Indexed OCR Text

Pages 441-460

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ٩
٤٤٠
١٨ - كتاب الطلاق/ح ٣٠
[٩ - بَاب تفسير قوله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَاً وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ
وَِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينّ﴾ وإِيلَاؤُهُ وَّرِ شهرًا، ثم تخييره أزواجه]
[٣٦٩١] ٣٠ - (١٤٧٩) حَدَّثَنِي زُهْيرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ
عَمَّارٍ عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيْلٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّ اعْتَزَلَ
نَبِيُّ اللهِ وَ﴿ نِسَاءَهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ يَتْكُتُونَ بِالْحَصَىْ وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ وَلـ
نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ - قَالَ عُمَرُ - فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ - قَالَ -: فَدَخَلْتُ
عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِوَلَ؟ فَقَالَتْ: مَا لِي
وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّبِ؟ عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا
حَفْصَةُ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ وَّهِ؟ وَاللهِ! لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّه لَا يُحِبُّكِ،
وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ بَّهِ، فَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ وََّ؟ قَالَتْ: هُوَ فِي
خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحِ غُلَامِ رَسُولِ اللهِ وَ لَ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ، مُدَلِّ
رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ، وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﴿ وَيَنْحَدِرُ، فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ! اسْتَأُذِنْ
لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ!
اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعْتُ
صَوْتِي فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهَ، فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ظَنَّ أَنِّي
جِثْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ، وَاللهِ! لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَهُ بِضَرْبِ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنْقَهَا، وَرَفَعْتُ
صَوْتِي، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى
عَلَيْهِ إِزَارَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنِْهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولٍ
٣٠- قوله: (ينكتون بالحصى) أي يثيرون أو يحفرون به الأرض حفرًا خفيفًا جدًّا، وهو فعل يفعله المهموم
المفكر (وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب) هذا مشكل، بل الظاهر أنه وهم، لأنه سيأتي أن قوله تعالى: ﴿وَإِن تَظَهَرَا
عَلَيْهِ﴾ نزل عقب هذه القصة، وقد تقدم أنه نزل لأجل تظاهرهما على شرب النبي ◌ّ ﴿ العسل عند زينب، وكان
الأمر بالحجاب قد نزل صباح زواجه وت له بزينب، فكيف يكون هذا قبل الأمر بالحجاب، وأيضًا في هذا الحديث
أنه و ﴿ كان اعتزل النساء شهرًا، وسيأتي أن ذلك كان في زمن يتخوفون فيه ملكًا من ملوك غسان، وهو زمن
غزوة تبوك سنة تسع، وقد نزل الأمر بالحجاب سنة أربع أو خمس (عليك بعيبتك) العيبة بفتح العين: ثوب أو
وعاء يجعل فيه الإنسان أفضل ثيابه ونفيس متاعه، أراد بها ابنته حفصة، أي عليك بوعظ ابنتك حفصة (هو في
خزانته) بكسر الخاء: مكان الخزن، أي موضع جمع المال (في المشربة) بفتح الميم وبضم الراء وفتحها، هي
الغرفة (أسكفة) بضم فسكون فضم فتشديد، هي عتبة الباب السفلي (مدل رجليه) اسم فاعل من التدلية، أي
مرسلهما (على نقير من خشب) أي على خشب نقر وسطه حتى يكون كالدرجة، وذكر النووي عن القاضي أنه
فقير بالفاء، من فقار الظهر، وهو جذع فيه درج (وهو جذع) بكسر الجيم: ساق النخل (يرقى عليه رسول الله وَل
وينحدر) أي يصعد عليه إلى المشربة وينزل منه إلى الأرض (فأومأ إليّ) أي أشار (أن ارقه) أمر من الرقى مع هاء
السكت، أي اصعد إلى المشربة (فأدنى عليه إزاره) أي قربه، كأنه يريد أنه لفه (نحو الصاع) هو أربعة أمداد، أي
نحو كيلو غرامين ونصف كيلو غرام (قرظًا) بفتحتين: ورق السلم، والسلم بفتحتين، اسم شجر يدبغ بأوراقه=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ٩
٤٤١
١٨ - كتاب الطلاق/ح ٣٠
اللهِ وَهِ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرِ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَّةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، -
قَالَ -: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ. قَالَ: ((مَا يُبْكِيكَ؟ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ!)) قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! وَمَا لِي لَا أَبْكِي؟
وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَىْ فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَىُ فِي
الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ. فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أَلَا تَرْضَى
أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟)) قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ وَأَنَا أَرَىْ فِي وَجْهِهِ
الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ
وَمَلَائِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ - وَأَحْمَدُ اللهَ - بِكَلَامِ
إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ. وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آيَةُ التَّخْبِيرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن
طَلََّكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْراً مِّنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ﴿وَإِن تَطَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ
اُلْمُؤْمِنِنَّ وَالْمَلَبِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى
سَآئِرِ نِسَاءِ النَّبِّ وََّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: ((لَا)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي دَخَلْتُ
الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَىِ، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ﴿ِ نِسَاءَهُ، أَفَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ
تُطَلِقْهُنَّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ)) فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ، وَحَتَّى كَشَرَ
فَضَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا، ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللهِ وَهِ فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّتُ بِالْجِذْعِ، وَنَزَلَ رَسُولُ
اللهِ وَ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً
وَعِشْرِينَ. قَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)) فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوتِي :
لَمْ يُطَلِّقْ [رَسُولُ اللهِ وَّهَ] نِسَاءَهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ اُلْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ
=(أفيق) هو الجلد الذي لم يتم دباغة، جمعه أفق بفتحتين مثل أديم، وأدم (فابتدرت عيناي) أي سبقتا بالدموع،
أي لم أتمالك أن بكيت حتى سالت دموعي (وصفوته) بفتح الصاد، أي نخبته ومصطفاه من خلقه (وأحمد الله)
جملة معترضة، و (بكلام) متعلق بتكلمت (ونزلت هذه الآية: آية التخيير: عسى ربه إن طلقكن) هذه الآية ليست
بآية التخيير، بل آية التخيير هي ما نزلت في سورة الأحزاب ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ
الدُّنْيَا﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨] فالظاهر أن تسمية الآية المذكورة في هذا الحديث بآية التخيير وهم (فقلت يارسول
الله! أطلقتهن؟) أي قلت ذلك بعدما تقدم من الكلام، وليس أنه قال ذلك بعد نزول الآية، بل نزولها تأخر عن
ذلك الوقت، وإنما ذكرها لبيان موافقة الله له، ثم عاد إلى بيان بقية القصة (تحسر الغضب) أي زال وتكشف
(كشر) أي أبدى أسنانه تبسمًا، ويقال ذلك أيضًا في الغضب (ثغرا) بفتح فسكون، هو ما تقدم من الأسنان
(أتشبث بالجذع) أي مستمسكًا به بيدي، (فقلت: يارسول الله! إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين ... إلخ) هذا
لا يمكن أن يقال إلا بعد انتهاء هذه الفترة. وأما قوله: ((ثم نزل نبي الله ونزلت)) فالسياق يقتضي أنه وقع في أول
يوم. لكن الظاهر أن النبي ◌ُّه لم ينزل في ذلك الحين، فيقال إنه ذكر نزوله وّ لبيان الفرق بين كيفية نزوله
وكيفية نزول النبي ◌َّر، ولم يراع الترتيب، ولذلك ذكر ما قاله في اليوم التاسع والعشرين قبل أن يتمم بيان ما
وقع في اليوم الأول، كأنه قال: ((نزل نبي الله حين نزل كأنما يمشي على الأرض، ما مس الجذع بيده)) ((ونزلت
حين نزلت متشيئًا بالجذع)) وأنه حين نزل أخيرًا وراح إلى الأزواج قلت له كذا وقال لي كذا، وقوله: (فقمت
على باب المسجد) عود إلى بيان بقية ما حدث في اليوم الأول بعد رجوعه من عند رسول الله وَلّر (والخوف) أي
الحرب (أذاعوا به) أي نشروه بين الناس وذكروه للعامة والخاصة (يستنبطونه) أي يستخرجونه من أصل=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ٩
٤٤٢
١٨ - كتاب الطلاق/ح ٣١
بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فَكُنْتُ أَنَا
اسْتَنْبَطْتُ ذُلِكَ الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللهُ [عَزَّ وَجَلَّ] آيَةَ الْتَّخْبِيرِ.
[٣٦٩٢] ٣١ - ( ... ) حَدَّثَنَا هَرُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ
- يَغْنِي ابْنَ بِلَالٍ -: أَخْبَرَنِي يَحْيَى: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ
قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَّهُ، حَتَّى
خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، فَوَقَفْتُ لَهُ
حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلَهُ مِنْ
أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ - قَالَ - فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ! إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا
مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَسَلْنِي عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتُ
أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ - قَالَ -: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ! إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ
[ْتَعَالَى] فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ - قَالَ -: فَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَكْتَمِرُهُ، إِذْ قَالَتْ لِي
امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا! فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لَكِ أَنْتِ وَلِمَا هُهُنَا؟ وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟
فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ، يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْتَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ وَهُ
حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، قَالَ عُمَرُ: فَآَخُذُ رِدَائِي ثُمَّ أَخْرُجُ مَكَانِي، حَتَّى أَدْخُلَ عَلَىْ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ
لَهَا يَا بُنَيَّةُ! إِنَّكِ لَتْوَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللهِ! إِنَّا
◌َتُرَاجِعُهُ، فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ، يَا بُنَّهُ! لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ
أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا وَحُبُّ رَسُولِ اللهِ نَّهِ إِيَّاهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخُلُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، لِقَرَابَتِي مِنْهَا،
فَكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِي أَنْ
تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِ قَالَ: فَأَخَذَتْنِي أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ،
=موضعه، فيصلون إلى حقيقة الأمر بفطنتهم وتجاربهم. يقال: استنبط الرجل العين، إذا حفرها واستخرجها من
قعورها، فاستعير لما يستخرجه الرجل من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم.
٣١- قوله: (فكنا ببعض الطريق) وهو مر الظهران، كما في الحديث التالي، ويعرف اليوم بوادي فاطمة (عدل
إلى الأراك) أي انحرف عن الطريق إليه، والأراك بفتح الهمزة: شجرة طويلة خضراء ناعمة، كثيرة الورق والأغصان،
خوارة العود، يستاك بفروعها، طيب النكهة، له حمل كحمل عناقيد العنب (أأتمره) بهمزتين ثانيتهما ساكنة. مضارع
متكلم من الافتعال، أي أتفكر فيه في نفسي حتى أصل إلى حل (أن تراجع) بالبناء للمفعول أي تجاب، ويقال في رد
كلامك شيء (ثم أخرج مكاني) أي خرجت في ذلك الوقت وفي ذلك المكان دون أن أشتغل بشيء آخر (لا تغرنك)
أي لا توقعنك في الغرر والخداع (هذه التي قد أعجبها حسنها ... إلخ) فصارت في دلال، وهي عائشة، أي لا
تأخذين بسيرتها في ذلك فتقعين في محذور (فأخذتني) تلك الكلمة أي أثرت في (كسرتني) أي صرفتني (من ملوك
غسان) الحاكمين على مشارف الشام (يدق الباب) يقرعه (رغم أنف حفصة وعائشة) أي إنهما خابتا وخسرتا، خصهما
بالذكر لأنهما اللتان كانتا تراجعان رسول الله وَّة، وأصل الرغم اللصق بالرغام وهو التراب (بعجلها) وفي نسخة:
(بعجلة) بفتحات أي بدرجة من جذع النخل (من أدم) بفتح الهمزة والدال، جمع أديم، أي من جلد مدبوغ (حشوها)
هو ما جعل في داخلها (ليف) هو ما يكون على النخل ملتفًا بها من أمثال الخيوط الغليظة المتشابكة (قرظًا مضبورًا)
القرظ بفتحتين: ورق السلم كما تقدم، والمضبور: المجموع. وهو بالضاد المعجمة، ووقع في بعض النسخ بالصاد=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ٩
٤٤٣
١٨ - كتاب الطلاق/ح ٣٣،٣٢
فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ
بِالْخَبَرِ، وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكٍ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ امْتَلَأَتْ
صُدُورُنَا مِنْهُ فَأَتَى صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ، وَقَالَ: افْتَحِ، افْتَحْ. فَقُلْتُ جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ:
أَشَدُّ مِنْ ذُلِكَ، اغْتَزَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ أَزْوَاجَهُ. فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ، ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي
فَأَخْرُجُ، حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وََّ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجِلِهَا، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ وَلـ
أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ. فَأُذِنَ لِي - قَالَ عُمَرُ -: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَه
هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِوَّةِ، وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ
شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمِ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُورًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهَبَا
مُعَلَّقَةً، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكَ؟)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللهِ! إنَّ كِسْرَىُ وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ
تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَكَ الْآخِرَةُ؟».
[٣٦٩٣] ٣٢ - ( ... ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى: حَدَّثَنَا عَفَّنُ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: أَخْبَرَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيِّنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ عُمَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَرِّ
الظَّهْرَانِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ: شَأْنُ الْمَرْأَتَيْنِ؟
قَالَ: حَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ. وَزَادَ فِيهِ: فَأَتَيْتُ الْحُجَرَ فَإِذَا فِي كُلِّ بَيْتٍ بُكَاءٌ. وَزَادَ أَيْضًا: وَكَانَ آَلَى
مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَلَمَّا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيْهِنَّ.
[٣٦٩٤] ٣٣ - ( ... ) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ - قَالَا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ - وَهُوَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ - قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولٍ
اللهِ وَّهِ، فَلَبِثْتُ سَنَةً مَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا حَتَّى صَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ [َذَهَبَ] يَقْضِي
=المهملة (أهبا معلقة) أهب بفتحتين وبضمتين جمع إهاب، وهو الجلد قبل الدباغ، وقيل: الجلد مطلقًا.
٣٢- قوله: (وساق الحديث) أي حماد بن سلمة (قال: حفصة وأم سلمة) فذكر أم سلمة بدل عائشة، وهو وهم
إما من حماد بن سلمة أو ممن هو دونه، والصحيح عائشة بدل أم سلمة (فأتيت الحجر) بضم الحاء وفتح الجيم، جمع
حجرة، يريد بيوت أزواج النبي وَ ل﴿ (وكان آلى منهن شهرًا) أي حلف أن لا يدخل عليهن شهرًا، فالإيلاء هنا بمعناه
اللغوي، وهو الحلف على الشيء، أما معناه الشرعي فهو أن يحلف الزوج أن لا يقرب زوجته مطلقًا أو أكثر من أربعة
أشهر. وحكمه أنه لا يمهل ليستمر على هذا الحال أكثر من أربعة أشهر، فإما الطلاق وإما الإيواء وإقامة العلاقة
الزوجية.
٣٣- قوله: (وهو مولى العباس) هذا قول سفيان بن عيينة. قالوا: والصحيح أنه مولى آل زيد بن الخطاب. قاله
الإمام مالك، وقيل: مولى بني زريق، ولا يصح (تظاهرتا على عهد رسول الله وَل﴾) أي تظاهرتا عليه في عهده (فلما
كان بمر الظهران) يبدو من هذا السياق كأنه كان في الذهاب إلى مكة، ولكن صرح في حديث رقم ٣١ أنه كان في
الرجوع من مكة إلى المدينة، ففي هذا الحديث اختصار (بإداوة) بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد، يتوضأ به (أصب
عليه) أي أسكب عليه الماء ليتوضأ .

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ٩
٤٤٤
١٨ - كتاب الطلاق/ح ٣٤
حَاجَتَهُ، فَقَالَ: أَدْرِكْنِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَآءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَلَمَّا قَضَىْ حَاجَتَهُ وَرَجَعَ ذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ،
وَذَكَرْتُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟ فَمَا قَضَيْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ.
[٣٦٩٥] ٣٤ - ( ... ) حَدَّثَنَا إِسْحُقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ - وَتَفَارَبًا فِي لَفْظِ
الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ
الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ نَ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِن نَنُوباً إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَاً﴾
[التحريم: ٤]، حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَهُ
بِالْإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ، فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ
أَزْوَاجِ النَّبِّ وَّةِ اللَّتَانِ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ [لَهُمَا]: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؟ قَالَ عُمَرُ:
وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ !- قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَرِهَ، وَاللهِ! مَاسَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ - قَالَ: هِيَ حَفْصَةُ
وَعَائِشَةُ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ قَالَ: كُنَّا، مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ
وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ - قَالَ -: وَكَانَ مَنْزِي فِي بَنِي أُمَيَّةً
بْنِ زَيْدٍ بِالْعَوَالِي، فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي، فَإِذَا هِي تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا
تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ! إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِّ نَّهِ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَانْطَلَقْتُ
فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: أَتْرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ
إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ
عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ وََّ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ، لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللهِ وَهُ وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا، وَسَلِينِي
مَا بَدَا لَكِ وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ لَه مِنْكِ - يُرِيدُ عَائِشَةَ،
قَالَ -: وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - قَالَ - فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا
وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْرٍ وَغَيْرِهِ، وَآَتِيهِ بِمِثْلِ ذُلِكَ، فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ
لِتَغْزُوَنَا، فَزَلَ صَاحِبِي، ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي ثُمَّ نَادَانِي، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ
عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذُلِكَ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ النَّبِيُّ ◌َهِ نِسَاءَهُ.
فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، وَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنَا، حَتَّى إِذَا صَلَيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ
٣٤- قوله: (صغت قلوبكما) أي مالت عن الاستقامة، وفيه زجر شديد على ميل قليل، وفي أمر من خالص
أمور الدنيا (فتبرز) أي قضى حاجته من البراز (في بني أمية بن زيد) قبيلة من الأنصار (بالعوالي) موضع في جهة
الجنوب من المدينة مائلاً إلى الشرق (وتهجره) أي تتركه فلا تكلمه (ولا يغرنك) أي لا يوقعنك في الغرة والخداع (أن
كانت جارتك هي أوسم) ((أن)) مصدرية، والجارة هنا: الضرة، وهي عائشة، وأوسم من الوسامة وهي الجمال، أي
أحسن وأجمل. أي لا يغرنك كون ضرتك أجمل منك، والمقصود لا يغرنك دلالها مع رسول الله بصير، لكونها أجمل
وأحب، فتتأسي بها فتقعين في محذور (فكنا نتناوب النزول) أي ننزل من العوالي إلى رسول الله وَلقر بالنوبة. والتناوب
أن تفعل الشيء مرة، ويفعل الآخر مرة أخرى (تنعل الخيل) أي يجعلون لخيولهم نعالاً، يعني يتهيأون ويستعدون
لقتالنا (على رمل حصير) بفتح الراء وسكون الميم، وفي غير هذه الرواية ((رمال)) بكسر الراء، ورمل الحصير نسجه=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ٩
٤٤٥
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٣٥
ثِيَابِي، ثُمَّ نَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ وََّ؟ فَقَالَتْ: لَا
أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ، فَأَتَيْتُ غُلَامًا لَهُ أَسْوَدَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ ثُمَّ
خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: فَذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ. فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ
جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ،
فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي فَقَالَ: ادْخُلْ،
فَقَدْ أَذِنَ لَكَ. فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهَ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِىءٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ قَدْ أَنَّرَ فِي
جَنْبِهِ، فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ، يَا رَسُولَ اللهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ: ((لَ)) فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ! لَوْ
رَأَيْتَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ! وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ
نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ
أَنْ تُرَاجِعَنِي. فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ! إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِّلَهَ لَيُّرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُ[٥]
إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذُلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ
اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ وَزَ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ
دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهُ
مِنْكِ فَتَبَشَّمَ أُخْرَى فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: (نَعَمْ)) فَجَلَسْتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ
فَوَالهِ! مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ، إِلَّا أُهَّبَا ثَلَاثَةٌ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى
أُمَتِكَ، فَقَدْ وُشِّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ عَّ وَجَلَّ - فَاسْتَوَىُ جَالِسًا ثُمَّ قَالَ: ((أَفِي
شَكِّ أَنْتَ؟ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيَِّاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا
رَسُولَ اللهِ! وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللهُ [عَزَّ
وَجَلَّ].
[٣٦٩٦] ٣٥- (١٤٧٥) قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَضَىْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ
لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَهِ، بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا
شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعِ وَعِشْرِينَ، أَعُدُّهُنَّ. فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)) ثُمَّ قَالَ: ((يَا
عَائِشَةُ! إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَّ عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأُمِرِي أَبَوَيْكِ)). ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ:
﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ، وَاللهِ! أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا
لِيَأْمُرَانِ بِفِرَاقِهِ - قَالَتْ - فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ.
قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َهـ
=أي على حصير منسوج بأوراق النخل. (أستأنس. يارسول الله!) أي هل أقول وأفعل ما هو من الأنس؟ مثل الجلوس
والمحادثة (يرد البصر) أي يعجبه ويكون مستحسنا عنده (إلا أهبًا ثلاثةً) أي جلودًا ثلاثة (أفي شك أنت؟) أي أتظن أن
الله أعطاهم ما أعطاهم تفضلاً عليهم، ولكونهم أكرم عليه من غيرهم، لا، بل إنما فعل بهم ذلك لأنهم لاحظ لهم في
الآخرة (من شدة موجدته) أي من شدة غضبه.

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٠
٤٤٦
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٣٧،٣٦
((إِنَّ اللّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنًَّا)).
قَالَ قَتَادَةُ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قال: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا. [راجع: ٣٦٨١]
[١٠ - بَابُ المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ولا سكنى، وقصة فاطمة بنت قيس]
[٣٦٩٧] ٣٦ - (١٤٨٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى
الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ
طَلَّقَهَا الْبَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ! مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ؛
فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ وَ لَه فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لَّهُ، فَقَالَ: (لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ)). فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمّ
شَرِيكِ، ثُمَّ قَالَ: ((تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمَّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى،
تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَذِنِينِ)) - قَالَتْ -: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَّهُ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ
وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَمَّا أَبُو جَهْمِ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةٌ
فَصُعْلُوٌ لَا مَالَ لَّهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ)) فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((انْكِحِي أُسَامَةً)) فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ
فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبِطْتُ [ِهِ].
[٣٦٩٨] ٣٧- ( ... ) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ -.
٣٦- قوله: (طلقها البتة) أي الطلاق الثالث والأخير الذي بت به النكاح، وقطع به علاقة الزوجية، وليس
المراد أنه طلقها بلفظ البتة، كما سيأتي (وهو غائب) كان انطلق إلى اليمن (فسخطته) أي لم ترض به لكونه أخسأ
وأردأ مما كانت تستحقه حسب زعمها (ليس لك عليه نفقة) فيه نفي النفقة عمن طلقت الطلاق الثالث والأخير (فأمرها
أن تعتد في بيت أم شريك) وهذا دليل على إسقاط السكنى عن تلك المطلقة، إذ بيت أم شريك غير بيت زوجها، وقد
تواردت الأحاديث الآتية على نفي النفقة والسكنى عنها، ويدل سياق معظمها على أن سبب ذلك إنما هو كونها قد
طلقت الطلاق الثالث، وليس سبب آخر، وأصرح من ذلك ما رواه النسائي بإسناد صحيح لا مطعن فيه أن النبي وَالأول
قال لها: ((إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة)) وفي لفظ له وللدار قطني: ((إنما السكنى والنفقة
لمن يملك الرجعة)) وإسنادهما صحيح (تلك امرأة يغشاها أصحابي) أي يزورونها ويكثرون التردد إليها (تضعين ثيابك)
سيأتي أن المراد به وضع الخمار، وليس وضع عامة الثياب (فإذا حللت) من عدتك وقضيتيها (فآذنيني) من الإيذان،
أي أعلميني وأخبريني، وفيه تعريض خفيف بالخطبة، قالوا: ويجوز ذلك إذا كانت بائنًا (فلا يضع عصاه عن عاتقه)
أي عن منكبه، ويفسر معناه ما سيجيء في الحديث رقم ٤٧ من قوله ◌َّير: «وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء)» (وأما
معاوية فصعلوك) بضم الصاد واللام بينهما عين ساكنة، أي فقير في غاية الفقر، وسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء،
فقد صار معاوية هذا فيما بعد سادس خلفاء المسلمين، وكان ينثر عليهم المال نثرًا (واغتبطت) بالبناء للمفعول من باب
الافتعال من الغبطة، وهي تمنى مثل نعمة المغبوط من غير إرادة زوالها عنه، فهي ليس بحسد، والمعنى أن النساء
تمنين أن يكون لهن حظ من أزواجهن مثل ما كان لي من أسامة. وهذا يدل على غاية حظوتها عنده. وفي الحديث عدا
ما يدل على معنى الباب، جواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم يحصل من المرأة ركون أو اتفاق، وجواز بيان ما في
الإنسان من العيب أو سوء الخلق وسوء المعاملة، ولكن لا على سبيل الغيبة، بل لنصح من يريد معه معاملة. أما
مسألة الباب فقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال. فقال الإمام أحمد وعامة أهل الحديث: إن المطلقة ثلاثًا لا
سكنى لها ولا نفقة، وقال الإمام أبو حنيفة وآخرون: لها السكنى والنفقة، وقال الإمام مالك والشافعي: تحب لها
السكنى، ولا نفقة لها. وسيأتي الكلام على متمسكاتهم في موضعه.
٣٧- قوله: (كليهما) بالياء، منصوب بتقدير أعني (نفقة دون) بالإضافة، والدون: الرديء الحقير (لأعلمن)=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٠
٤٤٧
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٣٩،٣٨
وَقَالَ قُتَيْبَةُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - كِلَيْهِمَا- عَنْ أَبِي حَازِمٍ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي عَهْدِ النَّبِّنََّ، وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةً
دُونٍ، فَلَمَّا رَأَتْ ذُلِكَ قَالَتْ: وَاللهِ! لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ، فَإِنْ كَانَتْ لِي نَفَقَةٌ أَخَذْتُ الَّذِي
يُصْلِحُنِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آَخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِوَ فَقَالَ: ((لَا
نَفَقَةَ لَكِ، وَلَا سُكْنَى)) .
[٣٦٩٩] ( ... ) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ
قَالَ: سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا، فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَهَ: ((لَا نَفَقَةَ لَكِ، فَانْتَقِي، فَاذْهَبِي إِلَى ابْنِ أُمِّ
مَكْتُومٍ، فَكُونِي عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ)).
[٣٧٠٠] ٣٨- ( ... ) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى
- وَهْوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ -، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَتْهُ؛
أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهَا أَهْلُهُ: لَيْسَ لَكِ
عَلَيْنَا نَفَقَةٌ، فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَقَالُوا: إِنَّ أَبَا
حَقْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ)).
وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: (أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ))، وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا ((أَنَّ أُمَّ
شَرِيكٍ يَأْتِهَا الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ، فَانْطَلِقِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومِ الْأَعْمَى، فَإِنَّكِ إِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكِ،
لَمْ يَرَكِ) فَانْطَلَقَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَضَتْ عِذَّتُهَا أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةً.
[٣٧٠١] ٣٩ - ( ... ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -
يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ ح: وَحَدَّثَنَاهِ أَبُو
=من الإعلام، أي لأخبرن. وفي الحديث نفي النفقة والسكنى عمن طلقت الطلاق الثالث.
( ... ) قوله: (لا نفقة لك، فانتقلي) معنى الأمر بالانتقال أنها ليست لها سكنى كما أنها ليست لها نفقة، ففيه
أيضًا نفي النفقة والسكنى عمن طلقت الطلاق الثالث (تضعين ثيابك عنده) أي تضعين خمارك دون أن تخافي أنه
يراك.
٣٨- قوله: (طلقها ثلاثًا) تمسك به من يقول بوقوع الطلقات الثلاث دفعة واحدة. وهو تمسك غريب. لأن
قوله: ((طلقها ثلاثًا)) كما يصح أن يقال لمن طلق الثلاث دفعة واحدة كذلك يصح أن يقال لمن طلق الثلاث في أوقات
متفرقة، فمن أين عرف هؤلاء المتمسكون أنه طلقها الثلاث دفعة واحدة؟ بينما هي نفسها تصرح بأنه ((طلقها آخر ثلاث
تطليقات)) وأنه كان قد أرسل إليها ((بتطليقة كانت بقيت من طلاقها)) كما في الحديثين رقم (٤٠، ٤١)، ثم في الحديث
نفي النفقة صراحة لكونها قد طلقت ثلاثًا، ونفي السكنى أيضًا لأن النبي وَ ل أمرها بالانتقال إلى بيت أم شريك ثم إلى
بيت ابن أم مكتوم، ولو كانت لها السكنى لم يأمرها بالانتقال، وهو صريح في الحديث السابق رقم ٣٧ وقوله: (لا
تسبقيني بنفسك) أي لا تقضي في نفسك شيئًا من قبول الخطبة والتزويج قبل أن تخبريني وتشاوريني. وفيه تعريض
خفيف بالخطبة. قال النووي: وهو جائز في عدة الوفاة، وكذا عدة البائن بالثلاث. وفيه قول ضعيف في عدة البائن.
والصواب الأول لهذا الحديث. انتهى.
٣٩- قوله: (قال: كتبت ذلك من فيها كتابًا) أي قال أبو سلمة: كتبت هذا الحديث أخذًا من فم فاطمة بنت=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٠
٤٤٨
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٤١،٤٠
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ
قَيْسٍ قَالَ: كَتَبْتُ ذُلِكَ مِنْ فِيهَا كِتَابًا. قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَطَلَّقَنِي الْبَّةَ،
فَأَرْسَلْتُ إِلَى أَهْلِهِ أَبْتَغِي النَّفَقَّةَ، وَاقْتَصُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيْثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو: ((لَا تَقُوتِنَا بِنَفْسِكِ)).
[٣٧٠٢] ٤٠ - ( ... ) حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَطَلَّقَهَا آخِرَ
ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ وَهِ تَسْتَفْتِيهِ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ
إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا، وَقَالَ عُرْوَةُ: إِنَّ
عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذُلِك عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ .
[٣٧٠٣] ( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، بِهِذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، مَعَ قَوْلِ عُرْوَةَ: إِنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةً.
[٣٧٠٤] ٤١ - ( ... ) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ - قَالَا: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَقْصٍ
ابْنِ الْمُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةِ
كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَةٍ فَقَالَا لَهَا: وَالهِ!
مَا لَكِ نَفَقَّةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ وَ فَذَكَرَتْ لَهُ قَوْلَهُمَا، فَقَالَ: (لَا نَفَقَةَ لَكِ) فَاسْتَأْذَنَتْهُ
=قيس، وقوله كتابًا مصدر لكتبت (فطلقني البتة) أي الطلاق الثالث الذي يبت النكاح (غير أن في حديث محمد بن
عمرو) أي هذا الذي نحن فيه (لا تفوتينا بنفسك) من الفوات، وذلك بأن تفعل فيها شيئًا من النكاح والتزويج قبل أن
تخبر النبي صَل# .
٤٠- قوله: (في خروجها من بيتها) أي من بيت زوجها الذي كانت فيه (فأبى مروان أن يصدقه) أي يصدق أبا
سلمة بن عبدالرحمن الراوي لهذا الحديث عن فاطمة بنت قيس. ولكن إباء مروان لا يقدم شيئًا ولا يؤخر، وأبو سلمة
ابن عبدالرحمن تابعي جليل، أجل من مروان وأوثق، لا يجوز توهيمه بغير دليل، وقد تلقى هذا الحديث من فاطمة
بنت قيس مشافهة، وكتبه عند تلقيه من فمها كتابةً، كما تقدم في الطريق السابق، فأنى للوهم أن يسري إليه حتى لا
يصدق (إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس) ولكن عائشة أنكرت ذلك بعد وفاة النبي وص لهبزمان، حينما أثيرت
هذه المسألة في زمن إمارة مروان على المدينة، فلم تكن رجعت فيها إلى النبي وَحلال ولا شافهت القضية، وإنما اعتمدت
فيها إما على القياس وإما على بلاغات لا ندري كيف بلغتها. أما فاطمة بنت قيس فهي صاحبة القضية: ودارت حولها
المسألة، وهي التي استفتت فيها النبي ◌َّ فتعلمت وعملت، فكيف لا يقبل قولها في نفسها، ويقبل فيها قول الآخرين
الذين لم يعرفوا القضية إلا من وراء وراء. أو لم يكونوا ولدوا في زمانها؟ إن هذا الأمر عجاب.
٤١- قوله: (فأرسل ... بتطليقة كانت بقيت من طلاقها) هذا نص في كونه قد طلق الثلاث متفرقة. وكذا قوله
في الحديث السابق رقم ٤٠ ((فطلقها آخر ثلاث تطليقات)) (فاستأذنته في الانتقال) من بيت زوجها الذي كانت فيه وقت
الطلاق (فأرسل إليها مروان) أي زمن إمارته على المدينة (لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة) تعلل بذلك عدم أخذه
بحديثها، وهو عذر باطل لا شك فيه. والعلماء قاطبة على خلافه. وكم من سنة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٠
٤٤٩
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٤٢، ٤٣
فِي الْانْتِقَالِ فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: أَيْنَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ((إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ)) وَكَانَ أَعْمَىُ، تَضَعُ
ثِيَابَهَا عِنْدَهُ وَلَا يَرَاهَا، فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا النَّبِيُّ وَهِ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَرْوَانُ
قَبِيصَةَ بْنَ ذُوَيْبٍ يَسْأَلُهَا عَنِ الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنْهُ بِهِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هُذَا الْحَدِيثَ إِلَّ مِنِ
امْرَأَةٍ، سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ - حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ -: فَيْنِي
وَبَيْنَكُمُ الْقُرْآنُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الْآية. قَالَتْ: هُذَا لِمَنْ كَانَتْ
لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ فَكَيْفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَّةَ لَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا؟ فَعَلَامَ
تَحْبِسُونَهَا؟ .
[٣٧٠٥] ٤٢ - ( ... ) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ وَحُصَيْنٌ وَمُغِيرَةُ
وَأَشْعَتُ وَمُجَالِدٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَدَاوُدُ - قَالَ دَاوُدُ حَدَّثَنَا - كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ
عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللهِوَّهَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَّةَ، فَقَالَتْ:
فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهَ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً، وَأَمَرَنِي أَنْ
أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ .
[٣٧٠٦] ( ... ) وحَدَّثَنَّاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ وَدَاوُدَ وَمُغِيرَةً وَإِسْمَاعِيلَ
وَأَشْعَثَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ هُشَيْمٍ.
[٣٧٠٧] ٤٣- ( ... ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ:
=واحدة من الصحابة. وهذه مسانيد نساء الصحابة لا تشاء أن ترى فيها سنة تفردت بها امرأة منهن إلا رأيتها، فما ذنب
فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين؟ (سنأخذ بالعصمة) أي بالثقة والأمر القوي الذي (وجدنا الناس عليها) يشير إلى
أنهم على إيجاب السكنى للمطلقة على زوجها على وجه الإجمال من غير نظر إلى عدد الطلاق، وأخذًا بعموم القرآن،
فنأخذ في المطلقة ثلاثًا أيضًا بمجمل ماهم عليه، ولا شك أنه مأخذ ضعيف ولا سيما في مقابلة النص، وقد ردت
عليه فاطمة بنت قيس بأن الآية التي تأمر بالسكنى، ويظنها مروان عامة لجميع أنواع المطلقات - بما فيهن المطلقة
الثلاثة - ليست بعامة، لأن الله يبين علة الأمر بالإسكان بقوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]
وليس يرجى إلا الرجعة، فالأمر بالإسكان خاص بمن له حق الرجعة، أما الذي طلق الطلاق الثالث وليس له
حق الرجعة فأي أمر يحدث له بعده؟ ويؤيد هذا أن الله تعالى قال فيهن: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] ومعلوم أن الإمساك بمعروف لا يمكن إلا إذا كان لزوجها عليها الرجعة، فإن
الإمساك بمعروف هي الرجعة، فعلم أن الأمر بالإسكان في الرجعيات، وليس في البائنات. ثم استدلت عليهم
فاطمة بنت قيس بدليل آخر، وهو أنهم ينفون النفقة عن البائنة، فكيف يحبسونها أي يأمرونها بالسكنى، مع أن
النفقة والسكنى معروفتان معًا للمعتدة، فإما تجبان معًا أو تسقطان معًا. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ
فَأَنْفِقُواْ عَلَتِهِنَ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فلا يختص بالبائن، فلا مفهوم له، يعني ليس معناه أنها إذا لم تكن
ذات حمل فلا تنفقوا عليهن، بل هي حالة مسكوت عنها، فإن ثبتت لها النفقة - كما في الرجعية - فإنها تثبت
بالدليل، وإن انتفت عنها النفقة - كما في البائن - فإنها تنتفي بالدليل، لا بهذه الآية، فلا دليل فيها .
٤٢- قوله: (ومجالد) تكلموا فيه وضعفوه، ولكنه لا يضر، لأنه جاء مقرونا مع آخرين، بل هو غير مقصود في
الإسناد، وإنما ذكر ضمن الآخرين (طلقها زوجها البتة) تقدم أن معناه طلقها الطلاق الثالث الذي بت النكاح
(فخاصمته) أي رفعت أمره إلى رسول الله وَلثقة ... إلخ.
٤٣- قوله: (فأتحفتنا) أي قدمت لنا على سبيل التحفة والضيافة (برطب ابن طاب) نوع جيد من رطب المدينة=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٠
٤٥٠
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٤٤-٤٦
حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ: حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ،
وَسَقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ الْمُطَلَقَةِ ثَلَاثًا أَيْنَ تَعْتَدُ؟ قَالَتْ: طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا، فَأَذِنَ لِيَ
النَّبِيُّ وَِّ أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي.
[٣٧٠٨] ٤٤- ( ... ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِّ ◌َّهَ فِي الْمُطَلَّقَةِ
ثَلَاثًا، قَالَ: ((لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَاَ نَفَقَةٌ)).
[٣٧٠٩] ٤٥- ( ... ) وحَدَّثَنِي إِسْحُقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ
ابْنُ رُزَيْقٍ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا، فَأَرَدْتُ
النُّقْلَةَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ بََّ، فَقَالَ ((انْتَقِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَاعْتَدِّي عِنْدَهُ)).
[٣٧١٠] ٤٦- ( ... ) وحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثْنَا عَمَّارُ بْنُ
رُزَيْقِ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، وَمَعَنَا الشَّعْبِيُّ،
فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةً بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ، ثُمَّ أَخَذَ
الْأَسْوَدُ كَفَّا مِنْ حَصّى فَحَصَبَهُ بِهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ! تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا، قَالَ عُمَرُ: لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ
وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بَّهِ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَذْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ لَّهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، [وَتَلَا الْآَيَّةَ] قَالَ
اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
=(وسقتنا سويق سلت) بضم السين وسكون اللام، على وزن قفل، نوع من الشعير لا يكون فيه إلا قشر خفيف، كأنه
الحنطة.
٤٦- قوله: (في المسجد الأعظم) يريد مسجد الكوفة، وأبو إسحاق، والأسود بن يزيد والشعبي كلهم كوفيون
(فحصبه به) أي ضربه ورماه به، إنكارًا منه على ذكر هذا الحديث، والعجيب من الأسود شدة إنكاره على ذكر هذا
الحديث الصحيح المرفوع مع ضعف ما كان يتمسك به الأسود نفسه، وعسى أن يكون الشعبي أجل من الأسود، وأما
قول عمرٍ: (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة) فإنه أراد بكتاب الله قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُهُنَّ مِنْ يُوتِهِنَّ وَلَا
يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُّبِيِنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] وقد عرفت أنه في الرجعيات وليس في البائنات، ولكنه لم ينتبه
لذلك، وظن أن الآية عامة لجميع أنواع المطلقات، وكذلك أراد بسنة النبي وَ له ما جرى عليه العرف في زمانه
وَ﴿ من إيجاب النفقة والكسوة للرجعيات، ولم يطلع رضي الله عنه على الفرق بينهن وبين البائنات، فظن أنها
عامة لهن وللبائنات، ويدل على هذا المراد قول عمر: (لا ندري لعلها حفظت أو نسيت) لأن معناه أنه لو علم
أنها حفظت لتمسك بقولها، ولا يمكن ذلك إلا إذا لم يكن عند عمر كتاب أو سنة تختص بحكم هذا النوع من
المطلقات. قال ابن القيم: وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله هذا من قول عمر، وجعل يتبسم ويقول: أين في
كتاب الله إيجاب السكنى والنفقة للمطلقة ثلاثًا؟. قال: وقال أبو الحسن الدارقطني: بل السنة بيد فاطمة بنت
قيس قطعًا. اهـ وأما الشك في حفظها فلا محل له قطعًا. فقد احتج الأئمة بحديثها هذا على عشرات من
المسائل، فإن الأئمة كلهم احتجوا بهذا الحديث على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد
ركنت إلى الخاطب الأول، واحتجوا به على جواز بيان مافي الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن
يزوجه أو يعامله أو يسافر معه، وأن ذلك ليس بغيبة، واحتجوا به على جواز نكاح القرشية من غير القرشي،
واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر وأنه لا يشترط حضوره ولا مواجهته به،
واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها وصدق=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٠
٤٥١
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٤٧-٤٩
[٣٧١١] ( ... ) وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبُِّّ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ عَنْ أَبِي
إِسْحَقَ بِهِذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ بِقِصَّتِهِ.
[٣٧١٢] ٤٧ - ( ... ) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
أَبِي الْجَهْمِ بْنِ صُخَيْرِ الْعَدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةً بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ
يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَّرَ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً - قَالَتْ -: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا حَلَلْتِ فَآَذِنِينِ))
فَاذَنْتُهُ، فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَثَ: ((أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌّ لَا
مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابُ النِّسَاءِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ [بْنُ زَيْدِ])) فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا: أُسَامَةُ!
أُسَامَةُ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((طَاعَةُ اللهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ)) قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ فَاغْتُبَطْتُ.
[٣٧١٣] ٤٨- ( ... ) وحَدَّثَنِي إِسْحُقُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ
ابْنِ أَبِي الْجَهْمِ قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: أَرْسَلَ إِلَيَّ زَوْجِي أَبُو عَمْرِو بْنُ حَقْصٍ بْنِ
الْمُغِيرَةِ، عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِطَلَاقِي: [وَآ أَرْسَلَ مَعَهُ بِخَمْسَةٍ آصُعِ تَمْرٍ، وَخَمْسَةٍ آصُعٍ شَعِيرٍ،
فَقُلْتُ: أَمَا لِي نَفَقَّةٌ إِلَّ هَذَا؟ وَلَا أَعْتَدُّ فِي مَنْزِلِكُمْ؟ قَالَ: لَا ، قَالَتْ: فَشَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، وَأَتَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ، فَقَالَ: (كَمْ طَلَّقَكِ؟)) قُلْتُ: ثَلَاثًا. قَالَ: ((صَدَقَ، لَيْسَ لَكِ نَفَقَّةٌ، اعْتَدِّي فِي بَيْتِ
ابْنِ عَمِّكِ [عَمْرِو] بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، تُلْقِي ثَوْبَكِ عِنْدَهُ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَآَذِنِينِي))
قَالَتْ: فَخَطَبَنِي خُطَّابٌ، مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ وَأَبُو الْجَهْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ بِّهِ: ((إِنَّ مُعَاوِيَّةَ تَرِبٌ خَفِيفُ
الْحَالِ، وَأَبُو الْجُهَيْمِ مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ - أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا - وَلْكِنْ عَلَيْكِ بَأُسَامَةً
ابْنِ زَيْدٍ)).
[٣٧١٤] ٤٩- ( ... ) وحَدَّثَني إِسْحُقُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ:
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ،
فَسَأَلْنَاهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَخَرَجَ فِي غَزْوَةِ نَجْرَانَ، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَزَادَ: قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ فَشَرَّفَنِي اللّهُ بِأَبِي زَيْدٍ، وَكَرَّمَنِي اللهُ بِأَبِي
زَيْدٍ.
=حديثها، فاستنبطتها الأمة منها، وعملت بها، فما بال روايتها ترد في حكم واحد من أحكام هذا الحديث،
وتقبل فيما عداه؟ فإن كانت حفظته قبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من
أحكامه. (من الهدى مع تصرف).
٤٧- قوله: (فآذنيني) من الإيذان أي فأعلميني وأخبريني (فرجل ترب) بفتح التاء وكسر الراء، أي فقير، كأنه
لصق بالتراب، وقوله: (لا مال له) تأكيد لكونه فقيرًا، وتنبيه على أن الفقير قد يكون له شيء، ولكن هذا لا مال عنده.
٤٨- قوله: (بخمسة آصع) بمد الهمزة وضم الصاد، جمع صاع، وهو أربعة أمداد، ووزن الصاع كيلو غرامين
ونصف کیلوغرام تقریبًا .
٤٩- قولها: (فشرفني الله بأبي زيد) أبو زيد هو أسامة بن زيد، يكنى بأبي محمد وأبي زيد.

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٠
٤٥٢
١٨ - كتاب الطلاق/ح ٥٠-٥٣
[٣٧١٥] ٥٠ - ( ... ) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي أَبُو
بَكْرِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَبُو سَلَمَةَ عَلَى فَاطِمَةً بِنْتِ قَيْسٍ، زَمَنَ ابْنِ الزُّبِيْرِ، فَحَدَّثَتْنَا أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا
طَلَاقًا بَاتًّا، بِنَحْوِ حَدِيثٍ سُفْيَانَ.
[٣٧١٦] ٥١- ( ... ) وحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ
صَالِحِ عَنِ الشُّدِّيِّ، عَنِ الْبَهِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لِي
رَسُولُ اللهِ وَّرَ سُكْنَى وَلَا نَفَقَّةً .
[٣٧١٧] ٥٢ - (١٤٨١) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: تَزَوَّجَ
يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ، فَطَلَّقَهَا فَأَخْرَجِّهَا مِنْ عِنْدِهِ، فَعَابَ ذُلِكَ
عَلَيْهِمْ عُرْوَةُ، فَقَالُوا: إِنَّ فَاطِمَةَ قَدْ خَرَجَتْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ: مَا
لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ خَيْرٌ [فِيآ أَنْ تَذْكُرَ هُذَا الْحَدِيثَ. [انظر: ٣٧١٩]
[٣٧١٨] ٥٣- (١٤٨٢) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ
أَبِهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحِمَ
عَلَيَّ. قَالَ: فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ.
٥٠- قولها: (طلاقًا باتًّا) أي قاطعًا للنكاح والزوجية، وهو الطلاق الثالث.
٥١- قوله: (عن السدي) بضم السين وتشديد الدال، إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد
الكوفي، صدوق يهم، رمي بالتشيع، مات سنة سبع وعشرين ومائة (عن البهي) بفتح فكسر فتشديد، عبدالله بن
يسار مولى مصعب بن الزبير، صدوق يخطىء.
٥٢- قوله: (بنت عبدالرحمن بن الحكم) اسمها عمرة، فيما قيل، وعبدالرحمن بن الحكم هو أخو مروان بن
الحكم أمير المدينة (ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث) إنما قالت ذلك عائشة لأنها كانت تعتقد أن
هذا الحديث سبب لقطع حق المطلقة البائنة في السكنى - وهو حق ثابت في الشرع حسب زعمها - ولأن فيه غضاضة
على فاطمة بنت قيس، لأنها أخرجت من سكناها لبذاءة لسانها، ولكن كلا الزعمين غير صحيح، لأننا قدمنا في أول
حديث الباب أن النبي وَ ل قال لها: ((إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة)) فليس للبائنة حق النفقة
والسكنى حتى يقطعه حديث فاطمة، وعلم بذلك أيضًا أن فاطمة بنت قيس إنما خرجت من بيت زوجها لأنها لم يكن
لها حق السكنى، لا لفحش لسانها أو لسبب آخر، فليس في ذلك أي غضاضة عليها . بل ذِكرها لهذا الحديث هو الذي
فيه خير، حتى يأخذ الناس بالسنة. قال ابن القيم ردًا على من يقول: إن خروجها كان لفحش من لسانها وبذاءة على
أهلها. قال: ما أبرده من تأويل وأسمجه، فإن المرأة - أي فاطمة بنت قيس - من خيار الصحابة رضي الله عنهم
وفضلائهم، ومن المهاجرات الأول، وممن لا يحملها رقة الدين وقلة التقوى على فحش يوجب إخراجها من دارها،
وأن يمنع حقها الذي جعله الله لها، ونهى عن إضاعته، فيا عجبًا كيف لم ينكر عليها النبي وَّر هذا الفحش ويقول لها:
اتقي الله، وكفى لسانك عن أذى أهل زوجك، واستقري في مسكنك، وكيف يعدل عن هذا القول إلى قوله: ((لا نفقة
لك ولا سكنى)) وإلى قوله: ((إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة))، فيا عجبًا كيف يترك هذا المانع
الصريح الذي خرج من بين شفتي النبي وّر، ويعلل بأمر موهوم لم يعلل به رسول الله وَلؤل البتة، ولا أشار إليه ولا نبه
عليه ؟ هذا من المحال البين. اهـ (زاد المعاد ٥٣٨/٥).
٥٣- قولها: (أن يقتحم علي) بصيغة المجهول، أي يدخل عليَّ رجل غريب بنية فاسدة، وهذا يقتضي أن سقوط
السكنى والإذن بالانتقال كان لخوف الاقتحام، ولكن دلت الأحاديث السابقة أن سبب سقوط السكنى إنما هو كونها
بائنة، فيجمع بينها وبين حديث الاقتحام بأن خوف الاقتحام لم يكن سببًا لإسقاط السكنى كما أنه لم يكن سببًا=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٢،١١
٤٥٣
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٥٤-٥٦
[٣٧١٩] ٥٤- (١٤٨١) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ أَنْ تَذْكُرَ هُذَا - تَعْنِي قَوْلَهَا:
لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَّةَ. [راجع: ٣٧١٧]
[٣٧٢٠] ( ... ) وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ؟ طَلَّقَهَا
زَوْجُهَا الْبََّ فَخَرَجَتْ، فَقَالَتْ: بِشْسَمَا صَنَعَتْ، فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِي إِلَى قَوْلِ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ
لَا خَيْرَ لَهَا فِي ذِكْرِ ذَاكَ .
[١١ - بَابُ المطلقة تخرج في عدتها لحاجة]
[٣٧٢١] ٥٥- (١٤٨٣) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛
ح: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنِي ابْنُ مُرَيْجٍ؛ ح: قَالَ: وَحَدَّثَنِي هَرُونُ بْنُ عَبْدِ
اللهِ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَرَجَرَهَا رُّجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ:
(بَلَى، فَجُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا)).
[١٢ - بَاب: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَلِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾]
[٣٧٢٢] ٥٦- (١٤٨٤) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ قَالَ حَرْمَلَةُ:
حَدَّثَنَا، وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا - ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ
اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ [بْنِ مَسْعُودٍ]؛ أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ، يَأْمُرُهُ
أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا وَعمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ،
٠
=لإسقاط النفقة، بل انضم معه اتفاقًا. فصار مع السبب الأصلي بمنزلة السبب الإضافي. والله أعلم.
( ... ) قوله: (طلقها زوجها البتة) أي الطلاق الثالث البائن (فخرجت) أي من بيت زوجها، ولم تعتد فيه.
٥٥- قوله: (أن تجد نخلها) تجد، بضم الجيم وتشديد الدال من الجداد، وهو قطع ثمرة النخل (تصدقي أو
تفعلي معروفًا) كأنه أراد بالصدقة الفرض وبفعل المعروف التطوع، وقد ذهب إلى هذا الحديث مالك والشافعي
وأحمد وغيرهم فقالوا بجواز خروج المعتدة البائن نهارًا، وقاسوا عليه جواز الخروج في عدة الوفاة. ووافقهم
أبو حنيفة في عدة الوفاة. وقال في البائن لا تخرج ليلاً ولا نهارًا، والحديث حجة عليه.
٥٦- قوله: (وهو في بني عامر بن لؤي) أي نسبته فيهم، وكان من حلفائهم، وعامر بن لؤي قبيلة معروفة من
قبائل قريش (فلم تنشب) أي لم تمكث طويلاً حتى وضعت حملها (بعد وفاته) واختلفت الروايات جدًّا في تعيين المدة
التي وضعت بعدها. فروى ((نصف شهر)) وروى ((عشرون ليلة)) وروى ((بضع وعشرون ليلة)) وروى ((ثلاثة وعشرون يومًا
أو خمسة وعشرون يومًا)) وروى ((أربعون ليلة)) وروى ((شهران)) وروى ((أدنى من أربعة أشهر)) والجمع بين هذه الروايات
متعذر، إلا أنها كلها متفقة على أنها وضعت قبل أربعة أشهر وعشر، فهي قاضية في محل الخلاف (فلما تعلت من
نفاسها) أي ارتفعت إما من أصل النفاس بأن طهرت، وإما من ألم النفاس بأن برأت وشفيت، وعادت إليها الصحة
مما يحدث عند وضع الحمل (تجملت للخطاب) في رواية البخاري عن ابن إسحاق ((فتهيأت للنكاح واختضبت)) وفي
رواية معمر عن الزهري عند أحمد ((وقد اكتحلت)) وفي رواية الأسود ((فتطيبت وتصنعت)) (أبو السنابل بن بعكك)
اختلف في اسمه، فقيل: عمرو، وقيل: لبيد ربه، وقيل: حبة - بالموحدة، وقيل: بالنون - وقيل: عامر، وقيل :=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٣
٤٥٤
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٥٧
حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيْعَةً أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ
سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ
وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ،
فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّابِلِ بْنُ بَعْكَكِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟
لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النَّكَاحَ، إِنَّكِ وَاللهِ! مَا أَنْتِ بِنَاكِحِ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ:
فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِك، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِي
بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتََّوُجِ إِنْ بَدَا لِي.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأْسَا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا
زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ.
[٣٧٢٣] ٥٧- (١٤٨٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى
ابْنَ سَعِيدٍ: أَخْبَرَنِ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَ عَبَّاسِ اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِي
هُرَيْرَةَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةَ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ،
وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ، فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذُلِك - قَالَ - فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي - يَعْنِي
أَبَا سَلَمَةَ - فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أُمَّ
سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَلَّهِ،
فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.
[٣٧٢٤] ( ... ) وحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ؛ ح: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً
وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ اللَّيْثَ
قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يُسَمِّ كُرَيْبًا.
[١٣ - باب: تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، ولا تكتحل ولا تمس طيبًا، ولا تلبس
ثوبًا مصبوغًا، وكيف كانت تحد في الجاهلية وتخرج من الحداد]
=أصرم، وبعكك بوزن جعفر هو ابن الحارث بن عميلة - بالفتح - بن السباق بن عبدالدار (إنك والله ما أنت بناكح
... إلخ) لم يكن هذا مجرد فتوى أفتاها بها أبو السنابل، بل قال ذلك لحاجة في نفسه، وهو أنه كان قد خطبها،
وخطبها شاب من قومها - يقال اسمه أبو البشر بن الحارث - فمالت إلى الشاب، فقال لها ذلك، ففي رواية الموطأ :
((فخطبها رجلان، أحدهما شاب، وكهل، فحطت إلى الشاب، فقال الكهل: لم تحلي .. وكان أهلها غيبا، فرجا أن
يؤثروه بها)) فلما قال لها ذلك استفتت النبي وَطهور، ثم تزوجت الشاب، وكانت استفتت بعد الولادة بقريب من عشر
ليال، روى ذلك البخاري في الطلاق (لا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها) لأن قولها: «فأفتاني
بأني قد حللت حين وضعت حملي)) يدل على جواز العقد عليها بعد الوضع ولو لم تطهر من دم النفاس. وبه قال
الجمهور. وقيل: لا تنكح حتى تطهر، والحديث حجة عليهم.
٥٧- قوله: (تنفس بعد وفاة زوجها) بالبناء للمفعول، أي تصير نفساء بالولادة ووضع الحمل (عدتها آخر
الأجلين) من عدة الوفاة وعدة الحمل، يعني إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشر تبقى في العدة حتى يتم عليها
أربعة أشهر وعشر، وإذا مضى أربعة أشهر وعشر ولم تضع حملها فإنها تبقى في العدة حتى تضع حملها (وقال=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٣
٤٥٥
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٥٨
[٣٧٢٥] ٥٨- (١٤٨٦) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ،
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ قَالَ: قَالَتْ زَيْنَبُ:
دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ خَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َّةِ، حِينَ تُؤُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ
صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ! مَا لِي بِالطِّيبِ
[مِنْآ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((لَا يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)). [انظر: ٣٧٢٩ و٣٧٣٤]
[٣٧٢٦] (١٤٨٧) قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُؤُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ
بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ! مَا لِي بِالطِّيبٍ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهَ يَقُولُ
عَلَى الْمِنْبَرِ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُحِدُّ عَلَىْ مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ،
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)). [انظر: ٣٧٣٠]
[٣٧٢٧] (١٤٨٨) قَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِنَله
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنَتِي تُؤُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: (لَ)) - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلَّ ذُلِكَ يَقُولُ: ((لَا)) -، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ،
وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ)).
=أبو سلمة: قد حلت) بوضع حملها قبل أربعة أشهر وعشر.
٥٨- قوله: (حين توفي أبوها أبو سفيان) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، أسلم
عام الفتح، ومات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: بعدها. (خلوق) بفتح الخاء، طيب مخلوط بالزعفران (فدهنت منه
جارية) أي طلتها بالخلوق (ثم مست بعارضيها) العارضان جانبا الوجه فوق الذقن إلى مادون الأذن. فعلت ذلك لدفع
صورة الإحداد (لا يحل) استدل به على تحريم الإحداد فوق ثلاثة أيام على غير الزوج، وهو واضح، وعلى وجوب
الإحداد على الزوج المدة المذكورة مع ضم دليل آخر (تؤمن بالله واليوم الآخر) تعلق بمفهومه الحنفية فقالوا: لا إحداد
على الذمية. وقال الجمهور عليها الإحداد، وذكر الإيمان خرج مخرج الغالب، لأن الإحداد من حق الزوج، وهو
ملتحق بالعدة في حفظ النسب، فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى (تحد على ميت) بضم التاء وكسر الحاء من الإحداد،
ويجوز بالفتح ثم الضم من الثلاثي، أصله المنع، ومعنى الإحداد منع المعتدة نفسها الزينة، وبدنها الطيب، ومنع
الخطاب خطبتها والطمع فيها (أربعة أشهر وعشرًا) قيل: الحكمة فيه أن الولد يتكامل تخليقه، وتنفخ فيه الروح بعد
مضي مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد على سبيل الاحتياط.
(١٤٨٧) قولها: (ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها) الظاهر أن المراد بأخيها أبو أحمد عبد بن
جحش، فإنه هو الذي تأخرت وفاته إلى خلافة عمر، أما أخوها عبيدالله بن جحش فكان قد تنصر في الحبشة ومات،
وأما أخوها الآخر عبدالله بن جحش فقتل شهيدًا في غزوة أحد، ولم تكن زينب بنت أبي سلمة إذ ذاك مميزة، بل كانت
صبية في الحجر، أو لم تكن ولدت بعد.
(١٤٨٨) قولها: (جاءت امرأة) هي عاتكة بنت نعيم بن عبدالله (وقد اشتكت عينها) يجوز رفع النون على
الفاعلية، ونصبها على أنها مفعول، وضمير الفاعل في الفعل يرجع إلى المرأة (أفنكحلها) بضم الحاء من الكحل
(كل ذلك يقول: لا) وجاء في حديث أم سلمة في الموطأ وغيره ((اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار)) ووجه الجمع أنها إذا
لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل، والأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار، وقيل :
النهي مخصوص بكحل يقتضي التزين به (إنما هي أربعة أشهر وعشر) إشارة إلى تقليل المدة بالنسبة لما كان قبل=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٣
٤٥٦
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٦٠،٥٩
[٣٧٢٨] (١٤٨٩) قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ:
كَانَتِ الْمَرْأَةُ، إِذَا تُؤُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا
حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَّةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ - حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ - فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا
مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ، بَعْدُ، مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ.
[٣٧٢٩] ٥٩- (١٤٨٦) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدٍ
ابْنِ نَافِعِ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: تُؤُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَمَسَحَتْهُ
بِذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَصْنَعُ هُذَا لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهَ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)). [راجع: ٣٧٢٥]
[٣٧٣٠] (١٤٨٨ /١٤٨٧) وَحَدَّثَتْهُ زْنَبُ عَنْ أُمِّهَا، وَعَنْ زَيْنَبَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َ - أَوْ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ
بَعْضٍ أَزْوَاجِ النَّبِّ وَِّ. [راجع: ٣٧٢٦]
[٣٧٣١] ٦٠- (١٤٨٨) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ
ابْنِ نَافِعِ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَّةَ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهَا أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَافُوا عَلَى
عَيْنِهَا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ◌ََّ، فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَدْ كَانَتْ إِحَدَاكُنَّ تَكُونُ فِي
شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا - أَوْ فِي شَرِّ أَخْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا - حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ فَخَرَجَتْ
أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا؟)).
[٣٧٣٢] ( ... ) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعِ بِالْحَدِيثَيْنِ
جَمِيعًا حَدِيثٍ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْكُحْلِ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُخْرَى مِنْ أَزْوَاجِ النَِّيِّ نَّ هِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ
تُسَمِّهَا زَيْنَبُّ، نَحْوَ حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ .
=الإسلام، وتهوين الصبر عليها (وما ترمي بالبعرة) أي بيني لي المراد بهذا الكلام.
(١٤٨٩) قوله: (دخلت حفشا) بكسر الحاء وسكون الفاء، هو البيت الصغير الحقير الشعث البناء (فتفتض به)
قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء، ولا تقلم ظفرًا، ولا تزيل
شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض، أي تكسر ماهي فيه من العدة بطائر تمسح به قُبلها، وتنبذه، فلا
يكاد يعيش بعدما تفتض به، ذكر ذلك عنه النووي وغيره، وقد فسروه بغير ذلك أيضًا، ولكنه لا يطابق قوله: ((فقلما
تفتض بشيء إلا مات)) (فترمي بها) في رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك: ((ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل
فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالاً لها)) وفي رواية ابن وهب: ((فترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها)) قيل: هو
إشارة إلى أنها رمت العدة رمي البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي
كانت فيه، لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها، استحقارًا له وتعظيمًا لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على
سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك.
٥٩- قولها: (حميم لأم حبيبة) أي قريب لها (بصفرة) أي بطيب من خلوق ونحوه مما يكون لونه أصفر.
٦٠- قوله: (في أحلاسها) جمع حلس بالكسر فالسكون، هو الثوب أو الكساء الرقيق يجعل على ظهر البعير
وغيره تحت البردعة، وقوله: ((في شر بيتها في أحلاسها أو في شر أحلاسها في بيتها)) شك من الراوي في أي اللفظين
وقع وصف الشر (حولاً) أي سنة (فإذا مر كلب رمت ببعرة) جزم بعض الشراح بأن رميها كان يتوقف على مرور الكلب
سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر، وقيل: كانت ترمي بها من عرض من كلب أو غيره (فخرجت) من ذلك البيت=

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٣
٤٥٧
١٨ - كتاب الطلاق/ ح ٦١-٦٧
[٣٧٣٣] ٦١- (١٤٨٨ / ١٤٨٦) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
هُرُونَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةً تُحدِّثُ عَنْ أُمّ
سَلَمَةَ وَأُمِّ حَسِبَةَ تَذْكُرَانِ [أَنَّ] امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِّوَّهِ، فَذَكَرَتْ [لَهُ] أَنَّ أَبْنَةً لَهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا،
فَاشْتَكَتْ عَيْنُهَا فَهِيَ تُرِيدُ أَنْ تَكْحُلَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عِنْدَ رَأْسِ
الْحَوْلِ وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)).
[٣٧٣٤] ٦٢ - (١٤٨٦) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرِو - قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
ابْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ حُمْيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا أَتَى أُمّ
حَبِيبَةَ نَعِيُّ أَبِي سُفْيَانَ دَعَتْ - فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ - بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْ بِهِ ذِرَاعَيْهَا وَعَارِضَيْهَا. وَقَالَتْ:
كُنْتُ عَنْ هُذَا غَنِيَّةً، سَمِعْتُ النَّبِيَّ لَهَ يَقُولُ: (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ
فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَىْ زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)). [راجع: ٣٧٢٥]
[٣٧٣٥] ٦٣ - (١٤٩٠) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَقُتَنِيَةُ وَابْنُ رُمْحِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعِ؛
أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ حَدَّثَتْهُ عَنْ حَفْصَةَ، أَوْ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ عَنْ كِلْتَيْهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ قَالَ: ((لَا
يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ - أَوْ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ - أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ،
إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا)).
[٣٧٣٦] ( ... ) وحَدَّثَنَاه شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِم -: حَدَّثَنَا عَبْدُ
اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ نَافِعِ بِسْنَادِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، مِثْلَ رِوَايَتِهِ.
[٣٧٣٧] ٦٤ - ( ... ) وحَدَّثَنَاه أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ
قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ
حَقْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، زَوْجَ النَّبِّ وَ تُحَدِّثُ عَنِ النَّبِّ وَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ وَابْنِ دِينَارٍ، وَزَادَ:
((فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)) .
[٣٧٣٨] ( ... ) وحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيع: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ؛ ح: وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيََّ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وََّ عَنِ
النَّبِّ وَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.
[٣٧٣٩] ٦٥- (١٤٩١) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ بَهِ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةِ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ
=مع هذا العمل ومع اقتضاضها بدابة كما تقدم.
٦٢ - قوله: (نعى أبي سفيان) أي خبر موته. والنعي بالفتح فالسكون، وبفتح فكسر فتشديد (كنت عن هذا غنية)
أي ما استعملته لأجل الحاجة، وإنما لإنهاء صورة الإحداد.

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٤
٤٥٨
١٩ - كتاب اللعان/ ح ١
تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا)).
[٣٧٤٠] ٦٦- (٩٣٨) وحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيع: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ
أُمَّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَىْ زَوْجِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا - إِذَا طَهُرَتْ -
نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ)). [راجع: ٢١٦٦، ٢١٦٧]
[٣٧٤١] ( ... ) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ؛ ح: وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو
النَّقِدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هُرُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهِذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَا: ((عِنْدَ أَدْنَى ◌ُهْرِهَا: نُبْذَةً مِنْ
قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ ».
[٣٧٤٢] ٦٧ - ( ... ) وحَدَّثَني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ
أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا
نَكْتَحِلُ، وَلَا نَتَطَيَّبُ، وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَقَدْ رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ فِي طُهْرِهَا - إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانًا
مِنْ مَحِيضِهَا - فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ .
١٩ - كتاب اللعان
[١٤ - باب اللعان، وأنه يوجب الفرقة، وأن الولد ينسب إلى الأم دون الأب بعد اللعان]
[٣٧٤٣] ١ - (١٤٩٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ سَهْلَ بْنَ
سَعْدِ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ يَا
عَاصِمُ! لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَاسْتَلْ لِي عَنْ ذَلِكَ - يَا
٦٦ - قوله: (إلا ثوب عصب) بفتح العين وسكون الصاد، وهو بالإضافة، وثوب العصب هي برود اليمن يعصب
غزلها، أي يربط، ثم يصبغ، ثم ينسج معصوبًا فيخرج موشى، لبقاء ما عصب منه أبيض لم ينصبغ، وإنما يعصب
السدي دون اللحمة. وقيل: العصب هو المفتول من برود اليمن، دل الحديث على النهي عن جميع أنواع الثياب
المصبوغة للزينة سوى العصب، واختلفوا فيما صبغ بسواد، فرخص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتخذ للزينة، بل هو
من لباس الحزن، ويؤخذ من مفهوم الحديث جواز ما ليس بمصبوغ، وهي الثياب البيض، ومنع بعض المالكية
المرتفع منها الذي يتزين به، وكذلك الأسود إذا كان مما يتزين به. قال النووي: ورخص أصحابنا فيما لا يتزين
به ولو كان مصبوغا (نبذة من قسط أو أظفار) نبذة، بضم فسكون: القطعة والشيء اليسير، أما القسط - ويقال فيه
كست - فهو والأظفار نوعان معروفان من البخور. وليسا من مقصود الطيب. رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة
الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم، لا للتطيب. قاله النووي.
( ... ) قوله: (عند أدنى طهرها) أي عند أقرب طهرها، أو أقل طهرها، يعني عند أقرب وقت من الطهر يتصل
بالحيض، وهو الوقت الذي تغتسل فيه المرأة بعد انتهاء الحيض. وقد سبق أن المراد أن تتبع به أثر دم الحيض بعد
الغسل .
١- قوله: (إن عويمر العجلاني) هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان، وعجلان من قضاعة، =

١٩ - كتاب الطلاق/ ب ١٤
٤٥٩
١٩ - كتاب اللعان/ح ١
عَاصِمُ - رَسُولَ اللهِ نَّهِ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِوَّهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى
كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا
عَاصِمُ! مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ؟ قَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِه
الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سأَلْتُهُ عَنْهَا. قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَالله! لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَّى
رَسُولَ اللهِ لَّهَ وَسْطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ
فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأُتِ بِهَا)).
قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا
رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ [تِلْكَ] سُنََّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ.
=حالف بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس من الأنصار في الجاهلية، وسكن المدينة، فدخلوا في الأنصار (جاء
إلى عاصم بن عدي) بن الجد بن عجلان، وهو ابن عم والد عويمر، وكان سيد بني عجلان (أيقتله فتقتلونه) قصاصًا .
لأن حكم القصاص كان قد تقرر قبل ذلك في قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (أم كيف يفعل؟) فإنه لا
صبر للزوج على مثل هذا (فكره رسول الله وَلخير المسائل وعابها) لأنه لم يسأل عن حكم حادث سبق في علمه
حدوثه، مع ما في مثل هذا السؤال من إشاعة فاحشة، وهتك ستر مسلم ومسلمة، والشناعة عليهما. وقد كانت
المسائل فيما لم ينزل فيه حكم زمن نزول الوحي ممنوعة، لئلا ينزل الوحي بالتحريم أو التشديد، أما المسائل
المحتاج إليها إذا وقعت فقد كان الواجب السؤال عنها لمعرفة حكمها (حتى كبر على عاصم) كبر بفتح الكاف
وضم الباء، أي عظم وزنًا ومعنى. وقوله بَّر في جواب عويمر: (قد نزل فيك وفي صاحبتك) يدل على أن آية
اللعان كانت قد نزلت بعد رجوع عاصم وقبل مجيء عويمر، ولكن سيأتي من حديث ابن عمر [رقم ٤] أن
عويمرًا حينما سأل ((فسكت النبي ◌َ ل﴿ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به))
ويظهر من هذا أن في سياق هذا الحديث اختصارًا. وأنه لم يذكر امرأته إلا بعد أن انصرف ثم عاد، لكن سؤاله
الأول في صورة فرض المسألة لم يكن عن فراغ، بل كان بعدما ظهرت له مخايل زناها، بل جاء في مرسل
مقاتل بن حيان عند أبي حاتم: فقال الزوج لعاصم: ياابن عم أقسم بالله لقد رأيت شريك بن سحماء على
بطنها، وإنها لحبلى، وما قربتها منذ أربعة أشهر (فتلاعنا) في طريق ابن جريج [رقم ٣] ((في المسجد)) وعند
أحمد ((بعد العصر)) واستدل بذلك على أن اللعان يكون بحضرة الحكام وفي مجمع من الناس، وهو أحد أنواع
التغليظ، ثانيها الزمان وثالثها المكان. أما صفة هذا اللعان فهي حسب ما جاء في سورة النور، يشهد الرجل
أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين - أي في رمي المرأة بالزنا - والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من
الكاذبين. ثم تشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من
الصادقين. ثم يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا (فطلقها ثلاثًا) استدل به الشافعية على جواز الطلاق الثلاث
مجموعة، كما استدلوا به هم والآخرون على وقوعها كلها، وكلا الاستدلالين في غير محلهما، لأنه إنما طلقها
ثلاثًا لأجل أنه لم يكن يعلم أن اللعان يوجب فرقة الأبد، فأراد تحريمها بالطلاق، فصار الطلاق لغوًا، لأنه لم
يقع في موضعه، أما إذا قلنا إن الفرقة تقع بمجرد اللعان فظاهر، وأما إذا قلنا إن الفرقة تقع بتفريق الحاكم
فمعلوم أن هذا النكاح لم يبق سبيل إلى بقائه ودوامه، بل هو واجب الإزالة على الفور، ومؤبد التحريم: فلا
محل لإيقاع الطلاق، ومن الدليل على ذلك أن الرجل لو طلق بعد اللعان واحدة أو ثنتين فإنه لا يملك الرجعة،
ولا تكون على المرأة العدة، ولا لها النفقة والسكنى بالاتفاق، ومعناه أنه ليس بطلاق حتى يترتب عليه ما يترتب
على الطلاق. فدل ذلك على أن المرأة لم تبق محلاً للطلاق بعد اللعان إطلاقًا، وأن تطليقها مثل تطليق
الأجنبية، وأما عدم غضبه ◌َّي على طلاقه هذا فلأجل أنه صدر عن غيرة، وهي مطلوبة في مثل هذا المقام.
ولذلك اقتصر وَل﴿ على مجرد إخباره بأن طلاقه هذا لغو، بقوله: ((لا سبيل لك عليها)) أي لا ملك لك عليها، =