Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
ذم الدنيا
يا هؤلاء! قالوا: يا هذا! قال: الرحيل. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم،
وإلى رياض ليست کریاضكم. قال: فقال جل القوم، وهم أکثرهم: والله، ما وجدنا
هذا حتى ظننا أنا لن نجده، وما نصنع بعيش خير من هذا؟ قال: وقالت طائفة،
وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله ألا تعصوه شيئا؟ وقد
صدقكم في أول حديثه، فوالله ليصدقنكم في آخره. قال: فراح فيمن اتبعه، وتخلف
بقيتهم، فنذر بهم عدو فأصبحوا ما بين أسير وقتيل))(١).
٣٨٣٧- (١٧٩) حدثني إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا روح بن عبادة، عن
عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله :﴿ قال: ((إنما مثل الدنيا كمثل الماشي
في الماء؛ هل يستطيع الذي يمشي في الماء ألا تبتل قدماه؟!))(٢).
٣٨٣٨- (١٨٠) حدثني علي بن أبي مريم، عن شيخ له، عن أبيه، عن وهب بن
منبه قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: بحق أقول لكم: كما ينظر المريض إلى
طيب الطعام فلا يلتذ به من شد الوجع كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ العبادة ولا
يجد حلاوتها مع ما يجد من حب الدنيا.
وبحق أقول لكم: إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعبت وتغير خلقها، كذلك
القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت وينصبها دأب العبادة تقسو وتغلظ.
بحق أقول لكم: إن الزق إذا لم يتخرق أو يقحل فسوف يكون وعاء للعسل،
وكذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات أو يدنسها الطمع أو يقسيها النعيم فسوف
(١) مرسل.
(٢) مرسل.

٤٨٢
·موسوعة ابن أبي الدنيا
تكون أوعية للحكمة.
٣٨٣٩- (١٨١) حدثني عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا المحاربي، عن
سفیان قال: بلغنا أن لقمان قال لابنه: یا بني! إن الدنیا بحر عمیق یغرق فيه ناس
كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله تعالى، وحشوها الإيمان بالله تعالى، وشراعها
التوكل على الله لعلك تنجو، وما أراك بناج.
٣٨٤٠- (١٨٢) حدثني سريج بن يونس قال: حدثني من سمع عبيد الله بن
مسلم قال: بلغني أن عيسى بن مريم عليه السلام قال: ويل لصاحب الدنيا! كيف
يموت ويتركها وتغره ويأمنها، وتخذله ويثق بها؟! ويل للمغترين! كيف أرتهم ما
یکرهون، وفارقهم ما يحبون، وجاءهم ما يوعدون؟! ويل لمن الدنيا همه، والخطايا
عمله! کیف يفتضح غدا بذنبه؟!
٣٨٤١- (١٨٣) حدثني عون بن إبراهيم قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري
قال: سمعت أبا عبد الله الأنطاكي قال: ليس شيء خیر لنا من أن لا نمتحن بالدنيا.
٣٨٤٢- (١٨٤) حدثني عون بن إبراهيم قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري
قال: حدثني عبادة أبو مروان قال: أوحى الله إلى موسى: يا موسى! ما لك ولدار
الظالمين؟ إنها ليست لك بدار، أخرج منها همك، وفارقها بعقلك، فبئست الدار
هي إلا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار هي. يا موسى! إني مرصد للظالم حتى آخذ
منه للمظلوم.
٣٨٤٣- (١٨٥) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني عون بن عمارة قال: قال
أبو محرز الطفاوي: كلف الناس بالدنيا، ولم ينالوا منها فوق قسمتهم، وأعرضوا

٤٨٣
ذم الدنيا
عن الآخرة وببغيتها يرجو العباد نجاة أنفسهم.
قال: وقال أبو محرز: لما بان للأكياس أعلى الدارين منزلة طلبوا العلو بالعلو من
الأعمال، وعلموا أن الشيء لا يدرك إلا بأكثر منه، فبذلوا أكثر ما عندهم؛ بذلوا-
والله- لله المهج رجاء الرجاء لديه، والفرج في يوم لا يخيب فيه له طالب.
٣٨٤٤- (١٨٦) حدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن بشر- قال:
حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا مسعر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: كان
مسروق يركب بغلته كل جمعة ويحملني خلفه، فنأتي كناسة بالحيرة قديمة فيحمل
عليها بغلته، ويقول: الدنيا تحتنا.
٣٨٤٥- (١٨٧) حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان بن عثمان قال:
أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: حدثنا إبراهيم بن نشيط قال: حدثنا كعب بن علقمة
قال: قال سعد بن مسعود التجيبي: إذا رأيت العبد دنياه تزداد، وآخرته تنقص مقيما
على ذلك راضيا به، فذلك المغبون الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر.
٣٨٤٦- (١٨٨) حدثني حمزة قال: أنبأنا عبدان قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك،
أخبرنا وهيب قال: قال عيسى عليه السلام: أربع لا تجتمع في أحد من الناس إلا
تعجب: الصمت وهو أول العبادة، والتواضع لله عز وجل، والزهادة في الدنيا،
وقلة الشيء.
٣٨٤٧- (١٨٩) حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان بن عثمان قال:
أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا حريث بن السائب قال: حدثنا الحسن قال: مر رسول
الله على مزبلة في طريق من طرق المدينة، فقال: (( من سره أن ينظر إلى الدنيا
بحذافيرها فلينظر إلى هذه المزبلة، ثم قال: ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح ذباب

٤٨٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
ما أعطى كافرا منها شيئًا))(١).
٣٨٤٨- (١٩٠) وقال بعض الحكماء من الشعراء:
فيها المزابل كانت قبل مغشية
أما مررت بساحات معطلة
بزخرف من غرور اللهو موشية
أما نظرت إلى الدنيا وزينتها
تعنى به من صروف الدهر معنية
أعظم بحمقة نفس لا تكون بما
لله در أذى عين تقربها
وإنها لعلى التنغيص مبنية
٣٨٤٩- (١٩١) أملى علي عبد الرحمن بن صالح هذه الرسالة: أما بعد: عافانا
الله وإياك من شر دار قد أديرت والنفوس عليها قد أقبلت، ورزقت وإياك خیر دار
قد أقبلت والقلوب عنها قد غلقت، وكأن المعمور من هذه الدار قد ترحل عن
أهله، وكأن المغفول عنه من تلك الدار قد أناخ بأهله، فغنم غانم، وندم نادم،
واستقبل الخلق خلدا لا يزول، وحكم عليهم جبار لا يجور، فهنالك قطع الهموم،
وصغر ما دونه من متاع هذا الغرور. والسلام.
٣٨٥٠- (١٩٢) حدثني عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا أبو معاوية، عن
الأعمش، عن عمارة، عن يزيد بن معاوية النخعي قال: إن الدنيا جعلت قليلا فما
بقي منها إلا قليل من قليل.
٣٨٥١- (١٩٣) أنشدني أحمد بن موسى الثقفي:
فتى مالت به الدنيا وغرته ببارقها
فلاذ بها وعانقها وبئست عرس عاشقها
غدا يوما لضيعته ليصلح من مرافقها
(١) مرسل.

٤٨٥
ذم الدنيا.
فلما جاءها والشمس تزهر في مشارقها
تلقته جداولها تفجر في حدائقها
وأطرف من طرائفها جنيا من بواسقها
وجيء بخيرها ثمرا وأطيبها لذائقها
وأطعمه مؤلفة تباين في مذائقها
فأمعن في ثرائدها وأكثر من شرائقها
وجيء بقهوة صرف تساق بكف سائقها
بكفي طفلة خود تثنى في محانقها
فحدث نفسه كذبا وزورا غير صادقها
ومناها الخلود بها عميا عن بوائقها
فأصبح هالكا فيها على أدنى نمارقها
ولاذ بنعشه عصب تسير على عواتقها
إلى دار البلى فردا وحيدا في مضايقها
ألا إن الأمور غدا تصير إلى حقائقها
٣٨٥٢- (١٩٤) أنشدني أبي رحمه الله:
دع الدنيا لناكحها يستصبح من ذبائحها
ولاتغررك رائحة تصيبك من روائحها
أرى الدنيا وإن عشقت تدل على فضائحها
مصدقة لعايبها مكذبة لمادحها
٣٨٥٣- (١٩٥) أنشدني عامر بن عامر الهمداني:
١

٤٨٦
- موسوعة ابن أبي الدنيا
-
إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق
والليالي متجر الإنسان والأيام سوق
٣٨٥٤- (١٩٦) أنشدني الحسن بن عبد الله:
بنفع فما شيء سواه بنافعي
إذالم يعظني واعظ من جوارحي
غلالة سم مورد الموت ناقع
أؤمل دنيا أرتجي من رخائها
على الماء خانته فروج الأصابع
ومن يأمن الدنيا يكن مثل آخذ
بلذة أضغاث من أحلام هاجع
وكالحالم المسرور عند منامه
وعادت عليه عاطفات الفجائع
فلما تولى الليل ولى شروره
٣٨٥٥- (١٩٧) أنشدني الحسن بن السكن بن سليمان:
فما تقطع العيش إلا بهم
حياتك بالهم مقرونة
فما تأكل الشهد إلا بسم
لذاذات دنياك مسمومة
توقع زوالا إذا قيل تم
إذا تم أمر بدانقصه
٣٨٥٦- (١٩٨) حدثنا علي بن الجعد الجوهري قال: أخبرنا المبارك بن فضالة،
عن الحسن قال: خطب عتبة بن غزوان الناس بالبصرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم
قال: يا أيها الناس! إن هذه الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا
صبابة كصبابة الإناء، وإنكم مفارقوها لا محالة، فانتقلوا منها بخير ما بحضرتكم،
فوالذي نفسي بيده ما كانت قبلكم نبوة إلا تناسخت حتى يكون آخرها ملكا،
وستبلون الأمراء بعدنا.
قال الحسن: فلقينا بعد عبراً.
وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً، ولقد رأيتني سابع

٤٨٧
ذم الدنیا.
سبعة مع رسول الله ﴿ قريبا من شهر ما لنا طعام إلا ما نصيب من ورق الشجر
حتى قرحت أشداقنا من أكل الشجر، ولقد رأيتني التقطت بردة فشققتها بيني
وبين سعد بن مالك، فما علمت من السبعة حياً اليوم إلا قد أصبح أميراً على مصر،
أعجبتم؟ فما بعدكم أعجب! والذي نفسي بيده لو أن حجرا قذف في شفير جهنم
ما بلغ قعرها سبعين سنة، والذي نفسي بيده لتملأن، والذي نفسي بيده إن ما بين
مصراعي الجنة مسيرة أربعين سنة، والذي نفسي بيده ليأتين عليه ساعة وهو
كظيظ (١).
٣٨٥٧- (١٩٩) حدثنا عثمان بن معبد قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال:
حدثني الليث بن سعد قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن علي بن رباح أخبره، أنه
سمع عمرو بن العاص يقول على المنبر: والله، ما رأيت قوما قط أرغب فيما كان
رسول الله /* يزهد فيه منكم؛ ترغبون في الدنيا وكان رسول الله يزهد فيها، والله ما
مر برسول الله ﴿ ثلاث من الدهر إلا والذي عليه أكثر من الذي له(٢).
٣٨٥٨- (٢٠٠) حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان بن عثمان قال:
أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرني يحيى بن أيوب قال: حدثني عبد الله بن
جنادة المعافري، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي {$*
(١) رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٩٣)، وهو في صحيح مسلم (٢٩٦٧) من طريق حميد بن هلال عن
خالد بن عمير قال: خطب عتبة .. فذكره.
(٢) رواه أحمد (٢٠٤/٤)، والحاكم (٣٥٠/٤) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم
يخرجاه". قال المنذري في الترغيب والترهيب (١٠١/٤-١٠٢): "رواه أحمد ورواته رواة
الصحيح ... ". وقال الهيثمي في المجمع (٣١٥/١٠): "رواه كله أحمد ...... ورجال أحمد رجال
الصحيح".

٤٨٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
قال: ((الدنيا سجن المؤمن وسنته فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة))(١).
٣٨٥٩- (٢٠١) حدثني حمزة بن العباس قال: أنبأنا عبدان قال: أخبرنا عبد
الله قال: أخبرنا شريك بن عبد الله، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله ابن
عمرو قال: الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن، وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه
كمثل رجل كان في سجن فأخرج منه، فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها.
٣٨٦٠- (٢٠٢) حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا
عبد الله قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني أبو عبد ربه قال:
سمعت معاوية يقول على هذا المنبر: سمعت رسول الله # يقول: ((إن ما بقي من
الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء؛ إذا طاب أعلاه طاب
أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله))(٢).
٣٨٦١- (٢٠٣) حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان بن عثمان قال:
أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، أنه كان إذا تلا هذه
الآية: ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] قال:
من قال ذا؟ من خلقها، ومن هو أعلم بها.
٣٨٦٢- (٢٠٤) قال: وقال الحسن: إياكم وما شغل من الدنيا؛ فإن الدنيا كثيرة
(١) رواه أحمد (٢/ ١٩٧)، وعبد بن حميد (٣٤٦)، والحاكم (٤/ ٣٥١). قال الهيثمي في المجمع
(٢٨٨/١٠-٢٨٩): "رواه أحمد والطبراني باختصار ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن
جنادة وهو ثقة".
(٢) رواه أحمد (٩٤/٤)، وابن ماجه (٤١٩٩)، وأبو يعلى (٧٣٦٢)، والطبراني (٣٦٨/١٩)، وابن
حبان (٣٣٩).

٤٨٩
ذم الدنيا
الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه
عشرة أبواب.
٣٨٦٣- (٢٠٥) حدثني حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله بن
المبارك قال: أنبأنا طلحة بن صبيح، عن الحسن قال: المؤمن من يعلم أن ما قاله الله
عز وجل كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً وأشد الناس خوفاً، لو أنفق جبلاً
من مال ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحاً وبراً وعبادة إلا ازداد فرقاً، يقول:
لا أنجو، والمنافق يقول: سواد الناس كثير وسيغفر لي، ولا بأس علي، يسيىء في
العمل ويتمنى على الله عز وجل.
٣٨٦٤- (٢٠٦) حدثنا أبو سعيد المديني عبد الله بن شبيب قال: حدثني محمد
ابن عمر بن سعيد العطار قال: حدثني زكريا بن منظور، عن عمه، عن عمر بن
عبد العزيز: كتب إلى أخ له: يا أخي! إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله، فاذكر
يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي إلى نبيك محمد® في القرآن أنك من أهل
الورود، ولم يخبرك أنك من أهل الصدر والخروج، وإياك أن تغرك الدنيا؛ فإن الدنيا
دار من لا دار له، ومال من لا مال له، أي أخي! إن أجلك قد دنا فكن وصي
نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك.
٣٨٦٥- (٢٠٧) حدثني عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا عمرو بن هاشم
الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله عز
وجل ناجى موسى عليه السلام فقال: يا موسى! إنه لم يتصنع لي المتصنعون بمثل
الزهد في الدنيا، ولم يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم.
٣٨٦٦- (٢٠٨) حدثني عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا عبد الرحمن

٤٩٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
المحاربي، عن مالك بن مغول قال: أخبرت عن الحسن قال: قالوا: يا رسول الله!
من خيرنا؟ قال: ((أزهدكم في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة))(١).
٣٨٦٧- (٢٠٩) حدثنا علي بن أبي مريم، عن زهير بن عباد قال: حدثنا داود
ابن هلال النصيبي قال: مكتوب في صحف إبراهيم عليه السلام: يا دنيا! ما
أهونك على الأبرار الذين تصنعت لهم وتزينت لهم، إني قد قذفت في قلوبهم
بغضك والصدود عنك، ما خلقت خلقا أهون علي منك، كل شأنك صغير، وإلى
الفناء تصيرين، قضيت عليك يوم خلقت الخلق ألا تدومي لأحد، ولا يدوم لك
أحد، وإن بخل بك صاحبك وشح عليك، طوبى للأبرار الذين أطلعوني من
قلوبهم على الرضا، وأطلعوني من ضميرهم على الصدق والاستقامة، طوبى لهم،
مالهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم، النور يسعى أمامهم، والملائكة
حافون بهم حتى أبلغ بهم ما یرجون من رحمتي.
٣٨٦٨- (٢١٠) حدثني ابن أبي مريم قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثني
أبو العباس الكندي قال: أهدیت إلى صديق لی سکرا، فكتب إلي: لا تعد ودع
الإخاء على حاله حتى نلتقي وليس في القلوب شيء، ثم كتب في أسفل كتابه: ما
طالب الدنيا من حلالها وجميلها وحسنها عند الله بالمحمود ولا المغبوط، فكيف من
طلبها من أيدي المخلوقين ومن قذرها ونكدها بالعار والمنقصة؟!
٣٨٦٩- (٢١١) حدثني سليمان بن أبي شيخ قال: حدثنا أبو سفيان الحميري -
أحسبه عن حصين -قال: جاء عمرو بن ميمون الأودي من مسجد الكوفة، وقد
صلی بهم العتمة، فلما انتھی إلى قومه وجدهم يتحدثون، فقال: فیم کنتم؟ قالوا: کنا
(١) مرسل.

٤٩١
ذم الدنیا.
نتذاكر موت عمر بن الخطاب والمصيبة به، فقال: أنتم تريدون بقاء الدنيا وقد أبى
الله عز وجل إلا فناءها، وإنما فناء الدنيا بذهاب الصالحين.
٣٨٧٠- (٢١٢) حدثني على بن الحسن بن عبد الله، عن عبد الله بن صالح بن
مسلم العجلي قال: أخبرني رجل من بني شيبان، أن علي بن أبي طالب ه خطب
فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأن محمداً صلى الله عليه عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين
الحق ليزيح به علتكم، وليوقظ به غفلتكم.
واعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم
ومجزيون بها، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، فإنها دار بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة،
وبالغدر موصوفة، فكل ما فيها إلى زوال، وهي بين أهلها دول وسجال، لا تدوم
أحوالها، ولن يسلم من شرها نزالها، بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في
بلاء وغرور، أحوال مختلفة، وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا
يدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، وتغصهم بحمامها،
وكل حتفه فيها مقدور، وحظه فيها موفور.
واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من زهرة هذه الدنيا على سبيل من قد
مضى، ممن كان أطول منكم أعماراً، وأشد منكم بطشاً، وأعمر دياراً، وأبعد آثاراً،
فأصبحت أصواتهم خامدة من بعد طول تقلبها، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية،
وآثارهم عافية، واستبدلوا بالقصور المشيدة، والسرر والنمارق الممهدة، والصخور
والأحجار المسندة، في القبور اللاطئة الملحدة، التي قد بني بالخراب فناؤها، وشيد
بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل عمارة موحشين،
وأهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران

٤٩٢
موسوعة ابن أبي الدنيا
والإخوان، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنو الدار، وكيف يكون بينهم تواصل
وقد طحنهم بكلكلة البلى، وأكلتهم الجنادل والثرى، فأصبحوا بعد الحياة أمواتاً،
وبعد غضارة العيش رفاتا، فجع بهم الأحباب، وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم
إياب. هيهات هيهات! ﴿كَلَّاَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَاْ وَمِن وَرَآبِهِمْ بََّغُ إلَى يَوَّمِ يُبْعَثُونَ﴾.
[المؤمنون: ١٠٠].
فكأن قد صرتم إلی ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار الموتى، وارتهنتم في
ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت بكم الأمور،
وبعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، وأوقفتم للتحصيل بين يدي
الملك الجليل، فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب، وفتكت عنكم
الحجب والأستار، وظهرت منكم العيوب والأسرار؟! هنالك تجزى كل نفس ما
كسبت، إن الله تعالى يقول: ﴿ِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنَىَ﴾
[النجم: ٣١] وقال تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مَِا فِيهِ وَيَقُولُونَ
يَوَيِلَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً
وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه، متبعين
لأوليائه، حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله، إنه حميد مجيد.
٣٨٧١-(٢١٣) حدثني أزهر بن مروان الرقاشي قال: حدثنا جعفر بن سليمان
قال: سمعت مالك بن دينار يقول: بقدر ما تفرح للدنيا كذلك تخرج حلاوة
الآخرة من قلبك.
٣٨٧٢- (٢١٤) وحدثني أزهر بن مروان، حدثنا جعفر بن سليمان قال:
سمعت مالك بن دينار يقول: قال عيسى بن مريم عليه السلام للحواربين: يا

٤٩٣
ذم الدنيا
معشر الحواريين! كلوا خبز الشعير والماء القراح ونبات الأرض؛ فإنكم لا تقومون
بشكره، واعلموا أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة.
٣٨٧٣-(٢١٥) حدثنا محمد بن معمر العجيفي قال: حدثني من سمع سفيان
ابن عيينة يقول: والله، ما أعطى الله الدنيا من أعطاها إياها إلا اختباراً، ولا زواها
عمن زواها عنه إلا اختباراً، وآية ذلك أن رسول الله :﴿ جاع وشبعتم، ابن آدم! تهيأ
للجدل ولنشر حسابك، وانظر من موقفك على من يسألك عن النقير والفتيل
والقطمير، وما هو أصغر من ذلك وأكبر، وما تغني حياة بعدها الموت. قال: فقيل
له: يا أبا محمد! من يقول هذا؟ قال: ومن يحسن يقول هذا إلا الحسن رحمه الله.
٣٨٧٤- (٢١٦) أنشدني أبو جعفر القرشي:
يا عاشق الدنيا وللدنيا سمادير وسكر
اسمع لموعظة الزمان فما بسمعك عنه وقر
كم قد مضى ملك له نظر إلى الجلساء شزر
وله مباهاة بما لم يبق فيه له فخر
وتمر أزمنة بنا يمضي بها شهر وشهر
وتمر فينا الحادثات لها بناطي ونشر
ويكون من يبني القصور يضمه من بعد قبر
والدهر فيه عجائب من صرفه شفع ووتر
والموت فيه على الذهاب بأنفس الثقلين نذر
وعوابر الدنيا تمر عليك وأنت لهن جسر
ولرب حال بين صاحبها وبين الموت قبر

٤٩٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
ومتى يفك لعاشق الدنيا من الشهوات أسر
٣٨٧٥- (٢١٧) وقال بعض حكماء الشعراء:
في ذبح أولادها الصيد الغرانيق
خطبت يا خاطب الدنيا مشمرة
زفت إليه بمعزاف وتصفيق
کم من ذبیح لها من تحت ليلتها
٣٨٧٦- (٢١٨) أنشدني أبو الحسن الباهلي أو غيره:
تناه عن خطبتها تسلم
يا خاطب الدنيا إلى نفسها
قريبة العرس من المأتم
إن التي تخطب قتالة
٣٨٧٧- (٢١٩) وأنشدني أبو جعفر مولى بني هاشم:
أتته المنية في نومته
وكم نائم نام في غبطة
دهته الحوادث في لذته
وكم من مقيم على لذة
سيأتي الزمان على جدته
وكل جديد على ظهرها
٣٨٧٨- (٢٢٠) قال بعض الحكماء: أما يكفي أهل الدنيا ما يعاينون من كثرة
الفجائع وتتابع المصائب في المال والإخوان، والنقص في القوى والأبدان؟!
٣٨٧٩- (٢٢١) حدثنا أبو بكر الصوفي قال: حدثني الحسن بن الربيع، قال:
سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت حبيبي فضيل بن عياض يقول: خمسة
من علامة الشقاء: قسوة القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا،
وطول الأمل. وخمسة من السعادة: اليقين في القلب، والورع في الدين، والزهد في
الدنيا، والحياء، والعلم.
٣٨٨٠- (٢٢٢) وكتب إلي أبو عبد الله محمد بن خلف بن صالح الكوفي التيمي
قال: حدثنا شعيب بن إبراهيم التيمي قال: حدثني سيف بن عمر الأسيدي، عن
م

٤٩٥
ذم الدنیا.
بدر بن عثمان، عن عمه قال: آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة: إن الله إنما أعطاكم
الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى والآخرة
تبقى، لا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية، آثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن
الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله عز وجل. اتقوا الله فإن تقواه جنة من بأسه
ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعاتكم لا تصيروا أحزاباً
﴿وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنَا﴾ [آل
عمران: ١٠٣] إلى آخر الآيتين.
٣٨٨١- (٢٢٣) حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن عبد الله بن صالح بن
مسلم العجلي، عن معاذ الحذاء قال: سمع علي بن أبي طالب عليه السلام رجلاً
يسب الدنيا، فقال له: إنها لدار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار
غنى لمن تزود منها، ومسجد أحباء الله عز وجل، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته،
ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا وقد
آذنت بفراقها ونادت ببينها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت ببلائها البلاغ، وشوقت
بسرورها إلى السرور، فذمها قوم عند الندامة، وحمدها آخرون حدثتهم فصدقوا،
وذکرتهم فذكروا.
فيا أيها المعتل بالدنيا المغتر بغرورها متى استلأمت إليك الدنيا بل متى غرتك
بمضاجع آبائك تحت الثرى أم بمصارع أمهاتك من البلى؟ كم قد قلبت بكفيك
ومرضت بيديك تطلب له الشفاء وتسأل له الأطباء فلم تظفر بحاجتك ولم تسعف
بطلبتك، قد مثلت لك الدنيا بمصرعه مصرعك غدا، يوم لا يغني عنك بكاؤك ولا
ينفعك أحباؤك.

٤٩٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
٣٨٨٢- (٢٢٤) حدثني علي بن أبي مريم، عن بعض أشياخه قال: قال
عبد الواحد بن زيد: يا ويح العابدين أما يستحيون من طلب الدنيا وقد ضمن لهم
الرزق، وكفى الراغب منها الطلب، وأمروا بالطاعة فهم يطلبون منها ما إن فاتهم
سلموا وإن وجدوه ندموا، وهل الخير إلا خير الآخرة، والخير في الدنيا معدوم
والخفض فيها مذموم، والمقصر فيها ملوم.
٣٨٨٣-(٢٢٥) وحدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: حدثني
عمار بن عثمان قال: حدثني حصين بن القاسم قال: سمعت عبد الواحد بن زيد
يحلف بالله تعالى: لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عندي من أعدى أعدائه له.
قال: وسمعته يقول: يا إخوتاه، لا تغبطوا حريصا على ثروة ولا سعة في مكسب
ولا مال، وانظروا إليه بعين المقت له في فعاله، وبعين الرحمة له في اشتغاله اليوم بما
يرد به غدا في المعاد. قال: ثم يبكي ويقول: الحرص حرصان: فحرص فاجع
وحرص نافع؛ فأما النافع فحرص المرء على طاعة الله، وأما الفاجع فحرص المرء
على الدنيا، متعذب مشغول لا هو يسر ولا يلذ بجمعه لشغله، ولا يفرغ من محبته
للدنيا لآخرته، كدّاً كدّاً لما يفنى، وغفلة عما يدوم ويبقى. قال: ثم يبكي.
٣٨٨٤- (٢٢٦) أنشدني ابن أبي مريم:
وانظر إليه بعين الماقت القالي
لا تغبطن أخا حرص على سعة
عن السرور بما يحوي من المال
إن الحريص لمشغول لشقوته
٣٨٨٥- (٢٢٧) حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان بن عثمان قال:
أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا الأسود بن شيبان السدوسي قال: قال الفضل بن ثور
ابن شقيق بن ثور-وكان تهمه نفسه-قلت للحسن: يا أبا سعيد رجلان: طلب

٤٩٧
ذم الدنیا.
أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها، فوصل فيها رحمه وقمم فيها لنفسه، وجانب الآخر
الدنيا. فقال: أحبهما إلي الذي جانب الدنيا، فأعاد عليه فأعاد عليه مثله.
٣٨٨٦- (٢٢٨)-حدثني حمزة قال: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله قال:
حدثنا حيوة بن شريح قال: أخبرني أبو هانىء الخولاني، أنه سمع عمرو بن حريث
وغيره يقولون: إنما نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ،
لَبَغَوْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا، فتمنوا الدنيا.
٣٨٨٧- (٢٢٩) حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن
الأعمش، عن شمر بن عطية، عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، عن عبد الله
ظُه قال: قال رسول الله قال: ((لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)). قال عبد الله:
وبراذان ما براذان، وبالمدينة ما بالمدينة(١).
٣٨٨٨- (٢٣٠) حدثني عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا الحسين بن علي
الجعفي، عن شيخ من أهل البصرة، عن يزيد بن ميسرة الحمصي - -وكان قد قرأ
الكتب - قال: أجد فيما أنزل: أيحزن عبدي أن أقبض عنه الدنيا وذلك أقرب له
مني؟ أو يفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وذلك أبعد له مني؟! ثم قرأ: ﴿أَيَحْسَبُونَ
أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ، مِن ◌َّالٍ وَبَنِيِنَ ) تُشَارِعُ لَّمْ فِى الْخَيْرَتِ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥-٥٦].
٣٨٨٩- (٢٣١)-حدثنا محمد بن ناصح قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن محمد
ابن مرة التستري قال: قال عمر بن الخطاب : الزهد في الدنيا راحة القلب
والبدن.
(١) سبق برقم (١٠٢٤).

٤٩٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
٣٨٩٠- (٢٣٢) حدثني الحسن بن محبوب بن أبي أمية قال: حدثنا أبو توبة
الربيع بن نافع قال: حدثنا أبو ربيعة عبد الله بن عبيد الله بن عدي بن عدي
الكندي، عن أبيه، عن جده قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أما بعد:
فكأن العباد قد عادوا إلى الله عز وجل، ثم ينبئهم بما عملوا ليجزي الذين أساؤوا بما
عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فإنه لا معقب لحكمه، ولا ينازع في أمره،
ولا يقاطع في حقه الذي استحفظه عباده وأوصاهم به، فإني أوصيك بتقوى الله،
وأحثك على الشكر فيما اصطنع عندك من نعمه، وآتاك من كرامته، فإن نعمه يمدها
شكره ويقطعها كفره، وأكثر ذكر الموت الذي لا تدري متى يغشاك فلا مناص ولا
فوت، وأكثر ذكر يوم القيامة وشدته فإن ذلك يدعوك إلى الزهادة فيما زهدت فيه،
والرغبة فيما رغبت فيه، ثم كن مما أوتيت من الدنيا على وجل فإن من لا يحذر ذلك
ولا يتخوفه توشك الصرعة أن تدركه في الغفلة، وأكثر النظر في عملك في دنياك
بالذي أمرت به ثم اقتصر عليه فإن فيه -لعمري - شغلا عن دنياك، ولن تدرك
العلم حتى تؤثره على الجهل، ولا الحق حتى تدرأ الباطل. نسأل الله لنا ولك حسن
معونته، وأن يدفع عنا وعنك بأحسن دفاعه برحمته.
٣٨٩١- (٢٣٣) حدثني الحسن بن محبوب قال: حدثنا الفيض بن إسحاق أبو
يزيد قال: أخبرنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب قال: قال أبو عبد الرحمن
السلمي: نزلنا وبينا وبين المدائن فرسخ، فأخذ أبي بيدي فذهب بي إلى الجمعة، فإذا
حذيفة يخطب، فقال: ألا إن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق، وإن الدنيا قد
آذنت بفراق، وإن المضمار اليوم وغدا السباق. فقلت: يا أبه! غدا يستبق الناس؟
قال: يا بني! ما أجهلك! إنما يعني العمل. فلما كانت الجمعة الثانية قال مثلها، وإن
الغاية النار. والسابق من سبق إلى الجنة.

٤٩٩
ذم الدنيا
٣٨٩٢-(٢٣٤) حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي قال: حدثنا سعد
ابن يونس، عن أبي عمرو الشيباني، عن عمران بن عبد الحميد، عن هشام، عن
الحسن قال: يحشر الناس يوم القيامة كلهم عراة ما خلا أهل الزهد.
٣٨٩٣-(٢٣٥) حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني جعفر بن أبي جعفر قال:
كتب إبراهيم بن أدهم إلى أخ له، فكان في كتابه: ارفض يا أخي حب الدنيا؛ فإن
حب الدنیا یعمي ویصم.
٣٨٩٤- (٢٣٦) حدثني أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني قال: حدثني عبد
الله بن بكر السهمي قال: حدثني ابن لمحمد بن حصين، أن الحسن بن أبي الحسن
مر على مجلس لثقيف، فقالوا له: يا أبا سعيد! لو وعظتنا بكلمات، لعل الله أن ينفعنا
بهن، فتكلم وهو قائم، فقال: إن ربنا لا شريك له، جعل الدنيا دار مرحلة، وجعل
الخير والشر فيها فتنة لأهلها ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فهم يتقلبون فيها بسعي
مختلف في مدة من آجال منقطعة تجري عليهم فيها أرزاقهم ويأكلونها ما صحبوها،
ويتركونها عن قليل لمن بعدهم كما ورثوها عمن كان قبلهم، كذلك حتى تلفظ
الدنيا أهلها وتبلغ مداها، وتفنى كما فنوا، وجعل الآخرة دار حيوان في جنة ونار
نزلتا بختم من فضاء ربهما، الخير من الشر بعيد، والشر من الخير بعيد، فنسأل الذي
خلقنا لما شاء أن يجعل منقلبنا ومنقلبكم إلى داره دار السلام.
٣٨٩٥- (٢٣٧) حدثني هارون بن سفيان قال: حدثني عباد بن موسى أبو
عقبة البصري قال: حدثني محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عبيد
ابن عمير قال: الدنيا أمد، والآخرة أبد.

٥٠٠
·موسوعة ابن أبي الدنيا
٣٨٩٦- (٢٣٨) حدثني عبد الرحمن بن صالح قال: حدثني الحكم بن يعلى
قال: قال الحسن البصري: ليس من حبك الدنيا طلبك ما يصلحك فيها، ومن
زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها، ومن أحب الدنيا وسرته ذهب خوف
الآخرة من قلبه.
٣٨٩٧- (٢٣٩) حدثني عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا المحاربي، عن
سفیان قال: بلغنا أن لقمان قال لابنه: یا بني! إن الدنيا بحر عمیق یغرق فيه ناس
كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله تعالى، وحشوها الإيمان بالله تعالى، وشراعها
التوكل على الله، لعلك تنجو، وما أراك بناج.
٣٨٩٨-(٢٤٠) وقال سليمان بن یزید العدوي:
وتصبح بالأمر العظيم تمخض
وما زالت الدنيا يخون نعيمهما
تهافت من حافاتها وتنفض
محلة أضياف ومنزل غربة
٣٨٩٩-(٢٤١) وقال سليمان بن يزيد العدوي أيضا:
تقلبهم أيامها وتقلب
أرى الناس أضيافا أناخوا بغربة
وقد عاينوا منها الزوال وجربوا
بدار غرور حلوة يرغثونها
مضیض مکاوي حرها يتلهب
تسرهم طورا وطورا تذيقهم
فلم أر كالدنيا تذم وتحلب
يذمون دنيا لا يريجون درها
من الموت سم مجهز حين يشرب
لها درة تصبي الحليم وتحتها
فأصبح في جد وأصبح يلعب
وقداخترت ذا الجميل لا در درها
بفعل وخير القول ما لا يكذب
وكلهم حيران يكذب قوله
٣٩٠٠- (٢٤٢) قال بعض الحكماء: يا معشر أبناء الدنيا! لكم في الظاهر اسم