Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
عصر ابن أبي الدنيا
المطلب الثالث
الحياة العلمية في عصر ابن أبي الدنيا
يُعد القرن الثالث الهجري العصر العلمي الذهبي في التاريخ الإسلامي كله،
وقد أتيح للمؤلف رحمه الله تعالى أن يشهد نضج الحضارة الإسلامية في ذلك
القرن، كما أتيح له أن يعيش عصراً ازدحم بالعبقريات والموهوبين الأفذاذ في شتى
فنون الفكر.
ويمكن إبراز طرف من الحياة العلمية بجولة خاطفة في الإنتاج العلمي لهذا
العصر من خلال النقاط التالية:
١ - التخصص العلمي، والتفنن في التصنيف(١):
إن المتأمل للموروث العلمي الذي تركه أصحاب القرن الثالث الهجري
ليلحظ بوضوح جانب التخصص العلمي؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر:
- في القرآن وعلومه: ظهر أئمة أعلام فصنفوا في مجال التفسير، ولهم في ذلك
نزعات مختلفة تبعاً لتخصصاتهم، فمنهم المهتم بالجانب اللغوي، ومنهم مَن مال به
الاعتقاد، ومنهم من سار على طريقة المحدثين، ومنهم من أغرق في الجانب
الفقهي ..... إلخ.
ومنهم من اتصف بالشمولية كشيخ المفسرين أبي جعفر محمد بن جرير
(١) انظر في هذا العنوان: معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، ص ١٥٧ فما بعدها.

٤٢
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
الطبري (٢٢٤ - ٣١٠هـ).
وكذا صنفت المؤلفات في علوم القرآن كالقرآآت وغيرها، ومن الجدير
بالذكر أن الإمام ابن أبي الدنيا صنف كتاباً في قراءة شيخه أبي محمد خلف بن هشام
سماه: حروف خلف(١).
وقلَّ فن من فنون علوم القرآن إلا وصنف فيه مصنفات تُعدّ أساساً لمن أتى
من بعدهم.
- وأما في مجال الحديث وعلومه: فقد أشرقت شموس الكتب الستة،
وأضاءت الخافقين في ذلك العصر، وامتد نورها إلى يومنا هذا، وطريقة تصنيفها
معلومة، ومناهج أئمتها معروفة.
بالإضافة إلى ظهور طرق أخرى في التصنيف كالمسانيد، كمسند الإمام أحمد
ابن حنبل (ت٢٤١هـ).
ولا يخفى في هذا المقام أن الإمام ابن أبي الدنيا قد انتهج منهجاً مستقلاً في
التخصص، وتفنن في أجزاءه الموضوعية كما سيأتي ذكره.
كما كان لعلوم الحديث النصيب الأوفر في ذلك، خاصة في مجال كتب
الرجال والعلل.
- وفي مجال الفقه وأصوله: مما لا يخفى أن الفقه أخذ منذ القرن الثاني
(١) سيأتي ذكر هذا الكتاب في مطلب مؤلفات ابن أبي الدنيا، وستأتي ترجمة شيخه في مطلب شيوخه.

٤٣
عصر ابن أبي الدنيا ـ
طريقتين: طريقة أصحاب الحديث، وطريقة أصحاب الرأي، ولما انتهى القرن
الثالث الهجري كان التقليد قد انتهى إلى عدد من أئمة الفقه، فاقتصر- الناس على
تقليدهم، مع العلم أن هناك من خرج - وإن كانوا قلة - من ربقة التقليد إلى
الاجتهاد، کأبي ثور(١).
- وفي مجال الاعتقاد وعلم الكلام: كل صنف بحسب اعتقاده.
- ولم يبق علم من العلوم إلا وظهر فيه مبرزون، بذلوا الجهد في إغناء
موضوعاته وإثراءها، ففي اللغة ابن دريد(٢)، ومن أعلام التأريخ ابن سعد(٣)، إلى
غير ذلك من مختلف أنواع العلوم الأخرى كالطب وغيره.
٢- الانفتاح العلمي من خلال حركة الترجمة (٤):
أي الاستفادة من السابقين على مختلف نحلهم وأجناسهم، وتبادل الخبرات
(١) أبو ثور: هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان أبو ثور الكلبي الفقيه، أحد الثقات المأمونين، ومن
الأئمة الأعلام في الدين، له كتب مصنفة في الأحكام جمع فيها بين الحديث والفقه، توفي سنة
(٢٤٠ هـ) ببغداد ودفن في مقبرة باب الكناس. ترجمته في: تاريخ بغداد ٦٥/٦-٦٩.
(٢) ابن دريد: هو محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية أبو بكر الأزدي، ولد سنة (٢٢٣ هـ)، کان رأس
أهل العلم والمقدم في حفظ اللغة والأنساب وأشعار العرب، توفي سنة (٣٢٠هـ). ترجمته في:
تاريخ بغداد ١٩٥/٢ -١٩٧.
(٣) ابن سعد: هو محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله مولى بني هاشم، كاتب الواقدي، كان من أهل
الفضل والعلم، وصنف كتابا كبيرا في طبقات الصحابة والتابعين والخالفين إلى وقته فأجاد فيه
وأحسن، توفي ببغداد سنة (٢٣٠ هـ). ترجمته في: تاریخ بغداد، ٣٢١/٥.
(٤) انظر في هذا العنوان: معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، ص٢٦٧ -٢٨٨.

٤٤
. ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
العلمية والعملية، وقد تم ذلك من خلال ترجمة كتب اليونان وغيرهم، فمنذ تولي
المأمون الخلافة سنة ١٩٨ هـ بدأ عهد جديد لحركة الترجمة، حيث تمت ترجمة أغلب
كتب الفلاسفة بدقة متناهية، وقد ساعدت هذه الحركة العلماء والدارسين في
التعرف على ثقافات الأمم السابقة وعلومها، كالفلسفة والطب والرياضيات
والفلك وغيرها، فنهلوا منها مما وسع آفاق تفكيرهم العلمي بما يناسب المستوى
الحضاري الذي وصلوا إليه.
وينبغي الإشارة إلى أن هذه الحركة بالرغم من الفوائد التي حصلت للناس
إلا أن فيها محذوراً شرعياً؛ وذلك من خلال ترجمة ما يتعارض مع الأصول
الشرعية الثابتة، ولا أدل على ذلك من ظهور بعض المقالات الضالة المستقاة من
کتب فلاسفة اليونان.
٣- خزائن الكتب العامة والخاصة(١):
إن وجود خزائن الكتب كماً ونوعاً ذو صلة وثيقة بالنهضة العلمية في القرن
الثالث الهجري، وقد اعتنى الخلفاء خاصة والعلماء عامة بموضوع جمع الكتب،
ومن الخزائن العامة المشتهرة في ذلك الزمان بيت الحكمة.
و تفاصيل الحياة العلمية في ذلك العصر من الصعوبة بمكان أن تذكر في
هذه الأسطر القليلة؛ قال الذهبي رحمه الله تعالى: ((ولقد كان في هذا العصر- وما
قاربه من أئمة الحديث النبوي خلق كثير وما ذكرنا عشرهم هنا، وأكثرهم
(١) انظر في هذا العنوان: معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، ص٢٨٨ -٣٠١.

٤٥
عصر ابن أبي الدنيا.
مذكورون في تاريخي، وكذلك كان في هذا الوقت خلق من أئمة أهل الرأي
والفروع، وعدد من أساطين المعتزلة والشيعة وأصحاب الكلام الذين مشوا وراء
المعقول))(١).
وفي ختام هذا المبحث:
فإن هذه الخطوط العريضة لا تفي تلك الحقبة الذهبية حقها، وربما لا يحاط
بجوانبها التفصيلية إلا بتسويد المجلدات، ولكن حسب الباحث بوابة صغيرة يلج
من خلالها إلى صلب البحث الأكاديمي.
(١) تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢٧.

المبحث الثاني
حياة ابن أبي الدنيا: وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: اسمه ونسبه ونشأته.
المطلب الثاني: طلبه للعلم وشيوخه وتلامذته.
المطلب الثالث: منزلته العلمية وأقوال العلماء فيه.
المطلب الرابع: المذهب العقدي والفقهي.
المطلب الخامس: مؤلفاته.
المطلب السادس: وفاته.

٤٩
حياة ابن أبي الدنيا
المطلب الأول
اسمه ونسبه و نشأته(١)
هو الإمام الحافظ المحدث العالم الزاهد الورع العابد المؤدب؛ أبو بكر
عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي مولى بني أمية البغدادي
المعروف بابن أبي الدنيا.
قيل له القرشي؛ لأنه مولى بني أمية.
تنبيه:
جاء في كتاب خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال ما نصه:
((عبد الله بن محمد بن عَبيدة - بالفتح - ابن سفيان الأموي .... ))(٢).
قال الشيخ الكوكباني في إتحاف الخاصة بتصحيح الخلاصة: ((كذا في نسخة
أخرى، وفي التهذيب: عبيد))(٣).
(١) انظر ترجمته: الجرح والتعديل ١٦٣/٥، والفهرست ص٢٦٢، وتاريخ بغداد ٨٩/١٠، وطبقات
الحنابلة ١٩٢/١ - ١٩٥، والأنساب ٤٧١/٤-٤٧٢، والكامل في التاريخ ٣٧٨/٦، وتهذيب
الكمال ٧٢/١٦ - ٧٨، وتاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ٢٠٦/٢١ - ٢٠٧، وسیر
أعلام النبلاء ١٣/ ٣٩٧ - ٤٠٤، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٧٧ - ٦٧٩، والعبر في خبر من غبر ٧١/٢،
وفوات الوفيات ٥٧٨/١، والوافي بالوفيات ٢٨١/١٧، والبداية والنهاية ٧١/١١، وتهذيب
التهذيب ١١/٦ - ١٢، وتقريب التهذيب ص٣٢١، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
٨٦/٣، والمقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد ٢/ ٥١، وطبقات الحفاظ، ص٢٩٨ -٢٩٩،
وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال ص٢١٣، وغيرها.
(٢) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ص٢١٣.
(٣) إتحاف الخاصة بتصحيح الخلاصة، ص٢١٣. وللكوكباني ترجمة في مقدمة الكتاب، ص ٢٢-٢٤.

٥٠
· ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
إلا أن كل من ترجم للإمام ابن أبي الدنيا - وعددهم زاد على العشرين -
قال: ابن عبيد، ويَبعد أن يكون ما جاء في الخلاصة تصحيفاً من الناسخ لأمرين:
١ - أن صاحب الخلاصة قد ضبط الاسم بالحروف؛ فقال: ((عبد الله بن
محمد بن عَبيدة - بالفتح - ابن سفيان الأموي .... )).
٢ - أن الشيخ الكوكباني قال في حاشيته إتحاف الخاصة: ((كذا في نسخة
أخرى، وفي التهذيب: عبيد)». وهذا يعني تواطئ أكثر من ناسخ على ذلك.
إلا أن كل من ترجم للإمام ابن أبي الدنيا قال: ابن عبيد، وهو الصواب؛
لأنه قول الجمهور.
ولد ابن أبي الدنيا ببغداد سنة (٢٠٨ هـ) ثمان ومائتين، ونشأ في بيت علم
وفضل، فأبوه من رواة الأخبار وقد أکثر عنه ابنه كما سيأتي في مطلب شيوخه،
وكنتيجة للبيئة التي عاش فيها فإنه حَرص على طلب العلم وهو دون العاشرة؛ ومما
يدل على ذلك:
١ - ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه بإسناده عن إبراهيم الحربي(١) قال:
((رحم الله أبا بكر بن أبي الدنيا، كنا نمضي إلى عفان نسمع منه، فنرى بن أبي الدنيا
جالساً مع محمد بن الحسين البرجلاني خلف شريحة، فقال: تكتب عنه وتدع
(١) هو إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله بن ديسم أبو إسحاق الحربي ولد سنة
(١٩٨ هـ)، كان إماماً في العلم، رأساً في الزهد، عارفاً بالفقه، بصيراً بالأحكام، حافظاً للحديث
مميزاً لعلله، صنف كتباً كثيرة منها غريب الحديث وغيره، توفي سنة (٢٨٥هـ). ترجمته في: تاريخ
بغداد ٦/ ٢٧ -٣٩.

٥١
حياة ابن أبي الدنيا
عفان!))(١).
ووجه الدلالة:
أ- أن عفان بن مسلم تغير حفظه في شهر صفر من سنة (٢١٩ هـ)(٢)،
فيكون عمر ابن أبي الدنيا زمن مقالة إبراهيم الحربي ما بين (١٠ - ١١) سنة على
الأكثر؛ وذلك أن إبراهيم الحربي قال: كنا نمضي إلى عفان نسمع منه.
ب- أن ابن أبي الدنيا كان معروفاً بالطلب زمن مقالة إبراهيم الحربي، والمرء
لا يعرف بالطلب بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى مزيد وقت حتى يعرف بأنه
طالب علم، وتُرى له مكانته. فعلى ذلك يكون عمره أقل من عشر سنوات حين بدأ
الطلب.
٢ - ويضاف إلى ذلك ما عرف عن أهل الحديث من الحرص على سماع
الحديث، وإحضار أبناءهم للسماع.
ومن الجدير بالذكر أن توافر الأئمة الأعلام في بغداد في شتى فنون العلم مما
حدا بابن أبي الدنيا إلى قلة الرحلة في طلب العلم.
هذه البيئة العلمية - أي بيئة بغداد - هي أحد أهم الأسباب في تكوين
شخصية ابن أبي الدنيا العلمية.
(١) تاريخ بغداد ٨٩/١٠.
(٢) انظر: تقريب التهذيب ص ٣٩٣.

٥٢
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
المطلب الثاني
شيوخه وتلاميذه
أولاً: شيوخه:
إن الإكثار من الشيوخ بتعدد مشاربهم مما يُكوِّن شخصية متميزة بالشمولية،
ولعل هذا من أهم الأسباب التي أسهمت في تكوين شخصية الإمام ابن أبي الدنيا،
إذا يعتبر من المكثرين من الشيوخ، حيث ذكر الإمام المزي في تهذيب الكمال في
ترجمة ابن أبي الدنيا مائة وعشرين شيخاً(١)، وذكر الإمام الذهبي في سير أعلام
النبلاء جملة من مشايخه، منهم ثمانية وخمسون شيخاً لم يذكرهم المزي، ثم قال
الذهبي: ((ويروي عن خلق كثير لا يعرفون))(٢).
وقد أحصيتُ منهم (٩٩٢) شيخاً، وسأقتصر- في هذا المطلب على أهم
شيوخه.
١ - محمد بن عبيد بن سفيان مولى بني أمية، والد أبي بكر بن أبي الدنيا.
قال الخطيب: ((روى عنه ابنه أبو بكر أحاديث مستقيمة))(٣).
٢ - الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي، نزيل
بغداد أبو عبد الله أحد الأئمة ثقة حافظ فقيه حجة، مات سنة (٢٤١ هـ) وله سبع
(١) تهذيب الكمال ١٦/ ٧٢-٧٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ٣٩٩/١٣.
(٣) تاريخ بغداد ٢/ ٣٧٠.

٥٣
حياة ابن أبي الدنيا
وسبعون سنة(١).
وقد نفى الإمام الذهبي سماعه فقال في ترجمة ابن أبي الدنيا: ((ولم يسمع من
الإمام أحمد شيئاً)(٢). وكذا الصفدي في الوافي بالوفيات(٣).
وهذا مُتَعَقَّبٌ من وجوه:
أ- أن المصنفين في طبقات الحنابلة قد ذكروا ابن أبي الدنيا فيمن سمع من
الإمام أحمد (٤).
ب - أن الإمام ابن أبي الدنيا حنبلي المذهب، كما سيأتي، وله للإمام أحمد
سؤالان في الفقه(٥).
ج- أنهما متعاصران، ومن بلد واحد، واللقاء والسماع ممكنان.
د- أن الإمام ابن أبي الدنيا قد روى في كتبه عن الإمام أحمد بن حنبل عدة
روايات مباشرة.
ومن هذه الروايات:
١ - قال ابن أبي الدنيا: وبه حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل.
ثم ساق بإسناده قال: كان أبو الدرداء ليوقد تحت قدر له، حتى تدمع
(١) تقريب التهذيب ص ٨٤ .
(٢) تاريخ الإسلام ٢٠٦/٢١.
(٣) الوافي بالوفيات ١٧ / ٢٨١.
(٤) انظر: المقصد الأرشد ٢/ ٥١، وطبقات الحنابلة ١/ ١٩٢ - ١٩٥.
(٥) انظر: المقصد الأرشد ٢/ ٥١، وطبقات الحنابلة ١/ ١٩٢ - ١٩٥.

٥٤
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
عيناه(١).
(١)
٢- قال ابن أبي الدنيا: وسألت أحمد بن حنبل: متى يصلى على السقط؟
فقال: إذا كان لأربعة أشهر صلي عليه وسمي(٢).
٣- قال ابن أبي الدنيا: قال أبو عبد الله، أي أحمد بن حنبل.
ثم ساق بإسناده إلى ابن سيرين(٢) قال: اصنع بلحم العقيقة كيف شئت(٤).
هذا مع العلم أن ابن أبي الدنيا قد روى عن الإمام أحمد بن حنبل بواسطة(٥)،
بواسطة(٥)، ولا يعني ذلك أنه لم يسمع منه، فالمثبت مقدم على النافي. والله أعلم.
٣ - محمد بن الحسين، أبو جعفر ويعرف بأبي شيخ البرجلاني، نسب إلى محله
البرجلانية وهو صاحب كتاب الزهد والرقائق.
سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل عن شيء من حديث الزهد فقال: عليك
بمحمد بن الحسين البرجلاني. قال عنه إبراهيم الحربي: ما علمت إلا خيراً.
(١) كتاب إصلاح المال (٣٠٦).
(٢) كتاب كتاب العيال (٤١٢).
(٣) هو محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر، كان لا
يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة مات سنة عشر ومائة. ترجمته في: تقريب التهذيب، ص ٤٨٣.
(٤) كتاب كتاب العيال (٧٠).
(٥) انظر في مرويات ابن أبي الدنيا عن الإمام أحمد بواسطة: كتاب الرقة والبكاء (٢٩، ٢٠٤، ٢٠٥)،
وكتاب العقوبات (١١٥)، وكتاب العيال (٦٩، ٧٥)، وكتاب القناعة والتعفف (٦٦)، وكتاب
مداراة الناس (٥٠)، وكتاب مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٥٣)، وكتاب مكارم الأخلاق
(٤٠٦)، وكتاب المنامات (٩٢) ..

٥٥
حياة ابن أبي الدنيا
مات سنة (٢٣٨ هـ) (١). وقد أکثر عنه ابن أبي الدنيا في مصنفاته.
٤ - زهیر بن حرب بن شداد أبو خيثمة النسائي نزیل بغداد ثقة ثبت، مات
سنة (٢٣٤ هـ)، وهو ابن أربع وسبعين(٢).
٥ - القاسم بن سلام بالتشديد البغدادي أبو عبيد الإمام المشهور ثقة فاضل
مصنف، مات سنة (٢٢٤ هـ)(٣).
٦ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي أبو عبد الله البخاري
جبل الحفظ وإمام الدنيا في فقه الحديث، مات سنة (٢٥٦هـ)، وله اثنتان وستون
سنة(٤).
٧ - خلف بن هشام بن ثعلب البزار المقرئ البغدادي ثقة له اختيار في
القراءات، مات سنة (٢٢٩ هـ)(٥).
٨ - علي بن الجعد بن عبيد أبو الحسن الجوهري البغدادي ثقة ثبت رمي
بالتشيع، مات سنة (٢٣٠ هـ)(٦).
وغيرهم خلق كثير، بلغوا (٩٩٢) شيخاً استقراءاً من المطبوع فقط، فلو
(١) انظر: تاريخ بغداد ٢٢٢/٢-٢٢٣.
(٢) تقريب التهذيب ص ٢١٧ .
(٣) تقريب التهذيب ص ٤٥٠.
(٤) تقريب التهذيب ص٤٦٨.
(٥) تقريب التهذيب ص ١٩٤.
(٦) ابن حجر، تقريب التهذيب ص٣٩٨.

٥٦
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
◌ُمعوا مع بيان عدد مرويات كل شيخ لجاء في مجلد لطيف(١).
ثانياً: تلاميذه:
إن كثرة مرويات ابن أبي الدنيا والتي زادت على (١٢٠٠٠) خبراً بالمكرر،
هذا فقط في المطبوع، من أهم الأسباب في توافر تلاميذه الذين رووا عنه، فضلاً عن
حرص قوم منهم على رواية مصنفاته.
ومن أهم تلاميذه:
١ - الإمام المحدث أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر بن أبان العبدي
الأصبهاني اللنباني، ارتحل فسمع كثيرا من ابن أبي الدنيا. مات سنة (٣٣٢ هـ)(٢).
٢- الشيخ المحدث الثقة أبو علي الحسين بن صفوان بن إسحاق بن إبراهيم
البرذعي، صاحب أبي بكر بن أبي الدنيا وراوي كتبه، قال الخطيب: كان صدوقاً.
مات سنة (٣٤٠ هـ) ببغداد(٣).
٣- الإمام المحدث الحافظ الفقيه المفتي شيخ العراق أبو بكر أحمد بن سلمان
ابن الحسن بن إسرائيل البغدادي الحنبلي النجاد، سمع من أبي بكر بن أبي الدنيا
القرشي صاحب الكتب .. وصنف ديواناً كبيراً في السنن. مات سنة (٣٤٨هـ) (٤).
٤ - الشيخ المسند الثقة محدث سمرقند أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله
(١) أسأل المولى عز وجل أن ييسر لي؛ فأفردهم في مصنف مستقل.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٥/ ٣١١.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٤٢.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٠٢ -٥٠٤.

٥٧
حياة ابن أبي الدنيا
ابن حمزة بن جميل البغدادي المشهور بالجمال، استوطن سمر قند وروى بها الكثير
عن أبي بكر بن أبي الدنيا وغيره، مات سنة (٣٤٦هـ)(١).
٥- الإمام العلامة الأخباري أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان بن بسام
المحولي البغدادي الآجري صاحب التصانيف، حدث عن أبي بكر بن أبي الدنيا
وعدة، كان صدوقاً، مات في سنة (٣٠٩ هـ)(٢).
وغيرهم.
(١) سير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٤٧-٥٤٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٦٤.

٥٨
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
المطلب الثالث
منزلته العلمية وأقوال العلماء فيه
إن منزلة المرء ما يُحسنه، والإمام ابن أبي الدنيا اتفق العلماء على توثيقه،
وصرحوا بإمامته وجلالته وتقدمه في فن الزهد والرقائق، مع أدب جم وعلم
بالسير وأخبار الماضين، مع قريحة شعرية صادقة.
تلك الصفات مجتمعة مع غيرها جعلت منه أستاذاً مرموقاً يختاره الخليفة
لتأدیب بنیه:
روى الخطيب في تاريخه بسنده عن ابن أبي الدنيا قال: دخل المكتفي على
الموفق ولوحه بيده فقال: مالك لوحك بيدك؟ قال: مات غلامي واستراح من
الکتاب. قال: ليس هذا من كلامك.
هذا لأن الرشيد أمر أن يُعرض عليه ألواح أولاده في كل يوم اثنين وخميس
فعرضت عليه فقال لابنه: ما لغلامك ليس لوحك معه؟ قال: مات واستراح من
الكتاب. قال: وكأن الموت أسهل عليك من الكتاب! قال: نعم. قال: فدع الكتاب.
قال: ثم جئته فقال لي: كيف محبتك لمؤدبك؟ قال: كيف لا أحبه وهو أول من فتق
لساني بذكر الله، وهو مع ذاك إذا شئت أضحكك وإذا شئت أبكاك.
قال: يا راشد أحضرفي هذا. قال: فأُحْضِرْـتُ فقُرِّبت قريباً من سريره
وابتدأت في أخبار الخلفاء ومواعظهم فبكى بكاء شديداً. قال: فجاءني راغب فقال
لي: كم تبكي الأمير؟ فقال: قطع الله يدك مالك وله يا راشد تنح عنه. قال:
وابتدأت فقرأت عليه نوادر الأعراب. قال: فضحك ضحكاً كثيراً.

٥٩
حیاہ ابن أبي الدنيا .ـ
ثم قال: شهرتني شهرتني.
ثم أمر له بعطاء قدره خمسة عشر ديناراً في كل شهر(١).
وعن ابن أبي الدنيا قال: كنت أؤدب المكتفي فأقرأته يوماً كتاب الفصيح
فأخطأ فقرصت خده قرصة شديدة وانصرفت، فلحقني رشيق الخادم فقال: يقال
لك: ليس من التأديب سماع المكروه، فقلت: سبحان الله أنا لا أسمع المكروه
غلامي ولا أمتي! قال: فخرج إليَّ ومعه كاغد وقال: يقال لك: صدقت يا أبا بكر،
وإذا كان يوم السبت جئت فقلت: أيها الأمير تقول عني ما لم أقل! قال: نعم يا
مؤدبي، مَن فعل ما لم يجب قيل عنه ما لم يكن (٢).
ومن شعره:
ومن شعر ابن أبي الدنيا أنه جلس أصحاب له ينتظرونه ليخرج إليهم فجاء
المطر فحال بينه، فکتب إليهم رقعة فيها:
أنا مشتاق إلى رؤيتكم يا أخلاي وسمعي والبصر
كيف أنساكم وقلبي عندكم حال فيما بيننا هذا المطر(٣)
ومن شعره أنه كتب إلى المعتضد وابنه المکتفي و کان مؤدبهما:
عند أهلِ الحجا وأهل المروّه
إن حقَّ التأديبِ حقُّ الأَبَوَّةِ
ويرْعاه أهل بيت النبوَّة (٤)
وأحقُّ الأنام أن يعرفُوا ذاك
(١) تاريخ بغداد ٨٩/١٠، وانظر: سير أعلام النبلاء ٤٠٠/١٣-٤٠١، وتذكرة الحفاظ ٦٧٨/٢.
(٢) فوات الوفيات ٥٧٨/١.
(٣) البداية والنهاية ١١/ ٧١.
(٤) فوات الوفيات ٥٧٨/١، والوافي بالوفيات ١٧/ ٢٨١ ..

٦٠
، ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
ثناء العلماء علیه:
قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: بغدادي صدوق(١).
وقال ابن النديم: كان ورعاً زاهداً عالماً بالأخبار والروايات(٢).
وقال صالح جزرة: صدوق(٣).
ولما مات بن أبي الدنيا قال القاضي إسماعيل بن إسحاق: رحم الله أبا بكر
مات معه علم كثير(٤).
قال ابن الجوزي: كان ذا مروءة ثقة صدوقاً(٥).
وقال ابن الأثير: صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة(٦).
وقال السمعاني: كان ثقة صدوقاً، مكثراً من التصانيف في الزهد
والرقائق(٧).
وقال المزي: أبو بكر بن أبي الدنيا البغدادي الحافظ صاحب التصانيف
المشهورة المفيده(٨).
(١) الجرح والتعديل ١٦٣/٥.
(٢) الفهرست ١/ ٢٦٢.
(٣) تاريخ بغداد ٨٩/١٠، والأنساب ٤٧٢/٤، وتهذيب الكمال ٧٧/١٦.
(٤) تاريخ بغداد ٨٩/١٠، والأنساب ٤/ ٤٧٢، وتهذيب الكمال ٧٧/١٦، وتهذيب التهذيب ٦/ ١٢.
(٥) المنتظم ١٤٨/٥.
(٦) الكامل في التاريخ ٣٧٨/٦.
(٧) الأنساب ٤/ ٤٧١
(٨) تهذيب الكمال ١٦/ ٧٢.