Indexed OCR Text
Pages 1-12
مَنْفَجُ النَّقْدُ عِنْدِ المَجَدَّمَيْن نسََأْتُهُ وَتَارِيخُهُ تأليف الدكتور محمّد مُصْطفى الأعطيى اسْتَاذ الحَدَيْثِ النَّبَوَي تَجَامِعَة المَلِكِ سُعُود وَيَليُه كِتابُ التَّمييز لِلِمَامِ أَبِ الحُسَيْنِ مُسْلِمِنْ الحَاجِ القَشَرِي الْنِيَابُوُرَيَ رَحَمَهُ اللَّه ٢٠٤ - ٢٦١ هـ طبعَةْ جَديدَة مَرَيْدة وُنْقْحَةْ مَكْتَبَّةُ الكَوْشَ حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م مَكتَبَةُ الكوثر: الممَلِكَة العَرَبيَّة السُّعُوديَة المربع، صَ.بَ ٨٨٤٥٨ - الرمز ١١٦٦٢ تلفون ٤٠٤١٧٣٢ [بين يدي الطبعة الثالثة] لقد طبع هذا الكتاب أولا مع كتاب التمييز للإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله كمقدمة له في سنة ١٣٩٥ هـ، وقد دعت الحاجة إلى إعادة طبعه لأن الطبعة الأولى منه قد نفدت منذ مدة ليست بالقصيرة . وقد رأيت أن أفرده في الطبعة الثانية بعنوان مستقل وذلك لأهمية موضوعه ، وحاجة الناس اليوم إليه خصوصاً بعد أن كثرت دعاوى المدعين على الحديث النبوي الشريف وأهله ومنهجهم في نقده لتصحيحه وتضعيفه . وقد كنت أرغب في أن أوسع بعض البحوث لكنني نظراً لانشغالي في مشروع آخر يتعلق بفهرسة الأحاديث النبوية لم أجد متسعاً من الوقت لما كنت أصبو إليه ، وبالرغم من ذلك وجدت نفسي مضطراً إلى أن أضيف بعض النقاط إلى الطبعة السابقة لأنني اطلعت على بعض الكتب - في هذه الفترة - وعلى مقالة لها صلة بالموضوع وهي - في نظري - في حاجة إلى التعقيب . لذلك فإن القارئ سوف يجد في هذه الطبعة إضافات ليست موجودة في الطبعة الأولى وكذلك بعض التغيير في ترتيب المواد . وبهذه المناسبة أرى من الضروري أن أشكر الدكتور حسن عيسى أبا ياسين ، وقد استفدت من ملاحظاته اللغوية العديدة ، كما أنه يتحتم علي أن أشكر شركة الطباعة العربية السعودية ، والتي تولت طباعة الكتاب وتصحيح البروفات بسبب سفري إلى أمريكا . فشكر الله لهم جميعاً وأجزل مثويتهم . وأخيراً أدعو الله العلي القدير أن يلهمنا الرشد والصواب ويجنبنا الخطأ والضلال، ويتقبل مني عملي كله خالصاً لوجهه الكريم وينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون ، اللهم آمين . والصلاة والسلام على أشرف المسلمين خاتم النبيين محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . محمد مصطفى الأعظمي الدرعية مساكن جامعة الملك سعود. بالریاض ١٤١٠/٨/٢٤ هـ 3 من تصدير [ الطبعة الأولى] هذا الكتاب - كتاب التمييز - لرجل من أشهر الرجال في علم الحديث، للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله . وهو فريد في بابه، إذ يوضح منهج المحدثين في نقد الأحاديث . والكتاب - كما يبدو - كبير. لكنا لم نجد إلا خمس عشرة ورقة منه . وعلى الرغم من هذا فإننا نرى أنه لا بد من نشره لتوضيح منهج المحدثين من جهة ، وإحياء تراث عريق أصيل من جهة أخرى . أما المقدمة فقد كانت في الأصل محاضرات ألقيتها على طلبة قسم الدراسات العليا ( الماجستير) بكلية الشريعة بمكة المكرمة ، وهي ذات صلة وثيقة بالكتاب المنشور ، وتوسعت فيها بعض التوسع ، وفيها بعض البحوث مأخوذة من كتابي Studies in Early Hadith Literature وهي فضلاً عن ذلك وثيقة الصلة بموضوع النقد ؛ وعلى الرغم من هذا، فلا تزال هناك جوانب تتطلب مزيداً من الدراسة والبحث ، أرجو أن أتمكن من انجازها في مستقبل قريب إن شاء الله تعالى . وأرى لزاماً علي أن أشكر صاحب المعالي الأستاذ الدكتور عبد العزيز الفدا مدير جامعة الرياض على تشجيعه لإتمام هذا البحث ، وسعادة الدكتور عبد الله النافع وكيل الجامعة الذي ذلِّل العقبات التي كانت قائمة في سبيل الطبع . كما أشكر الأستاذ عبد الله الماجد الذي أبدى اهتماماً خاصاً وكان لسعيه نصيب كبير في التغلب على مشاكل المطابع . وأخيراً أحمد الله وأشكره وأسأله - وهو الغفار الوهاب - أن يتقبله مني خالصاً لوجهه الكريم ، وأسلّم على رسوله المختار صلى الله عليه وسلم . والحمد لله ربّ العالمين . محمد مصطفى الأعظمي الریاض رجب سنة ١٣٩٥ هـ كلية التربية 4 مقَدّمٌ يشهد العالم الإسلامي نهضة مباركة في الاستفادة من السنة النبوية ومحاولة التحاكم إليها في الشئون كلها ، ومن جهة أخرى تكتشف مخطوطات جديدة کان يُظن أنها مفقودة ، فأصبحت مكتبة السنة النبوية أحسن بكثير مما كانت عليه قبل قرن أو قرنين من الزمان . وأصبح الاعتناء بها أفضل مما كان من قبل . في هذه النهضة قد ساهم ويساهم الشباب والشيوخ ، طلبة العلم والباحثون كل حسب قدرته - والله هو المسئول - أن يجازينا جميعاً بما هو أهله من فضل وكرم وعفو وغفران . في هذه النهضة والبناء يشعر كل فرد أنه مدعو أن يدلي بدلوه إن كان يقدر على ذلك ، ولذلك ظهرت كتب عديدة في الآونة الأخيرة كل منها يحاول أن يجلي جانباً من الجوانب، فقد صدر كتاب بعنوان ((منهج النقد التاريخي عند المسلمين والمنهج الأوروبي)) للدكتور عثمان موافي من جامعة الاسكندرية . ولعل الكتاب أطروحة الدكتوراه للمؤلف . وأقل ما يقال عن المؤلف إن معرفته بمصطلح الحديث لم تسعفه ليعطي الموضوع حقه بل إذا أخذ المرء بحرفية ما كتبه الدكتور موافي في ((خلاصة البحث ونتائجه)) لوصل إلى إنكار السنة النبوية بكاملها. قال الدكتور عثمان موافي: ((تحدثنا في الفصل الأول منه عن نشأة الرواية وتطورها منذ كانت رواية بسيطة ساذجة إلى أن أصبحت علماً ذا قواعد وأصول ومن خلال هذا الحديث وعلى ضوئه اتضح لنا : 5 أ - أن الرواية كانت بسيطة ساذجة في الجاهلية ثم تطورت بتطور العصر وارتقت برقيه حتى أخذت قبيل الإسلام صفة علمية لكنها لم تصبح علماً ذا قواعد وأصول إلا بعد الإِسلام وبدء ذلك عصر الزهري . ب - من مظاهر علمية الرواية بعد الإِسلام التثبت والتحري ثم الشهادة على السماع التي تطورت أخيراً إلى ظاهرة الإِسناد . جـ - لم يظهر الإسناد إلا بعد الفتنة سنة ٤٠ هـ))(١). إن كانت تلك هي نتيجة البحث الذي توصل إليه الدكتور عثمان بالنسبة لظهور الإسناد فماذا يقول عن كتب السنة التي تذكر لنا الأسانيد التي تصل إلى مئات من الصحابة الذين ماتوا قبل الأربعين من الهجرة بل تصل إلى العهد المدني من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم . إذن يجب أن تكون هذه الأسانيد كلها كذباً تنسب إلى الصحابة بهتاناً وإفكاً . وإني لأرجو مع ذلك أن أكون قد أسأت فهم كلام الدكتور عثمان . أما الكتاب الآخر في هذا الموضوع أو بتعبير أدق بعنوان منهج النقد فهو كتاب الدكتور نور الدين عتر ((منهج النقد في علوم الحديث)). ويمتاز كتاب الدكتور عتر بحسن التقسيم والتفصيل ... كما جاء في تقريظ الأستاذ محمد أبو شهبة، حيث قال في معرض تقسيمه وتفصيله: ((فجعل ما يتعلق بالمتن في أنواع علوم الحديث أو قواعد الحديث على حدة ، وما يتعلق بالأسانيد على حدة وما يجمع بين الأسانيد والمتون على حدة))(٢). كنت أتمنى أن كان الشيخ أبو شهبة أتحفنا برأيه مقارناً بكتابات الدكتور محمد السماحي الذي ألّف عدة كتب في هذا الموضوع، منها : منهج الحديث في علوم الحديث . وكذلك كتاب الشيخ القاسمي رحمه الله المسمى بقواعد التحديث . (١) منهج النقد - عثمان موافي ٢٢٥ . (٢) منهج النقد في علوم الحديث ص ٧-٨ . 6 على كل ما عمله الدكتور نور الدين عتر هو أنه غيّر تبويب مصطلح الحديث ثم سماه ((منهج النقد في علوم الحديث)). والأمر الذي يلاحظ في كتابة نور الدين عتر أنه لم يفرق بين الأدوار المختلفة لمصطلح الحديث، وخواص كل عصر منها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لم يفرق بين منهج النقد ونتيجة النقد . وما ذكره باسم منهج النقد ليس هو منهج النقد عند المحدثين الأوائل ، بل هو منهج المتأخرين من المحدثين، الذي هو في الواقع نتيجة النقد عند المتقدمين . وللتوضيح أقول : ينقسم تطبيق المصطلح ثلاثة أدوار رئيسية ، ولكل سيماه . فالدور الأول خاص بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين . ومن أهم ميزات هذا الدور هو تعديل كافة الصحابة(٣) وقبول أحاديثهم حتى المرسلة(٤) بدون نکیر(٥). أما الدور الثاني فيبدأ بالتابعين وينتهي إلى منتصف القرن الرابع تقريباً وهذا الدور هو من أهم الأدوار بالنسبة لقوانين المصطلح وتطبيقها. وكان من خصائص هذا (٣) من عقيدة أهل السنة تعديل كافة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وسيبحث هذا الموضوع بالتفصيل إن شاء الله تعالى في الباب السادس . (٤) اختلفت الأقوال في تعريف الحديث المرسل : قال ابن الحاجب : المرسل قول غير الصحابي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : المرسل قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : المرسل قول التابعي الكبير كعبيد الله بن عدي بن خيار وابن المسيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( انظر الباعث الحثيث ٤٧ - ٤٨). أما مرسل الصحابة فله مفهوم آخر قال ابن حجر : مرسل الصحابي ما يرويه من الأمور التي لم يدرك زمانها بخلاف الأمور التي يدرك زمانها فإنها لا يقال إنها مرسلة. (فتح الباري ٨: ٧١٦). (٥) قال النووي في التقريب (١٩٨:١): ((ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين والشافعي وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول)) (انظر أيضاً م المقدمة ص ٣٠) ثم قال النووي (في ص ٢٠٧) ((أما مرسله - أي مرسل الصحابي - فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح)) وأطبق عليه المحدثون والأصوليون والفقهاء وخالفهم في ذلك أبو إسحاق الاسفراثيني (انظر تدريب الراوي ٢٠٧:١) و(الباعث الحثيث ٤٩). وليس لمخالفته أي وزن في هذا المجال . 7 الدور التنفير الشديد عن عدالة الرواة وضبطهم وإتقانهم. ويعتبر هذا الدور أشد الأدوار قسوة وصرامة في تطبيق قوانين المصطلح . أما الدور الثالث : فيبدأ من منتصف القرن الرابع تقريباً . وبدأ فيه التساهل في تلقي العلم والتهاون في تطبيق المصطلح وحصل التغيير في شروط قبول الرواية وفي التعديل والتجريح وانتفت الصرامة والقسوة اللتين كانتا ظاهرتين في الدور الثاني . وبما أنه كان قد بدأ التنزل في المستوى الخلقي عند المسلمين من بعد عهد النبوة - على صاحبها الصلاة والتسليم ، وذلك مستمر حتى الآن - وحدثت أمور أخرى فقد استدعت تخفيف الشروط على الرواة والتساهل في تطبيق قواعد المصطلح. وأهم الأسباب التي دعت إلى هذا التنازل هو جمع وتدوين وتصنيف الأحاديث النبوية في الكتب المعروفة بحيث أصبح الناس يتناقلون - على وجه العموم - كتباً مؤلفة بكاملها . فالرجل الذي يبني داراً ويرغب في متانتها عليه أن يسعى في جمع المواد البنائية من نوع جيد، ثم عليه أن يراقب عملية البناء بالاستمرار. لكنه بعد إتمام البناء يمكن نقل ملكيتها كاملة إلى رجل آخر، ومن الواضح أن صاحبها الجديد لم ولن يشق مثل الباني الأول في تعهده. فرجال الدور الثاني هم الذين ألفوا هذه الكتب من المصادر العديدة الكثيرة ثم تركوا لنا بناية شامخة ، فلم يبق للناس مجال في جمع شتات المواد من هنا وهناك . وقد يكون هذا هو السبب الأساسي في تخفيف قسوة الشروط بالنسبة للرواة ومروياتهم وعلى هذا ما كان شاذاً أصبح قاعدة فيما بعد ذلك . لا شك أن البخاري رحمه الله استدل بقصة محمود بن الربيع أنه عقل مجة فجّها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أساس أنه يمكن أن يعي العلم ولد عمره خمس سنوات(٢) لكنه يصعب علينا الحصول على أمثلة من هذا النوع في الدور (٦) خ، كتاب العلم باب متى يصح سماع الصغير. 8 الثاني . بل رأينا أن الطلبة كانوا يبدأون بالدراسة في حدود الخامسة عشرة من أعمارهم(٣)، لكنه في الدور الثالث تطورت الأمور. قال النووي: ((ونقل القاضي عياض رحمه الله : إن أهل الصنعة حدّدوا أول زمن يصح فيه السماع بخمس سنين))(٨) . وقال ابن الصلاح: ((وعلى هذا استقر العمل بين أهل الحديث فيكتبون لابن خمس فصاعداً (سمع) وإن لم يبلغ خمساً حضر أو أحضر)) (٩) ونجد هذا النوع من السماع في كثير من المخطوطات القديمة(١٠). وأين هذا من تشدد المتقدمين ؟ قال جعفر بن محمد الصباغ: «اجتمع عفان وابن المديني وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل . فقال عفان : ثلاثة يضعفون في ثلاثة ، علي في حماد، وأحمد في إبراهيم بن سعد ، وأبو بكر في شريك . فقال علي : وعفان في شعبة . قلت [ القائل هو الذهبي ] هذا منهم على وجه المباسطة ، لأن هؤلاء من صغار مَن كتب عن المذكورين)) (١١) . ولقد ضُعّف عمرو بن هاشم البيروتي في روايته عن الأوزاعي ، لأنه كان صغيراً حين كتب عن الأوزاعي(١٢). وقال نعيم، سمعت ابن عيينة يقول: ((لقد أتى هشام بن حسان عظيماً بزوايته عن الحسن. قيل لنعيم: لِمَ؟ قال: لأنه كان صغيراً))(١٣). (٧) انظر تفصيل ذلك في دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ص ٣٦٨ - ٣٦٩. (٨) تدريب الراوي ٥:٢ . (٩) تدريب الراوي ٥:٢ - ٦ . (١٠) انظر مثلاً سنن ابن ماجة، الفاتح رقم ٧٦٤، الورقة ٢٣٣ - ١. (١١) الميزان ٨٢:٣ . (١٢) الجرح والتعديل للرازي ٢٦٨:١/٣؛ الميزان ٢٩٠:٣. (١٣) تقدمة الجرح والتعديل ٤٣؛ الكفاية ٥٤. 9 وكما تساهل المحدثون في تحمل العلم وسِتُّه ، تنازلوا عن الشروط التي يجب اجتماعها فيمن يوصف بأنه : ثقة . قال الخطيب البغدادي عن أبي بكر بن خلاد المتوفى سنة ٣٥٦ هـ إنه ما كان يعرف شيئاً من العلم غير أن سماعه صحيح . قال الألباني : ومع ذلك فقد وثقه أبو نعيم وكذا ابن أبي الفوارس ، وقال لم يكن يعرف من الحديث شيئاً . ثم ذكر الألباني بأن الذهبي علق عليه في سير أعلام النبلاء (١/١٦٠/١٠ -٢) بقوله: ((ثمن هذا الوقت، بل وقبله صار الحفاظ يطلقون هذه اللفظة (ثقة) على الشيخ الذي سماعه صحيح بقراءة متقن وإثبات عدل . وترخصوا في تسميته بالثقة . وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه، المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن فتوسع المتأخرون»(١٤). هذه بعض الملامح العامة للأدوار الثلاثة في مجال تطبيق قواعد المصطلح وشروط الرواة والرواية . ومن ناحية أخرى فإن هناك فرقاً جوهرياً بين منهج النقد عند المتقدمين وبينه عند المتأخرين . الناقد الآن إذا أراد أن ينتقد حديثاً فيبدأ بدراسة رجال الإسناد وما قيل فيهم ، ليعرف مراتبهم من الجرح والتعديل ، ويبحث عن اتصال الأسانيد وكذلك عن الشذوذ والعلل وغير ذلك من الأمور ثم يحكم على الإسناد وبالتالي على الحديث ، لكنَّ العمود الفقري في دراسته للإسناد هو معرفة أقوال علماء الجرح والتعديل في راوٍ ما ، سواء أكان ثقة، ثبتاً، حجة ، صدوقاً ، مستوراً، مجهولا أم كذاباً . فيبدأ بحثه من هذه النقطة . بينما هذه النقطة - وهي نقطة البداية الآن - كانت نهاية المطاف - تقريباً - بالنسبة للمتقدمين . هذه كلمات الجرح أو التعديل لم تكن جزءاً من منهج نقدهم بل كانت نتيجة انتقاداتهم ، كان يصل إليها الناقد (١٤) انظر فهرست مخطوطات الحديث بالظاهرية للألباني ١٣٥ . 10 بعد بحث مضنٍ طويل ، ومن ثم كان يصدر أحكامه بتلك الكلمات الاصطلاحية . وإذا شبهنا العملية بكاملها في لغة الجامعات فيمكننا أن نشبهها بأن الطالب يدرس في الكليات لسنين عديدة ويمر باختبارات متعددة ثم في نهاية المطاف يستخرج من عمادة القبول والتسجيل المعدل العام وبعد ذلك تعلن النتيجة بنجاح الطالب بتقدير كذا أو برسوبه . فهذه الكلمة القصيرة وراءها دراسة سنين مضنية واختبارات مرهقة . وبعد حصول الطالب على الشهادة تتعامل الجهات المعنية معه في ضوء تلك الشهادة المعطاة له ، والتقدير المذكور فيه، وتحكم له أو عليه في ضوئها عند اختياره للوظائف الشاغرة . فإذاً مهما رتَّبنا من جديد علوم مصطلح الحديث وسميناه (بمنهج النقد ) أو بأي اسم آخر فهو في الواقع لا يعطينا فكرة صحيحة عن منهج النقد الأصيل الذي تبعه المحدثون الأوائل والنقاد الجهابذة بل يعرِّفنا بجانب واحد من منهج المتأخرين - وهو كما ذكرت - يختلف اختلافاً جوهرياً عن منهج المتقدمين في سيرهم في البحث. إذ نحن نبدأ رحلتنا في هذا المجال من حيث انتهى الأوائل. والشيء الذي نحتاج إليه هو أن نفهم منهج المحدثين الأوائل لنزداد بصيرة واقتناعاً بصحة منهجهم، مبنياً ذلك كله على العلم والمعرفة لا على مجرد العاطفة. وإذا كان ذلك كذلك، فكتاب الدكتور نورالدين عتر لا يوصلنا إلى أعماق منهج البحث عند المحدثين الأوائل. وفي الواقع الخطوة الجوهرية الأولى في منهج المحدثين كانت معارضة الروايات بشتى أشكالها . والخطوة الثانية استعمال العقل - في حدوده الطبيعية - في نقد الروايات . فقد غفل عن هذا المنهج كثيرون ممن لهم اعتناء بدراسة السنة النبوية فضلاً عن غيرهم من الباحثين والمستشرقين . وعلى هذا فآمل أن يسد هذا الكتاب بعض الفراغ في هذا الموضوع وأن يكون بداية خطوة في سبيل تفهم المنهج المتبع لدى المحدثين الأوائل في نقد الحديث . وعلى هذا تشتمل هذه الرسالة على مقدمة وسبعة أبواب . 11 الباب الأول يتحدث عن النقد ومفهومه وتاريخه . وبما أن منهج النقد عند المحدثين يشتمل على البحث والتنقيب في الراوي من زاويتين ، هما : ١ - مدى تدين الراوي والذي يسمى بالعدالة . ٢ - ومدى تحصيله للعلم والذي يسمى بالضبط والإتقان ، لذلك فقد خُصِّص البابان الثاني والثالث لمنهج النقد. وعلى هذا، فالباب الثاني يتحدث عن العدالة والطريق إلى معرفتها ، والباب الثالث يتكلم عن الضبط والإتقان والطريق إلى معرفتهما ، أما الباب الرابع فيتعلق باستعمال العقل في نقد الأحاديث ويلقي ضوءاً على مكانة العقل عند المحدثين في نقد الأحاديث النبوية : والباب الخامس خاص بالمقارنة بين منهجي نقد الحديث والتاريخ إذا كثر الكلام في الآونة الأخيرة حول منهج النقد التاريخي وما يمكن أن يفيد منه المحدثون . والباب السادس يتعلق بدراسة بعض الطعون الموجهة إلى منهج المحدثين ، وخاصة فيما يتصل بتعديلهم الصحابة كافة . والباب السابع يتكلم عن بعض المستشرقين ومنهج نقدهم للحديث ويبين أن الجهود الاستشراقية في هذا المجال إن هي إلا إدعاء وسوء فهم وسوء قصد . وأخيراً أدعو الله العلي القدير أن يلهمنا الصواب ويجنبنا الخطأ والضلال وهو الهادي إلى سواء السبيل . وصلى الله على سيدنا محمد النبي المختار وعلى آله وأصحابه الأطهار ومن تبعهم بإحسان في كل الأدوار والأعصار، اللهم آمين . 12