Indexed OCR Text
Pages 1-20
البابالأول
النقد عند المحدثين : نشأته وتاريخه وأدواره
وجوب إطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كمال شريعة الله :
أرسل الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم خاتماً للأنبياء والمرسلين ،
وأتم عليه وعلى أمته نعمه الظاهرة والباطنة ، فقال جل وعلا: ﴿ اليوم أكملت
لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة ٣].
وجعله على شريعة من الأمر وأوجب عليه اتباعها ، فقال عز من قائل :
﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾
[ الجاثية ١٨].
وأوجب عليه صلى الله عليه وسلم البلاغ فقال :
﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ،
والله يعصمك من الناس﴾ [ المائدة ٦٨].
وقد أدّى نبينا صلى الله عليه وسلم الأمانة وقام بالتبليغ خير قيام، وترك لأمته
کتاب ربه كاملاً دون زيادة أو نقصان .
الكتاب والسنة مصادر شريعة الله:
حفظَ شريعة الله :
وتكفل الله سبحانه وتعالى - بمحض ألطافه وكرمه - بحفظ كتابه من كل
عابث ، فقال جل وعلا :
﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر ٩].
- ١ -
وبذلك ضمن الله سبحانه وتعالى حفظ كتابه أصالة ، كما ضمن لنا حفظ سنة
نبيه تبعاً، لأن سنته شارحة ومبيّنة لما في القرآن . قال الله تعالى :
﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾
[ النحل ٤٤].
وأخبر الله سبحانه وتعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿وما
ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم ٣].
وأخبر عنه في موضع آخر من كتابه الكريم ، فقال: ﴿ يأمرهم بالمعروف
وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم
والأغلال التي كانت عليهم﴾ [ الأعراف ١٩٧].
ومن ثم أوجب علينا طاعته ، فقال سبحانه :
﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء ٨٠].
وقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر ٧].
وقال : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم،
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾
[ النساء ٥٩ ] .
وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا توَلَّوْا عنه وأنتم
تسمعون﴾ [ الأنفال ٢٠ ] .
وقال: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾
[ الأنفال ٤٦ ] .
وقال: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ
المبين﴾ [التغابن ١٢ ].
وقال تعالى : ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم
والله غفور رحيم﴾ [ آل عمران ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [ الأحزاب
٢١ ].
- ٢ -
وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا
في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ [النساء ٦٥].
وقال تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم
أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ [النور ٥١].
وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته إنما تكون في اتباع سنته ، ولو لم
يكن الأمر كذلك لانتهت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ، وهذا مناف
لخلود الإِسلام .
وجوب نشر السنة النبوية :
وبما أن القرآن قد كُتب له البقاء إلى يوم القيامة ، وشريعته خالدة كذلك ،
فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالتبليغ عنه، وذلك لاستمرار سنته
وشريعته .
روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نضَّر الله عبداً سمع
مقالتي فحفظها ووعاها وأداها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى
من هو أفقه منه))(١) .
وعن زيد بن ثابت، قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرأً
سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره ، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب
حامل فقه إلى من هو أفقه منه ... ))(٢).
وقال جبير بن مطعم ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى
فقال: ((نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها فرب حامل
فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))(٣).
(١) الرسالة للشافعي ٤٠١، أيضاً بدائع المتن ١٤:١، حم ١: ٤٣٧، ت ٣٧٢:٣، جه ٥٢:١، صحيح ابن
حبان ٢٢٦:١، ٢٢٧، جامع بيان العلم ٤٠:١ .
(٢) حم ٥ : ١٨٣، أيضاً د الحديث ٣٦٦٠، دي ١: ٧٥، ت ٣٧٢:٣، جه ٥٢:١، صحيح ابن حبان
١: ٢٢٥، المستدرك ٨٨:١، جامع بيان العلم ٣٩:١.
(٣) حم ٤: ٨٠، أيضاً دي ٦٥:١، المستدرك ٨٦:١-٨٧، جامع بيان العلم ٣٩:١.
- ٣ -
وكذلك روى نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن بشير(4)، وأبو
بكرة (٥) وأنس بن مالك(1) رضوان الله عليهم أجمعين .
ولم ينهض النبي صلى الله عليه وسلم بأمر التبليغ فحسب، وإنما عمد إلى
ترغيب المسلمين فيه ، إذ ذكر لهم من فضل القيام به ما ينشط همتهم، من ذلك
قوله صلى الله عليه وسلم :
((من سلك طريقاً يطلب فيه علمً سهل الله به له طريقاً إلى الجنة))(٧).
وروى صفوان بن عسال المرادي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((ما من خارج يخرج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها
رضى بما يصنع))(٨).
وروى نحوه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم(٩).
لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه، فكما أنه
عليه الصلاة والسلام أوجب التبليغ ، ورغّب في التعليم، وأمر الناس بالرواية
عنه، كذلك حذّر من الكذب عليه، وبيّن عواقبه قائلاً: ((من كذب عليّ فليتبوأ
مقعده من النار))(١٠) .
وقال: ((من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار))(١).
(٤) المستدرك ٨٨:١ .
(٥) جامع بيان العلم ٤٠:١ - ٤١ .
(٦) حم ٢٢٥:٣.
(٧) العلم لأبي خيثمة، الحديث ٢٥، أيضاً حم الحديث ٧٤٢١، د الحديث ٣٦٤٣، المستدرك ٨٨:١.
(٨) صحيح ابن حبان ٢٤٣:١ - ٢٤٤، أيضاً العلم لأبي خيثمة، الحديث ٥، حم ٤: ٢٣٩، المستدرك
١ : ٠١٠٠
(٩) حم ١٩٦:٥، دي ٩٨:١، د الحديث ٣٦٤٩، جه ١: ٥٠، جامع بيان العلم ١: ٤٥.
(١٠) خ العلم ٣٨، وهو حديث متواتر.
(١١) خ العلم ٣٨.
- ٤ -
الخطأ في رواية الأحاديث النبوية :
الخطأ من فطرة الإنسان :
بالرغم من هذا، فالإِنسان قد يخطئ، وقالوا قديماً : إن الإنسان مركب من
الخطأ والنسيان . وقال الله سبحانه تعالى حاكياً عن آدم أبي البشر:
﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم تجد له عزماً﴾ [طه ١١٥].
فالإِنسان قد يخطىء بالنسيان، وقد ((يخطىء)) بالتعمد، لكن النتيجة في الحالتين
واحدة بالنسبة لصدق الحديث وكذبه ، وبما أن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم
وسنته مصدر للتشريع وأسوة للمؤمنين ونبراس للمسلمين إلى يوم القيامة ، لذلك
كان لا بد من تنقيتها من شوائب الأخطاء كافة ، سواء أكان ذلك بالنسيان أم
بالتعمد .
ضرورة النقد في الأحاديث النبوية :
وعلى هذا كان لا بد من نقد الأحاديث المضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم
نقداً علمياً دقيقاً، لمعرفة صحيحها من سقيمها لئلا يدخل في الإسلام ما ليس
منه .
النقد لغة :
قال في اللسان: النقد والتنقاد ، تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها .
النقد عند المحدثين :
يمكن تعريفه بأنه تمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة ، والحكم على الرواة
توثيقاً وتجريحاً(١٢).
(١٢) انظر تقدمة الجرح والتعديل ٥ - ٦.
- ٥ -
دوافع النقد :
لم يكن النقد في الحديث لمجرد إشباع رغبة علمية جامحة ، بل كانت الدوافع
إليه أعمق وأدق .
إن الله جلَّ وعلا أنزل كتابه ، ووكل تبيينه لنبيه ، فقال عز مِنْ قائل :
{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [ النحل ٤٤]. ولبث رسول
الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وعشرين سنة يفرض الفرائض ويسن السنن ويحرم
الحرام ويحلُّ الحلال ، وأصبحت معرفة ديننا - وهو عصمة أمرنا وسبيل نجاحنا في
دنيانا وآخرتنا - موقوفة على معرفة سنته والصحيح من آثاره والعمل به . ولا يتأتى
ذلك إلا بالفحص عن النقلة والبحث عن أحوالهم ، ليؤخذ بكلام الصادقين
ويعمل به ويرمي كلام الكاذبين ويدفن أو يروى فيبين ويشهر به .
ولذلك قال الإِمام مسلم رحمه الله :
((فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة ، ثم أقدم على الرواية عنه
من قد عرفه ولم يبيِّن ما فيه لغيره، ممن جهل معرفته ، كان آثماً بفعله ذلك ،
غاشاً لعوام المسلمين ... ))(١٣).
ولذلك شمر العلماء عن سواعدهم واحتملوا في سبيل الحديث كل عناء ومشقة
- وهم راضون - ليميزوا الخبيث من الطيب، ولو كان الأمر لمجرد إشباع رغبة
علمية لما كابدوا كل هذه المشاق .
وكلام يحيى بن سعيد القطان يلقي بعض الأضواء على ما نحن بصدده، ويظهر
لنا أحاسيسهم ويرينا خلجات نفوسهم .
قال أبو بكر بن خلاد: ((دخلت على يحيى بن سعيد في مرضه، فقال لي :
يا أبا بكر ما تركت أهل البصرة يتكلمون ؟ قلت : يذكرون خيراً ، إلا أنهم يخافون
عليك من كلامك في الناس . فقال : احفظ عني ، لأَنْ يكون خصمي في الآخرة
رجل من عرض الناس أحب إلي من أن يكون خصمي في الآخرة النبي صلى الله
(١٣) مقدمة صحيح مسلم ٢٨:١. والمقصود بعوام المسلمين من ليس من أصحاب الاختصاص والمعرفة .
- ٦ -
عليه وسلم ، يقول : بلغك عني حديث وقع في وهمك أنه عني غير صحيح - يعني
فلم تنكر))(١٤) .
نشأة النقد :
في الواقع بدأ البحث والتنقيب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في
حياته(١٥) وما كان الأمر يعدو في حينه سؤال النبي صلى الله عليه وسلم نفسه . وهذا
الاستفسار كان على نطاق ضيق جداً . إذ الصحابة ما كانوا يكذبون ولا يكذب
بعضهم بعضهم الآخر. بل كان غاية البحث في ذلك الوقت هو التدقيق ، بل
هو نوع من التوثيق للطمأنينة القلبية . ولهم في ذلك أسوة في سيرة أبي الأنبياء عليه
السلام: ﴿ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ؟ قال : أو لم تؤمن؟ قال :
بلى. ولكن ليطمئن قلبي ﴾ [ البقرة ٢٦٠].
ومحال أن يكون إبراهيم عليه السلام قد شك في قدرة الله سبحانه وتعالى ،
وهكذا كان تدقيق الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لمزيد من الاطمئنان
القلبي لا غير. وهناك أمثلة عديدة تدل على توثيق الصحابة عن النبي صلى الله
عليه وسلم، مدفوعين بهذه الغاية، ولعل من المفيد أن نسوق بعضاً منها :
أمثلة توثيق الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم
المثال الأول :
جاء ضمام بن ثعلبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا محمد،
أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق ... قال،
وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: صدق ... قال، وزعم رسولك
أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: صدق ... ))(١٦).
(١٤) شرح علل الترمذي لابن رجب ٤٣ -أ. وانظر تحذير الخواص ص ١١٩ .
(١٥) انظر مقدمة المعلمي على تقدمة الجرح والتعديل ص : ب.
(١٦) م الإِيمان ١٠، انظر أيضاً خ العلم ٦ .
- ٧ -
المثال الثاني :
« قدم عليّ رضي الله عنه من اليمن بهدي وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم
من المدينة هديا، وإذا فاطمة قد لبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت ، قال : فانطلقت
محرّشاً، أستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت : يا رسول الله إن فاطمة
لبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، وقالت : أمرني به أبي صلى الله عليه وسلم قال :
صدقت، صدقت، أنا أمرتها))(١٧).
لا
المثال الثالث :
(( ... أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوم الجمعة البراءة وهو قائم
يذكر بأيام الله وأبي بن كعب وجاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو الدرداء
وأبو ذر، فغمز أبي بن كعب أحدهما، فقال: متى أنزلت هذه السورة يا أبي؟
فإني لم أسمعها إلا الآن . فأشار إليه أن اسكت. فلما انصرفوا، قال : سألتك متى
أنزلت هذه السورة فلم تخبر. قال أبي : ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت .
فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له وأخبرته بالذي قال
أبي، فقال: صدق أبي))(١٨).
المثال الرابع :
كان سيدنا عمر وجاره من الأنصار يتناوبان النزول على النبي صلى الله عليه
وسلم، قال عمر: ((فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره ، وإذا
نزل فعل مثله ، فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء، فضرب بابي ضرباً
شديداً، وقال : أثمّ هو؟ ففزعت ، فخرجت إليه. وقال : حدث أمر عظيم .
قلت : ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال لا . بل أعظم منه وأطول ، طلق رسول الله
صلى الله عليه وسلم نساءه)) ... ((فذهب عمر واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم
(١٧) ن ٥: ١١١.
(١٨) حم ١٤٣:٥، أيضاً جه إقامة ٨٦ .
- ٨ -
حتى إذا أذن له ودخل ، قال : طلّقتَ نساءك؟ فرفع بصره إلي ، فقال :
لا ... )(٩) .
المثال الخامس :
(( ... عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو، قال، حُدَّثت أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة)). قال، فأتيته
فوجدته يصلي جالساً ، فوضعت يدي على رأسه ، فقال : مالك يا عبد الله بن
عمرو؟ قلت : حُدِّثت يا رسول الله أنك قلت : صلاة الرجل قاعداً على نصف
الصلاة . وأنت تصلي الصلاة قاعداً. قال: أجل، ولكني لست كأحد
منكم))(٢٠) .
المثال السادس :
(( ... عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه خرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الأضحى - أو الفطر - إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم
بالصدقة ، فقال : أيها الناس تصدقوا ، فمر على النساء فقال : يا معشر النساء
تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار ... فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة
ابن مسعود تستأذن عليه . فقيل : يا رسول الله ، هذه زينب فقال : أي الزيانب؟
فقيل امرأة ابن مسعود. قال : نعم ، ائذنوا لها، فأذن لها، قالت: يا نبي الله
إنك أمرت اليوم بالصدقة ، وكان عندي حلي ، فأردت أن أتصدق بها ، فزعم ابن
مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم
صدق ابن مسعود زوجك أحق من تصدقت به عليهم)) (٢١) .
لا ريب أن الرواية ليست صريحة في أن ابن مسعود نسب هذا القول إلى النبي
1
(١٩) خ المظالم ٢٥ .
(٢٠) م المسافرين ١٢٠.
(٢١) خ الزكاة ٤٤ .
- ٩ -
صلى الله عليه وسلم، لكن أصناف الصدقات ووجوه صرفها معروفة ، وليس فيها
الزوج ، لذلك من الراجح أنه سمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم .
تاريخ النقد :
في ضوء هذه الأحاديث نستطيع أن نقول إن البحث والتدقيق أو بتعبير آخر
النقد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ في حياته الشريفة ، ولكن على
نطاق ضيق جداً، والسبب في ذلك أن الصحابة لم يشعروا عادة بأنهم في حاجة
إلى الرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لمزيد من التوكيد والتوثيق ، لأنه لم يكن
فيما بينهم من يكذب(٢٢) .
إذن نستطيع أن نقرر بكثير من الاطمئنان ، أن نشأة النقد في أحاديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم كانت قد بدأت على عهده - صلى الله عليه وسلم - ولو
على نطاق ضيق جداً حتى إذا قبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ،
وكان لزاماً على أمته أن تتمسك بسنته الكريمة ، نشط النقد من حول السنة بصفة
عامة وخطا خطوة أوسع نحو الاستيثاق والتحقيق ، حتى يتبين المسلمون أن ما
يُروى لهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح لا زيف فيه، ولا خلط، لا
افتراء فيه ولا كذب. ومن هنا ظهرت شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته ليوضح ويؤكد منهج النقد السليم
من حول السنة النبوية فكان كما يقول عنه الحاكم: ((أول من وقى الكذب عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم))(٢٣) .
(٢٢) روى الحسن عن أنس بن مالك أنه قال: ((ليس كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه
منه ولكن حدثنا أصحابنا. ونحن قوم لا يكذب بعضهم بعضاً، الكفاية ٣٨٦.
وقال البراء بن عازب: ((ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحدثنا أصحابنا عنه،
كانت تشغلنا عنه رعية الإبل)) حم ٢٨٣:٤، أيضاً، تاريخ ابن أبي خيثمة ٣: ٥٣ ب، العلل لابن حنبل ٩٦ ب،
المستدرك ٩٥:١، الكفاية ٣٨٥.
وفي رواية أخرى قال البراء: ((ليس كلنا كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال،
ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب)). المحدث الفاصل للرامهرمزي ٢٣٥ (المطبوعة).
(٢٣) المدخل للحاكم ٤٦.
- ١٠ -
وقال عنه الذهبي: ((وهو أول من احتاط في قبول الأخبار)) (٢٤).
وقال ((وإليه المنتهى في التحري في القول والقبول))(٢٥).
وهو الذي دلنا على أهم قاعدة للنقد والتدقيق ، وهي المقارنة بين الروايات ،
ثم جاء دور عمر، وهو الفاروق الأعظم ، الذي نزل القرآن بموافقته مراراً ،
فأرسى قواعد جديدة للبحث والنقد والتدقيق .
قال ابن حبان : إن عمر وعلياً أول من فتشا عن الرجال في الرواية ، وبحثا
عن النقل في الأخبار ثم تبعهم ناس على ذلك(٢٩).
ويمكن أن يفسر قول ابن حبان بأنهما أول من وسعا في الكلام حتى يستقيم
الأمر، لأن مما لا ريب فيه أن أبا بكر هو أول من فتش في الحديث .
ولقد قام بالنقد عدد من الصحابة في حياة عمر رضي الله عنه وبعد وفاته ،
كأم المؤمنين عائشة وغيرها وأضافوا قواعد أخرى للنقد .
وانتشرت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفتح الإسلامي، وكان
للعراق منها نصيب وافر، ولذا نشأت مدرسة أخرى للنقد بالعراق إلى جانب
مدرسة المدينة .
النقد في مدرسة المدينة :
قال ابن حبان : ثم أخذ مسلك عمر وعلي واستن بسنتهم واهتدى بهديهم فيما
استنوا من التيقظ في الروايات جماعة من أهل المدينة من سادات التابعين ، منهم :
(١) سعيد بن المسيب .
(٢) والقاسم بن محمد بن أبي بكر .
(٣) وسالم بن عبد الله بن عمر.
(٤) وعلي بن الحسين بن علي .
(٥) وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .
(٢٤) تذكرة الحفاظ ٢ .
(٢٥) تذكرة الحفاظ ٥ .
(٢٦) المجروحين ١٣ - أ.
- ١١ -
(٦) وعبد الله بن عبد الله بن عتبة .
(٧) وخارجة بن زيد بن ثابت .
(٨) وعروة بن الزبير بن العوام.
(٩) وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .
(١٠) وسليمان بن يسار.
وتخرج على يد هؤلاء وبرز في هذه الصنعة بعدهم بالمدينة :
(١) الزهري .
(٢) ويحيى بن سعيد الأنصاري .
(٣) وهشام بن عروة .
(٤) وسعد بن ابراهيم في جماعة معهم من أهل المدينة ، إلا أن أكثرهم
تيقظاً وأوسعهم حفظاً، وأدومهم رحلة وأعلاهم همة الزهري رحمه الله (٢٧).
النقد في العراق :
قال الترمذي : وقد وجدنا غير واحد من الأثمة التابعين قد تكلموا في
الرجال ، منهم :
(١) الحسن البصري.
(٢) وطاووس .
(٣) وسعيد بن جبير.
(٤) وإبراهيم النخعي .
(٥) وعامر الشعبي(٣٨).
ويضاف إلى هذه القائمة بعض الأعلام الآخرين، أهمهم :
(٦) ابن سيرين .
(٢٧) المجروحين ١٣ - أ. من ١: ٣٩.
(٢٨) شرح العلل ٨ ب.
- ١٢ -
ذكر ابن رجب أن ابن سيرين هو أول من انتقد الرجال وميز الثقات من
غيرهم(٢٩) .
وقال يعقوب بن شيبة، ((قلت ليحيى بن معين : تعرف أحداً من التابعين
كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟ فقال برأسه : أي، لا، قال
يعقوب : وسمعت علي بن المديني يقول : كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن
الإسناد لا نعلم أحداً أول منه [ كذا] محمد بن سيرين)) (٣٠).
وفي الواقع أنه لا يمكن الجزم بأول من تكلم في الرجال، وقام بتفتيش
الأسانيد . فإذا كان ابن المديني رحمه الله يرى أن ابن سيرين هو أول من تكلم في
الرجال فإننا نجد صعوبة في الموافقة على هذا القول ، لأن هناك علماء في المدينة
- كما مر آنفاً - قاموا بتفتيش الأسانيد والبحث عن الأحاديث، وهم أكبر سناً
وربما أغزر علماً من ابن سيرين .
ولو أردنا أن نقيد قول ابن المديني بمنطقة العراق وحدها لما كان ذلك دقيقاً،
لأن من النقاد الشعبي (١٩ هـ - ١٠٣ هـ) وهو أقدم ولادة وموتاً من ابن سيرين
(٣٣ هـ - ١١٠ هـ)، وكذلك الحسن البصري (٢١ هـ - ١١٠ هـ)، وإن كان
سعيد بن جبير (٤٦ هـ - ٩٥ هـ) وابراهيم النخعي (٤٧ هـ - ٩٦ هـ) كلاهما
متأخرين عنه ولادة ، لكنهما أقدم موتاً منه، لذلك ما ذكر من أولية ابن سيرين هي
ربما باعتبار توسعه في الكلام لا من باب توثيق أوليته المطلقة .
ثم كان بعد هؤلاء :
(١) أيوب السختياني .
(٢) وابن عون .
(٢٩) شرح العلل ١١ - أ.
(٣٠) شرح العلل ١١ - أ.
- ١٣ -
التوسع في كلام النقاد وانتشار النقد إلى أماكن أخرى :
يبدو أنه بذهاب عصر التابعين دخل النقد في طور جدید .
لا ريب أنه بدأت الرحلة لطلب العلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
وأسفار الصحابة لأجل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته
معروفة ومشهورة (٣١) .
وكذلك رحلات التابعين(٣٢)، حتى قال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى
الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عمره رأيت أن سفره لا
(٢٣)
يضيع
.
وبالرغم من هذه الرحلات كلها فإنها لا يمكن أن تقاس برحلات أتباع
التابعين ومن بعدهم لطلب العلم .
(٣١) أ - رحل جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه مسيرة شهر في حديث واحد إلى الشام. الرحلة ٥٣ ،
٥٤، فتح الباري ١٧٤:١. كما ارتحل في حديث إلى مصر. الرحلة ٥٤، فتح الباري ١٧٤:١ ،
المحدث الفاصل للرامهرمزي ٢٢٣ .
ب- ارتحل أبو أيوب الأنصاري إلى مصر، مسند الحميدي ١: ١٨٩ - ١٩٠، الرحلة للخطيب ٥٦، فتح
الباري ١ :١٧٥ .
جـ ــ وارتحل صحابي في حديث إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، سنن الدارمي ١٣٨:١، الرحلة ٥٧ .
(٣٢) أ - ارتحل زر بن حبيش في خلافة عثمان رضي الله عنه ليسمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
الرحلة للخطيب ٤٨ .
ب- ارتحل أبو العالية ليسمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرحلة ٤٨، فتح الباري
١ : ١٩٢.
جــ وقال سعيد بن المسيب: إن كنت لأسير ثلاثاً في الحديث الواحد، المحدث الفاصل ٢٢٣، أيضاً،
الرحلة ٥٨ .
د - وارتحل الديلمي من فلسطين إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، الرحلة ٦٠ - ٦١.
هـ - وارتحل الحسن إلى الكوفة في مسألة واحدة، الرحلة ٦٢ .
و - ومكث أبو قلابة ــ وهو بصري ـ ثلاثة أيام في المدينة ليسمع حديثاً عن رجل كان غائباً عنها، سنن
الدارمي ١٣٦:١، الرحلة ٦٢ .
ز - وارتحل نوفل بن عبد مناف إلى العراق ليسمع من علي، الرحلة ٥٨ .
حـــ وارتحل سعيد بن جبير إلى ابن عباس ليسأله عن آية، الرحلة ٦١ .
طــ وقال بسر بن عبيد الله الحضرمي: إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في حديث واحد. سنن
الدارمي ١٣٦:١، فتح الباري ١٩٢ .
(٣٣) الرحلة للخطيب ٤٩ .
- ١٤ -
قال التميمي : ما سمعت بأرض فيها علم إلا أتيتها(٤).
وقد اعتبر ابن معين الرحلة ضرورة من ضرورات العلم حتى قال: ((أربعة
لا تؤنس منهم رشداً ... رجل يكتب في بلده ولا يرتحل في طلب الحديث)) (٣٥).
وبما أن الرحلة أصبحت من لوازم العلم فإن كل من جاء من النقاد والمحدثين
بعد عصر التابعين استق معلوماته - على الأغلب - من كافة المراكز العلمية بالعالم
الإسلامي حينذاك، ولم يكن يقتصر على بلده إلا نادراً، ومن ثم لم يكن يقتصر
كلام النقاد على رجال منطقة واحدة بعينها بل كانوا يتكلمون على الرواة كافة بوجه
عام. ومن ناحية أخرى فقد وجدت في هذه الفترة مدارس أخرى عديدة للنقد في
مختلف الأقطار الإسلامية .
ولذلك قال ابن حبان: ((ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الحديث وانتقاد الرجال
وحفظ السنن والقدح في الضعفاء جماعة من أئمة المسلمين والفقهاء في الدين ،
منهم :
(١) سفيان بن سعيد الثوري [ الكوفة].
(٢) ومالك بن أنس [المدينة ] .
(٣) وشعبة بن الحجاج [واسط].
(٤) وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي [بيروت].
(٥) وحماد بن سلمة [البصرة].
(٦) والليث بن سعد [مصر].
(٧) وحماد بن زيد [مكة].
(٨) وسفيان بن عيينة [مكة]، في جماعة معهم. إلا أن من أشدهم انتقاء
للسنن وأكثرهم مواظبة عليها حتى جعلوا ذلك صناعة لهم، لا يشوبونها بشيء
آخر، ثلاثة أنفس. مالك والثوري وشعبة))(٣٦).
(٣٤) العلل ١٦:١.
(٣٥) الرحلة ٤٧ .
(٣٦) المجروحين ١٣ - ب؛ وأسماء البلدان بين المعكوفتين إضافة مني لبيان مراكز النقد.
- ١٥ -
وقال ابن حبان في الثقات: ((شعبة أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين
وجانب الضعفاء والمتروكين حتى صار علماً يقتدى به ، ثم تبعه عليه بعده أهل
العراق(٣٧)، حتى وصفوه بأنه أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل))(٣٨).
ويلاحظ في هذه القائمة اختلاف بلدان النقاد فمنهم من العراق والشام والحجاز
ومصر، ولم يبق النقد منحصراً في المدينة والكوفة ، والبصرة كما كان من قبل .
وقال ابن حبان: ((ثم أخذ عن هؤلاء بعدهم الرسم في الحديث والتنقيب عن
الرجال والتفتيش عن الضعفاء والبحث عن أسباب النقل جماعة ، منهم :
(١) عبد الله بن المبارك .
(٢) ويحيى بن سعيد القطان .
(٣) ووكيع بن الجراح .
(٤) وعبد الرحمن بن مهدي .
(٥) ومحمد بن ادريس المطلبي الشافعي في جماعة معهم. إلا أن أكثرهم
تنقيراً عن شأن المحدثين وأتركهم للضعفاء والمتروكين حتى يجعله لهذا الشأن صناعة
لهم لم يتعدوها إلى غيرها مع لزوم الدين والورع الشديد والتفقه في السنن رجلان ،
يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي)) (٣٩).
ولقد تخرج يحيى بن سعيد في هذه الصنعة على يد شعبة بن الحجاج(٤).
قال ابن حبان: ((ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الحديث والاختبار، وانتقاء
الرجال في الآثار ... جماعة منهم:
(١) أحمد بن حنبل .
(٢) ويحيى بن معين .
(٣) وعلي بن المديني .
(٤) وأبو بكر بن أبي شيبة .
(٣٧) الثقات ٤٩٤.
(٣٨) شرح العلل ٣٨ - أ.
(٣٩) المجروحين ١٦ - ب.
(٤٠) شرح العلل ٤٢ - ب .
- ١٦ -
(٥) وإسحاق بن ابراهيم الحنظلي .
(٦) وعبد الله بن عمر القواريري .
(٧) وزهير بن حرب أبو خيثمة، في جماعة من أقرانهم، إلا أن من
أورعهم في الدين وأكثرهم تفتيشاً على المتروكين وألزمهم لهذه الصناعة على دائم
الأوقات منهم كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني رحمهم
الله ))(٤١)
.
(( ... ثم أخذ عن هؤلاء ... جماعة، منهم:
(١) محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري.
(٢) وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي .
(٣) وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي .
(٤) ومحمد بن اسماعيل الجعفي البخاري .
(٥) ومسلم بن الحجاج النيسابوري.
(٦) وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في جماعة من أقرانهم))(٤٢).
ونقف هنا في مسألة تاريخ النقد لأن هاتين الطبقتين الأخيرتين هما الذروة ،
وقد بقيت بعض مؤلفاتهم في النقد . أما من مضى قبل هاتين الطبقتين فكلامهم
مبثوث في كتب الجرح والتعديل ، ولا نعلم لأحد منهم كتاباً مستقلاً في الجرح
والتعديل بقي إلى زماننا هذا ولو أن المراجع تشير إلى أن هناك عدواً من النقاد ألفوا
كتباً في الجرح والتعديل، ونذكر على سبيل المثال:
=
> عند ١
(١) شعبة بن الحجاج.
(٢) عبدالله بن الباكي وله كتاب في التاريخ، وعلى الأغلب يكون على منوال
كتاب التاريخ الكبير للبخاري، أو على منوال التاريخ الصغير.
(٣) الليث بن سعد، وله كتاب في التاريخ.
(٤) عبدالرحمن بن مهدي.
(٥) يحيى بن سعيد القطان.
(٦) أبو داود الطيالسي وله مشايخ تبعته.
....
: (٤١) المجروحين ١٧ - ب.
(٤٢) المجروحين ١٨ - ب.
- ١٧ -
م
٧
٤
المحدِّثون والنقد
مجمل النقد: العدالة والضبط :
منذ فترة ليست بقصيرة ، انقطعت الصلة بين الباحثين في علوم الحديث وبين
منهج القدماء من المحدثين في حكمهم على الأحاديث. ومن يراجع كتب الرجال
يجد المحدثين يحكمون على الرواة والأحاديث تحسيناً وتصحيحاً وتضعيفاً.
وهنا يتبادر السؤال إلى الذهن : كيف تمكن المحدثون من الحكم على الراوي
والمروي؟ لقد اختلفت الأنظار وتشعبت الآراء في الرد على هذا السؤال. فقد
ذهبت فئة إلى أنه من المتعذر بل من المستحيل الحكم عليهم، حتى قالوا: ((إن
من ادَّعى تمييز خطأ رواياتهم من صوابها مُتَخَرِّص بما لا علم له به، ومُدّعٍ علم
غيب لا يُوصل إليه)»(٤٣) .
ولقد أشكل هذا الأمر حتى على بعض أجلة الفقهاء في القرن الثالث .
قال أبو حاتم الرازي: ((جاءني رجل من أجلة أصحاب الرأي من أهل الفهم
منهم ، ومعه دفتر، فعرضه علي ، فقلت في بعضها : هذا حديث خطأ، قد دخل
لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه : هذا حديث باطل ، وقلت في
بعضه : هذا حديث منكر، وقلت في بعضه : هذا حديث كذب، وسائر ذلك
أحاديث صحاح)) .
((فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا
كذب ، أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت ، وأني كذبت في حديث كذا؟)).
((فقلت له : ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا
خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال : تدعي الغيب ؟
قال، قلت: ما هذا ادعاء الغيب ... ))(٤٤).
وهناك فئة أخرى ترى أنه يمكن للمحدثين الحكم على الرواة والمرويات ، وهم
قد قاموا بهذا العمل فعلاً، وكان عملهم هذا صحيحاً وصائباً، إلا أنهم لم
(٤٣) التمييز ١ - أ (انظر ص ١٦٩)
(٤٤) تقدمة الجرح والتعديل ٣٤٩ - ٣٥١.
- ١٨ -
يخضعوا وما كان ممكناً أن يخضعوا لأي منهج علمي في بحوثهم . بل هو نوع من
الإلهام كان يرد على قلوبهم ، وفي ضوئه كانوا يحكمون . وهناك أثر عن ابن مهدي
ربما ساعدهم على هذا النوع من الفهم .
روى ابن نمير عن ابن مهدي أنه قال : معرفة الحديث إلهام. قال ابن نمير:
صدق، لو قلت له: من أين؟ لم يكن له جواب(٤٥) .
وبناء على مثل هذا فهم كثير من الناس أن أحكام المحدثين على الرواة
والمرويات لم تكن وليدة البحث والتنقيب، ولم يكن هناك منهج علمي لنقد
الرجال، بل إن الأمر لا يعدو أنه كان إلهاماً، ألقاه الله في قلوبهم ، فحكموا في
ضوئه .
وهناك فئة ثالثة تذهب إلى أنه يمكن الحكم على الأحاديث ورواتها ، ولقد
حكم المحدثون فعلًا، لكنهم لم يتقيدوا بمنهج علمي، لذلك اضطربت أقوالهم
واختلفت آراؤهم وتباينت وجهات أنظارهم والأسلوب الذي اتبعوه في إصدار
أحكامهم كان غير كاف للهدف المنشود لذلك أصبح كلامهم خبط عشواء .
وخلاصة القول : أن أمامنا ثلاث فئات من الناس :
الفئة الأولى : وهي ترى أنه من المتعذر الحكم على صحة الأحاديث
وسقمها، لأنه نوع من الادعاء بعلم الغيب .
الفئة الثانية : وهي ترى أن حكم المحدثين كان مبنياً على علم كان يلقيه الله في
قلوبهم ، ولا يخضع حكمهم لأي منهج علمي .
والفئة الثالثة : وهي ترى بأنه لم يكن هناك منهج علمي ولا إلهام في
أحكامهم ، ولذلك اضطربت أقوالهم .
ولقد ردّ على الفئة الأولى الإمام مسلم رحمه الله في كتابه التمييز رداً بليغاً،
وكلامه يرد على الفئة الثانية والثالثة أيضاً، ولقد تبين وثبت ثبوتاً لا جدال فيه في
ضوء كتاباته وكتابات النقاد الآخرين أن منهج النقد عند المحدثين منهج علمي بكل
معنى الكلمة .
(٤٥) شرح علل الترمذي ٤٤ - أ.
- ١٩ -
فالمحدثون ينظرون في نقدهم للحديث إلى ناحيتين أساسيتين هما :
١ - البحث في الرواة .
٢ - والبحث في المتن من الناحية العقلية إن اقتضى الأمر ذلك.
أما بحثهم عن الرواة فيتركز في زاويتين هامتين ، هما :
أ - شخصية حامل الحديث ومستواه الخلقي وهو ما يسمى في اصطلاح
المحدثين بالعدالة .
ب - وما روى من العلم ومدى دقته في نقله هو ما يسمى في اصطلاح
المحدثين بالضبط والاتقان(٤٦) لأننا نرى النقاد يصرحون أحياناً بصحة الحديث أو
بالأحرى بصحة المتن ، وفي الوقت ذاته يخبرون بعدم معرفتهم عدالة الراوي . إذ لا
يكفي لصحة الحديث أن يكون المتن صحيحاً بغض النظر عن سلوك الراوي سواء
كان صادقاً أم كاذباً، بل لا بد أن يكون عدلا أيضاً.
سئل يحيى بن معين عن حاجب، فقال: ((لا أعرفه، وهو صحيح
الحديث))(٤٧) فإن اختلّت العدالة لم تقبل الرواية ولو كان ما جاء به من الأحاديث
(٤٦) قال عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار :
(( واعلم أن حاصل الشروط الأربعة [لقبول الرواية] وإن كان يرجع إلى اثنين، وهما الضبط والعدالة لأن الضبط بدون
العقل لا يتصور، وكذا العدالة بدون الإسلام، لأن تفسيرها الاستقامة في الدين ، وهي بدون الإسلام لا توجد ولهذا
قال بعض الأصوليين : ملاك الأمر شيئان: ١ - صدق اللهجة، ٢ - وجودة الضبط لما يرويه ، إلا أن عامتهم لما
رأوا المغايرة بين العقل والضبط وبين العدالة والإسلام من حيث أن العقل لا يستلزم الضبط، والإسلام لا يستلزم
العدالة فصلوا بينهما وجعلوا كل واحد شرطاً على حدة)).
وقال إمام الحرمين: ((إن المعنى المعتمد في قبول الرواية ظهور الثقة بقول الراوي ... ))، البرهان ٦١٩:١ .
قد يقول القائل : إنك لم تذكر شيئاً جديداً بالنسبة لمنهج النقد عند المحدثين إذ ما ذكرته من العدالة والضبط
معروف لدى الجميع ، والأمر كذلك لأن أساس النقد واحد والاختلاف هنا في المنهج المتبع لمعرفة الضبط عند
المتأخرين والمتقدمين .
فعندما يبحث النقاد الآن في كتب الجرح والتعديل يجد أن فلاناً ثقة أو متقن، أو ضابط أو له أوهام، ومن
ثم بيني حكمه على هذه الأقاويل ، بينما هذه الدرجات لم تكن معروفة لدى المتقدمين ، بل كان عليه أن يختبر كل حالة
على حدة حتى يصل إلى معرفة هذه المراتب .
وبيت القصيد في البحث كله ما هو المنهج الذي اتبعه الأوائل لمعرفة ضبط الرواة وإتقانهم ، وإلى أي مدى كان
منهجهم منهجاً علمياً تطمئن إليه النفوس وتخضع له العقول؟ لأن كثيراً من الباحثين حتى من المحدثين لا توجد لديهم
فكرة واضحة عن خطة السير لدى المتقدمين في هذا المجال .
(٤٧) أحمد نور سيف، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ١٢٠:١.
- ٢٠ -