Indexed OCR Text
Pages 161-180
النوع السادس من أنواع الإجازة : إجازة ما لم يسمعه المجيز ولم يتحمله أصلاً بعدُ ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك : أخبرني من أُخْبرَ عن القاضي عياض بن موسى من فضلاء وقته بالمغرب ، قال: (( هذا لم أرَ مَنْ تكلّم عليه من المشايخ ، ورأيت بعض المتأخرين والعصريين يصنعونه))، ثم حكى عن أبي الوليد يونس بن مغيث قاضي قرطبة أنه سئل الإجازة لجميع (١) ما رواه إلى تاريخها وما يرويه بعدُ فامتنع من ذلك . فغضب السائل ، فقال له بعض أصحابه : يا هذا يعطيك ما لم يأخذه ، هذا محال ؟ قال عياض: ((وهذا هو الصحيح ))(٢) قلت : ينبغي أن يُبْنَى هذا على أن الإجازة في حكم الإخبار بالُجاز جملة، أو هي إذن : فإن جُعِلَتْ في حكم الإخبار لم تصح هذه الإجازة ، إِذ كيف يُخْبِرُ بما لا خَبَر عنده منه. وإِن جُعِلَتْ إذناً انْبَنيَ هذا على الخلاف في تصحيح الإذن في باب الوكالة فيما لم يملكه الآذِنُ الموكِّل بعد ، مثل أن يوكل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه . وقد أجاز ذلك بعض أصحاب الشافعي . والصحيح بطلان هذه الإجازة . وعلى هذا يتعين على من يريد أن يروي بالإجازة عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته مثلاً أنْ (١) وفي ق (بجميع) . (٢) ((الإلماع)) ص ١٠٦ . علوم الحديث (١٤) - ١٦١ - يبحث حتى يعلم أنّ ذاك الذي يريد روايته عنه مما سمعه قبل تاريخ الإجازة . وأما إذا قال: ((أجزت لك ما صَحَّ ويَصحُّ عندك من مسموعاتي )) فهذا ليس من هذا القبيل . وقد فعله الدارَقُطْنِي وغيره ، وجائز أن يروي بذلك عنه(١) ما صح عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبل الإجازة، ويجوز ذلك وإن اقتصر على قوله ((ما صَحَّ عندك)) ولم يقل ((وما يَصحُّ)) لأن المراد ((أجزت لك أن ترويّ عني ما صح عندك )). فالمعتبر إِذاً فيه صحة ذلك عنده (٢) حالة الرواية ، والله أعلم . النوع السابع من أنواع الإجازة : إجازة المُجاز: مثل أن يقول الشيخ ( أجزت لك مُجازاتي ، أو أجزت لك رواية ماأُجيزَ لي روايته ). فمنع من ذلك بعضُ مَنْ لا يُعْتَدُّ به من المتأخرين . والصحيح والذي عليه العمل أنّ ذلك جائز، ولا يشبه ذلك ما امتنع من توكيل الوكيل بغير إذن الموكل . ووجدتُ عن أبي عَمرو السَّفاقُسِي الحافظ المغربي قال : سمعت أبا نعيم الحافظ يعني(٢) الأصبهاني يقول: ((الإجازة على الإجازة قوية جائزة)). (١) قوله: ((عنه)) ليس في ع . (٢) وفي ع ( عند ) . (٣) قوله: (( يعني )) ليس في ع . - ١٦٢ - وحكى الخطيب الحافظ(١) تجويز ذلك عن الحافظ الإمام أبي الحسن الدارقطني والحافظ أبي العباس المعروف بابن عُقْدة الكوفي وغيرهما ، وقد كان الفقيه الزاهد نصر بن إبراهيم المَقْدِسِي يروي بالإِجازة عن الإجازة حتى ربما والى في روايته بين إجازاتٍ ثلاثٍ . وينبغي لمن يروي بالإجازة عن الإجازة أن يتأمل كيفية إجازة شيخ شيخه ومُقتضاها حتى لا يرويَ بها مالم يندرج تحتها ، فإذا كان مثلاً صورة إجازة شيخ شيخه : ( أجزتُ له ماصح عنده من سماعاتي ) ، فرأى شيئاً من مسموعات شيخ شيخه فليس له أن يروي ذلك عن شيخه عنه حتى يستبين أنه مما كان قد صح عند شيخه كونُه من سماعات شيخه الذي تلك إجازته ، ولا يكتفي بمجرد صحة ذلك عنده الآن عملاً بلفظه وتقييده ، ومن لا يتفطن لهذا وأمثاله يكثُرْ عِثاره ، والله أعلم . هذه أنواع الإجازة التي تمس الحاجة إلى بيانها ، ويتركب منها أنواع أَخَرُ سيتعَرَّفُ(٢) المتأمل حُكْمَها مما أمليناه إن شاء الله تعالى . ثم إنا نُنَبِّه على أمور : أحدها : روينا عن أبي الحسين أحمد بن فارس الأديب المُصَنَّف رحمه الله قال: ((معنى الإجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز (١) ((الكفاية)) ص ٣٤٩ - ٣٥٠. (٢) ((يتعرّف)) خ بهامش الأصل. - ١٦٣ - الماء الذي يُسقاه المال من الماشية والحرث ، يقال منه : استجزت فلاناً فأجازني ، إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك . كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه علمه فيجيزه إياه )). قلت: فللمجيز على هذا أن يقول: ((أجزت فلاناً مسموعاتي أو مروياتي )» ، فيعدِّيَه بغير حرف جرٍ من غير حاجةٍ إلى ذكر لفظ الرواية أو نحو ذلك . ويحتاج إلى ذلك من يجعل الإجازة بمعنى التسويغ ، والإذن ، والإباحة ، وذلك هو المعروف ، فيقول : ( أجزت لفلان رواية مسموعاتي ) مثلاً ومن يقول منهم : ( أجزت له مسموعاتي ) فعلى سبيل الحذف الذي لا يخفى نظيره ، والله أعلم . الثاني: إنما تُسْتَحْسن الإجازة إذا كان المجيز عالِماً بما يجيز والمجاز له من أهل العِلْم ، لأنها توسع وترخيص يتأهل له أهل العلم لِمَسيسِ حاجتهم إليها ، وبالغَ بعضهم في ذلك فجعله شرطاً فيها . وحكاهُ أبو العباس الوليد بن بكر المالكي عن مالك رضي الله عنه . وقال الحافظ أبو عمر: ((الصحيح(١) أنها لا تجوز إلا لماهرٍ بالصناعة وفي شيءٍ معينٍ لا يشكل إسناده )» ، والله أعلم . الثالث : ينبغي للمجيز إذا كتب إجازته أن يتلفظ بها ، فإن اقتصر على الكتابة كان ذلك إجازة جائزة إذا اقترن بقصد الإجازة ، (١) وفي ع: ( والصحيح ) وانظر جامع بيان العلم وفضله لأبي عمر يوسف بن عبد البر: ٢ : ٠١٨٠ - ١٦٤ - غير أنها أنقص مرتبة من الإجازة الملفوظ بها . وغير مستبعدٍ تصحيح ذلك بمجرد هذه الكتابة في باب الرواية الذي جُعِلت فيه القراءة على الشيخ مع أنه لم يَلْفِظْ بما قُرئَ عليه إخباراً منه بما قُرِئَ عليه ، على ما تقدم بيانه(١) ، والله أعلم . القسم الرابع من أقسام طرق تحمل الحديث وتلقيه : المناولة(٢): وهي على نوعين : أحدهما : المناولة المقرونة بالإجازة : وهي أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق(٣) ، ولها صور: منها : أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعاً مقابلاً به (١) في ص ١٣٧ - ١٤٠ . (٢) المناولة هي أن يعطي الشيخ للتلميذ كتاباً أو صحيفة ليرويه عنه . والأصل فيها ما رواه البخاري معلقاً في كتاب العلم ١: ١٩ ((أن رسول الله عَ لّ كتب الأمير السرية كتاباً ، وقال : لاتقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا ، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي ◌َّر)» وصله الطبراني والبيهقي بسند حسنٍ ، واحتج به البخاري على صحة المناولة ... ( وهو فقه صحيح ) كما قال السهيلي في الروض الأنف ٢ : ٥٩ . وانظر إرشاد الساري ١ : ٢١٧ ، والإلماع ص ٨١ ، وتدريب الراوي ص ٢٦٨ . وقال العراقي - فيما وجدناه بخطه بهامش النسخة الأصل : - ((فائدة : أحسن ما يُسْتَدَلُّ به على المناولة بغير قراءة ما ذكره الحاكم مستدلاً به مسنداً من حديث ابن عباس أن رسول الله عَ لّ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ، ويدفعه عظيم البحرين إلى كسرى )) . وانظر معرفة علوم الحديث ص ٢٥٨ . (٣) انظر هذا التفضيل المطلق في الكفاية ص ٣٢٦ . - ١٦٥ - ويقول : ( هذا سماعي أو روايتي عن فلان فارْوِهِ عني ، أو أجزت لك روايته عني ) ، ثم يُمَلّكَه إياه. أو يقول : ( خذه وانسخه وقابل به ثم رُدَّهُ إِليَّ ) أو نحو هذا . ومنها : أن يجئ الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ وهو عارف مُتَيقِّظٌ ، ثم يعيده إليه ويقول له : ( وقفت على ما فيه وهو حديثي عن فلان أو روايتي عن شيوخي فيه فارْوِهِ عني ، أو أجزت لك روايته عني ) . وهذا قد سَمَّه غير واحدٍ من أئمة الحديث ( عَرْضاً). وقد سبقت(١) حكايتنا في القراءة على الشيخ أنها تسمَّى عرضاً أيضاً ، فَلْنُسَمِّ ذلك: ( عرض القراءة ) ، وهذا ( عرض المناولة ) ، والله أعلم . وهذه المناولة المقترنة بالإجازة حالَّةٌ محل السماع عند مالك وجماعة من أئمة أصحاب الحديث . وحكى الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوري(٢) في عرض المناولة المذكور عن كثير من المتقدمين أنه سماع . وهذا مطرد في سائر ما يماثله من صور المناولة المقرونة بالإجازة : فيِمَّنْ حكى الحاكم ذلك عنهم : ابن شهاب الزُهْري ، وربيعة الرَّأي ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، ومالك بن أنس الإمام ، في آخرين من المدنيين ، ومجاهد ، وأبو الزبير ، وابن عُيَيْنَةَ في جماعة (١) في ص ١٣٧ . (٢) ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٥٦ - ٢٥٧ . - ١٦٦ - من المكيين ، وعلقمة وإبراهيم النخعيان ، والشعبي في جماعة من الكوفيين ، وقتادة ، وأبو العالية ، وأبو المتوكل الناجي في طائفة من البصريين ، وابن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب في طائفة من المصريين ، وآخرون من الشاميين والخراسانيين . ورأى الحاكم طائفة من مشايخه على ذلك ، وفي كلامه بعض التخليط ، من حيث كونه خلط بعض ما ورد في ( عرض القراءة ) بما ورد في ( عرض المناولة ) ، وساق الجميع مساقاً واحداً . والصحيح أن ذلك غير حالِّ محل السَّماع وأنه منحط عن درجة التحديث لفظاً والإخبار قراءة . وقد قال الحاكم في هذا العرض(١): (( أما فقهاء الإسلام الذين أفتوا في الحلال والحرام فإنهم لم يَرَوْهُ سماعاً ، وبه قال الشافعي ، والأوزاعي ، والبويطي ، والمزني ، وأبو حنيفة ، وسفيان الثوري ، وأحمد بن حنبل ، وابن المبارك ، ويحيى بن يحيى ، وإسحاق بن راهويه . قال وعليه عهدنا أئمتنا وإليه ذهبوا وإليه نذهب))، والله أعلم . ومنها : أنْ يناوَل الشيخُ الطالبَ كتابه ويُجيزَ له روايته عنه ، ثم يمسكَه الشيخ عنده ولا يُمَكِّنه منه ، فهذا يتقاعد عما سبق لعدم احتواء الطالب على ما تحمله وغيبته عنه ، وجائز له رواية ذلك (١) ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٥٩ - ٢٦٠. - ١٦٧ - عنه إذا ظفر بالكتاب ، أو بما هو مُقابَلٌ به على وجهٍ يثق معه بموافقته لما تناولته الإجازة ، على ما هو معتبرٌ في الإجازات المجردة عن المناولة . ثم إن المناولة في مثل هذا لا يكاد يظهر حصول مزيّة بها على الإجازة الواقعة في معين كذلك من غير مناولةٍ . وقد صار غير واحدٍ من الفقهاء والأصوليين إلى أنه لا تأثير لهما ولا فائدة . غير أن شيوخ أهل الحديث في القديم والحديث أو من حُكِيَ ذلك عنه منهم يرون لذلك مزيّة معتبرة ، والعلم عند الله تبارك وتعالى(١). ومنها : أن يأتي الطالبُ الشيخَ بكتابٍ أو جزء فيقول : ( هذا روايتك فناولنيه وأجزْ لي روايته ) ، فيجيبه إلى ذلك من غير أن ينظر فيه ويتحقق روايته لجميعه ، فهذا لا يجوز ولا يصح . فإنْ كان الطالب موثوقاً بخبره ومعرفته جاز الاعتماد عليه في ذلك ، وكان ذلك إجازة جائزة ، كما جاز في القراءة على الشيخ الاعتماد على الطالب حتى يكون هو القارئ من الأصل إِذا كان موثوقاً به معرفة وديناً. قال الخطيب أبو بكر رحمه الله (٢): ((ولو قال : حدث بما في هذا الكتاب عني إن كان من حديثي مع براءتي من الغلط والوهم ، كان ذلك جائزاً حسناً )) والله أعلم . (١) وجه هذه المزية فيما نرى : أن في المناولة تأكيداً لمعنى الإخبار الذي اشتملت عليه الإجازة وتقوية له . والله أعلم . (٢) ((الكفاية)) ص ٣٢٨. - ١٦٨ - الثاني : المناولة المجردة عن الإجازة : بأن يناوله الكتاب كما تقدم ذكره أولاً ، ويقتصر على قوله : ((هذا من حديثي أو من سماعاتي)) ولا يقول ((ارْوِهِ عني أو أجزت لك روايته عني )) ونحو ذلك ، فهذه مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها ، وعابَها غير واحدٍ من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها وسوّغوا الرواية بها . وحكى الخطيب(١) عن طائفة من أهل العلم أنهم صححوها وأجازوا الرواية بها(٢) ، وسنذكر إِن شاء الله سبحانه وتعالى قول من أجاز الرواية بمجرد إعلام الشيخ الطالبَ أن هذا الكتابَ سماعُه من فلان . وهذا يزيد على ذلك ويترجح بما فيه من المناولة ، فإنها لا تخلو من إشعارٍ بالإذن في الرواية ، والله أعلم . القول في عبارة الراوي بطريق المناولة والإجازة : حُكِيَ عن قوم من المتقدمين ومَنْ بعدَهم أنهم جَوَّزوا إطلاق ((حدَّثنا وأخبرنا )» في الرواية بالمناولة ، حُكِيَ ذلك عن الزُهْري ومالك وغيرهما ، وهو لائق بمذهب جميع مَنْ سبقت الحكاية عنهم أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإِجازة سماعاً(٣). (١) ((الكفاية)) ص ٣٤٨. (٢) نقله عن الظاهرية الرامهرمزي في ( المحدث الفاصل ) ص ٤٥١ - ٤٥٢، واستدل بما سيأتي في الإعلام ص ١٧٥ . (٣) انظر ص ١٦٦ . - ١٦٩ - وحُكِيَ أيضاً عن قوم مثل ذلك في الرواية بالإِجازة . وكان الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب التصانيف الكثيرة في علم الحديث يطلق ( أخبرنا ) فيما يرويه بالإِجازة . روينا عنه أنه قال : أنا إِذا قلت : ( حدثنا ) فهو سماعي ، وإذا قلت : ( أخبرنا ) على الإطلاق فهو إجازة من غير أن أذكر فيه ( إِجازة ، أو كتابة ، أو كتب إِليّ ، أو أذِنَ لي في الرواية عنه) . وكان أبو عبيد الله المَرْزُباني الأخْباريّ صاحب التصانيف في علم الخبر يروي أكثر ما في كتبه إجازة من غير سماعٍ ويقول في الإِجازة : ( أخبرنا ) ولا يبينها ، وكان ذلك فيما حكاه الخطيب مما عيب به . والصحيح والمختار الذي عليه عمل الجمهور وإياه اختار أهلُ التحري والورع المنع في ذلك من إطلاق ( حدثنا وأخبرنا ) ونحوهما من العبارات ، وتخصيص ذلك بعبارة تشعر به بأن يُقَيِّدَ هذه العبارات فيقول : ( أخبرنا أو حدثنا فلان مناولةً وإجازة ، أو أخبرنا إِجازة(١) أو أخبرنا مناولة، أو أخبرنا إِذناً ، أو في إذنه ، أو فيما أذِنَ لي فيه أو فيما أطلق لي روايته عنه ). أو يقول : ( أجاز لي فلان ، أو أجازبني فلان كذا وكذا ، أو ناولني فلان ) ، وما أشبه ذلك من العبارات . وخصص قومٌ الإِجازةَ بعبارات لم يسلموا فيها من التدليس أو (١) قوله: ((أو أخبرنا إِجازة)) ليس في ع . - ١٧٠ - طرف منه ، كعبارة من يقول في الإِجازة ( أخبرنا مشافهة ) إِذا كان قد شافهه بالإِجازة لفظاً ، وكعبارة من يقول : ( أخبرنا فلان كتابة ، أو فيما كتب إليّ ، أو في كتابه ) إِذا كان قد أجازه بخطه . فهذا وإن تعارفه في ذلك طائفة من المحدثين المتأخرين فلا يخلو عن طرفٍ من التدليس ، لما فيه من الاشتراك والاشتباه بما إذا كتب إليه ذلك الحديث بعينه . وورد عن الأوزاعيِّ أنه خصَّصَ الإِجازة بقوله: ((خبّرنا)) بالتشديد، والقراءةَ عليه بقوله ((أخبرنا)). واصطلح قوم من المتأخرين على إِطلاق ( أنبأنا ) في الإِجازة وهو الوليد بن بَكْرٍ صاحب ( الوجازة في الإِجازة ) . وقد كان ( أنبأنا ) عند القوم فيما تقدم بمنزلة ( أخبرنا ) ، وإلى هذا نحا الحافظ المتقن أبو بكر البيهقي إذ كان يقول: ((أنبأني فلان إِجازة)) ، وفيه أيضاً رعاية الاصطلاح المتأخرين ، والله أعلم . ورَوَيْنا عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ رحمه الله أنه قال(١) : (( الذي أختاره وعَهدْتُ عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فيما عرض على المحدث فأجاز له روايته شفاهاً: ((أَنْبأني فلان))، وفيما كتب إليه المحدث من مدينة ولم يشافِهْهُ بالإِجازة: ((كتب إِليّ فلان)). قال(٢): ((وروينا عن أبي عمرو بن أبي جعفر بن حمدان (١) ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٦٠. (٢) قوله: ((قال)) زيادة من ع. - ١٧١ - النيسابوري قال سمعت أبي يقول: كل ما قال البخاري: ((قال لي فلان )) فهو عرض ومناولة)). قلت : وورد عن قوم من الرواة التعبير عن الإِجازة بقول : (( أخبرنا فلان أن فلاناً حدثه أو أخبره )» وبلغنا ذلك عن الإمام أبي صح سليمان الخطابي أنه اختاره أو حكاه ، وهذا اصطلاح بعيدٌ ، بعيدٌ عن الإشعار بالإجازة ، وهو فيما إذا سمع منه الإِسناد فحسبُ وأجاز له ما رواه قريب ، فإن كلمة ( أن) في قوله: ((أخبرني فلان أن فلاناً أخبره )) فيها إِشعار بوجود أصل الإخبار وإِن أجمل المخبّر به ولم يذكره تفصيلاً . قلت : وكثيراً ما يعبر الرواة المتأخرون عن الإجازة الواقعة في رواية مَنْ فوق الشيخ المشمع بكلمة ( عن ) ، فيقول أحدهم إذا سمع على شيخ بإجازته عن شيخه : ( قرأتُ على فلان عن فلان ) ، وذلك قريب فيما إذا كان قد سمع منه بإجازته عن شيخه إن لم يكن سماعاً فإنه شاك ، وحرف ( عن ) مشترك بين السماع والإجازة صادق عليهما ، والله أعلم . ثم اعلم أن المنع من إطلاق ( حدثنا وأخبرنا ) في الإجازة لا يزول ياباحة(١) المجيز لذلك ، كما اعتاده قوم من المشايخ من قولهم في إجازتهم (٢) لمن يجيزون له، إن شاء قال: ( حدثنا ) وإن شاء (١) وفي ق ( بإجازة ) . (٢) وفي ع ( يإجازتهم ) . - ١٧٢ - قال : ( أخبرنا ) ، فليعلم ذلك ، والعلم عند الله تبارك وتعالى . القسم الخامس من أقسام طرق نقل الحديث وتلقيه : المكاتبة : 1 وهي أن يكتبَ الشيخُ إلى الطالب وهو غائب شيئاً من حديثه بخطه أو يكتب له ذلك وهو حاضر. ويلتحق بذلك ما إذا أمر غيره بأن يكتبّ له ذلك عنه إليه ، وهذا القسم ينقسم أيضاً إلى نوعين : أحدهما : أن تتجرد المكاتبةُ عن الإجازة . والثاني : أن تقترن بالإِجازة ، بأن يكتبَ إليه ويقول : ( أجزتُ لك ما كتبتُه لك ، أو ما كتبت به إليك ) أو نحو ذلك من عبارات الإجازة . أما الأول : وهو ما إذا اقتصر على المكاتبة فقد أجاز الرواية بها كثير من المتقدمين والمتأخرين ، منهم : أيوب السَّخْتِياني ، ومنصور ، والليث بن سعد ، وقاله غير واحدٍ من الشافعيين ، وجعلها أبو المظفِّر السمعاني منهم أقوى من الإجازة ، وإليه صار غير واحدٍ من الأصوليين . وأبى ذلك قوم آخرون ، وإليه صار من الشافعيين القاضي الماوردي ، وقطع به في كتابه ( الحاوي ) . - ١٧٣ - والمذهب الأول هو الصحيح المشهور بين أهل الحديث ، وكثيراً ما يوجد في مسانيدهم ومصنفاتهم قولهم: (( كتب إليَّ فلان : قال ثنا فلان )) والمراد به هذا . وذلك معمولٌ به عندهم معدودٌ في المسند الموصول . وفيها إشعار قويّ بمعنى الإجازة ، فهي وإن لم تقترن بالإجازة لفظاً فقد تضمنت الإجازة معنى ، ثم يكفي في ذلك أن يعرفَ المكتوبُ إليه خطَّ الكاتب وإنْ لم تقم البينة عليه . ومن الناس من قال: ((الخط يشبه الخط فلا يجوز الاعتماد على ذلك )). وهذا غير مَرضِيٍّ، لأن ذلك نادرٌ، والظاهر أن خط الإنسان لا يشتبه بغيره ولا يقع فيه إِلباسٌ . ثم ذهبَ غير واحدٍ من علماء المحدثين وأكابرهم ، منهم الليث بن سعد، ومنصور إلى جواز إطلاق ( حدثنا وأخبرنا ) في الرواية بالمكاتبة ، والمختار قول من يقول فيها : ( كتب إليّ فلان : قال حدثنا فلان بكذا وكذا ) ، وهذا هو الصحيح اللائق بمذاهب أهل التحري والنزاهة . وهكذا لو قال : ( أخبرني به مكاتبة ، أو كتابة ) ونحو ذلك من العبارات ، ( والله أعلم )(١). أما المكاتبة المقرونة بلفظ الإجازة فهي في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة ، والله أعلم(٢). (١) قوله ( والله أعلم ) من آ. (٢) انظر المكاتبة في ( المحدث الفاصل ) ص ٤٤١ - ٤٤٦ و ٤٥٢ - ٤٥٤ والكفاية ص ٣٣٦ - ٣٤٥. والإلماع ص ٨٣ - ٨٧ . - ١٧٤ - القسم السادس من أقسام الأخذ ووجوه النقل : إعلام الراوي للطالب بأن هذا الحديث أو هذا الكتاب سماعه من فلان ، أو روايته ، مقتصراً على ذلك من غير أن يقول : ( ارْوِهِ عني ، أو أذنت لك في روايته ) ونحو(١) ذلك ، فهذا عند كثيرين طريق مُجَوِّزٌ لرواية ذلك عنه ونقله . حُكِيَ ذلك عن ابن جريج وطوائف من المحدثين والفقهاء والأصليين(٢) والظاهريين ، وبه قطع أبو نصر ابن الصباغ من الشافعيين واختاره ونصره أبو العباس الوليد بن بكر الغَمْرِيُّ المالكي في كتاب ( الوجازة في تجويز الإجازة ) . ٠ وحكى القاضي أبو محمد ابن خَلاَّد الرامَهُرْمُزي صاحب كتاب ( الفاصل بين الراوي والواعي )(٣) عن بعض أهل الظاهر أنه ذهب إلى ذلك واحتج له، وزاد فقال: ((لو قال له (٤) : هذه روايتي لكن لا تَرْوِها عني ، كان له أن يرويها عنه كما لو سمع منه حديثاً ثم قال له: ((لا تروه عني، ولا أجيزه لك)) لم يضره ذلك)). ووجه مذهب هؤلاء اعتبار ذلك بالقراءة على الشيخ ، فإنه إذا قرأ عليه شيئاً من حديثه وأَقَرَّ بأنه روايتُه عن فلان بن فلان جاز (١) وفي ع وق ( أو نحو ) . (٢) كذا في الأصل وفوقها ( صح ) . وفي ع وق ( الأصوليين ). (٣) ص ٤٥١ - ٤٥٢ . (٤) ((له)) ليس في ع . - ١٧٥ - له أن يرويه عنه ، وإن لم يسمَعْه مِن لفظه ولم يقل له: «اروه عني ، أو أذنت لك في روايته عني ))، والله أعلم(١) . والمختار ماذُكِرَ عن غير واحدٍ من المحدِّثين وغيرهم من أنه لا تجوز الرواية بذلك ، وبه قطع الشيخ أبو حامد الطوسي من الشافعيين ولم يذكر غير ذلك . وهذا لأنه قد يكون ذلك مسموعَه وروايته ، ثم لا يأذن له في روايته عنه لكونه لا يجوّز روايته لخلل يعرفه فيه ، ولم يوجد منه التلفظ به (٢) ، ولا ما يتنزل منزلة تلفظه به ، وهو تلفظ القارئ عليه وهو يسمع ، وَيُقِرُّ بِه حتى يكونَ قولُ الراوي عنه السامع ذلك ( حدثنا وأخبرنا ) صدقاً ، وإنْ لم يأذن له فيه . وإنما هذا كالشاهد ، إذا ذكر في غير مجلس الحكم شهادته بشيء فليس لمن سمعه(٣) أن يشهد على شهادته إذا لم يأذن له ولم يُشْهِدْهُ على شهادته . وذلك مما تساوت فيه الشهادة والرّواية ، لأن المعنى يجمع بينهما في ذلك ، وإن افترقا في غيره . ثم إنه يجب عليه العمل بما ذكره له (٤) إذا صح إسناده وإن لم (١) وصححه عياض وقال: ((صحيح لا يقتضي النظر سواه ، لأن منعه أن لا يحدث بما حدثه لالعلة ولا ريبة في الحديث لا يؤثر، لأنه قد حدثه، فهو شيء لا يرجع فيه)). الإلماع ص ١١٠ والكفاية ص ٣٤٨ . (٢) قوله ( به ) ليس في ع . (٣) وفي ع وق ( يسمعه ) . (٤) قوله ( له ) ليس في ع . - ١٧٦ - تَحُزْ له روايته عنه ؛ لأن ذلك يكفي فيه صحته في نفسه ، والله أعلم . القسم السابع من أقسام الأخذ والتحمل : الوصية بالكتب : بأن يوصيَ الراوي بكتاب يَرْويْهِ عند موته أو سفره لشخص . فُرُويَ عن بعض السَّلف رضي الله [تعالى] عنهم أنه جوّز بذلك رواية الموصَى له لذلك عن الموصِي الرَّاوي . وهذا بعيد جداً، وهو إما زَلّةُ عالم، أو مُتَأَوَّلٌ على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة التي يأتي شرحها ، إن شاء الله تعالى . وقد احتج بعضهم لذلك فشبهه بقسم الإعلام وقسم المناولة ، ولا يصح ذلك ، فإن لقول من جَوَّز الرواية بمجرد الإعلام والمناولة مُسْتَنَدأ ذكرناه ، لا يتقرر مثله ولا قريب منه ههنا ، والله أعلم (١). (١) ما قاله المصنف رحمه الله تعالى سديد قوي ، لأن الوصية إنما تفيد تمليك النسخة، فهي كالبيع ، وذلك أمر آخر غير المناولة والإعلام بمضمونها، كما أوضحناه في منهج النقد ص ٢٢٠، وانظر الأقوال في المسألة في المحدث الفاصل ص ٤٥٩ - ٤٦٠ ، والكفاية ص ٣٥٢ - ٣٥٣ ، والإلماع ص ١١٥. ــ ١٧٧ - علوم الحديث (١٥) القسم الثامن الوجادة : وهي مصدرٌ لـ (وَجَدَ يَجدُ )، مُؤَلَّدٌ غيرُ مسموعٍ من العرب . رُوِّينا عن الْمُعَافَى بن زكريا النهروانيّ العلامة في العلوم أن المؤَلَّدين فرّعوا قولهم: ( وجادة ) فيما أَخِذَ من العلم من صحيفة من غير سماعٍ ولا إجازة ولا مناولة من تفريق العرب بين مصادر ( وجد ) ، للتمييز بين المعاني المختلفة . يعني قولهم («وجد ضالّتَهُ وجداناً، ومطلوبَه وُجوداً)» وفي الغضب ((مَوْجِدَةً))، وفي الغنى ((وُجداً))، وفي الحُبِّ ((وَجداً)) . مثال الوجادة : أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يروبها بخطه ولم يلقه ، أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه ، ولا له منه إجازة ولا نحوها ، فله أن يقول ( وَجَدْتُ بخط فلان ، أو قرأتُ بخط فلان ، أو في كتاب فلان بخطه : أخبرنا فلان بن فلان ) ويذكر شيخه ويسوقَ سائر الإسناد والمتن(١) . أو يقول ( وجدت ، أو قرأت بخط فلان عن فلان ) ، ويذكر الذي حدثه ومن فوقه . هذا الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً، وهو من باب المنقطع والمرسل غير أنه أخذ شَوْباً من الاتصال بقوله ( وَجَدْتُ بخط فلان ) . (١) وفي ع: ( والمتن معاً) . - ١٧٨ - وربما دلَّس بعضهم فذكر الذي وجد خطه وقال فيه : ( عن فلان ، أو قال فلان ) وذلك تدليس قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه منه على ماسبق في نَوعِ التدليس(١) . وجازف بعضُهُمْ فأطلقَ فيه ( حدثنا وأخبرنا ) ، وانْتُقِدَ ذلك على فاعله . وإذا وجد حديثاً في تأليف شخصٍ وليس بخطه فله أن يقول : ( ذكر فلان ، أو قال فلان : أخبرنا فلان ، أو ذكر فلان عن فلان ) . وهذا منقطع لم يأخذ شوباً من الاتصال . وهذا كله إذا وثق بأنه خطَّ المذكور أو كتابُه ، فإن لم يكن كذلك فليقل : ( بلغني عن فلان ، أو وجدت عن فلان ) أو نحو ذلك من العبارات ، أو لِيُفْصِحْ بالمستند فيه بأنْ يقولَ ماقاله بعض من تقدم : ( قرأتُ في كتاب فلان بخطه ، وأخبرني فلان أنه بخطه ) ، أو يقول : ( وجدت في كتابٍ ظَنَنْتُ أنه بخط فلان ، أو في كتاب ذَكَرَ كاتبه أنه فلان بن فلان ، أو في كتابٍ قيل إنه بخط فلان ) . وإذا أراد أن ينقل من كتابٍ منسوبٍ إلى مُصَنَّفٍ فلا يقل: (قال فلان كذا وكذا) إلا إذا وثق بصحة النسخة بأن قابلها هو أو ثقة غيره بأصول متعددة، كما نبهنا عليه في آخر النوع الأول (٢). وإذا لم يوجد ذلك ونحوه فليقل (بلغني عن فلان أنه ذكر كذا وكذا، أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني) وما أشبه هذا من العبارات. (١) ص ٧٥ . (٢) ص ٢٩ . - ١٧٩ - وقد تسامح أكثر الناس في هذه الأزمان بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تَحَرِّ وَتَثَبُّتٍ . فيطالعُ أحدهم كتاباً منسوباً إلى مصنّفٍ مُعَيَّنٍ وينقلُ منه عنه من غير أن يثق بصحة النسخة قائلاً : ( قال فلان كذا وكذا، أو ذكر فلان كذا وكذا ) ، والصواب ماقدَّمناه . فإن كان المُطالِعُ عالماً فطناً بحيث لا يخفى عليه في الغالب مواضع الإسقاطِ والسَّقَطِ وما أُحيل عن جهته من غيرها رجونا أن يجوز له إطلاق اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك . وإلى هذا فيما أحسب استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب الناس ، والعلم عند الله تعالى . هذا كُلُّه كلامٌ في كيفية النقل بطريق الوجادة . وأما جواز العمل اعتماداً على ما يُوثَقُ به منها ، فقد روينا عن بعض المالكية أن معظم المحدثين والفقهاء من المالكيين وغيرهم لا يرون العمل بذلك . وحُكِيَ عن الشافعي وطائفة من نظار أصحابه جواز العمل به(١) . قلت : قطع بعض المحققين من أصحابه في أصول الفقه بوجوب العمل به عند حصول الثقة به ، وقال: ((لو عُرِضَ ماذكرناه على جملة المحدثين لأبَوْه))، وما قطع به هو الذي لا يتجه غيره في (١) انظر المذاهب والأقوال في الإلماع ص ١١٧، وفتح المغيث ص ٢٣٥ ، وتوضيح الأفكار ٢ : ٣٤٨ وغيرها . - ١٨٠ -