Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
ذم الدنيا
يريح القلب والبدن، والرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن))(١).
٣٩٦٤- (٣٠٦) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال:
وسمعته - يعني الفضيل بن عياض - يقول: جعل الشر كله في بيت، وجعل
مفتاحه حب الدنيا، و جعل الخیر کله في بیت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
٣٩٦٥- (٣٠٧) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال:
سألت الفضيل بن عياض: ما الزهد في الدنيا؟ قال: القنوع هو الزهد، وهو الغنى.
٣٩٦٦- (٣٠٨) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال:
وسمعت الفضيل يقول: حدثني رجل قال: سمعت عون بن عبد الله يقول: إن
الدنيا والآخرة في قلب ابن آدم ككفتي الميزان بقدر ما ترجح إحداهما تخف
الأخرى.
٣٩٦٧- (٣٠٩) حدثني محمد بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال:
سمعت الفضيل يقول: كتب الحسن بن أبى الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما
بعد، يا أمير المؤمنين! فاعلم أن الدنيا ليست بدار إقامة، وإنما أهبط إليها آدم عقوبة،
فبحسب من لا يدري ثواب الله أنه ثواب، وبحسب من لا يدري عقاب الله أنه
عقاب! ليست صرعتها كالصرعة، تهين من أكرمها، وتعز من أذلها، وتذل من
أعزها، وتفقر من جمعها، ولها في كل حين قتيل، فالزهد فيها تركها، والغنى فيها
فقرها، هي والله - يا أمير المؤمنين-كالسم يأكلها من لا يعرفها لتشفيه وهي حتفه،
فكن-يا أمير المؤمنين-کالمداوي جرحه يحتمي قليلاً مخافة ما يكره طويلاً، ويصبر
على شدة الدواء مخافة البلاء، فأهل البصائر يا أمير المؤمنين، مشيهم بالتواضع،
(١) معضل.

٥٢٢
موسوعة ابن أبي الدنيا
وملبسهم بالاقتصاد، ومنطقهم بالصواب، ومطعمهم الطيب من الرزق، وقد
نفذت أبصارهم في الآجل کما نفذت في العاجل، فخوفهم في البر کخوفهم في
البحر، ودعاؤهم في السراء كدعائهم في الضراء، ولولا الأجل الذي كتب عليهم لم
تقر أرواحهم في أبدانهم إلا قليلاً خوفاً من العقاب وشوقاً إلى الثواب، عظم الخالق
في أعينهم وصغر المخلوق عندهم، فارض منها بالكفاف، وليكفك ما بلغك
المحل.
٣٩٦٨- (٣١٠) حدثنا أبو بكر الصوفي قال: سمعت أبا معاوية الأسود يقول:
من كانت الدنيا أكبر همّه طال غداً في القيامة غمّه.
٣٩٦٩- (٣١١) حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثني الحميدي، عن سفيان
ابن عيينة، عن أبيه قال: سمعت مسلمة بن عبد الملك يقول: إن أقل الناس هماً في
الآخرة أقلهم همّاً في الدنيا.
٣٩٧٠-(٣١٢) أنشدني سليمان بن أبي شیخ:
لم ينج صاحبها من البلوى
مازالت الدنيا منغصة
والبث والأحزان والشكوى
دار الفجائع والهموم ودا
إذ صار تحت خرابها ملقى
بينا الفتى فيما يسربه
تقفو مساويها محاسنها
لا شيء بين النعي والبشرى
٣٩٧١- (٣١٣) حدثنا أبو بكر بن أبي النضر قال: حدثنا سعيد بن عامر قال:
حدثنا جعفر بن سليمان قال: قال مالك بن دينار: اصطلحنا على حب الدنيا، فلا
يأمر بعضنا بعضاً، ولاينهى بعضنا بعضاً، ولا يدعنا الله عز وجل على هذا، فليت
شعري أي عذاب الله تبارك وتعالى ينزل بنا؟

٥٢٣
ذم الدنیا.
٣٩٧٢- (٣١٤) وقال بعض حكماء الشعراء:
وقد سحرتنا بلذاتها
ركنا إلى الدار دار الغرور
ولا لتصرف حالاتها
فما نرعوي الأعاجيبها
تردد فينا بآفاتها
تنافس فيها وأيامها
فيعتبرون بأمواتها
أما يتفكر أحياؤها
٣٩٧٣-(٣١٥) وقال رجل من قريش:
سوف يحدوه بالفنا حاديان
كل حي وإن تملى بعيش
والبهاليل من بني مروان
أين أهل الحجا بنو عبد شمس
إذا ما تقارب الزحفان
والغیوث واللیوث في الجدب والحر
ــل فجن تردى على عقبان
ورجال إذا استهلوا على الخيـ
وتوالى عليهم العصران
وضع الدهر فيهم شفرتيه
والليالي يلعبن بالإنسان
فتولوا كأنهم لم يكونوا
يوما عليه سيعصف الملوان
هون الوجد إن كل الورى
٣٩٧٤- (٣١٦) حدثني عبد الرحيم بن يحيى قال: حدثنا عثمان بن عمارة قال:
قال بعض العلماء: الزهد في الدنيا لا يقيم الرجل على راحة تستريح إليها نفسه.
٣٩٧٥- (٣١٧) حدثني عبد الرحيم بن يحيى قال: حدثنا عثمان بن عمارة، قال:
کان یقال: الورع یبلغ بالعبد إلى الزهد في الدنیا، والزهد یبلغ به حب الله تعالی.
٣٩٧٦- (٣١٨) حدثني أبو زيد النميري قال: حدثنا أبو يحيى الزهري قال:
قال عبد الله بن عبد العزيز العمري عند موته: بنعمة ربي عز وجل أحدث أني لم
أصبح أملك على الناس إلا سبعة دراهم من لحاء شجر فتلته بيدي، وبنعمة ربي

٥٢٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
أحدث لو أن الدنيا أصبحت تحت قدمي، لا يمنعني من أخذها إلا أن أزيل قدمي
عنها ما أزلتها.
٣٩٧٧- (٣١٩) حدثني القاسم بن هاشم، عن محمد بن عبد الله الحذاء قال:
سمعت العمري يقول: إنما الدنيا والآخرة إناءان أيهما أكفأت كان الشغل فيه.
٣٩٧٨- (٣٢٠) حدثنا أحمد بن بجير قال: سمعت صالح بن عبد الكريم قال:
مثل القلب مثل الإناء إذا ملأته، ثم زدت فيه شيئاً فاض، فكذلك القلب إذا امتلأ
من حب الدنيا لم تدخله المواعظ.
٣٩٧٩- (٣٢١) حدثني أبو حفص البخاري قال: حدثنا سعيد بن منصور
قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا حازم يقول: يسير الدنيا يشغل
عن كثير الآخرة.
٣٩٨٠- (٣٢٢) حدثني الحسن بن علي، أنه حدث عن عباءة بن كليب، عن
محمد بن النضر الحارثي قال: کان محمد بن کعب يقول: الدنيا دار فناء ومنزل بلغة،
رغبت عنها السعداء وانتزعت من أيدي الأشقياء، فأشقى الناس فيها أرغب
الناس فيها، وأزهد الناس فيها أسعد الناس فيها، هي المغوية لمن أطاعها، المهلكة
لمن اتبعها، الخائنة لمن انقاد لها، علمها جهل، وغناها فقر، وزيادتها نقصان، وأيامها
دول.
٣٩٨١- (٣٢٣) حدثني الحسن بن علي، أنه حدث عن زيد بن الحباب قال:
حدثني معاوية بن عبد الكريم قال: ذكروا عند الحسن الزهد فقال بعضهم:
اللباس، وقال بعضهم: المطعم، وقال بعضهم: كذا، فقال الحسن: لستم في شيء،
الزاهد: الذي إذا رأى أحدا قال: هو أفضل مني.

٥٢٥
ذم الدنيا -
٣٩٨٢- (٣٢٤) حدثني هارون بن عبد الله قال: حدثني محمد بن يزيد بن
خنيس قال: قال وهيب: لو أن علماءنا -عفا الله عنا وعنهم-نصحوا الله في عباده،
فقالوا: يا عباد الله! اسمعوا ما نخبركم عن نبيكم عليه السلام، وصالح سلفكم من
الزهد في الدنيا فاعملوا به، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفاسدة كانوا قد نصحوا الله
عز وجل في عباده، ولكنهم يأبون إلا أن يجروا عباد الله إلى فتنتهم وإلى ما هم فيه.
٣٩٨٣- (٣٢٥) حدثنا محمد بن علي بن شقيق قال: سمعت إبراهيم بن
الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لا يعطى أحد من الدنيا شيئاً إلا
انتقص من آخرته مثله ويقال: ها بمثليه من الهم، ولا يعطى أحد من الدنيا شيئاً إلا
قيل: ها بمثليه من الشغل، فإن شئت فاستكثر منها وإن شئت فأقلل، والله ما تأخذ
إلا من كيسك.
٣٩٨٤- (٣٢٦) حدثنا محمد بن علي قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث قال:
سمعت فضيل بن عياض يقول: قيل: يا موسى! أيحزن عبدي المؤمن أن أزوي عنه
الدنيا وهو أقرب له مني؟ ويفرح أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني؟
٣٩٨٥- (٣٢٧) حدثني محمد بن عبد الله المديني قال: حدثنا أبو معاوية، عن
الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لايصيب عبد من الدنيا
شيئاً إلا نقص من درجاته عند الله تعالى وإن كان عليه کريماً.
٣٩٨٦- (٣٢٨) حدثني محمد بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال:
سمعت الفضيل يقول: ما رأيت أحداً أعظم الدنيا فقرت عينه فيها ولا انتفع بها،
وما حقرها أحد إلا تمتع بها.
٣٩٨٧- (٣٢٩) قال: وسمعته يقول - يعني الفضيل -: عامة الزهد في الدنيا،
يعني إذا لم تحب ثناء الناس ولم تبالِ بذمهم.

٥٢٦
·موسوعة ابن أبي الدنيا
٣٩٨٨- (٣٣٠) حدثني محمد بن علي قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال:
حدثنا فضيل بن عياض قال: حدثنا سلام بن مسكين قال: سمعت الحسن يقول:
أهينوا الدنيا، فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها.
٣٩٨٩- (٣٣١) حدثنا الخليل بن عمرو قال: حدثنا ابن السماك، عن
عبد الواحد بن زيد، عن الحسن قال: إذا أراد الله بعبد خيراً أعطاه من الدنيا عطية
ثم يمسك فإذا أنفد أعاد عليه، فإذا هان عليه عبده بسطها له بسطاً.
٣٩٩٠- (٣٣٢) حدثني محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن عمر بن
الکمیت الکلابي قال: سمعت داود بن یحیی بن یمان، عن أبيه قال: قال بہیم
العجلي: إنما أخاف أن تدفق عليّ الدنيا دفقة فتغرقني.
٣٩٩١- (٣٣٣) حدثني محمد بن العباس قال: قال محمد بن عمر الكلابي قال:
كان بعض العلماء يدعو: أيا ممسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه أمسك عني
الدنیا.
٣٩٩٢-(٣٣٤) حدثني محمد بن العباس، حدثنا محمد بن عمر بن الكميت،
عن زافر بن سليمان، عن عثمان بن زائدة قال: قيل لمحمد بن الحنفية: من أعظم
الناس قدراً؟ قال: من لم ير الدنيا كلها لنفسه خطراً، إنه ليس الأبدانكم ثمن إلا
الجنة فلا تبیعوها إلا بها.
٣٩٩٣- (٣٣٥) حدثني محمد بن العباس قال: حدثني محمد بن عمر بن
الكميت قال: مكتوب في حكمة عيسى عليه السلام: من علامة المريدين الزاهدين
في الدنیا تر کھم کل خلیط لا یرید ما یریدون.
٣٩٩٤- (٣٣٦) حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: حدثنا أبو

٥٢٧
ذم الدنيا.
إسحاق إبراهيم بن الأشعث قال: حدثنا الفضيل بن عياض، عن محمد بن سوقة
قال: أمران لو لم نعذب إلا بهما كنا مستحقين بهما العذاب من الله عز وجل: أحدنا
يزاد الشيء من الدنيا فيفرح فرحا ما علم الله أنه فرحه بشيء زاده قط في دينه،
وينقص الشيء من الدنيا فيحزن عليه حزنا ما علم الله أنه حزنه على شيء نقصه قط
في دينه.
٣٩٩٥- (٣٣٧) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن
الأشعث قال: حدثنا يحيى بن سليم قال: قال لي عمر بن محمد بن المنكدر: أرأيت
لو أن رجلا صام الدهر لا يفطر، وقام الليل لا يفتر، وتصدق بماله، وجاهد في
سبيل الله، واجتنب محارم الله تعالى، غير أنه يؤتى يوم القيامة على رؤوس الخلائق
في ذلك الجمع الأعظم بين يدي رب العالمين، فيقال: ها إن هذا عظم في عينه ما
صغر الله، وصغر في عينه ما عظم الله، كيف ترى يكون حاله؟ قمن منا ليس هكذا
الدنيا عظيمة عنده، مع ما اقترفنا من الذنوب والخطايا.
٣٩٩٦- (٣٣٨) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت
الفضيل يقول: ذكر عن نبي الله ﴾ أنه قال: ((إذا عظمت أمتي الدنيا نزع منها هيبة
الإسلام، وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي))(١).
قال: وذكر سفيان نحوه. قال سفيان: ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿سَأَصْرِفُ
عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] قال: معناه: سأنزع
عن قلوبهم فهم القرآن.
(١) معضل. وقد سبق برقم (١٦٣٦).

٥٢٨
· موسوعة ابن أبي الدنيا
٣٩٩٧- (٣٣٩) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت
الفضيل يقول: رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وزهادته في الدنیا على قدر
رغبته في الآخرة.
٣٩٩٨- (٣٤٠) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبو إسحاق قال: وسمعت
الفضيل يقول: قال أبو الدرداء: لا تزال نفس ابن آدم شابة في حب الدنيا والدرهم
ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا الذين امتحن الله قلوبهم للآخرة وقليل ما هم.
٣٩٩٩- (٣٤١) حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت
الفضيل يقول: قال أبو حازم: اشتدت مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة؛ فأما مؤونة
الآخرة فإنك لا تجد لها أعوانا، وأما مؤونة الدنيا فإنك لا تضرب بيدك إلى شيء
منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إلیه.
٤٠٠٠ - (٣٤٢) حدثنا الحسن بن الصباح قال: حدثنا عبد الله بن محمد - وكان
من خيار الرجال -قال: حدثنا أبو المغيرة المخزومي قال: حدثنا سعيد بن سلمة
قال: أخبرني ابن حميد الطويل -رجل ممن كان انقطع إلى مكة من أهل الفضل،
وليس بابن حميد البصري-أن علي بن أبي طالب كان يقول في دعائه: اللهم إنك
جعلت الدنيا فتنة ونكالاً فاجعل حظي من جميعها، ونصيبي من قسمها، وشرفي
من سلطانها، سلواً عنها وعملاً بما ترضى به عني.
٤٠٠١ - (٣٤٣) قال بعض حكماء الشعراء:
علينا كأطراف الأسنة في القنا
أری علل الدنيا تروح وتغتدي
سراب من الآمال واللهو والمنى
أخوض من الدنيا غروراً كأنه
من احادثات ليس غيري بها عنى
ولي كل يوم بالمنايا معرض

٥٢٩
ذم الدنیا.
مكب على الدنيا وأبني بها البنا
كفى عجبا أني أموت وأنني
إذا استحيت الدنياهنا قلت هي هنا
يداه التماسا بمادنا
وما أنا إن لم يرحم الله من أنا
تعلقت بالدنیا غرورا بلهوها
وما أنا إلا كالغريق تشبثت
وما أنا إن لم يلبس الله ستره
٤٠٠٢-(٣٤٤) وقال:
عجبت من الدنيا ومن حبنا لها
لهوت وساعات النهار حثيثة
٤٠٠٣-(٣٤٥) وقال:
ولم تزل الدنيا تعرض للبغض
تلطف للإبرام مني وللنقض
منى الدنيا مراتعها وخيمة
يعيش برتعه عيش البهيمة
فمقلقة ومقعدة مقيمة
وللدنيا منى فاحذر مناها
دع الدنيا لراضي الرتع فيها
وما زالت صروف الدهر تجري
وليس الصبر إلا بالعزيمة
وغب الصبر عافية وروح
٤٠٠٤ - (٣٤٦) حدثني أبو عمر الأزدي قال: نظر رجل من العرب إلى أخيه
وحرصه على الدنيا، فقال له: أي أخي! أنت طالب ومطلوب؛ يطلبك من لا
تفوته، وتطلب ما قد كفيته، فكأن ما قد غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد
نقلت عنه، أي أخي! كأنك لم تر حريصاً محروماً، ولا زاهداً مرزوقاً!
٤٠٠٥- (٣٤٧) حدثني أبو عمر الأزدي قال: وعظ رجل من العرب ابناله
فقال له: يا بني! إن الدنيا تسعى على من يسعى لها ويسعى معها، فالهرب منها قبل
العطب فيها، فقد والله آذنتك ببین، وانطوت لك علی حین.

٥٣٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
٤٠٠٦-(٣٤٨) أنشدني عمر بن علي بن هارون:
إنما الدنيا جدود فعزيز وذليل
وأخو الفقير حقير وأخو المال نبيل
فإذا ما الجد ولى عزب الرأي الأصيل
كل بؤس ونعيم فهو في الدنيا يزول
ثم يبقى الله والأعمال والفعل الجميل
٤٠٠٧- (٣٤٩) قرأت في كتاب لداود بن رشيد بخطه: دخل ابن السماك على
هارون الرشيد، فقال: عظني وأوجز، فقال: ما أعجبت يا أمير المؤمنين مما نحن
فيه، كيف غلب علينا؟! وأعجب مما نصير إليه كيف غفلتنا عنه! عجب لصغير
حقير إلى الفناء يصير، غلب على كثير طويل دائم غير زائل.
٤٠٠٨- (٣٥٠) حدثنا علي بن أبي مريم، عن أبي مسعود القتات قال: قال ابن
السماك: إن الدنيا من أولها إلى آخرها قليل، وإن الذي بقي منها في جنب الذي مضى
منها قليل، وإنما لك منها قليل، ولم يبق من قليلك إلا قليل، وقد أصبحت إلى دار
الشرى ودار الفدى، وغدا تصير إلى دار الجزاء ودار البقاء، فاشتر اليوم نفسك،
وفادها بكل جهدك، لعلك أن تخلص من عذاب ربك.
٤٠٠٩- (٣٥١) حدثنا علي بن أبي مريم، عن أبي مسعود القتات قال: قال ابن
السماك: إن الذي نخاف من شر الدنيا أعظم من الشر الذي نحن فيه منها، وإنما
يرجح شر الدنيا لنا عند الفراق لها إن صرنا إلى الهلاك بها.
٤٠١٠- (٣٥٢) حدثنا الفضل بن سهل قال: حدثنا أبو النضر هاشم بن
القاسم قال: حدثنا محمد بن طلحة، عن أبي غرارة قال: مرت على عبد الله بن

٥٣١
ذم الدنيا -
عمر براذين عبد الله بن الزبير بمنى وهي تروث الشعير، فقال: أما إن المعاد لو كان
واحدا ما غلبونا على الدنیا، كأنه يعزي نفسه.
٤٠١١- (٣٥٣) حدثني أبو حفص الضبي - وفي نسخة محمد بن عمران
الضبي - قال: حدثني حسين بن عبد الله، عن سفيان بن عيينة قال: إن لم تدعوا
الدنيا رغبة في الآخرة فاتركوها اتقاء أن تكون مبارة ومبارك أكثرها فيها منكم.
يعني حبشیین كانا قائدين في المدينة.
٤٠١٢-(٣٥٤) حدثني ابن أبي مريم، عن خالد بن يزيد القرني قال: حدثنا
فروة الخياط، عن رجل من أهل البصرة يقال له: صالح قال: سمعت فرقد
السبخي يقول: خدعتكم الدنيا وأبطرتكم، أما والله لتدعنها غير محمودين ولا
معروف لکم ذلك.
٤٠١٣- (٣٥٥) حدثنا علي بن أبي مريم قال: قال سلمة بن غفار: قال سفيان:
إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي.
٤٠١٤- (٣٥٦) قرأت في كتاب داود بن رشيد بخطه، حدثني أبو عبد الله
الصوري قال: قال إبراهيم بن أدهم: إنما زهد الزاهدون في الدنيا اتقاء أن يشركوا
الحمقى والجهال في جهالتهم.
٤٠١٥- (٣٥٧) قرأت في كتاب داود أيضا، حدثني أبو عبد الله قال: كتب
عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري: أن عظني وأوجز، فكتب إليه الحسن: أما
بعد، فإن رأس ما هو مصلحك ومصلح به علی یدیك الزهد في الدنيا، وإنما الزهد
باليقين، واليقين بالتفكر، والتفكر بالاعتبار، فإذا أنت تفكرت في الدنيا لم تجدها
أهلا أن تبيع بها نفسك، ووجدت نفسك أهلاً أن تكرمها بهوان الدنيا، فإنما الدنيا
دار بلاء ومنزل غفلة.

٥٣٢
·موسوعة ابن أبي الدنيا
٤٠١٦- (٣٥٨) قرأت في كتاب داود بن رشيد، حدثني أبو عبد الله قال: قال
عيسى بن مريم عليه السلام: طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شرباً
ازداد عطشاً حتى يقتله.
٤٠١٧- (٣٥٩) حدثنا أبو عبد الله، قال: قال أبو المغيرة البصري: لو أن عبداً
أشغل نفسه نفساً من أنفاسه فأصاب بذلك النفس الدنيا بما فيها لكان هو المغبون
في حاضر القيمة.
٤٠١٨- (٣٦٠) وقال أبو عبد الله: قال عيسى بن مريم عليه السلام: يا معشر
الحواريين! ازهدوا في الدنيا تمشون فيها بلا هم.
٤٠١٩- (٣٦١) وقال أبو عبد الله: قال أبو هاشم: كانوا وإن كانت االدنيا في
أيديهم كانوا فيه لله خزانا لم ينفقوا في شهواتهم ولا لذاتهم، كانوا إذا ورد عليهم حق
من حقوق الله تعالى أمضوها فيه.
٤٠٢٠ - (٣٦٢) قرأت في كتاب داود بن رشيد: قال بعض الحكماء: كل شيء
فاتك من الدنيا غنيمة.
٤٠٢١ - (٣٦٣) حدثنا محمد بن عبد الله المديني قال: حدثنا إسماعيل بن عياش
الحمصي قال: حدثني أبو راشد التنوخي، عن يزيد بن ميسرة قال: كان أشياخنا
يسمون الدنيا خنزيرة ولو وجدوا لها اسماً شراً منه سموها به، وكانوا إذا أقبلت إلى
أحدهم دنيا قالوا: إليك يا خنزيرة لا حاجة لنا بك، إنا نعرف إلهنا.
٤٠٢٢- (٣٦٤) حدثنا الحسن بن عيسى، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال:
أخبرنا معمر ويونس، عن الزهري، عن عروة بن الزبير أخبره، أن المسور بن مخرمة
أخبره، أن عمرو بن عوف وهو حليف بني عامر بن لؤي، وكان شهد بدراً مع
١٠

٥٣٣
دم الدنيا
رسول الله (*) أخبره: أن رسول الله 4: بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين ليأتي
بجزيتها، وكان رسول الله ﴿ قد صالح أهل البحرين وأقر عليهم العلاء بن
الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة،
فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﴿، فلما صلى رسول الله # تعرضوا له، فتبسم
رسول الله ﴿ حين رآهم، ثم قال: ((أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء))؟ قالوا:
أجل يا رسول الله، فقال: ((أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم،
ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتتنافسوها
کما تنافسوها قبلکم، فتهلککم کما أهلکتھم»(١).
٤٠٢٣-(٣٦٥) حدثني أبو جعفر القرشي، عن شيخ من قریش قال: قال خالد
بن صفوان: بت أفكر، فكبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر، ثم نظرت فإذا
الذي يكفيني من ذلك رغيفان وطمران. وزاد غيره: فلما تدبرت أمري إذا أمنيتي
أمنية أحمق.
٤٠٢٤ - (٣٦٦) وأنشدني الحسين بن عبد الرحمن لإبراهيم بن داود في مثل
ذلك:
من كل ما في الأرضي يكفيها
حاسبت نفسي فوجدت الذي
قل وأطمارا تواريها
قوتا يقيم الصلب منها وإن
يكفي فإن الله مغنيها
فإن هي استغنت بهذا الذي
يقتلها فالترب في فيها
وإن أبت إلا الفضول الذي
(١) سبق برقم (٣٩٢٩).

٥٣٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
-
٤٠٢٥- (٣٦٧) حدثنا خلف بن هشام البزار قال: حدثنا أبو شهاب، عن
حميد، عن أنس قال: كانت ناقة رسول الله # العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي بقعود
له فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، فقال رسول الله : «إنه حق على الله أن لا
يرفع شيئاً في الدنيا إلا وضعه))(١).
٤٠٢٦- (٣٦٨) حدثنا خالد بن خداش قال: حدثني عبد العزيز بن أبي حازم
قال: حدثني أبي، عن عبد الله بن بولى، عن أبيه، وكان من أصحاب النبي ﴿، أن
رسول الله ﴿ أتى جبل الأحمر فرأى شاة ميتة فأخذنا بأنفنا، فقال: ((أترون هذه
كريمة على أهلها»؟ قالوا: وما كرامتها؟! قال: ((فوالله للدنيا أهون على الله من هذه
على أهلها))(٢).
٤٠٢٧- (٣٦٩) حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن شعبة،
عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن
النبي# قال: ((من كانت نيته الآخرة جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته
الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه
ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له))(٣).
(١) رواه البخاري (٢٨٧٢).
(٢) رواه البيهقي في الشعب (٣٢٦/٧) من طريق المصنف.
(٣) رواه أحمد (١٨٣/٥)، وابن ماجه (٤١٠٥)، والدارمي (٢٢٩)، وابن حبان (٦٨٠)، والطبراني في
الكبير (١٤٣/٥)، وفي الأوسط (٧٢٧١)، قال المنذري في الترغيب والترهيب (٥٦/٤): ((رواه
ابن ماجه ورواته ثقات .. ". وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢١٢/٤): ((هذا إسناد صحيح
رجاله ثقات رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة رواه بنحوه، ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به ورواه
ابن حبان في صحيحه بنحوه، ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق أبان بن عثمان عن زيد بن ثابت)) .=

٥٣٥
ذم الدنيا.
٤٠٢٨- (٣٧٠) قال أبو الحسن: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا أبو
عبد الرحمن المقرئ، حدثنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك،
أن رسول الله قال: ((من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له
شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلبت الدنيا جعل الله الفقر بين
عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له)) (١).
٤٠٢٩- (٣٧١) حدثنا محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي، حدثنا داود بن
المحبر قال: حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ◌َ﴾: ((من
كانت الدنيا همه وسدمه لها يشخص ولها ينصب وإياها ينوي، جعل الله عز وجل
الفقر بين عينيه وشتت عليه ضيعته ولم يأته منها إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة
همه وسدمه لها يشخص ولها ينصب وإياها ينوي، جعل الله الغنى في قلبه وجمع عليه
ضيعته وأتته الدنيا وهي صاغرة راغمة))(٢).
٤٠٣٠- (٣٧٢) حدثني محمد بن إدريس الحنظلي قال: حدثنا المعلى بن أسد
العمي قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة قال: حدثني بلال
ابن سعد التيمي، عن أبيه، أن أبا الدرداء # ذكر الدنيا، فقال: إنها ملعونة ملعون
= وقال الهيثمي في المجمع (٢٤٧/١٠): ((روى ابن ماجه بعضه رواه الطبراني في الأوسط ورجاله
وثقوا)).
(١) رواه الترمذي (٢٤٦٥)، والحارث (زوائد الهيثمي) (١٠٩٢). قال المنذري في الترغيب والترهيب
(٤/ ٥٧): ((رواه الترمذي عن يزيد الرقاشي عنه ويزيد قد وثق ولا بأس به في المتابعات)).
(٢) رواه الطبراني في الأوسط (٥٩٩٠، ٨٨٨٢)، وابن عدي في الكامل (١٠٠/٣). قال الهيثمي في
المجمع (١٠ /٢٤٧): "رواه الطبراني في الأوسط بسندين في أحدهما داود بن المحبر وفي الآخر
أيوب بن حوط وكلاهما ضعيف جدا".

٥٣٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
ما فيها إلا ما کان لله عز وجل، أو ما ابتغي به وجهه تعالى.
٤٠٣١- (٣٧٣) حدثني يعقوب بن عبيد قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، عن
محمد بن عمارة، عن عبد الله بن عبد الرحمن، أن النبي # أتي بهدية، فالتمس في
البيت شيئاً يضعه فيه، فقال: ((ضعه بالحضيض، فلو كانت الدنيا تعدل عند الله عز
وجل شيئاً ما أعطى كافراً منها قدر جناح بعوضة))(١).
٤٠٣٢- (٣٧٤) حدثنا أحمد بن عيسى المصري قال: حدثنا عبد الله بن وهب
قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن موسى، عن عبد الله بن محمد، عن أبي
مرة مولى عقيل، عن أبي هريرة، عن النبي # قال: ((ما ذئبان جائعان ضاريان في غنم
تفرقت؛ أحدهما في أولها، والآخر في آخرها، بأسرع فيها فساداً من امرئ في دينه
يبتغي شرف الدنيا ومالها))(٢).
٤٠٣٣-(٣٧٥) حدثني زيد بن إسماعيل بن سيار قال: حدثنا معاوية بن عمرو
قال: أخبرنا محمد بن بشر العبدي، حدثنا مسلم الأعور قال: حدثني عبد الحميد
بن أبي جعفر الفراء قال: قال الحسن: من أحب الدنيا وسرته خرج خوف الآخرة
من قلبه، ومن ازداد علماً ثم ازداد على الدنيا حرصاً لم يزدد من الله إلا بعداً، ولم
يزدد من الله إلا بغضاً.
٤٠٣٤ - (٣٧٦) حدثنا شجاع بن الأشرس قال: حدثنا إسماعيل بن عياش،
عن مطعم بن المقدام الصنعاني وغيره، عن محمد بن واسع قال: كتب سلمان إلى أبي
الدرداء: أن يا أخي! إياك أن تجمع من الدنيا ما لا تؤدي شكره؛ فإني سمعت
(١) مرسل.
(٢) سبق (٦٩٢).

٥٣٧
ذم الدنيا
رسول الله # يقول: ((يجاء بصاحب الدنيا الذي قد أطاع الله فيها وماله بين يديه،
كلما تكفأ به الصراط قال له ماله: امض فقد أديت في حق الله عز وجل في، ثم يجاء
بصاحب الدنيا الذي لم يطع الله فيها وماله بين كتفيه، كلما تكفأ به الصراط قال له
ماله: ويلك! ألا أديت حق الله في، فما يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور))(١).
٤٠٣٥-(٣٧٧)-حدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا سیار قال: حدثنا جعفر
قال: حدثنا مالك بن دينار قال: قال أبو هريرة: الدنيا موقوفة ما بين السماء
والأرض كالشن البالي، تنادي ربها منذ يوم خلقها إلى يوم يفنيها: يا رب يا رب! لم
تبغضني؟ يا رب يا رب! لم تبغضني؟ فيقول لها: اسكتي يا لا شيء، اسكتي يا لا
شيء.
٤٠٣٦- (٣٧٨) حدثنا شجاع بن الأشرس قال: حدثنا إسماعيل بن عياش
قال: حدثنا عبد الله بن دينار البهراني وغيره: أن المسيح عليه السلام كان يقول
لأصحابه: بحق أقول لكم: إن شركم عملاً عالم يختار الدنيا، ود لو أن الناس كلهم
كانوا في عمله مثله، ما أحب إلى عبيد الدنيا لو يجدون معذرة، وما أبعدهم منها لو
كانوا يعلمون.
٤٠٣٧- (٣٧٩) حدثنا صالح بن مالك قال: حدثنا عبيد الله بن مسلم الجعفي
قائد الأعمش، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: دخلت
على رسول الله ﴾ وهو نائم في غرفة له کأنها بيت حمام، وإذا هو نائم على حصير قد
أثر بجلده، فجعلت أمسح عنه وأبكي، فقال: ((يا عبد الله! ما يبكيك))؟ قلت: يا
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٠٢٩)، والبيهقي في الشعب (٣٧٩/٧ -٣٨٠)، وأبو نعيم في
الحلية (١/ ٢١٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٥٣/٤٧).

٥٣٨
·موسوعة ابن أبي الدنيا
رسول الله! ذكرت كسرى وقيصر يفترشان الحرير والديباج. فقال: ((أما ترضى أن
تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ما أنا والدنيا إلا كمثل رجل مر في يوم صائف
فاستظل تحت شجرة فلما أبرد ارتحل فذهب))(١).
٤٠٣٨- (٣٨٠) حدثنا يحيى بن سليمان المحاربي قال: حدثنا مسعر بن كدام
قال: حدثني عون بن عبد الله بن عتبة قال: كانوا يتواصون فيما بينهم بثلاث أحرف
يكتب بها بعضهم إلى بعض: من عمل لله تعالى كفاه الله الناس، ومن عمل لآخرته
كفاه الله دنياه، ومن أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته.
٤٠٣٩- (٣٨١) حدثني إبراهيم بن يعقوب قال: قال العمري عبد الله بن عبد
العزيز: الزهد: الرضا.
٤٠٤٠- (٣٨٢) وحدثني من سمع أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا
سليمان الداراني قال: الورع أول الزهد، والقناعة أول الرضا.
٤٠٤١- (٣٨٣) قال أحمد: وقلت لأبي هشام عبد الملك المغازلي: أي شيء
الزهد؟ قال: قطع الآمال، وإعطاء المحمود، وخلع الراحة.
٤٠٤٢- (٣٨٤) وزعم إسحاق بن إبراهيم: أن أيوب بن شبيب حدثه قال:
حدثني محمد بن ثور، عن أبي حنيفة - وليس بصاحب الرأي - عن أبي السحماء
قال: بينا أنا أسير بين الإسكندرية والفسطاط، إذا برجل على فرس فقال: يا أبا
السحماء! ما تعدون الزهد فيكم؟ قال: قلت: ترك هذا الحطام. قال: لا، ولكن هو
أن يتنحى الرجل في المكان الذي يرجو أن يراه الله عز وجل فيه فيرحمه.
(١) سبق برقم (٣٧٣٦).

٥٣٩
ذم الدنیا.
٤٠٤٣- (٣٨٥) حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي قال: كان أبو السحماء
الكلبي قد بلغ من الدنيا والسلطان مبلغاً، ثم عزم له على الزهد فيها، فترك ذلك
أجمع، وأقبل على العبادة والتنسك.
٤٠٤٤- (٣٨٦) قال: وأخبرني الحارث بن مسكين: أنه خرج مرة من
الإسكندرية فنزل منزلاً، فقال: الحمد لله، استرحنا من صحبة الملوك، نمد أرجلنا
إذا شئنا، ونتكئ إذا شئنا، ونعمل ما أردنا.
٤٠٤٥- (٣٨٧) حدثني الحسن بن عبد العزيز قال: حدثني عمرو بن أبي
سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، أن عيسى بن مريم عليه السلام قال: من ذا الذي
يبني على موج البحر داراً، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً.
٤٠٤٦- (٣٨٨) حدثني علي بن الحسين بن أبي مريم، عن داود بن عبيد الله بن
مسلم الحنفي قال: كان بعض الحكماء يقول في كلامه: في كل حال تلقى الدنيا
محترمة متنكرة، حتى إذا هبطت ديار الهالكين كشفت قناعها وانحسرت، فانتصبها
العاملون مثالا لأنفسهم، فنظروا فيها بالعبر وقطعوا قلوبهم عما أخرج إليها بالفكر
في الغير، أولئك الذين أنزلوا الدنيا حق منزلتها، فهم فيها أهل كلال ووصب، قد
ذوبوا الأجساد وأظمؤوا الأكباد خوفا أن يحل بهم ما حل بالهالكين قبلهم، الذين
أناخت الدنيا في ديارهم، فأسعرتهم في طوارق مثلها مما صاروا بذلك عبرا وحديثا
للباقين من بعدهم، فالقوم في مناجاة العزيز بالاستكانة له، والتذلل والتضرع إليه،
والاستعاذة به من شر ما تهجم به الدنيا على أوليائها، والرغبة إليه في الخلاص من
ذلك، لا يستكثرون له من أنفسهم طاعة ولو ماتوا قياما على الأعقاب متعبدين،
ولا يستصغرون من أنفسهم إلى الدنيا من المعاصي لحظة ولو كانوا أيام حياتهم عنها
ب

٥٤٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
معرضين، ملأت الآخرة قلوبهم فليس لأنفسهم عندهم في الدنيا راحة، أولئك
الذين اتصلت قلوبهم بمحبة وصف سيدهم دار القرار، فعلقوا من الوصف
بأوهام العقول ما استطارت لذلك قلوبهم، وغشيت عن غيره أبصارهم، فعيشهم
في الدنيا منغوص، وحظهم منها عند أنفسهم منقوص، ينظرون إليها بعين الرهبة
منها، فإذا ذكرت عندهم الآخرة جاءت الرغبة فطاشت عندها العقول. قال: وكان
يقول: إن الدنيا كأس سكرات أماتت شاربيها وهم أحياء، فعموا وهم يبصرون،
وصموا وهم يسمعون، وخرسوا وهم ينطقون. قال: وكان يقول: ليت الدنيا لهم لم
تخلق، وليتها إذ خلقت لم أخلق. قال: وكان يقول: تصرعنا ونثق بها، ترينا غيرها
فنواريه عن أنفسنا. فيا عجباً كل العجب من زاهد فيك وأنت ترغب فيه! ويا عجباً
كل العجب من ماقت لك وأنت له محب!
٤٠٤٧- (٣٨٩) وأنشدني أبو جعفر القرشي رحمه الله:
أيها الآمن الذي عينه الدهر نائمة
أيقظ العين إنها بالأماني حالمة
لا تغرنك الحيـاة بدنيا مسالمة
إنها بعد سلمها ذات يوم مراغمة
٤٠٤٨ - (٣٩٠) وأنشدني أبو جعفر:
کم صالح عبثت به ففسد
احذر من الدنيا تعبئها
إلا كما قام امرؤ وقعد
ما بين فرحتها وترحتها
مضروبة مثلاً لدار أبد
يا ذا المزوق دار ملك بلی
كشهاب ضوء لاح ثم خمد
كم من أخ لك مات مستلب