضحك ويقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، فقيل: ممن أنت رحمك الله؟ قال: امرؤ من الأنصار. ٥٣٩٩- (٩٦) حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن هشام بن محمد، أن زيد بن ٢٨٥ الصبر والثواب علیه. صوحان أصيبت يده في بعض فتوح العراق، فتبسم والدماء تشخب، فقال له رجل من قومه: ما هذا موضع تبسم! فقال زيد: ألمحل هوّنه ثواب الله عليه، أفأردفه بألم الجزع الذي لا جدوى فيه، ولا دريكة لفائت معه؟! وفي تبسمي عزية لبعض المؤتسين من المؤمنين، فقال الرجل: أنت أعلم بالله مني. ٥٤٠٠ - (٩٧) حدثني محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن بشر العبدي، عن مسعر قال: مر برجل يوم اليمامة وقد نثر قصبه في الأرض، وهو يقول لبعض من مر به: ضم إلي منه لعلي أدنو قيد رمح أو رمحين في سبيل الله. ٥٤٠١- (٩٨) حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبيه قال: قال الحجاج لحطيط: اصدقني. قال: سلني، فقد عاهدت الله إن خلوت لي لأقتلنك، وإن عذبتني لأصبرن، وإن سألتني لأصدقن. فقال: ما قولك في عبد الملك؟ قال: ما أسفهك، تسألني عن رجل أنت خطيئة من خطاياه، وقد ملأت الأرض فساداً! قال: فهل خلوت لك؟ قال: مرة واحدة فحال بيني وبينك شيء منعني منك. قال: كأني قد عرفت، أما الثالثة فلا تصبر عليها. قال: ما شاء الله. قال: دونك يا معد. قال: فعذبه بكل شيء، ثم جاء فقال: ما يبالي. فقال الحجاج: أله حميم؟ قالوا: أم وأخ. قال: فوضع على أمه الدهق. فقال حطيط: يا أمه اصبري .. اصبري. قال: فقتلها. ٥٤٠٢- (٩٩) حدثني علي بن الحسن، عن عمرو بن حماد بن طلحة قال: سمعت عبد الله بن حميد الثقفي، يذكر عن أبيه، وكان من حرس الحجاج، قال: لما أتي بحطيط فكلمه الحجاج، أمر به ليعذب. قال: فأخرجه صاحب عذابه فقال: يا حطيط، قد علمت الذي أمرني به فيك الأمير، فماذا أعددت له؟ فقال له حطيط: ٢٨٦ موسوعة ابن أبي الدنيا ثكلتك أمك، أنت تطيعه في معصية الله وتبیع آخرتك بدنياه، أنت ممن خسر الدنيا والآخرة، فتبالك آخر الدهر . قال: ما أعددت لذلك يا حطيط لما أمرني به فيك؟ فلما أكثر عليه قال: ثكلتك أمك، أعددت لذلك ما وعد الله عليه تكملة الأجور بغير حساب، أعددت والله لذلك الصبر حتى ينفذ في قضاء الله وقدره. قال: فعذب بأنواع العذاب فما نبس بكلمة حتى إذا قرب أن تخرج نفسه أخرج فرمي به على مزبلة، فاجتمع عليه الناس فجعلوا يقولون له: يا حطيط قل لا إله إلا الله فجعل يحرك شفتیه بها ولا یبین الكلام، ثم فاضت نفسه. ٥٤٠٣- (١٠٠) حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن أحمد بن يحيى بن مالك، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، أن رجلا کان یقال له عقیب کان یعبد الله تعالى على جبل، وكان في ذلك الزمان رجل يعذب الناس بالمثلات، وكان جبارا، فقال عقيب: لو نزلت إلى هذا فأمرته بتقوى الله كان أوجب علي، فنزل من الجبل فقال له: يا هذا اتق الله. فقال له الجبار: يا كلب، مثلك يأمرني بتقوى الله! لأعذبنك عذابا لم يعذب به أحد من العالمين. قال: فأمر به أن يسلخ من قدمه إلى رأسه وهو حي فسلخ، فلما بلغ بطنه أن أنة، فأوحى الله إليه: عقيب، اصبر أخرجك من دار الحزن إلى دار الفرح، ومن دار الضيق إلى دار السعة، فلما بلغ السلخ إلى وجهه صاح، فأوحى الله إليه: عقيب، أبكيت أهل سمائي وأهل أرضي، وأذهلت ملائكتي عن تسبيحي، لئن صحت الثالثة لأصبن عليهم العذاب صبا، فصبر حتى سلخ وجهه مخافة أن يأخذ قومه العذاب. ٥٤٠٤- (١٠١) حدثني علي بن الحسن، عن أبي يزيد الرقي، عن فضيل بن عياض، أنه سئل عن الأمر والنهي، فلم يأمر بذلك، ثم قال: إن صبرت كما صبر ٢٨٧ الصبر والثواب عليه الإسرائيلي فنعم. قيل له: وكيف كان الإسرائيلي؟ قال: كان ثلاثة نفر، فاجتمعوا فقالوا: إن هذا الرجل يفعل ويفعل، يعنون ملكهم، ثم قالوا: يأتيه واحد منا فيخلو به في السر فيأمره وينهاه، فذهب واحد منهم فدخل عليه فأمره ونهاه. فقال: ألا أراك ها هنا؟ فأمر به فحبس، فبلغ الخبر الآخرين. فقالا: الآن وجب، فجاءه واحد منهما. فقال: يا هذا، جاءك رجل فأمرك ونهاك، فأمرت به فحبس. فقال: ألا أراك إلا صاحبه. أما إني لا أفعل بك ما فعلت به، فأمر به، فضرب حتى قتل، فجاء الخبر إلى الثالث. فقال: الآن وجب فأتاه فقال له: يا هذا جاءك رجل فأمرك ونهاك فحبسته، وجاءك الآخر فضربته حتى قتلته. فقال: ألا أراك إلا صاحبه. أما إني لا أصنع بك ما صنعت به. فأمر به فضرب وتد في أذنه في الأرض في الشمس، فحر الشمس من فوقه ومن تحته، فأرادوه على أن يتكلم بشيء، أي شبه الاعتذار إلى الملك، فأبى . قال أبو يزيد: قال بعضهم: وأحدكم لو انتهر لقال: جعلني الله فداءك. ٥٤٠٥- (١٠٢) حدثني علي بن مسلم، حدثنا سعيد بن عامر، عن عبد الله بن المبارك، أن الحجاج قطع يد رجل ورجله، ثم أمر به أن يحمل إلى الكوفة فيصلب على بابه. قال: فحمل في سفينة حتى إذا قاربوا الكوفة، وكان فيهم رجل كأنه سمع خشخشة، فقال: ما لكم؟ قالوا: هذا الموضع الذي أمرنا فيه بصلبك، فنخاف أن تلقي نفسك في الماء. قال: أنا ألقي نفسي؟ فوالله إن الذباب ليقع على يدي أو رجلي فأكره أن أحكه مخافة أن أعين على نفسي. قال: وسمعوه يدعو: اللهم إني أعوذ بك أن أفر من بأس الناس إلى بأسك، وأعوذ بك أن أجعل فتنة الناس كعذابك، وأعوذ بك أن یری الناس في خیرا ولا خير في، اللهم أرد بي خیرا وافعله بي، إنك فعال لما ترید. ٢٨٨ موسوعة ابن أبي الدنيا ٥٤٠٦- (١٠٣) حدثنا عبد الله بن رومي اليمامي، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه قال: سأله بعض أهل الطرار فقال: يا أبا عبد الله، هل سمعت ببلاء أو عذاب أشد مما نحن فيه؟ قال: أنتم لو نظرتم إلى ما أنتم فيه وإلى ما خلا لكأن ما أنتم فيه مثل الدخان عند النار، ثم قال: أتي بامرأة من بني إسرائيل يقال لها سارة وسبعة بنين لها إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنازير، فدعا أكبرهم، فقرب إليه لحم الخنزير، فقال: كل. فقال: ما كنت لآكل شيئاً حرمه الله علي أبدا، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، وقطعه عضواً عضواً حتى قتله، ثم دعا بالذي يليه فقال: كل، فقال: ما كنت لآكل شيئاً حرمه الله علي، فأمر بقدر من نحاس، فملئت زفتاً ثم أغليت حتى إذا غلت ألقاه فيها. ثم دعا بالذي يليه فقال: كل. فقال: أنت أذل وأقل وأهون على الله من أن آكل شيئا حرمه الله علي. فضحك الملك ثم قال: أتدرون ما أراد بشتمه إياي؟ أراد أن يغضبني فأعجل في قتله، وليخطئنه ذلك. فأمر به فحز جلد عنقه، ثم أمر به أن يسلخ جلد رأسه ووجهه فسلخ سلخاً، فلم يزل يقتل كل واحد منهم بلون من العذاب غير قتل أخيه حتى بقي أصغرهم، فالتفت إليه وإلى أمه، فقال لها: لقد أويت لك مما رأيت، فانطلقي بابنك هذا فاخلي به وأريديه على أن يأكل لقمة واحدة فيعيش لك. قالت: نعم، فخلت به فقالت: أي بني، اعلم أنه كان لي على كل رجل من إخوتك حق، ولي عليك حقان، وذلك أني أرضعت كل رجل منهم حولين حولين، فمات أبوك وأنت حبل، فنفست بك فأرضعتك لضعفك ورحمتي إياك أربعة أحوال، فلي عليك حقان فأسألك بالله وحقي عليك لما صبرت ولم تأكل شيئا مما حرم الله عليك، ولا ألفين إخوتك يوم القيامة ولست معهم. فقال: الحمد لله الذي أسمعني هذا منك، فإنما كنت أخاف أن تريديني على أن آكل ما حرم الله ٢٨٩ الصبر والثواب علیه. علي، ثم جاءت به إلى الملك فقالت: ها هو ذا، قد أردته وعزمت عليه، فأمره الملك أن يأكل، فقال: ما كنت لآكل شيئاً حرمه الله تعالى علي، فقتله وألحقه بإخوته، وقال لأمهم: إني لأجدني أربى لك مما رأيت اليوم، ويحك فكلي لقمة ثم أصنع بك ما شئت، وأعطيك ما أحببت تعيشي به، فقالت: أجمع ثكل ولدي ومعصية الله! فلو حييت بعدهم ما أردت ذلك، وما كنت لآكل شيئاً مما حرمه الله علي أبداً، فقتلها وألحقها ببنيها. ٥٤٠٧- (١٠٤) حدثني علي بن الحسن، عن الصلت بن حكيم قال: حدثني أبو عبد الرحمن المغازلي قال: دخلت على رجل مبتلى بالحجاز، فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجد عافيته أكثر مما ابتلاني به، وأجد نعمه علي أكثر من أحصيها. فقلت: أتجد لما أنت فيه ألما شديدا؟ فبكى ثم قال: سلا بنفسي عن ألم ما بي ما وعد عليه سيدي أهل الصبر من كمال الأجور في شدة يوم عسير. قال: ثم غشي عليه، فمكث ملياً، ثم أفاق فقال: إني لأحسب أن لأهل الصبر عند الله غداً في القيامة مقاماً شريفاً لا يتقدمه من ثواب الأعمال شيء إلا ما كان من الرضا عن الله جل وعز. ٥٤٠٨- (١٠٥) أنشدني أبو جعفر الأموي شيخ من أهل الحجاز لأعرابي من عذرة: فخير عباد الله من هو قانع عليك بتقوى الله واقنع برزقه فقد أهلك المغرور فيها المطامع ولا تلهك الدنيا ولا طمع بها فما يستوي عبد صبور وجازع وصبرا علی نوبات ما ناب واعترف بما صبروا والله راء وسامع ألم تر أهل الصبر يجزوا بصبرهم سوى ما حوت يوما عليه الأضالع ومن لم يكن في نعمة الله عنده وليس لرزق ساقه الله مانع فقد ضاع في الدنیا وخیب سعیه ٢٩٠ موسوعة ابن أبي الدنيا ٥٤٠٩ - (١٠٦) أنشدني رجل من قريش : -منعم والتسليم للقادر الخلق للخالق والشكر للـ والورع الصادق للصابر وخالص البر ومحض التقى ٥٤١٠- (١٠٧) حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا يحيى بن يمان، عن الأعمش، عن الحسن قال: إنما يصيب الإنسان الخير في صبر ساعة. ٥٤١١- (١٠٨) حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حدثنا أبو أسامة، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله # قال: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وفي ولده حتى يلقى الله يوم القيامة وما عليه من خطيئة))(١). ٥٤١٢- (١٠٩) حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا قراد، أخبرنا المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله روما9: ((أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله على السراء والضراء))(٢). (١) رواه أحمد بن حنبل (٢٨٧/٢)، والترمذي (٢٣٩٩) وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وابن حبان (٢٩١٣)، والحاكم (٤٩٧/١) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد صحیح". وغيرهم. (٢) رواه الطبراني في الكبير (١٩/١٢)، والأوسط (٣٠٣٣)، والصغير (٢٨٨)، والدعاء (١٧٦٨)، والحاكم (١/ ٦٨١) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢٨٤/٢): "رواه ابن أبي الدنيا والبزار والطبراني في الثلاثة بأسانيد أحدها حسن .. ". وقال الهيثمي في المجمع (١٠ / ٩٥): "رواه الطبراني في الثلاثة بأسانيد وفي أحدها قيس ابن الربيع وثقه شعبة والثوري وغيرهما وضعفه يحيى القطان وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح ورواه البزار بنحوه وإسناده حسن". ٢٩١ الصبر والثواب علیه ٥٤١٣- (١١٠) حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، حدثنا هشيم قال: أخبرني عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، رفعه في قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] قال: ((صبر لا شکوی فیه))(١). ٥٤١٤- (١١١) حدثنا محمد بن الحسين، حدثني الحسين بن الحسن، عن بقية ابن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((الصبر يأتي من الله العبد على قدر المصيبة))(٢). ٥٤١٥- (١١٢) حدثنا أبو بكر بن هاشم بن القاسم، حدثنا أبو أسامة، عن النهاس بن قهم، عن عصمة أبي حكيمة قال: بكى رسول الله :﴿ فقلنا: ما الذي أبكاك يا رسول الله؟ قال: ((ذكرت آخر أمتي وما يلقون من البلاء، فالصابر منهم يجيء وله أجر شهيدين))(٣). ٥٤١٦- (١١٣) حدثني حمزة بن العباس، أخبرنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا عبد الله بن لهيعة، عن عطاء بن دينار، أن سعيد بن جبير قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر. ٥٤١٧-(١١٤) حدثني محمد بن يزيد الآدمي، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن يونس بن يزيد قال: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ما منتهى الصبر؟ قال: أن (١) مرسل. (٢) رواه القضاعي في الشهاب (٩٩٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧). انظر السلسلة الصحيحة للألباني (١٦٦٤). (٣) معضل، وقد سبق برقم (٥٣٧٩). ٢٩٢ موسوعة ابن أبي الدنيا یکون یوم تصيبه المصيبة مثله قبلها. ٥٤١٨- (١١٥) وحدثني إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، حدثني سعيد بن عبد الله المعافري، عن عبد الأعلى بن الحجاج، عن أخيه قيس بن الحجاج في قول الله: ﴿فَاضِرْ صَبْرً جَبِيلًا﴾ [المعارج: ٥] قال: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو؟ ٥٤١٩- (١١٦) حدثني محمد بن الحسين، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عمرو بن قيس الملائي ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] قال: الرضا بالمصيبة والتسليم. ٥٤٢٠- (١١٧) حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثني محمد بن عبد الملك الواسطي، عن يحيى بن المختار، عن الحسن قال: الكظيم: الصبور. ٥٤٢١- (١١٨) حدثنا خالد بن خداش قال: قال لنا صالح المري: لو كان الصبر حلوا ما قال الله عز وجل لنبيه :8#: اصبر، ولكن الصبر مر. ٥٤٢٢-(١١٩) حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن الصلت بن حكيم، حدثنا النضر بن إسماعيل، عن عمر بن ذر، عن مجاهد: ﴿ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ﴾ [الروم: ٦٠] قال: ما وعد الله من ثوابه الصابرين. ٥٤٢٣- (١٢٠) حدثني علي بن الحسن، عن يحيى بن إسحاق، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: سب رجل رجلاً من الصدر الأول، فقام الرجل وهو يمسح العرق عن وجهه، وهو يتلو: ﴿ وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]قال الحسن: عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. ٢٩٣ الصبر والثواب علیه. ٥٤٢٤- (١٢١) حدثني علي بن الحسن، عن يحيى بن أبي بكير، عن زافر بن سليمان، عن محمد بن سوقة قال: كان يقال: انتظار الفرج بالصبر عبادة. ٥٤٢٥- (١٢٢) حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبيه قال: كان حطيط زياتا، وكان شابا أبيض، فأتى الحجاج فقال: أما تستحيي تكذب وأنت أمير؛ تزعم أنه لا يحل ترك عاص، وهؤلاء بنو عمك حولك كلهم عصاة، أليس كذلك؟ يقول لمن حوله، فقالوا كلهم: اسقنا دمه. ٥٤٢٦- (١٢٣) حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن عيينة، عن طعمة الجعفري، عن عمر بن قيس قال: لما أتي الحجاج بحطيط الزيات قال له: أحروري أنت؟ قال: ما أنا بحروري، ولكني عاهدت الله أن أجاهدك بيدي وبلساني وبقلبي، فأما يدي فقد فتها، وأما لساني فهذا تسمع ما تقول، وأما قلبي فالله أعلم بما فيه. قال: فوثب حوشب - صاحب شرطه - فساره بشيء. قال: يقول له حطيط: لا تسمع منه، فإنه غاش لك. قال: فقال له الحجاج: ما تقول في أبي بكر وعمر رحمهما الله؟ فقال: أقول فيهما خيرا. قال: ما تقول في عثمان رحمه الله؟ قال: ما ولدت إذ ذاك. فقال له الحجاج: يا ابن اللخناء، ولدت في زمن أبي بكر وعمر ولم تولد في زمن عثمان؟! فقال له حطيط: يا ابن اللخناء لا تعجل، إني وجدت الناس اجتمعوا على أبي بكر وعمر فقلت بقولهم، واختلفوا في عثمان فوسعني السكوت. فوثب معد - صاحب عذاب الحجاج - فقال: إن رأى الأمير أن يدفعه إلي، فوالله لأسمعنك صياحه. قال: خذه إليك. قال: فحمله، فمکث یعذبه ليلته جمعاء ولا يكلمه حطيط، فلما كان عند الصبح دعا بدهق، واعتمد على ساقه فكسرها واكتبى عليها. قال: فقال له حطيط: يا أفسد الناس وألأمهم، تكتبي على ساقي بعد ٢٩٤ موسوعة ابن أبي الدنيا أن كسرتها، والله لا كلمتك، فلما أصبح دخل على الحجاج. فقال له الحجاج: ما فعل أسيرك؟ قال: إن رأى الأمير أن يأخذه فقد أفسد علي أهل سجني، يستحيون أن لا يصبروا. قال: علي به فأتي به، فوضع بين يديه. قال: وإلى جنب الحجاج شيخ من مشيخة أهل الشام. قال: فقال حطيط للحجاج: كيف رأيت؟ قال إسحاق: يعني قول معد له: والله لأسمعنك صياحه. قال: فقال له الحجاج: أتقرأ من القرآن شيئا؟ قال: نعم. قال: فاقرأ. قال به حطيط: لا، بل اقرأ أنت. قال: فقال له الحجاج: اقرأ. قال حطيط: لا، بل اقرأ أنت. كل ذلك يرد عليه. قال: فقرأ الحجاج: ﴿هَلْ أَ عَلَى آلْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] حتى بلغ إلى قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى خُبِهِ، مِسْكِينًا وَيَنِعًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] قال: فقال له حطيط: قف. قال: فوقف الحجاج، فقال له حطيط: هو ذا أنت تعذبهم. قال: فقال: علي بالعذاب. قال: فأتي بمسال أو سلاء، فأمر بها فغرزت في أنامله، فقال الشيخ الذي إلى جنب الحجاج: تالله ما رأيت كاليوم رجلاً أصبر منه. قال: فقال له حطيط: إن الله يفرغ الصبر على المؤمنين إفراغاً. قال: فقال الحجاج لمعد: ويحك، أرحني منه. قال: فحمله من بین یدیه. قال بعض أعوان الحجاج: فرحمته، فدنوت منه فقلت: هل لك من حاجة؟ قال: لا إلا أن لساني قد يبس فما أستطيع أن أذكر الله. ٥٤٢٧- (١٢٤) حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبيه، أن الحجاج قال: أله حميم؟ قالوا: أم وأخ. قال: فوضع على أمه الدهق، فقال حطيط: يا أمه اصبري، فقتلها. ٢٩٥ الصبر والثواب عليه. ٥٤٢٨-(١٢٥) حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبيه، عن أبي ثابت، مولى المغيرة بن عبد الله الثقفي قال: أتي الحجاج بحطيط عند المغرب، فضرب بطنه مائة، وظهره مائة، ثم أدرجه في عباءة وألقاه في الدار فقلت: أعطشان أنت يا حطيط؟ فقال: إني والله لعطشان. قلت: أسقيك ماء؟ قال: لا، أخاف أن يراك أحد فتلقى في سببي. ٥٤٢٩- (١٢٦) حدثنا القاسم بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن طعمة بن عمرو، عن عمرو بن قيس الماصر، أن خطيطا كان مولى لبني ضبة، وأنه لما رفع من بين يدي الحجاج وقد بلغ العذاب منه وما يتكلم، جاء ذباب فوقع على جراحته، فقال: حس. فقيل له: صبرت على العذاب، وإنما هو ذباب. قال: إن هذا لیس من عذابکم. ٥٤٣٠- (١٢٧) حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش قال: كان يدخل في يده المسال ثم تسل. ٥٤٣١-(١٢٨) حدثني إبراهيم بن سعید، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة قال: خرج سعيد بن مسجوح وحطيط الزيات إلى مكة، فلما انتهيا إلى ذات عرق قال سعيد بن مسجوح لخطيط: يا حطيط، إني أظن هؤلاء قد وضعوا لنا المراصد، فهل لك أن نميل إلى البصرة؟ فقال له حطيط: أما أنا فأمضي، فمضى سعيد إلى البصرة، ورجع حطيط فأخذته المراصد، فقال: هيه؟ قال: عاهدت ربي على ثلاث عند الكعبة: لئن سئلت لأصدقن، ولئن ابتليت لأصبرن، ولئن عوفيت لأشكرن. قال: حدثني عني. قال: أحدثك أنك من أعداء الله في الأرض، تجهز البعوث، وتقتل النفوس على الظنة، فذكر مساوئه. قال: حدثني عن الخليفة. قال: أحدثك أنه أعظم جرماً منك، وإنما ٢٩٦ موسوعة ابن أبي الدنيا أنت شررة منه، ثم ذكر من مساوئه ما شاء أن يذكر. قال: قطعوا عليه العذاب، فقطعوا عليه العذاب حتى كان في آخر ذلك قال: شققوا له القصب فجعلوا يلزمونها ظهره، ثم يمترخون لحمه حتى تركوه بآخر رمق، فقالوا للحجاج: إن هذا بآخر رمق. قال: اطرحوه، فطرحوه في الرحبة. قال جعفر: فانتهت إلیه، فإذا ناس أظنهم كانوا إخوانا له أو معرفة، فقال له بعضهم: يا حطيط ألك حاجة، أو تشتهي شيئا؟ قال: شربة، فأتي بشربة، لا أدري أسويق حب الرمان كانت أم ماء؟ فشر بها، ثم طفئ. ٥٤٣٢- (١٢٩) حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم قال: كان رجل بالمصيصة ذاهب النصف الأسفل، لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده ضرير على سرير ملقى، مثقوب للبول، فدخل عليه داخل فقال: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا منقطع إلى الله تبارك وتعالى ما لي إليه من حاجة إلا أن يتوفاني على الإسلام. ٥٤٣٣- (١٣٠) حدثنا علي بن الحسن قال: قال رجل مرة: لأمتحنن أهل البلاء. قال: فدخلت على رجل بطرسوس وقد أكلت الأكلة أطرافه، فقلت: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله وكل عضو مني يألم على حدته من الوجع، لو أن الروم في شركها وكفرها اطلعت علي لرحمتني مما أنا فيه، وإن ذلك لبعين الله أحبه إلي ما قدّر، ما أخذ ربي مني؟! وددت أن ربي قد قطع مني الأنامل التي بها اكتسبت الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكرا. قال: فقال له الرجل: متى بدأت بك هذه العلة؟ فقال: أما كفاك الخلق كلهم عبيد الله وعياله فإذا رأيت من العباد عیلة فالشکوی إلی الله، لیس الله یشتکی إلى العباد. ٢٩٧ الصبر والثواب عليه. ٥٤٣٤- (١٣١) حدثني يعقوب بن إسحاق بن دينار، حدثنا أبو عبد الله البرائي قال: قال لي خلف البزازي: أوتيت برجل مجذوم ذاهب اليدين والرجلين أعمى فجعلته مع المجذومين فغفلت عنه أياما، ثم ذكرته فقلت: يا هذا إني غفلت عنك. فقال لي المجذوم: إن لي من لا يغفل عني. قلت: إني أنسيتك. قال: إن لي من لا ينساني. قلت: إني لم أذكرك. قال: إن لي من يذكرني، قد شغلتني عن ذكر الله. قلت: ألا أزوجك امرأة تنظفك من هذه الأقذار؟ فبكى ثم قال لي: يا خلف، تزوجني وأنا ملك الدنيا وعروسها عندي؟ قلت: ما الذي عندك من ملك الدنيا وأنت ذاهب اليدين والرجلين أعمى، تأكل كما تأكل البهائم؟! قال: رضاي عن الله عز وجل إذ أبلى جوارحي وأطلق لساني بذكره. قال: فوقع مني بكل منزلة، فما لبث إلا يسيرا حتى مات، فأخرجت له كفنا كان فيه طول فقطعت منه، فأتيت في منامي فقيل لي: يا خلف بخلت علي ولي بكفن طويل؟ قد رددنا عليك كفنك، وكفناه عندنا في السندس والإستبرق. قال: فنهضت إلى بيت الأكفان فإذا الكفن ملقى. ٥٤٣٥- (١٣٢) - حدثنا علي بن أبي مريم، عن محمد بن سلام الجمحي قال: سمعت يحيى بن عمر الحنفي، وذكر عن رجل من بني حنيفة قال: أرادوا شيخا لهم كان به داعي العلاج، فأبى وقال: وجدت الله قد نحل أهل الصبر نحلاً ما نحله غيرهم من عباده. قيل: ما هو رحمك الله؟ قال: سمعته يقول تبارك اسمه: ﴿إِنَّمَا يُوَقَّ الضَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: ١٠] فما كنت لأعدل بذلك شيئا أبدا. قال: فلم يتعالج وكان إذا اشتد به الوجع قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فيسكن عنه الألم، ويجد لذلك خفة وهدوءاً. ٢٩٨ موسوعة ابن أبي الدنيا ٥٤٣٦- (١٣٣) حدثني محمد بن الحسين، حدثني داود بن المحبر قال: سمعت أبي المحبر بن قحذم يقول: لما مثل بالشجاء صبرت، وجعلت تعزي نفسها بالقرآن وتقول: ﴿ وَلَيِنِ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِضَّبِينَ ﴿ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللّهِ﴾ [النحل: ١٢٦-١٢٧] ثم قالت: لئن كنت على بصيرة من أمري إن هذا القليل في جنب عظيم ما أطلب من ثواب الله. قال: فما تكلمت بغير هذا حتى ماتت. ٥٤٣٧-(١٣٤) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني سعد بن ربيعة، حدثني أبو عاصم العباداني، عن أبي خلدة قال: قال أبو السوار العدوي: لما مثل بالشجاء، ما رأيت رجلا قط ولا امرأة أصبر على بلاء من هذه. قال: وكان قد حضرها وهم يمثلون بها، فقالت: سلا بنفسي عن الدنيا القدوم على الله عز وجل، والله لله أحب إلي من خلقه ثم ماتت. ٥٤٣٨-(١٣٥) حدثني محمد بن الحسين، حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي قال: حدثني رجل، أدرك ذاك قال: لما أتي بها ابن زياد، أمر بها فقطعت يداها ورجلاها فما نبست بكلمة. قال: فأتى بنار لتكوى بها فلما رأت النار صرخت، فقيل لها: قطعت يداك ورجلاك فلم تكلمي، فلما رأيت النار صرخت من قبل أن تدنى منك؟ قالت: ليس من ناركم صرخت، ولا على دنياكم أسفت، ذكرت بها النار الكبرى، فكان الذي رأيتم من ذلك. قال: فأمر بها فسملت عيناها، فقالت: اللهم قد طال في الدنيا حزني، فأقر بالآخرة عيني، ثم خمدت. ٥٤٣٩- (١٣٦) حدثني محمد بن الحسين، حدثني أبو عمر الضرير، حدثنا عمران بن خالد، حدثنا عبد الجليل القيسي قال: لما أمر ابن زياد بالشجاء أن يمثل بها جاء الذي يريد أن يلي ذلك منها ومعه الحديد والحبال، فقالت: إليكم عني ٢٩٩ الصبر والثواب عليه. أتكلم بكلمات يحفظهن عني من سمع بهن . قال: فحمدت الله وأثنت عليه، ثم قالت: هذا آخر يومي من الدنيا وهو غير مأسوف عليه، وأرجو أن يكون أول أيامي من الآخرة وهو اليوم المرغوب فيه، ثم قالت: إن علمي والله بفنائها هو الذي زهدني في البقاء فيها وسهل علي جميع بلواها، فما أحب تعجيل ما أخر الله، ولا تأخیر ما عجل الله، ثم قدمت، فمثل بها حتى ماتت. ٥٤٤٠-(١٣٧) حدثني محمد بن الحسين، حدثنا أبو عمر الضرير، حدثني بكر بن حمران قال: لما قيل لها: قد أمر بقطع يديك ورجليك وسمل عينيك. قالت: الحمد لله على السراء والضراء، وعلى العافية والبلاء، قد كنت أؤمل في الله ما هو أكثر من هذا. قال: فلما قطعت جعل الدم لا يرقأ، فأحست بالموت وقالت: حياة كدرة وميتة طيبة، لئن نلت ما أملت يا نفس من جزيل ثواب الله لقد نلت سروراً دائماً لا يضرك معه كدر عيش ولا ملاحاة الرجال في الدار الفانية. قال: ثم اضطربت حتى ماتت. ٥٤٤١-(١٣٨) حدثني محمد بن الحسین، حدثني خالد بن خداش، حدثنا سالم بن عمر قال: صلى سالم الهلالي على جنازة ثم قعد في ظل قصر- أوس، فقال لأصحابه: ألا إن كل ميتة على الفراش فهي ظنون، ثم قال: هل تدرون ما كان حال أختكم الشجاء؟ قالوا: وما كان حالها؟ قال: قطع ابن زياد يديها ورجليها وسمل عينها، فما قالت: حس، فقيل لها في ذلك، فقالت: شغلني هول المطلع عن ألم حدیدکم هذا. ٥٤٤٢- (١٣٩) حدثني علي بن الحسين، عن محمد بن الحسين، حدثني مجالد ابن عبيد الله الباهلي قال: حدثني بكر بن مصاد العابد قال: كان مالك بن دينار ٣٠٠ - موسوعة ابن أبي الدنيا يبكي ويبكي أصحابه، ويقول في خلال بكائه: اصبروا على طاعته، فإنما هو صبر قليل وغنم طويل، والأمر أعجل من ذلك. ٥٤٤٣- (١٤٠) حدثني إبراهيم بن عبد الله، عن ابن جميل قال: قال عبد الله ابن المبارك: من صبر فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يتمتع. ٥٤٤٤- (١٤١) حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن سعيد الأصبهاني قال: سمعت محمد بن صبيح العجلي يقول: أعطي الصابرون الصلاة من الله عليهم، والرحمة منه لهم، فمن ذا الذي يدرك فضلهم إلا من كان منهم؟ هنيئاً للصابرين، ما أرفع درجتهم وأعلى هناك منازلهم، والله إن نال القوم ذلك إلا بمنه وتوفيقه، فله الحمد على ما أعطى من فضل، وأسدى من نعمة، وله الحمد كثيراً علينا وعلى جميع خلقه، فهو الغني فلا يمنعه نائل، وهو الكريم فلا يحفيه سائل، وهو الحميد فلا یبلغ مدحه قائل، ونحن عباده فمن بین مخذول حرم طاعته فلم يصبر عن معصيته، ومن بين مطيع وفقه لمرضاته وصبره عن الدنيا وما فيها من معصيته، ثم غمرنا بعد ذلك بتفضله فقال: ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] فنحن نرجو أن ننالها بتفضله وإن لم نكن من أهلها بسوء أعمالنا القبيحة، واسوأتاه من كريم يكرمك وأنت متعرض لما يكره صباحاً ومساء. ٥٤٤٥ - (١٤٢) حدثنا علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: حدثنا سورة بن قدامة، حدثنا يونس بن حبيب النحوي قال: كان حبيب أبو محمد يقول لإخوانه: اشكا ماذا اشكا فاذو: كأنكم بعاقبة الصبر محمودة، ليت شعري ما يصنع في القيامة من غبن أيامه الحالية، ثم يبكي حتى تسيل الدموع على لحيته. ٥٤٤٦- (١٤٣) حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا أبو شهاب الحناط، عن