Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان -
١٥٤٠ - (٤٢) حدثني يعقوب بن عبيد، أخبرنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان
ابن سعيد الثوري، عن أبي السوداء، عن ابن سابط قال: قال رسول الله و9: ((لو
ترك شيء لحاجة أو لفاقة لترك الهديل(١) لأبويه))(٢).
١٥٤١ - (٤٣) حدثني زکریا بن یحیی قال: حدثني شيبان بن فروخ، حدثنا أبو
الأشهب قال: قال أبو المنهال: كان رجل قد بلغ الهرم وذهب عقله، ولم یکن له
أحد یقوم علیه، وکان له ابن يقال له تمیم، وإن تمیما نزل به الموت، فنودي أبوه: يا أبا
تميم، ألم تر أن تميماً قد مات، فكأنه رجع إلى عقله، فقال: لو ترك شيء لفاقة لترك لي
تمیم.
١٥٤٢ - (٤٤) حدثني عبد الله بن عمرو البلخي قال: حدثني حمزة بن القاسم
ابن حمزة العلوي قال: حدثني إسحاق أبو يعقوب النصري قال: كان لبني العباس
مولى يقال له الزرير بن عبد ربه، وكان قد عمِّر حتى فقد ماله وولده، فلم يبق له إلا
ابن واحد يقال له: إبراهيم. قال: فكان إبراهيم الذي يغذوه ويرفق به، والشيخ
شبيه بالوالد، فرمي في جنازة ابنه إبراهيم، فأخذ الجيران في مصلحته وإنه جالس في
ناحية منزله لا يحير شيئاً أكبر ظنهم أنه لا يفهم شيئاً من فقد ابنه، حتى إذا أصلحوا
(١) في المطبوع: الهذيل. وضبطها المحقق بضم الهاء، وفتح الياء، وهو وهم. انظر التعيلق الآتي.
(٢) مرسل.
فائدة: قال ابن حجر في الإصابة (٦ / ٥٨٢): "هديل ذكره أبو موسى في الذيل وأخرج من طريق بن
أبي الدنيا بسنده إلى أبي السوداء عن أبي سابط قال: قال رسول الله ﴾: لو ترك شيء لشيء لترك
هدیل لأبویه. قلت: توهم أبو موسی أن اهدیل هذا اسم رجل ولیس کذلك؛ وإنما هو اسم جنس
وهو بفتح الهاء بوزن عظيم، الفرخ الصغير الذكر من الحمام، والمراد بذكره هنا: ضرب المثل. قال
ذو الرمة الشاعر: قلت أتبكي ذات طوق تذكرت هديلا وقد أودى الهديل قديما".

٤٤٢
موسوعة ابن أبي الدنيا
شأنه حملوا سريره خرج يهدج قدام الجنازة، فلما انتهوا به إلى شفیر قبره ضرب یده
إلی أکفانه ثم قال:
غداة أبقى وإبراهيم في الرجم
إني لأصبر من يمشي على قدم
ومن لسمع رماه الدهر بالصمم
يا من لعين أباد الدهر قرتها
بكيت حبي ما لم أبكه بدم
وعاد عهد أبي إسحاق كالحلم
قالوا أطلت الأسى فأربع عليك وهل
بدلت من فرحي الماضي به ترحا
وبالإله من الشيطان معتصم
فالله موضع ما أشكو وغايته
قد ذاقه من به سمیت فانهملت
فقال: ما أنا فيك اليوم قائله
ما ضر من قال يودي الوجد صاحبه
عين النبي عليه سحة السجم
وبالإله سداد الفعل والكلم
وقد بقيت ووجدي لیس کالأمم
١٥٤٣ - (٤٥) وأنشدني ابن الأعرابي لرجل يرثي ابناً له وجد عليه:
ملازمة ما حج لله راكب
لعمري لقد أورثت قلبي حسرة
وما طلعت شمس ولاحت كواكب
سأبکیك ما هبت رياح من الصبا
سواك وإن عزت عليك المصائب
لأفني علیك الدمع کیلا یناله
على الرغم مني والدموع سواكب
حملتك يا سؤلي وجسمك للبلى
إلى حفرة إني إلى الله راغب
وأهديت ما قد كنت منك أصونه
فقد قطعت آمالنا منك بعد ما
وأوحشت داراً كنت أنساً لأهلها
وأني لمن يستودع الترب أوبة
ظننا فأخطأتنا الظنون الكواذب
فهل أنت إن طال التوجع آيب
ترجی وقد سدت عليه المذاهب
١٥٤٤ - (٤٦) وقال آخر في ابن له وجد عليه:

٤٤٣
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان.
محلة غير مرجو الإياب
حبيب حل في دار اغتراب
عجاب ما يقول من العجاب
يقول تناسه من لم يلده
يقطع ذكره برد الشراب
وكيف أطيق أن أنسى حبيبا
سأذكره بصبر واحتساب
ألا لست ناسيه ولكن
١٥٤٥ - (٤٧) حدثني أبو سعيد المازني قال: حدثني الزبير بن أبي بكر قال:
حدثني إسماعيل بن يعقوب التيمي قال: أقبلتُ من عمرة المحرم فنزلت العرج،
فإذا أنا بشاب ميت وظبي مذبوح وفتاة عبرى، فقلت: أيتها الفتاة، ما خبر هذا
الشاب، وهذا الظبي؟ فقالت: إن هذا ابن عمي وهو زوجي، وإنا نزلنا هذا الموضع
فمر به هذا الظبي، فأخذه فأضجعه ليذبحه، فلما أجرى الشفرة على حلقه ارتكض
بيديه فوخزه بقوته فقتله، وإذا هي تقول:
على الإساءة ما أودى بك البطل
یا خشف لو بطل لكنه قدر یا
نكل العدو إذا ما قيل من رجل
خشف خشف بني نهد وأسرته
وبعلها بين أيدي القوم مقتتل
أمست فتاة بني نهد معطلة
فارتض لا أودفيه ولا فلل
کانت منیته وخزا بذي شعب
قال: فما رأيت ثلاثة نحبت مثلهم: الشاب ميت، والظبي مذبوح، والفتاة
عبری.
١٥٤٦ - (٤٨) حدثني الحسن بن جهور قال: مررت مع علي بن أبي هاشم
الكوخي بالخلد والقرار، فنظر إلى تلك الآثار، فوقف متأملا فقال:
وللخراب بني المبني
بنوا وقالوا لا نموت
إلى الحياة بمطمئن
ما عاقل فيما رأيت

٤٤٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
١٥٤٧ - (٤٩) حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن مسكين أبي زيد
الصوفي قال: كان رجل من العباد أيام الفتنة يخرج إلى المقابر والجبابين فزعا ظل
نهاره، وربما بات ليله في بعض خرابات أفناء هذا الذي تدعونه الخلد، فهو في فكرة
وبكاء. قال: فبينا أنا ذات ليلة في بعض خراباته، وذلك بعدما مضى- ليل طويل إذ
سمعت هاتفاً يهتف يقول:
حزينا فقل أين أربابها
وقف بالقصور على دجلة
رقاة المنابر غلابها
وأين الملوك ولاة العهود
إليك فقدمات أصحابها
تجيبك آثارهم عنهم
قال: فأرعدت والله وسقطت مغشيا علي.
١٥٤٨ - (٥٠) وأنشدني أبي:
يدل عليه بالخيانة والغدر
إلى الخلد فالزوراء فالخلد فالجسر
وتحدوك ما لا يلبث الدمع أن يجري
خشوعا وصمتا بالبشاشة والبشر
لهندية بدر وخطية سمر
رويدك إني بالأمور أخو خبر
على عدمي طورا وطورا على يسري
وأطلق من ضيق الزمان أخا أسر
وتملي له من حيث يدري ولا يدري
وللدهر في أكناف دجلة منظر
وبالجانب الغربي مما يلي الحما
منازل تقريك الشجا من عراصها
تنكر منها ما عرفت وبدلت
ركوعاً على صرف الزمان وسجدا
فيا واثقاً بالدهر غرا بصرفه
خليلي قد رضت الزمان وراضني
فإن تكن الأيام كبلن مطلقا
فما زالت الأيام تستدرج الفتى
١٥٤٩ - (٥١) حدثني محمد بن قدامة الجوهري قال: حدثني رجل من أهل
البصرة، عن أبيه، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن عبد الله بن عباس قال: دخلت

٤٤٥
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان
على عبد الملك بن مروان في يوم شديد البرد، وإذا هو في قبة باطنها قوهي معصفر
وظاهرها خزاغيره، وحوله أربع كوانين. قال: فرأى البرد في تقفقفي، فقال: ما
أظن يومنا هذا إلا بارداً. قال: قلت: أصلح الله أمير المؤمنين، ما يظن أهل الشام أنه
أتى عليهم يوم هو أبرد منه. قال: فذكر الدنيا فذمها ونال منها، وقال: هذا معاوية
عاش أربعين سنة؛ عشرين أميراً وعشرين خليفة، هذه جثته عليها ثمامة نابتة، لله در
ابن حنتمة ما کان أعلمه بالدنیا.
١٥٥٠ - (٥٢) حدثني محمد بن قدامة، عن شيخ له، أن عبد الملك بن مروان
وقف على قبر معاوية وعليه ينبوتة تهتز، فقال: الحمد لله عشرين سنة أميراً،
وعشرين سنة خليفة، ثم صرت إلى هذا:
هل الدهر والأيام إلا كما ترى
رزية مال أو فراق حبيب
١٥٥١ - (٥٣) حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا
عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن سابط الجمحي، أنه خرج من قنسرين وهو
قافل. قال: فأشار لي إنسان إلى قبر عبد الملك بن مروان، فوقفت أنظر، فمر عبادي
فقال: لم وقفت ههنا؟ فقلت: أنظر إلى قبر هذا الرجل الذي قدم علينا مكة في
سلطان وأمن، ثم عجبت إلى ما رد إليه، فقال: ألا أخبرك خبره لعلك ترهب؟
قلت: وما خبره؟ قال: هذا ملك الأرض، بعث إليه ملك السماء والأرض فأخلع
روحه، فجاء به أهله فجعلوه ههنا حتى يأتي الله يوم القيامة مع مساكين أهل دمشق.
١٥٥٢ - (٥٤) قال الحسن بن عثمان: سمعت أبا العباس الوليد يقول: عن عبد
الرحمن بن يزيد بن جابر قال: كان عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية خلا لعبد الملك بن
مروان، فلما مات عبد الملك وتصدع الناس عن قبره وقف عليه، فقال له: أنت

٤٤٦
·موسوعة ابن أبي الدنيا
عبد الملك الذي كنت تعدني فأرجوك، وتوعدني فأخافك، أصبحت وليس معك من
ملكك غير ثوبيك، وليس لك منه غير أربعة أذرع في عرض ذراعين، ثم انكفأ إلى
أهله فاجتهد في العبادة حتى صار كأنه شن بال، فدخل عليه بعض أهله فعاتبه في
نفسه وإضراره بها، فقال لقائله: أسألك عن شيء تصدقني عنه ما بلغه علمك؟ قال:
نعم. قال: أخبرني عن حالك التي أنت عليها، أترضاها للموت؟ قال: اللهم لا.
قال: فاعتزمت على النقال(١) منها إلى غيرها. قال: ما أشجعت(٢) رأيي في
ذلك. قال: أفتأمن أن يأتيك الموت على حالك التي أنت عليها؟ قال: اللهم
[لا](٣). قال: فبعد الدار التي أنت فيها معتمل. قال: اللهم ولا. قال: حال ما أقام
عليها عاقل، ثم انكفأ إلى مصلاه.
قال أبو حسان: فحدثت بهذا الحديث القاسم بن محمد بن المعتمر الزهري،
فقال: أتدري من المعاتب له في نفسه؟ قلت: لا. [قال](٤): مسلمة بن عبد الملك.
١٥٥٣ - (٥٥) وحدثني هاشم بن عبد الوليد الهروي، حدثنا أبو بكر بن
عياش، حدثنا أبو إسحاق قال: لما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير بدير
الجائليق أقبل وعليه قلنسوة دنوسية، فإذا الهيثم بن الأسود فقال له: كيف رأيت ما
فعل الله بأهل بلدك يا هيثم؟ قال: يا أمير المؤمنين، خف الوطأة، وأقل التثريب،
فجاء حتى دخل القصر وفيه عمرو بن حريث فأخذ بيده فجعل يريه منازل
الأمراء، فقال له: هذا منزل المغيرة بن شعبة، وهذا منزل زياد، وكان هذا منزل
(١) في تاريخ دمشق (٧٤/٣٦-٧٥): انتقالك.
(٢) في تاريخ دمشق (٧٤/٣٦-٧٥): أشخصت.
(٣) الزيادة من تاريخ دمشق (٧٤/٣٦ -٧٥).
(٤) الزيادة من تاريخ دمشق (٧٤/٣٦ -٧٥).

٤٤٧
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان -
سعد، فانصرف عبد الملك، فرمى بنفسه على السرير وقال:
وكل امرئ يوما يصير إلى كان
أرى كل حي يا أميم إلى بلى
١٥٥٤ - (٥٦) وحدثنا أبو بشير العجلي(١)، عن الهيثم بن عدي، عن أبي
يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير، أن عبد الملك بن مروان استلقى على
فراشه وقال:
واكدح لنفسك أيها الإنسان
اعمل على مهل فإنك ميت
وكأنما هو كائن إذ كان
فكأن ما قد کان لم یك إذ مضى
.
١٥٥٥ - (٥٧) حدثني المفضل بن غسان، عن أبيه، عن أبي السائب العبدي
قال: أتانا صالح المري فدخل علينا، فقلت: من أين أقبلت يا أبا بشر؟ قال: أقبلت
من منزل أخوض المواعظ حتى صرت إليكم، مررت بدار فلان فنادتني: يا صالح،
خذ موعظتك مني؛ فقد نزلني فلان فارتحل، ونزلني فلان فارتحل، ونزلني فلان
فارتحل، ومررت بدار فلان فنادتني: يا صالح، خذ موعظتك مني؛ نزلني فارتحل،
ونزلني فلان فارتحل، فجعل یعدد الدور دارا دارا حتى وصل إلينا.
١٥٥٦ - (٥٨) حدثنا أبو حفص العمري قال: قرأت على قصر- إلى جانب
العقيق مكتوب:
فمات والوارث الباقي على الأثر
کم قد توارث هذا القصر من ملك
١٥٥٧ - (٥٩) حدثني عبد العظيم بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن جشم
مولى عبد الله بن عامر قال: حدثني أبي قال: سمعت صالحاً المري يقول: دخلت دار
المورياني وهي خراب فقلت: يا دار، ما فعل أهلك؟ فإذا أنا بمناد ينادي من أقصى
(١) في تاريخ دمشق (١٣٠/٣٧): البجلي.

٤٤٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
الدار: قف يرحمك الله يا صالح، هذا سخط مخلوق على مخلوق، فكيف سخط
الخالق على المخلوق؟ لا إله إلا الله.
١٥٥٨ - (٦٠) وحدثنا خالد بن خداش قال: سمعت صالحا المري - أو
حدثت عنه - قال: دخلت دار المورياني، فاستخرجت منها ثلاث آيات: ﴿ فَتِلْكَ
بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوَاْ﴾ [النمل: ٥٢]، ﴿فَتِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.
[القصص: ٥٨]، ﴿ وَلَقَد تَرَكِّتَهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥]، فخرج علي أسود
من ناحية الدار فقال: يا أبا بشر، هذه سخطة مخلوق فكيف سخط الخالق؟
١٥٥٩ - (٦١) وحدثني محمد بن الحسين قال: حدثني خالد بن خداش قال:
حدثني بعض ملوك البصرة قال: رفع المورياني إحدى رجليه على الأخرى فقال:
تاز شاه شاه أزين تيكي. قال: واي واي من الخير، فما أمسى يومئذ حتى بعث
الخلیفة إلیه فجلسه، ثم قتله وهدم داره وأخذ ماله.
١٥٦٠ - (٦٢) حدثني من سمع علي بن الجعد يقول: أخبرني من رأى أبا
جعفر المنصور يطوف بالكعبة واضعا يده على أبي أيوب المورياني وهو يقول: اللهم
ادفع خلیفتك عن نفس سلیمان المکروه، ثم لم يلبث أن فعل به ما فعل.
١٥٦١ - (٦٣) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني أبو عمر العمري قال:
حدثني أبو إسماعيل عبد الرحمن بن صعصعة البجلي، عن أبيه، عن مهدية التميمية
- امرأة من بني العنبر - كان لها بنون وإخوة، فماتوا وبقي لها ابن واحد، فمات
فأنشأت تقول:

٤٤٩
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان.
لأن نشفي برؤيتك الغليلا
أمنجاب المکارم عد إلينا
ولم ترحل عذاقرة ذمولا
كأنك لم تقل للركب سيروا
قال: ثم حدثتنا ساعة، ثم تبسمت فقالت لها امرأة منهن: أتضحكين وأنت
حری ثكلى، قد ثكلت منجابا، أجنون اعتراك، أم فند، أم ماذا دهاك؟ فبكت، ثم
قالت: لا وأبيك، ولكن الشر لا يجد لي مزیدا.
١٥٦٢ - (٦٤) حدثني أبو يوسف يعقوب بن عبيد، حدثنا إسحاق بن بشر-
القرشي قال: حدثني عبد الله بن زياد المدني، عن بعض من قرأ الكتب، أن ذا
القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها بلغ أرض بابل مرض مرضاً شديداً،
أشفق من مرضه أن يموت بعدما دوخ البلاد وحواها، واستعبد الرجال وجمع
الأموال، ونزل أرض بابل دعا كاتبه فقال: خفف علي المؤونة بكتاب تكتبه إلى أمي
تعزيها بي، واستعن ببعض علماء فارس، ثم اقرأه علي، فكتب الكتاب: بسم الله
الرحمن الرحيم من الإسكندر -قال عبد الله بن زياد: وهو بني الإسكندرية،
وباسمه سميت الإسكندرية، والإسكندراني - فكتب:
من الإسكندر بن قيصر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا، ورفيق أهل السماء
بروحه طويلا، إلى أمه رومية ذات الصفا التي لم تمتع بثمرتها في دار القرب، وهي
مجاورته عما قليل في دار البعد، يا أمتاه، يا ذات الحلم، أسالك برحمي وودي
وولادتك إياي هل وجدت لشيء قرارًا ثابتاً، أو خيالاً دائماً؟
ألم تري إلى الشجرة كيف تنضر أغصانها، ويخرج ثمرها، وتلتف أوراقها، ثم لا
يلبث الغصن أن يتهشم، والثمرة أن تتساقط، والورق أن يتناثر؟ ألم تري النبت
الأزهر يصبح نضيراً، ويمسي هشيماً؟

٤٥٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
ألم تري إلى النهار المضيء كيف يخلفه الليل المظلم؟ ألم تري إلى القمر كيف
يغشاه الكسوف؟ ألم تري إلى شهب النار الموقدة ما أسرع ما تخمد؟
ألم تري إلى عذاب المياه الصافية، ما أسرعها إلى البحور المتغيرة؟ ألم تري إلى هذا
الخلق کیف یتعیش في الدنیا، وقد امتلأت منه الآفاق، واستعلت به الآماق، وهت
به الأبصار والقلوب. إنما هما شيئان: إما مولود، وإما نبت، وكلاهما مقرون به
الفناء.
ألم تري أنه قيل لأهل هذه الدار: روحي بأهلك فإنك لست لهم بدار، يا والدة
الموت، ويا مورثة الأحزان، ويا مفرقة بين الأحباب، ومخربة العمران؟ ألم تري أن
كل مخلوق يجري على ما لا يدري، وأن كل مستيقن منهم غير راض بما هو فيه،
وذلك أنه متروك لغیر قرار؟
وهل رأيت يا أمتاه، إن كان أحد بالبكاء حقيقا فلتبك السماوات على نجومها،
ولتبك البحار على مائها، وليبك الجو على طائره، ولتبك الأرض على أولادها،
والنبت الذي يخرج منها، وليبك الإنسان على نفسه الذي يموت في كل ساعة،
وعند كل طرفة، وفي كل هم وقول وفعل، بل على ما يبكي الباكي؟ لفقد ما فقد
أکان قبل فراقه آمنا لذلك من فقده، أم هو لما بقي باق له لبكائه والحزن علیه، أو هو
باق بعده، فإن لم يكن هذا ولا وهذا فليس للباكي على ذلك دليل يتبع، ولا قائد
بهدي.
يا أمتاه، إن الموت لم يبغتني من أجلي، إنني كنت عارفا إنه نازل بي، فلا يبغتك
الحزن، فإنك لم تكوني جاهلة بأني من الذين يموتون، يا أمتاه، إني كتبت كتابي هذا،
وأنا أرجو أن تعزي به ويحبس موقعه منك، ولا تخلفي ظني، ولا تحزني روحي، یا

٤٥١
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان -
أمتاه، إني قد علمت يقيناً أن الذي أذهب إليه خير من مكاني الذي أنا فيه، أطهر من
الهموم والأحزان والسقم والنصب والأمراض، فاغتبطي لي مذهبي، فاستعدي في
إجمال الثناء علي، إن ذكري من الدنيا قد انقطع من الدنيا بما كنت أذكر به من الملك
والرأي، فاجعل لي من بعدي ذكرا أذكر به في حلمك وصبرك، وطاعة الفقهاء
والرضا بما يقول الحكماء.
یا أمتاه، إن الناس سينظرون إلى هذا منك، وما یکون منك من بین راض وکاره،
ومدل ومسمع، وقائل قولا ومخبر، فأحسني إلي ذلك من بعدي، يا أمتاه، السلام في
هذه الدار قليل زائل، فليكن عليك وعلي في دار الأبد السلام الدائم، فتفكري بتفهم
ورغبة بنفسك أن تكوني شبه النساء في الجزع، كما كنت لا أرضى أن أكون شبه
الرجال في الجزع والاستكانة والضعف، ولم يكن ذلك يرضيك مني. ومات.
١٥٦٣ - (٦٥) وحدثني عون بن إبراهيم بن الصلت الشامي قال: حدثني
محمد بن روح المصري قال: حدثني محمد بن سليمان الكلبي قال: لما مات
الإسكندر وهو ذو القرنين خرجت أمه في أحسن زي نساء أهل الإسكندرية حتى
وقفت على ناموسه فقالت: واعجباً ممن بلغت الدنيا، وأقطار الأرض سلطانه،
ودانت له الملوك عنوة، أصبح اليوم نائماً لا يستيقظ، صامتاً لا يتكلم، محمولاً على
يدي من لا يناله بضره، ألا هل مبلغ الإسكندر عني بأن قد وعظني فاتعظت،
وعزاني فصبرت، ولولا أني لاحقة به ما فعلت، فعليك السلام يا بني حيا وهالكا،
فنعم البني كنت، ونعم الهالك أنت.
١٥٦٤ - (٦٦) وحدثني عون بن إبراهيم قال: حدثني أبو الطاهر وابن روح
المصريان، عن عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، أن ذا القرنين لما حضرته الوفاة

٤٥٢
موسوعة ابن أبي الدنيا
كتب إلى أمه: إذا أتاك كتابي فاصنعي طعاماً، واجمعي عليه النساء، فإذا جلسوا
للغداء فاعزمي عليهن أن لا تأكل منهن امرأة ثكلى، ففعلت فعلقن أيديهن كلهن،
فقالت: ألا تأكلن أكلكن ثكلى؟ قلن: إي والله ما منا امرأة إلا وقد ثكلت أباها أو
أخاها أو ابنها. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلك ابني ما كتب بهذا إلا تعزية.
١٥٦٥ - (٦٧) قال أبو حفص عمر بن أبي الحارث المحاربي - ودفع إلي كتابه
بخطه فكتبته -، حدثنا بشر بن عبيد الدارسي قال: أخبرنا مبارك بن فضالة، عن
الحسن قال: كان الإسكندر أول من خزن الأموال تحت الأرض، فلما حضرته
الوفاة دعا ابنه الأكبر - وكان ولي عهده - فقال: يا بني، إني أراني لمآبي، فإذا أنا مت
فابعث إلي حذاق الصاغة فأدخلهم الخزائن فلينتقوا جيد الذهب على أعينهم، ثم
ليصوغوا تابوتا، ثم أدخلني فيه، ثم ضعني وسط قصري، ثم ابعث إلى أهل
مملكتك، وإلى العلماء منهم، فليتكلم كل واحد منهم بما يعلم، فلما هلك الإسكندر
فعل ابنه ما أمره به أبوه سرا، ثم بعث إلى أهل مملكته وإلى العلماء، وكانوا ثلاثة عشر
رجلاً، فأقبلوا حتى أطافوا بالتابوت كأنهم علموا ما يراد بهم، فقال لهم ابنه: أيها
العلماء، قوموا فتكلموا بها تعلمون، فقام الأول فوضع يده على التابوت فقال:
سلك الإسكندر طریق من قبر، وفي موته عبر لمن بقي.
ثم قام الثاني فقال: هلك الإسكندر، ومن يملك من بعده يهلك كما هلك.
ثم قام الثالث فقال: خلف الإسكندر ملکه لغيره یحکم فیه بغیر حکمه.
ثم قام الرابع فقال: تفرقنا لموتك، وقد فارق الإسكندر ومن كان به يغتبط.
ثم قام الخامس فقال: أصبح الإسكندر مشتغلاً بما عاين، وهو بالأعمال يوم
الجزاء أشغل.

٤٥٣
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان -
ثم قام السادس: فوضع يده على التابوت فقال: إسكندر كان يخزن الذهب في
الخزائن، فأصبح الإسكندر مخزونا في الذهب.
ثم قام السابع فقال: أنا السابع وأنا أقول: من كان يرجو روح الآخرة فليعمل
عملاً يقبل منه ویرفع.
ثم قام الثامن فقال: الإسكندر كنت مثلي حديثا، وأنا مثلك وشيكاً.
ثم قام التاسع فقال: إسكندر وردت يوم وردت ناطقاً، وصدرت يوم صدرت
صامتاً.
وقام العاشر فقال: إسكندر جمعت الآفاق لموتك، وفي الموت عبرة لمن اعتبر
وأبصر.
وقام الحادي عشر فقال: إسكندر أرى مصيبته بعد نعمه وقد كانت وزمان، فما
أبکر فكلنا یصیبه ما قد نزل.
ثم قام الثاني عشرة فقال: إسكندر هذا آخر عهدنا بك منعت جواب من
يخاطبك.
ثم قام الثالث عشر- فقال: السلام على من رضي دار السلام، وأدخل دار
السلام.
١٥٦٦ - (٦٨) وحدثني عون بن إبراهيم قال: حدثني محمد بن روح المصري
قال: سمعت زهير بن عباد قال: لما حضرت ذا القرنين الوفاة كفنوه، ثم وضعوه في
تابوت من ذهب. قال: فقالت الحكماء: تعالوا حتى نتكلم عليه ونعتبر. فقال
أولهم: إن هذا الشخص كان لكم واعظاً نافعاً مطيعاً، ولم يعظكم قط بأفضل من
مصر عه هذا.

٤٥٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
-
وقال الآخر: إن كان فارق الأنجاس وصارت روحه إلى روح الطاهرين
فطوبی له.
وقال الثالث: من کان حياته لله فإن وفاته لله وعلى الله تمام کرامته.
وقال الرابع: هو الذي سار إلى مشارق الأرض ومغاربها يقتل الرجال مخافة
الموت، ولو تر کھم لماتوا.
وقال الخامس: هذا الذي كان يخبأ الذهب، فالذهب اليوم يخبأه.
وقال السادس: ويل لأهل العافية في الدار كان حظهم منها إلى غير العافية.
وقال السابع: لا تكثروا التلاوم بينكم، واستمسكوا بالتوبة فكلكم خاطئ.
وقال الثامن: من كان يعمل اليوم بالخطيئة فإنه غدا عبد للخطيئة.
وقال التاسع: لا تعجبوا بما تفعلوا، ولكن اعجبوا بما يفعل بكم.
وزاد غير زهير بن عباد: وقال آخر: عجبت من سالك هذا السبيل كيف تشره
نفسه إلى جمع الحطام الهامد، والهشيم البائد، الخاذل مقتنيه عند الحاجة إليه.
وقال آخر: اقبلوا هذه المواعظ، وأكثروا ذكر هذا السبيل الذي أنتم سالكوه.
وقال الآخر: إن الإسكندر لم يقص في حياته وصحته من المواعظ المنبهة عن
أمور الناس إلا الذي صار إليه في صموته وإطراقه فضل، فليبلغ ذلك ذوي الآذان
السميعة، والأعين البصيرة، استودعوا ما ترون من ظاهر العبر للقلوب المحبرة من
الفكر، والرائب على ألبانها غلبة الجهل.
وقال آخر: هذا ذو الأسارى قد أصبح أسيراً.
وقال آخر: نعم المضجع مضجعك لمن إذا كان ساعيا لم يسع على نفسه فسعى لها.
وقال آخر: کان الإسكندر کحلم نائم انقضى، أو كظل غمامة انجلى.

٤٥٥
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان.
وقال آخر: ربما كان هذا السلو بليغا واعظا، وما وعظنا بمنطق هو أبلغ من
موعظته إیانا اليوم بصموته.
وقال آخر: کنت کنحن حديثا، ونحن كائنون كأنت وشيكاً.
وقال قائل: أين كنت أمس؟ لا يأمنك أحد، لقد أصبحت اليوم وما يخافك أحد.
وقال قائل: هذه الدنيا الطويلة العريضة طويت في ذراعين.
وقال قائل: قد كنت على العلياء والرفعة حريصاً، ولم تعلم أن ذلك أشد
لصرعتك وأبعد لغايتك في أهويتك.
وقال قائل: لئن كنت وردت علينا قويا ناطقا لقد صدرت عنا ضعيفا صامتا.
وقال قائل: ما سافر قبلها بلا زاد ولا أعوان.
وقال قائل: كلنا غافل كما غفل الإسكندر حتی نلاقي مثل ما لاقی.
وقال قائل: قد انتقصك يا إسكندر في وجهك من لم يكن يجترئ أن يغتابك من
خلفك.
وقال قائل: إن أعجب العجب أن القوي قد غلب، وأن الضعفاء لاهون
مغرورون.
وقال قائل: هيهات، ما صدق هذا الموت الناس لولا كذب قولهم، وإهاب ما
أشار بنعيهم لولا صم آذانهم.
وقال قائل: إن كنت إنما تبكي بجدة ما ترى من الموت، فإن الموت لم يزل
جدیدا، وإن كنت إنما تجزع من نزوله بمن كان له مميلاً فليكن ذلك لك واعظاً.
وقال قائل: أجاهل كنت بالموت فنعذرك؟ أم عالم كنت به فنلومك؟
وقال قائل: إن بارق هذا الموت لبارق ما يخلف، وإن مخيلته لمخيلة لا تخلف،
وإن صواعقه لصواعق ما ترى، وإن قاطره لقاطر ما يروى.

٤٥٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
وقال قائل: لقد تقطعت بك أسباب غير متصلة لك، ولقد تركت بك بلايا غير
واقعة بك قبل، عسانا أن نتعظ من أمرك فنسلم، بل عسانا أن لا نتعظ فنهلك.
وقال قائل: كنا للعامة أسوة بموت الملوك، وكفى للملوك عظة بموت العامة.
وقال قائل: انطوت عن الإسكندر آماله التي كانت تغره من أجله، وترك به
أجله الحائل بينه وبين أمله.
وقال قائل: يا ريح الموت الذي لا يشتهى ما أقهره للحياة التي لا تمل، وياريح
الحياة التي تمل ما أذلها للموت الذي لا يحب.
وقال القائل: ما المنية بفرد فيؤمن يومها، ولا الحياة بثقة فیرجی غدها.
وقال قائل: قد كان سيفك لا يجف، ونقمتك لا تؤمن، وكانت مدائنك لا ترام،
وكانت عطاياك لا تفقد، وكان ضياؤك لا ينكشف، فأصبح ضياؤك قد خمد،
وأصبحت نقماتك لا تخشى، وأصبحت عطاياك لا ترجى، وأصبحت سيوفك لا
تقطر، وألفیت مدائنك لا تمتنع .
وقال قائل: قد كان منزلك مرهوبا، وقد كان ملكك غالبا فأصبح الصوت قد
انقطع، وأصبح الملك قد اتضع.
١٥٦٧ - (٦٩) حدثني إبراهيم بن سعيد قال: حدثني يونس بن محمد قال:
حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثني نوح بن مجالد قال: حدثني ابن عبد الله بن
عمر بن عبد العزيز قال: وكان متواريا عندي، فلما قدم ابن هبيرة واسط أخذه
فقیده وغله، ثم بعث به إلى مروان بن محمد. قال: وأنا محمول معه أخدمه حتى قدم
بنا عليه. قال: لما قدم به عليه أمر ببيت فبني له، ثم جيء به فأدخله، فذهب يقوم
فلم يستطع أن يقيم فيه صلبه من قصره، فجلس فاتكا، فذهب يمد رجليه فلم

٤٥٧
الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان
يستطع، فقال: الحمد لله يا بني، بينما خاتمي يجول في مشارق الأرض ومغاربها
صرت لا أملك موضع قدمي، فلما قال ذلك بكيت، فقال: لا تبك يا بني، ألا
أحدثك عن جدك بحديث؟ قلت: بلى. قال: سمعت أبي يقول: ما من ميت يموت
إلا حفظه الله في عقبه، وعقب عقبه.
١٥٦٨ - (٧٠) قال أبو الحسن علي بن محمد القرشي، عن المنهال بن عبد الملك
مولى بني أمية قال: حبس هشام بن عبد الملك عياض بن مسلم كاتبا للوليد بن
يزيد، وضربه وألبسه المسوح، فلم يزل محبوسا حتى مات هشام، فلما ثقل هشام
صار في حد لا يرجى لمن كان مثله في الحياة، فرهقت عشية وظنوا أنه قد مات،
فأرسل عياض بن مسلم إلى الخزان: احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلن أحد إلى
شيء، وأفاق هشام من غشييته فطلبوا من الخزان شيئا فمنعوهم، فقال هشام: إنما
كنا خزانا للوليد، ومات هشام من ساعته، فخرج عياض من الحبس، فختم
الأبواب والخزائن، وأمر هشام فأنزل من فراشه، ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن،
فكفنه غالب مولى هشام، ولم يجدوا قمقما ليسخن فيه الماء حتى استعاروه، فقال
الناس: إن في هذا لعبرة لمن اعتبر.
١٥٦٩ - (٧١) حدثني المفضل بن غسان، عن شيخ له قال: لما دفن هشام بن
عبد الملك وقف مولى له على قبره فقال: يا أمير المؤمنين، فعل بنا بعدك كذا، فعل بنا
بعدك كذا، وأعرابي يسمع ذلك، فقال الأعرابي: اله عنه الآن، فوالله لو كشف عنه
لأخبر أنه لقي أشد مما لقيتم.
آخر الكتاب

-

کتاب
الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر