Indexed OCR Text
Pages 61-80
شعبة ومعارضته للروايات : (١) معارضة شعبة لرواية الحسن بن عمارة بما يرويه شعبة بنفسه : قال شعبة لأبي داود: ((إيت جرير بن حازم فقل له : لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة ، فإنه يكذب . قال أبو داود، قلت لشعبة : وكيف ذاك؟ فقال: حدثنا عن الحكم بأشياء لم أجد لها أصلاً. قال : قلت له : بأي شيء ؟ قال: قلت للحكم : أصلَى النبي صلى الله عليه وسلم على قَتْلى أُحد؟ م٠٫ فقال : لم يصل عليهم . فقال الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم ودفنهم . قلت للحكم : ما تقول في أولاد الزنا؟ قال : يُصلّى عليهم . قلت : مِن حديث مَن يُروى ؟ قال : يروى عن الحسن البصري . فقال الحسن بن عمارة: حدثنا الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي))(٣٧) . (٢) سأل خالد بن طليق شعبة، فقال له: ((يا أبا بسطام حدثني حديث سماك ابن حرب في اقتضاء الورق من الذهب حديث ابن عمر . فقال : أصلحك الله ، هذا حديث ليس يرفعه أحد إلا سماك . قال : فترهب أن أروي عنك ؟ قال : لا . ولكن حدثنيه قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر ولم يرفعه . وأخبرنيه أيوب عن نافع عن ابن عمر ولم يرفعه . وحدثنيه داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير ولم يرفعه . ورفعه سماك، فأنا أفرقه))(٣٨). (٣٧) صحيح مسلم، المقدمة ٢٣ - ٢٤ . (٣٨) تقدمة الجرح والتعديل ١٥٨. - ٦١ - هذه بعض الأمثلة للمعارضة بين الروايات التي تدل على أن المنهج بدأ في وقت مبكر . وكلما تأخر الزمن زاد انتشاره وتوسع حتى بلغ أوجه في القرن الثالث ، ويدل على ذلك صنيع ابن معين وابن حنبل والبخاري ومسلم وأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم وسنذكر بعض الأمثلة من كتاب التمييز للإمام مسلم لالقاء بعض الأضواء على التوسع في المعارضة . التوسع في استعمال المعارضة : المثال الأول : (٣٩) ((قال أبو حاتم مكي بن عبدان ، سمعت مسلمً يقول: الخبر المنقول على الوهم في متنه . حدثني الحسن الحلواني وعبد الله بن عبيد الله الدارمي ، قالا : ثنا عبيد الله بن عبد المجيد ، ثنا كثير بن زيد، حدثني يزيد بن أبي زياد، عن كريب، عن ابن عباس ، قال : بت عند خالتي ميمونة ، فاضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طول الوسادة واضطجعت في عرضها ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ونحن نيام ، ثم قام فصلى، فقمت عن يمينه فأخذني فجعلني عن يساره، فلما صلى، قلت : يا رسول الله ، وساقه . قال مسلم: ((وهذا خبر غلط غير محفوظ، لتتابع الأخبار الصحاح برواية الثقات على خلاف ذلك ، ان ابن عباس إنما قام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فحوله حتى أقامه عن يمينه)» . (( وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر الأخبار عن ابن عباس أن الواحد مع الإمام يقوم عن يمين الإمام لا عن يساره)). قال مسلم: (( وسنذكر إن شاء الله رواية أصحاب كريب عن كريب عن ابن عباس، ثم نذكر بعد ذلك رواية سائر أصحاب ابن عباس عن ابن عباس بموافقتهم كريباً)». ((حدثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار، عن كريب ، عن ابن عباس أنه بات ليلة عند ميمونة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل (٣٩) انظر كتاب التمييز للإمام مسلم ٦ ب ٧ - أ. (ص ١٨٣ - ١٨٥ من هذه الطبعة). - ٦٢ - فتوضأ، قال ابن عباس فقمت فصنعت مثل ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم جئت، فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه)) . ومخرمة بن سليمان عن كريب . وسلمة بن كهيل عن [ أبي] رشدين. وسلمة عن كريب . وسالم بن أبي الجعد عن کريب . وهشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . وأيوب عن عبد الله عن أبيه . والحكم عن سعيد بن جبير. وابن جريج عن عطاء . وقيس بن سعد عن عطاء . وأبي نضرة عن ابن عباس . والشعبي عن ابن عباس . وطاووس عن عكرمة عن ابن عباس)) . قال مسلم: «فقد صح بما ذكرنا من الأخبار الصحاح عن كريب، وسائر أصحاب ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه عن يساره ، وهم وخطأ غير ذي شك . وكالذي صح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه عن يمينه : رواية جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة أبي حزرة عن عبادة بن الصامت بن عبادة أتينا جابراً ، فقال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ، ثم جئت فقمت عن يسار رسول الله ، فأخذ بيدي ، فأدارني حتى أقامني عن يمينه ، ثم جاء جبار بن صخر، فقام عن يسار رسول الله ، فأخذ بأيدينا جميعاً، فدفعنا حتى أقامنا خلفه . وكذلك روى محمد بن المنكدر عن جابر))(٤٠) . (٤٠) التمييز ١٨٣ - ١٨٥. - ٦٣ - المثال الثاني : (٤١) وذكر الإمام مسلم مثالا آخر فقال: ((ومن الحديث الذي نقل على الوهم في متنه ولم يحفظ. ١ (حدثنا ابن نمیر، ثنا أبي، ثنا سعيد بن عبيد ، ثنا بشير بن يسار الأنصاري ، عن سهل بن أبي حثمة ، أنه أخبره ، أن نفراً منهم انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها ، فوجدوا أحدهم قتيلاً، فقالوا للذين وجدوه عندهم : قتلتم صاحبنا ، قالوا : ما قتلنا ولا علمنا، فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله أتينا خيبر، فتفرقنا فيها ، فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقلنا للذين وجدناه عندهم: قتلم صاحبنا . قالوا: ما قتلنا ولا علمنا . قال : تجيئون بالبينة على الذين تدعون عليهم؟ قالوا : ما لنا بيّنة . قال : فيحلفون لكم . قالوا : لا نقبل أيمان يهود . فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُطَلّ دمه فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من إبل الصدقة ))(٤٢). . " قال مسلم: ((هذا خبر لم يحفظه سعيد بن عبيد على صحته ، ودخله الوهم حتى أغفل موضع حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهته)). ((وذلك أن في الخبر حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة ، أن يحلف المدعون خمسين يميناً ويستحقون قاتلهم، فأبوا أن يحلفوا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تبرئكم يهود بخمسين يميناً، فلم يقبلوا أيمانهم. فعند ذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عقله . « وسنذكر هذا الخبر بخلاف ما روى سعيد . حدثنا قتيبة ، ثنا الليث، عن يحيى، عن بشير بن يسار . وحماد بن زيد، عن يحيى . وبشر بن المفضل، عن يحيى . وعبد الوهاب ، عن يحيى . : (٤١) انظر كتاب التمييز ٨ ب ٩ - أ. (ص ١٩١ - ١٩٤ من هذه الطبعة). (٤٢) انظر م القسامة • . ز - ٦٤ - وسفيان بن عيينة ، عن يحيى . وسليمان بن بلال، عن يحيى . وهشيم عن یحیی . وعن ابن إسحاق ، حدثني بشير بن يسار . (( وابن شهاب أخبرني أبو سلمة وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار، أن رسول الله قال: ((إن القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)) . ((وروى هذا يونس عن ابن شهاب . حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده، أن حويصة ومحيصة أبناء مسعود ، وعبد الله وعبد الرحمن أبناء فلان ، خرجوا ، وساقه . ((حدثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني الفضل عن الحسن ، أنه أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بيهود فأبوا أن يحلفوا، فرد القسامة على الأنصار، فأبوا أن يحلفوا ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم العقل على يهود)» . قال الإمام مسلم: ((فقد ذكرنا جملة من أخبار أهل القسامة في الدم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلها مذكور فيها سؤال النبي صلى الله عليه وسلم إياهم قسامة خمسين يميناً ، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم البينة ، إلا ما ذكر سعيد بن عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر فلم یذکره » . (( وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة . ((وغير مشكل على من عقل التمييز من الحفاظ من نقلة الأخبار ومن ليس كمثلهم أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأناً في طريق العلم وأسبابه . فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعا في الرواية عن بشير بن يسار، لكان الأمر واضحاً في أن أولاهما بالحفظ يحيى بن سعيد، ودافع لما خالفه، - ٦٥ - غير أن الرواة قد اختلفوا في موضعين من هذا الخبر سوى الموضع الذي خالف فيه سعيد، وهو أن بعضهم ذكر في روايته أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالمدعين بالقسامة » . (( وتلك رواية بشير بن يسار، ومن وافقه عليه. وهي أصح الروايتين . وقال الآخرون : بل بدأ بالمدعى عليهم لسؤال ذلك . والموضع الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم وداه من عنده وهو ما قال بشير في خبره ومن تابعه . وقال فريق آخرون : بل أغرم النبي صلى الله عليه وسلم يهود الدية . وحديث بشير يعني ابن يسار في القسامة ، أقوى الأحاديث فيها وأصحها))(٤٣). خلاصة القول : إن المعارضة بين الروايات المختلفة لمعرفة الحديث الصحيح وتمييز الصواب من الخطأ ونقد الرجال وإنزالهم منازلهم الطبيعية بدأت من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وترعرعت وتفرعت واستعملت من قبل المحدثين النقاد كافة حتى أصبحت منهجهم العلمي في الأقطار والأزمان كافة . غير أن هذا المنهج توسع كثيراً بمرور الزمن وتنوعت طرقه وأسبابه ، ونشأت في ظله مناهج أخرى للمقارنات ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى . (٤٣) انظر التمييز ١٩١ - ١٩٤. - ٦٦ - بعض أنواع المعارضة(*) (١) معارضة روايات عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض . (٢) معارضة روايات محدث واحد في أزمنة مختلفة . (٣) معارضة روايات عدد من التلاميذ لشيخ واحد . (٤) معارضة رواية المحدث ورواية أقرانه أثناء الدرس . (٥) معارضةُ الكتاب بالذاكرة، والكتاب بالكتاب . (٦) معارضة بعرض الرواية على النصوص القرآنية . ١ - معارضة روايات عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض: لمعارضة روايات عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض يكفينا ما مر من أمثلة على ذلك ، كتلك المعارضة التي رأيناها ، وقد قام بها أبو بكر وعمر بن الخطاب وابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين(٤٥)، ولذلك لا نرى داعياً للإعادة . (٤٤) كنت قد استعملت كلمة المقارنة في الطبعة الأولى من الكتاب . وقد اقترح علي الدكتور حسن عيسى أبو ياسين استبدالها بكلمة الموازنة . ورأيت الإمام مسلم رحمه الله يستعمل في كتاب التمييز كلمة المقابلة أحياناً ، ووجدت ابن معين رحمه الله يستعمل كلمة المعارضة، حيث قال: ((عارضنا بها أحاديث الناس فرأيناها مستقيمة)» انظر يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٦٨:١. وقد استعمل عروة بن الزبير من قبل هذه الكلمة في محادثته مع ابنه هشام، عندما قال له: ((كتبت؟ فأقول : نعم . قال: عرضت كتابك؟ قلت: لا. قال: لم تكتب)) الكفاية ٣٢٧. ولمزيد من استعمال هذه الكلمة انظر دراسات في الحديث النبوي ٣٦٤ - ٣٦٥، وقد استمر استعمال كلمة ((المعارضة)) لدى المحدثين حتى تجد في هوامش مخطوطات كتب السنة: ((بلغ عرضاً)) أو (عورض به)) وغيرهما من التعبيرات، لذلك أثرت استعمال كلمة المعارضة على أية كلمة أخرى. (٤٥) انظر الصفحات الماضية ٥٠ - ٥٣ . - ٦٧ - ٢ - معارضة روايات محدث واحد في أزمنة مختلفة: لعل أصل هذا المنهج يرجع إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها . وهي في الواقع أضافت ألواناً أخرى جديدة للنقد، لها خطورتها ، كما سنرى فيما بعد . أم المؤمنين عائشة ومعارضتها روايات عبد الله بن عمرو في أزمنة مختلفة : (١) قال عروة بن الزبير: ((قالت لي عائشة : يا ابن أختي بلغني أن عبد الله ابن عمرو مارِّ بنا إلى الحج . فالقه فسائله ، فإنه حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علمً كثيراً . قال ، فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عروة : فكان فيما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعاً ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم . ويبقي في الناس رؤساء جهالا ، يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون . قال عروة : فلما حدثت عائشة بذلك، أعظمت ذلك وأنكرته . قالت : أُحدَّثك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال عروة : حتى إذا كان قابل، قالت له : إن ابن عمرو قد قدم، فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم . قال: فلقيته فسألته، فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى . قال عروة : فلما أخبرتها بذلك، قالت : ما أحسبه إلا قد صدق، أراه لم يزد فيه شيئاً ولم ينقص))(٤٦). مروان بن الحكمٍ ومعارضته للروايات عن أبي هريرة : (٢) روى أبو الزعيزعة - كاتب مروان - أن مروان أرسل إلى أبي هريرة، فجعل يسأله ، وأجلسني خلف السرير وأنا أكتب حتى إذا كان رأس الحول، دعا به (٤٦) م العلم ١٤ . - ٦٨ - فأقعده من وراء الحجاب ، فجعل يسأله من ذلك الكتاب ، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر (٤٧). إبراهيم النخعي واستعماله لهذا المنهج : (٣) قال عمارة بن القعقاع، قال لي إبراهيم: ((حدثني عن أبي زرعة فإني سألته عن حديث ثم سألته عنه بعد سنتين فما أخرم منه حرفاً))(٤٨). ٣ - معارضة روايات عدد من التلاميذ لشيخ واحد : ابن معين ومعارضته روايات تلامذة حماد بن سلمة : (( ... جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له : ما سمعتها من أحد؟ قال : نعم. حدثني سبعة عشر نفساً عن حماد بن سلمة . فقال: والله لا حدثتك. فقال: إنما هو درهم وانحدر إلى البصرة . وجاء إلى موسى بن اسماعيل ، فقال له موسى : لم تسمع هذه الكتب من أحد ؟ فقال : سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفساً، وأنت الثامن عشر. فقال : وما تصنع بهذا؟ فقال : إن حماد بن سلمة كان يخطئ فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء، علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء منه ، وقال واحد منهم خلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حماد ، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطئ عليه))(٤٩). وبهذا الطريق يصطاد ابن معين - كما يقولون - عصفورين بحجر واحد ، فإنه سيحكم في ضوء نتائجه على حماد بن سلمة لكن في الوقت ذاته يتمكن من الحكم على تلامذة حماد حسب درجات ضبطهم واتقانهم . (٤٧) سير أعلام النبلاء ٤٣١:٢ - ٤٣٢. (٤٨) العلم لأبي خيثمة ١٢٢ . (٤٩) المجروحين من المحدثين ١١ - أ. - ٦٩ - ابن معين ومعارضته لأحاديث عدد من المحدثين : قال ابن محرز: ((سمعت يحيى بن معين يقول، قال لي اسماعيل بن علية يوماً کیف حديثي ؟ قال ، قلت : أنت مستقيم الحديث . قال ، فقال لي : وكيف علمتم ذلك ؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة)) ( ** ). قال الدوري: ((سمعت يحيى يقول: ربما عارضت بأحاديث يحيى بن يمان أحاديث الناس فما خالف فيها الناس ضربت عليه . وقد ذكرت لوكيع شيئاً من حديثه عن سفيان، فقال وكيع: ليس هذا سفيان الذي سمعنا نحن منه))(٥١). قال الدوري: ((قيل ليحيى: الاختلاف الذي جاء عن يحيى بن أبي كثير هو منه أو من أصحابه ؟ فقال : من أصحابه ؟ قيل له : من أحب إليك في يحيى بن أبي كثير؟ قال : الأوزاعي وهشام الدستوائي . قيل له : فأبان بن يزيد ؟ قال : وأبان بن يزيد ليس به بأس . قيل له : شيبان؟ قال: هو صحيح الكتاب عن يحيى بن أبي كثير ... ))(٥٢). ٠٫ ٢ ٤ ٤ - المعارضة أثناء الدرس بين رواية المحدث وأقرانه : (١) روى سفيان عن الزهري، قال أخبرني عروة ، عن عائشة أنه سمعها تقول: ((جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) فاعترض (٥٠) يحيى بن معين وكتابه التاريخ لأحمد نور سيف ٦٨:١ . (٥١) يحيى بن معين وكتابه التاريخ لأحمد نور سيف ٣١٩:٣. (٥٢) يحيى بن معين وكتابه التاريخ لأحمد نور سيف ٤: ٤٥٧ - ٤٥٨. - ٧٠ - عليه الطلاب، كما ينقل لنا الحميدي: ((قيل لسفيان : فإن مالكاً لا يرويه عن الزهري ، إنما يرويه عن المسور بن رفاعة . فقال سفيان : لكنا قد سمعنا من الزهري كما قصصناه عليكم )»( ** ). (٢) وروى ابن عيينة عن الزهري، فقال: ((أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع عائشة تقول : اختصم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن زمعة في ابن أمة زمعة ... فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شبهاً بيناً بعتبة ، وقال : هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش ، واحتجي منه يا سودة . فقيل لسفيان : فإن مالكاً يقول: وللعاهر الحجر، فقال سفيان : لكنا لم نحفظ عن الزهري أنه قال في هذا الحديث))(٥٤). (٣) روى ابن عيينة عن الزهري قال: ((أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل شراب أسكر فهو حرام . فقيل لسفيان فإن مالكاً وغيره يذكرون البتع ، فقال: ما قال لنا ابن شهاب البتع . ما قال لنا ابن شهاب إلا كما قلت لك)) ( ** ). (٤) روى ابن عيينة حديثاً عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة في فضائل التبكير لصلاة الجمعة. قال الحميدي: ((فقيل لسفيان : إنهم يقولون في هذا الحديث عن الأغر عن أبي هريرة ، قال سفيان : ما سمعت الزهري ذكر الأغر قط، ما سمعته يقول إلا عن سعيد أنه أخبره عن أبي هريرة)) (٥٦). ٥ - معارضة الكتاب بالذاكرة أو معارضة كتاب بكتاب: لقد لعب الكتاب دوراً هاماً في عملية النقد، ولقد غاب عن بال الباحثين أهمیته ، إذ کثیراً ما خدعوا بظاهرة الإِسناد حیث یذکر فیہا حدثنا فلان قال حدثنا فلان ، واعتبر بعض الناس كأن هذا العمل كان من أوله إلى آخره مبنياً على (٥٣) مسند الحميدي ١١١:١ - ١١٢. (٥٤) مسند الحميدي ١١٧:١ . (٥٥) مسند الحميدي ١: ١٣٥. (٥٦) مسند الحميدي ٢ : ٤١٧ - ٤١٨. - ٧١ - الروايات الشفوية . ونورد هنا بعض الأمثلة لتوضيح دور الكتاب في مجال النقد . كان الكتاب يقارن أحياناً بكتاب آخر أو بما كانت ذاكرة المحدث تدخره وكان يحكم لصالح الكتاب لأن الذاكرة كثيراً ما تخون. قال ابن حنبل: ((حدثونا قوم من حفظهم وقوم من كتبهم، فكان الذين حدثونا من كتبهم أتقن)) (٥٧). (١) تذاكر محمد بن مسلم والفضل بن عباس عند أبي زرعة، فذكر محمد حديثاً أنكره الفضل ، وذكر رواية أخرى، فتجادلوا فيما بينهم وحكِّموا أبا زرعة ، وتغافل أبو زرعة عن الجواب حتى ألح عليه محمد بن مسلم وقال : إن كنت أنا المخطئ فأخبر وإن كان هو المخطئ فأخبر، فطلب أبو زرعة كتابه وقال لأبي القاسم: ((ادخل بيت الكتب فدع القمطر الأول والقمطر الثاني والقمطر الثالث وعد ستة عشر جزءاً وائتني بالجزء السابع عشر، فذهب فجاء بالدفتر فدفعه إليه فأخذ أبو زرعة فتصفح الأوراق وأخرج الحديث ودفعه إلى محمد بن مسلم فقرأه محمد بن مسلم ، فقال : نعم غلطنا ، فكان ماذا؟))(٥٨) (٢) ... روى سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة أنه قال: ((قال ابن مسعود رضي الله عنه : ألا أصلي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة . وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم، قال : نظرت في كتاب عبد الله بن ادريس عن عاصم بن كليب. ليس فيه : ثم لم يعد. فهذا أصح لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل يحدث بشيء، ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما في الكتاب))(٥٩) . (٣) وتكلم أبو حاتم الرازي في إسناد الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نبيذ الجر، وقال: ((فطلبت أثر هذا الحديث من ثقات أصحاب جعفر، فوجدت بعضهم يرويه عن جعفر عمن حدثه عن الزهري ، وكان هشام بن عمار قديماً حديثه أصح منه بآخره وذلك أنه كان يُلقَّن هما لُقن تلقن ، وقديماً كان يقرأ من كتابه))(٦٠) . (٥٧) شرح العلل لابن رجب ٨ - أ، وكذا في الأصل : حدثونا . (٥٨) تقدمة الجرح والتعديل ٣٣٧. (٥٩) رفع اليدين للبخاري ٩ . (٦٠) علل الحديث لابن أبي حاتم الرازي ٣٣:٢ . - ٧٢ - (٤) روى عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني حديثاً عن طريق أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)) فرد عليه أبو زرعة قائلاً: هذا غلط، الناس يروون عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم . فوقع ذلك في نفس عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني ولم يكن ينساه. قال: ((حتى قدمت ونظرت في الأصل فإذا هو عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم)) وكتب إلى أبي زرعة بذلك وقال فيه: ((فإن خفّ عليك فأعلم أبا حاتم عافاه الله ومن سألك من أصحابنا فإنك في ذلك مأجور إن شاء الله، والعار خير من النار))(٦١). (٥) قال ابن أبي حاتم الرازي: ((سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زائدة عن سعيد بن اسحاق بن كعب بن عجرة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بشراب وعنده أبو بكر فناول أعرابي، الحديث . وقال أبي : هكذا حدثنا يحيى بن يعلى، وأردت أن أقول حين حدثني به ، أنه خطأ فتركت، ولم أقل شيئاً، وهو خطأ . قال أبي : أصحاب زائدة يخالفون في هذا الحديث، ويقولون يحيى بن يعلى عن زائدة عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم . قلت لأبي فأيهما أصح؟ قال : هذا حديث معروف به أبو طوالة ، غير أن يحيى كذا حدثنا. وأخبرني إبراهيم بن راشد الآدمي أنه وقع عنده عن يحيى - كذا قال أبي ۔ وتوهمت أن یکون وهم الشیخ وکان في قلبي من ذلك حتى رأيت في کتاب ابراهيم بن راشد الآدمي ببغداد كذا سمعه من يحيى بن يعلى فسكن قلبي)»(١٢). (٦) قال ابن مهدي: ((لما حدث سفيان عن حماد عن عمرو بن عطية التيمي عن سلمان ... قلت له هذا حماد يروي عن ربعي بن حراش عن سلمان ، قال : من يقول ذا ... امضه . قال عبد الرحمن : فمكثت زماناً أحمل الخطأ على سفيان، حتى (٦١) تقدمة الجرح والتعديل ٣٣٦. (٦٢) علل الحديث، ابن أبي حاتم الرازي ٢٣:٢ - ٢٤. - ٧٣ - نظرت في كتاب غندر عن شعبة ، فإذا هو عن حماد عن ربعي بن حراش عن سلمان ، قال شعبة : وقد قال حماد مرة : عن عمرو بن عطية التيمي عن سلمان . فعلمت أن سفيان إذا حفظ الشيء لم يبال من خالفه))(٦٣). (٧) قال يزيد بن السمط كان الأوزاعي يقول: ((ما أحد أعلم بالزهري من قرة ابن عبد الرحمن بن حیویل ، قال أبو محمد : لم يكن الأوزاعي وقف على كتابة معمر عن الزهري فإنه أكثرهم رواية عنه ، ولا وقف على كتابة عقيل ويونس ، وإنما شاهد من قرة ما كان يورده عليه فتصور صورته عنده أنه أعلمهم بالزهري)) (٦٤) . وقال يوسف بن السفر: ((سمعت الأوزاعي يقول: ما عرض علي كتاب أصح من کتب الوليد بن مزيد))(٦٥) . (٨) قال سليمان بن حرب: ((كان يحيى بن معين يقول في الحديث: هذا خطأ . فأقول : كيف صوابه؟؟ فلا أدري، فأنظر في الأصل فأجده كما قال))(٦٦). (٩) روى صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن اسحاق عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً في التيم ، فقال أبو حاتم وأبو زرعة: ((هذا خطأ، رواه مالك وابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار وهو الصحيح وهما أحفظ)). قال ابن أبي حاتم، «قلت : قد رواه يونس وعقيل وابن أبي ذئب عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم أصحاب الكتب ، فقالا: مالك صاحب كتاب وصاحب حفظ)»(٦٧). (١٠) قال ابن المبارك: ((إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم فيما بينهم))(٦٨). (٦٣) تقدمة الجرح والتعديل ٦٤ - ٦٥ . (٦٤) تقدمة الجرح والتعديل ٢٠٤ - ٢٠٥ . (٦٥) تقدمة الجرح والتعديل ٢٠٥ . (٦٦) تقدمة الجرح والتعديل ٣١٤. (٦٧) علل الحديث ابن أبي حاتم الرازي ٣٢:١. (٦٨) تقدمة الجرح والتعديل ٢٧١ . - ٧٤ - (١١) عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي روى كتب الثوري على وجهها . قال ابن حنبل : كان يكتب في المجلس فمن ثم صح حديثه(٦٩) . (١٢) وسئل ابن حنبل: هل كان أبو الوليد ثبتاً؟ فقال: ((لا. ما كان كتابه منقوطاً ولا مشكولا ، ولكنه في حديث شعبة متقن، وقال مرة: اتقن حديث شعبة ))(٧٠) ومن هنا يتضح دور الكتاب في تصحيح الحديث وتضعيفه . قال ابن أبي حاتم الرازي: «سمعت أبي وذكر حديثاً حدثنا به محمد بن عبد الله ابن المبارك المخرمي . قال : حدثنا وكيع بن الجراح عن اسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة أنه أقبل يريد الإِسلام حتى إذا كان ببعض الطريق ضلّ غلامه فجعل ينشده ويقول : على أنها من دار كفر نجت يا ليلة من طولها وعنائها قال : فبينا أنا جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلع الغلام فاعتقته . قلت : وهكذا حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد ، عن أبي أسامة ، عن اسماعيل ، عن قيس، عن أبي هريرة . قال أبي : من الناس من يروي عن اسماعيل عن قيس أن أبا هريرة وهو أشبه . قال أبو محمد : طلبت هذا الحديث في كتاب بندار محمد بن بشار، عن يحيى ابن سعيد، عن اسماعيل بن أبي خالد فلم أجد هذا الحديث عنده . وطلبت في كتاب يعلى بن عبيد عن ابن أبي خالد فلم أجده عنده))(٧١). قال الدوري: ((قال يحيى ، قال لي هشام بن يوسف : جاءني مطرف بن مازن ، فقال أعطني حديث ابن جريج ومعمر حتى أسمعه منك ، فأعطيته ، فكتبها ، ثم جعل يحدث بها عن معمر نفسه، وعن ابن جريج . (٦٩) تهذيب ٣٥:٧. (٧٠) العلل ٣٨٣:١، أيضاً الكفاية ٢٤١ . (٧١) العلل للرازي ٤٢٣:٢ . - ٧٥ - فقال لي هشام بن يوسف : انظر في حديثه فهو مثل حديثي سواء . فأمرت رجلا فجاءني بأحاديث مطرف بن مازن فعارضت بها ، فإذا هي مثلها سواء فعلمت أنه (٧٢) كذاب )»(٧٢) .. انتقد بعض المحدثين حديث عمرو بن حزم في الصدقات . وسببه أنه قد رواه الحكم بن موسى ، قال حدثنا يحيى بن حمزة، عن سلمان بن داود ، قال : حدثني الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات ... واختلفوا في سليمان بن داود، فقال بعضهم : إنه سلمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وقد أخطأ في اسمه الحكم بن موسى . قال الحافظ أبو عبد الله بن مندة: ((قرأت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه عن سليمان بن أرقم، عن الزهري)) . وأما من صححه فأخذه على ظاهره بأنه سليمان بن داود الشامي، وهو حسن الحديث(٧٣) . قال أبو خالد الدقاق: ((قيل ليحيى وأنا أسمع ، فكان شعبة همّ أن يترك حديث أيوب ؟ فقال : كان أيوب خيراً من شعبة . ولكن لحال أنه كان يحفظ ولم يكن یکتب))(٧٤) . قال ابن معين: ((الدراوردي ما روى من كتابه فهو أثبت من حفظه))(٧٥). وقال ابن معين: ((الدراوردي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لعمار : تقتلك فئة باغية ، لم يوجد في كتاب الدراوردي . وأخبرني من سمع كتاب العلاء - يعني من الدراوردي - إنما كانت صحيفة ليس هذا فيها . (٧٢) يحيى بن معين وكتابه التاريخ، لأحمد نور سيف ١٧٧:٣ . (٧٣) انظر تفصيل ذلك في تعليق أحمد نور سيف على كلام ابن معين في سليمان بن داود الشامي في (من كلام أبي زكريا» ص ٣٧ - ٣٩. (٧٤) من كلام أبي زكريا في الرجال ٨١ . (٧٥) من كلام أبي زكريا في الرجال ٩٣. - ٧٦ - وكانت قصة واحدة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والدراوردي حفظه ليس بشيء، كتابه أصح))(٧٦). ٦ - معارضة الرواية بالنصوص القرآنية : سيدنا عمر رضي الله عنه ومعارضته لرواية فاطمة بنت قيس رضي الله عنها بالقرآن الكريم : رأينا من قبل أن عمر رضي الله عنه استعمل أسلوب معارضة الروايات بطلب الشهود في بعض الأحيان ، لكنه خطا خطوة أخرى، إذ عارض الرواية بالقرآن الكريم عندما روت فاطمة بنت قيس أنها طُلقت البتة ، فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سکنی ولا نفقة ، فلم يأخذ بروايتها عمر وقال: ((لا نترك کتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة ، قال الله عز وجل: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [ الطلاق ١]))(٧٧). وشاع هذا المنهج فيما بعد ذلك . ولقد أكثرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من استعماله، وحكمت في ضوئه على الراوي بالخطأ والكذب . ولقد جمع الإِمام بدر الدين الزركشي استدراكاتها واعتراضاتها على الصحابة في كتاب مستقل سماه : الإجابة لايراد ما استدركته عائشة على الصحابة . أما الأحاديث التي أوردها الإمام بدر الدين الزركشي ، فالبعض منها غير ثابت سنداً ، والبعض الآخر كان في الواقع فتاوى بعض الصحابة خالفوا فيها الأحاديث النبوية لعدم معرفتهم بها ، فصححت فتواهم ، وبعد هذا وذاك أيضاً، تصفو عدة أحاديث ، رواها الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فأنكرت عليهم إما معارضة بالقرآن الكريم أو مبينة الخطأ في الرواية حسب نظرتها ، أو استعملت الآيات القرآنية وأضافت إليها الرواية التي كانت ترى أنها صحيحة . (٧٦) من كلام أبي زكريا في الرجال ١١٣ - ١١٤. (٧٧) م الطلاق ٤٦، وانظر أيضاً فتح الباري ٩: ٤٨١، د الحديث ٢٢٩٠ . - ٧٧ - ولا يهمنا هنا أن نبحث مدى صحة نقدها وكيف أجيب عن اعتراضاتها، لكننا نبحث عن منهجها في النقد فقط. (١) ((لما أصيب عمر دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، وا صاحباه، فقال عمر رضي الله عنه : يا صهيب أتبكي عليّ؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه))، قال ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت لعائشة رضي الله عنها، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ليزيد الكافر عذاباً بيكاء أهله عليه، وقالت : حسبكم القرآن: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام ١٦٤]))(٧٨). وعندما نقل إليها رواية ابن عمر لهذا الحديث، قالت : يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأا(٧٩). (٢) روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال : ((هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)). ثم قال: ((إنهم الآن يسمعون ما أقول))؛ فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق))(٨٠). : قال الزركشي : وقد روى أن عائشة احتجت بقوله تعالى ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور﴾ [فاطر ٢٢ ] (٨١) . (٣) أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: ((إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار)). قال، فطارت شقة منها في السماء وشقة منها في الأرض . وقالت : والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول ، ولكن كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : كان أهل الجاهلية يقولون : الطيرة في المرأة والدابة والدار. ثم قرأت عائشة: ﴿ما أصاب من مصيبة (٧٨) خ الجنائز ٣٢، الاجابة ٨٢ - ٨٣. (٧٩) م الجنائز ٢٧ ، الاجابة ١١٢ . (٨٠) انظر م الجنائز ٢٦، الاجابة ١٢١ . (٨١) الاجابة ١٢٢، انظر أيضاً م الجنائز ٢٦. - ٧٨ - في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب﴾. إلى آخر الآية » [الحديد ٢٢](٨٢). (٤) روى ابن جريج عن زياد أن أبا نهيك أخبره عن أبي الدرداء أنه خطب فقال : من أدرك الصبح فلا وتر له . فذكر ذلك لعائشة فقالت : كذب أبو الدرداء ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح فيوتر(٨٣). ويبدو أن هذه كانت فتوى من أبي الدرداء إذ لم ينسب قولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذبته أم المؤمنين عائشة مستدلة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم . والكذب هنا بمعنى الخطأ، إذ لا يمكن حمله إلا على هذا المعنى . هذه بعض أنواع المعارضة التي كانت تجري من قبل المحدثين في نقد الروايات لمعرفة مراتب الرواة والحكم على الرواة ومروياتهم . (٨٢) حم ٢٤٦:٦، الاجابة ١٢٧ - ١٢٨. (٨٣) الاجابة ١٦٠ . - ٧٩ -