Indexed OCR Text

Pages 141-160

تفريعات :
الأول : إذا كان أصل الشيخ عند القراءة عليه بيد غيره وهو
موثوق به ، مراع لما يُقْرَأْ ، أهلٌ لذلك ، فإن كان الشيخ يحفظ ما
يُقْرأ عليه فهو كما لو كان أصله بيد نفسه ، بل(١) أولى لتعاضد ذهني
شخصين عليه . وإن كان الشيخ لا يحفظ ما يُقرأ عليه ، فهذا مما
اختلفوا فيه ، فرأى بعض أئمة الأصول (٢) أن هذا سماع غير صحيح ،
والمختار أن ذلك صحيحٌ ، وبه عمل معظم الشيوخِ وأهلِ الحديث .
وإِذا كان الأصل بيد القارئ وهو موثوقٌ به ديناً ومعرفةً ،
فكذلك الحكم فيه وأولى بالتصحيح(٣)، وأما إذا كان أصله بيد من لا
يُوثَّقُ بإمساكه له ، ولا يُؤْمَنُ إِهماله لما يُقْرَأْ ، فسواء كان بيد القارئ
أو بيد غيره في أنه سماعٌ غيرُ مُعْتَدِّ به إذا كان الشيخ غير حافظ
للمقروء عليه ، والله أعلم .
الثاني: إذا قرأ القارئ على الشيخ قائلاً ((أخبرك فلان ، أو قلتَ
أخبرنا فلان)) أو نحو ذلك؛ والشيخ ساكت ، مصغٍ إليه ، فاهمّ
لذلك ، غير منكرٍ له ، فهذا كافٍ في ذلك .
(١) وفي الأصل ( وبل ) .
(٢) «هو إمام الحرمين ، فإنه اختار ذلك، وحكى القاضى عياض أن أبا بكر الباقلاني
تردد فيه قال: وأكثر ميله إلى المنع انتهى . ووهن السّلَفِيُّ هذا الاختلاف ، لاتفاق العلماء على
العمل بخلافه )» هامش الأصل بخط الحافظ العراقي .
(٣) وفي ع ( بالصحة ) .
- ١٤١ -

واشترط بعض الظاهرية وغيرهم إقرار الشيخ نطقاً به ، وبه قطع
الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، وأبو الفتح سُلَيم الرازي ، وأبو نصر ابن
الصباغ من الفقهاء الشافعيين. قال أبو نصر: (( ليس له أن يقول :
( حدثني ) أو ( أخبرني ) وله أن يعمل بما قرئ عليه، وإذا أراد .
روايته عنه قال: قرأت عليه ، أو قُرئ عليه وهو يسمع)).
وفي حكاية بعض المصنفين للخلاف في ذلك أن بعض الظاهرية
شرط إقرار الشيخ عند تمام السماع بأن يقول القارئ للشيخ ((هو كما
قرأتُه عليك؟)) فيقول: ((نعم)).
والصحيح أن ذلك غير لازم وأن سكوت الشيخ على الوجه
المذكور نازل منزلة تصريحه بتصديق القارئ ، اكتفاء بالقرائن
الظاهرة ، وهذا مذهب الجماهير من المحدثين والفقهاء وغيرهم ، والله
أعلم .
الثالث : فيما نرويه عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ رحمه الله
قال(١): ((الذي أختاره في الرواية وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة
عصري أن يقول في الذي يأخذه من المحدِّث لفظاً وليس معه أحد
((حدثني فلان)) وما يأخذه من المحدث لفظاً ومعه غيره ((حدثنا
فلان)). وما قرأ على المحدث بنفسه ((أخبرني فلان)) وما قرئ على
المحدث وهو حاضر ((أخبرنا فلان)). وقد روينا نحو ماذكره عن ))
(١) معرفة علوم الحديث ص ٢٦٠ .
- ١٤٢ -

عبد الله بن وهب صاحب مالك رضي الله عنهما وهو حَسَنٌ رائق .
فإن شك في شيء عنده أنه من قبيل ((حدثنا أو أخبرنا)) أو من
قبيل ((حدثني أو أخبربي )) لتردده في أنه كان عند التحمل والسماع
وحده أو مع غيره فيحتمل أن تقول ليقل: (( حدثني أو أخبرني )) لأن
عدم غيره هو الأصل .
ولكن ذكر عَلِيُّ بن عبد الله المديني الإمام عن شيخه
يحي بن سعيد القطان الإمام فيما إذا شك أن الشيخ قال: (( حدثني
فلان)) أو قال: ((حدثنا فلان)) أنه يقول: ((حدثنا)). وهذا
يقتضي فيما إذا شك في سماع نفسه في مثل ذلك أن يقول :
(( حدَّثنا)). وهو عندي يتوجه بأن (حدّثني ) أكمل مرتبة
و ( حدثنا ) أنقص مرتبة ، فليقتصر إذا شك على الناقص ، لأن
عدم الزائد هو الأصل وهذا لطيف . ثم وجدت الحافظ أحمد البيهقي
رحمه الله قد اختار بعد حكايته قول القطان ما قدمته .
ثم إن هذا التفصيل من أصله مستحب وليس بواجب ، حكاه
الخطيب الحافظ(١) عن أهل العلم كافة ، فجائز إذا سمع وحده أن
يقول: ((حدثنا)) أو نحوه ، لجواز ذلك للواحد في كلام العرب،
وجائزٌ إذا سمع في جماعة أن يقول: ((حدثني))، لأن المحدِّث حدَّثه
وحدَّث غيره ، والله أعلم .
(١) في ( الكفاية ) ص ٢٩٤ .
- ١٤٣ -

الرابع : روينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه
قال: اتبع لفظ الشيخ في قوله (( حدثنا ، وحدثني ، وسمعت ،
وأخبرنا »، ولا تعدوه(١) .
قلت : ليس لك فيما تجدُه في الكتب المؤلفة مِنْ رواياتٍ مَنْ
تقدمك أن تبدل في نفس الكتاب ماقيل فيه ( أخبرنا ) بـ
( حدّثنا ) ونحو ذلك ، وإن كان في إقامة أحدهما مقام الآخر خلاف
وتفصيل سبق(٢) ، لاحتمال أن يكون من قال ذلك ممن لا يرى
التسوية بينهما . ولو وجدت من ذلك إِسناداً عرفت من مذهب
رجاله التسوية بينهما فإقامتك أحدهما مقام الآخر من باب تجويز
الرواية بالمعنى . وذلك وإن كان فيه خلاف معروف فالذي نراه
الامتناع من إجراء مثله في إبدال ما وضع في الكتب المصنفة والمجامع
المجموعة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى .
وما ذكره الخطيب أبو بكر في كفايته(٣) من إجراء ذلك الخلاف
في هذا فمحمول عندنا على ما يسمعه الطالب من لفظ المحدث غير
موضوع في كتاب مؤلف ، والله أعلم .
(١) ((تعدوه)) يإثبات الواو، وفوقها في الأصل (كذا). وفي نسخة بهامش ع ( تَعْدُهُ).
وقال في هامش الأصل: ((حاشية: وأخبرناه أيضاً ولا تعده )) انتهى. وقد ثبت كذلك
( تعده ) في الكفاية ص ٢٩٣ . والمعنى : لاتتجاوزه .
(٢) في ص ١٣٧ .
(٣) ص ٢٩٢ .
- ١٤٤ -

الخامس : اختلف أهل العلم في صحة سماع من ينسخ وقت
القراءة ، فورد عن الإمام إبراهيم الحربي وأبي أحمد بن عدي الحافظ
والأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني الفقيه الأصولي وغيرهم نَفْيُ ذلك .
وروينا عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الصِّبْغي(١) أحد أئمة الشافعيين
بخراسان أنه سئل عمن يكتب في السماع؟ فقال يقول: ((حَضَرْتُ))
ولا يقل: ((حدثنا، ولا أخبرنا)).
وورد عن موسى بن هارون الحمَّال تجويزُ ذلك . وعن أبي حاتم
الرازي قال: ((كتبت عند عارم(٢) وهو يقرأ، وكتبت عند
عمرو بن مرزوق وهو يقرأ)). وعن عبد الله بن المبارك أنه قُرئ
عليه وهو ينسخ شيئاً آخر غير ما يُقْرَأ(٣).
ولا فرق بين النسخ من السَّامِعِ والنَّسْخِ من المُشْمِع .
قلت : وخير من هذا الاطلاق التفصيل ، فنقول : لا يصح
السماع إذا كان النسخ بحيث يمتنع معه فهم الناسخ لما يُقْرَأُ حتى
يكون الواصل إِلى سَمْعِهِ كأنه صوتٌ غُفْلٌ ، ويصح إِذا كان بحيث لا
يمتنع معه الفهم .
كمثل ما رويناه عن الحافظ العالم أبي الحسن الدارَقُطْنِيِّ أنه حضر
(١) «هو بكسر الصاد المهملة، والغين المعجمة)) هامش الأصل.
(٢) ((عارم: اسمه محمد بن الفضل، وعارم لقب سوء وقع على رجل صالح)) هامش
الأصل .
(٣) انظر تخريج أقوال أهل العلم وتفصيل المسألة في الكفاية ص ٦٦ - ٦٨ .
- ١٤٥ _
علوم الحديث (١٣)

في حداثته مجلس إسماعيل الصفار فجلس ينسخ جزءاً كان معه
وإسماعيل يملي، فقال له بعض الحاضرين: (( لا يصح سماعك وأنت
تنسخ)). فقال: ((فهمي للإملاء خلاف فهمك ، ثم قال : تحفظ كم
أملى الشيخ من حديث إلى الآن )) ؟ فقال : لا . فقال الدارَقُطْنِيُّ:
(( أملى ثمانية عشر حديثاً))، فعُدَّتِ الأحاديثُ فَوُجدَتْ كما قال . ثم
قال أبو الحسن: (( الحديث الأول منها عن فلان عن فلان ومتنه
كذا ، والحديث الثاني عن فلان عن فلان ومتنه كذا))، ولم يزل
يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على
آخرها فتعجب الناس منه ، والله أعلم .
السادس: ما ذكرناه في النَّسْخِ من التفصيل يجري مثله فيا إِذا
كان الشيخ أو السامع يتحدث ، أو كان القارئ خفيف القراءة يُفْرطُ
في الإسراع، أو كان يُهَيْنِم بحيث يخفى بعض الكلم(١)، أو كان
السامع بعيداً عن القارئ وما أشبه ذلك .
ثم الظاهر أنه يُعفى في كل ذلك عن القدر اليسير نحو الكلمة
والكلمتين . ويستحب للشيخ أن يجيز لجميع السامعين رواية جميع
الجزء أو الكتاب الذي سمعوه ، وإن جرى على كله اسم السماع .
وإذا بَذل لأحد منهم خطَّه بذلك كتب له: ((سمع مني هذا
(١) وفي ق ( الكلام ) .
- ١٤٦ -

الكتاب وأجزت له روايته عني )» أو نحو هذا ، كما كان بعض الشيوخ
يفعل .
وفيما نرويه عن الفقيه أبي محمد بن أبي عبد الله بن عَتَّاب الفقيه
الأندلسي عن أبيه رحمهما الله أنه قال: ((لا غِنَى في السماع عن
الإجازة ، لأنه قد يغلط القارئ ويغفل الشيخ ، أو يغلط الشيخ إن
كان القارئ ويغفل السامع فينجبر له ما فاته بالإجازة )).
هذا الذي ذكرناه تحقيق حسن .
وقد رُوِّينا عن صالح بن أحمد بن حنبل ( رضي الله عنهما) (١)
قال: قلت لأبي: ((الشيخ يدغم الحرفَ يُعْرَفُ أنه كذا وكذا ولا
يفهم عنه ، ترى أن يُروى ذلك عنه ؟ قال : أرجو أن لا يضيق
هذا» .
وبلغنا عن خلف بن سالم المُخَرَّمِي قال سمعت ابن عيينة يقول
((نا عمرو بن دينار)) يريد ((حدثنا عمرو بن دينار)) لكن اقتصر
من ((حدثنا)) على ((النون والألف)) فإذا قيل له قل ((حدثنا
عمرو)) قال لا أقول، لأني لم أسمع من قوله ((حدثنا)) ثلاثة أحرف
وهي (( حدث)) لكثرة الزحام .
قلت : قد كان كثير من أكابر المحدثين يعظم الجمع في مجالسهم
(١) من آ. وانظر الكفاية ص ٦٨ - ٦٩، وفيه آثار أخرى.
- ١٤٧ -

جداً حتى ربما بلغ ألوفاً مؤلفة . ويُبَلِّغُهُمْ عَنْهم المُسْتَمْلون ،
فيكتبون عنهم بواسطة تبليغ المستملين ، فأجاز غير واحد لهم رواية
ذلك عن المملِي .
روينا عن الأعمش رضي الله عنه قال: (( كنا نجلس إلى إبراهيم
فتتسع الحلقة فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه ،
فيسأل بعضهم بعضاً عما قال ثم يروونه وما سمعوه منه )).
وعن حماد بن زيد أنه سأله رجل في مثل ذلك ، فقال : (( يا أبا
إسماعيل كيف قلت ؟ فقال: استفهم مَنْ يليك )). وعن ابن عيينة
أن أبا مسلم المستملي قال له: ((إن الناس كثير لا يسمعون))، قال :
((أتسمع أنت؟)) قال: ((نعم))، قال: ((فأسمعهم)).
وأبى آخرون ذلك :
رُوِّينا عن خلف بن تميم قال سمعت من سفيان الثوري عشرة
آلاف حديث أو نحوها ، فكنت أستفهم جليسي ، فقلت الزائدة ؟،
فقال لي: ((لا تحدث منها إلا بما تحفظ بقلبك وسمع أذنك)) ، قال :
(( فَأَلْقَيْتُها )) . وعن أبي نعيم أنه كان يرى فيما سقط عنه من الحرف
الواحد(١) والاسم مما سمعه من سفيان والأعمش واستفهمه من أصحابه
أن يرويه عن أصحابه لا يرى غير ذلك واسعاً له(٢).
(١) قوله ((الواحد )) ليس في ع .
.(٢) انظر تخريج هذه الأقوال في بحث مطول للخطيب في ( الكفاية ) ص ٧٠ - ٧٦ ،
وانظر في ( المحدث الفاصل ) مبحث ( من قال حدثني فلان وثبتني فيه فلان ) ص ٤٩٤ - ٤٩٦ .
- ١٤٨ -

قلت : الأول تساهل بعيد . وقد روينا عن أبي عبد الله بن منده
الحافظ الأصبهاني أنه قال لواحد من أصحابه: ((يافلان يكفيك من
السَّمَاعِ شُّه )) . وهذا إما متأوَّل أو متروك على قائله .
ثم وجدت عن عبد الغني بن سعيد الحافظ عن حمزة بن محمد
الحافظ بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: ((يافلان(١)
يكفيك من الحديث شمه)). قال عبد الغني: قال لنا حمزة: ((يعني
إذا سئل عن أول شيء عرفه وليس يعني التسهُّل في السماع )» ، والله
أعلم .
السابع : يصح السَّماع ممن هو وراء حجاب إِذا غّرَفَ صوتُّهُ ، فيما
إِذا حدث بلفظه وإذا عرف حضوره بِمَسْمَع (٢) منه ، فيما إذا قرىء
عليه . وينبغي أن يجوز الاعتماد في معرفة صوته وحضوره على خبر
من يوثق به . وكانوا يسمعون من عائشة ( رضي الله عنها ) وغيرها
من أزواج رسول الله عَ لّ من وراء حجاب ويروونه عنهنّ اعتماداً
على الصوت .
واحتج عبد الغني بن سعيد الحافظ في ذلك بقوله معَ له: ((إن
بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادِيَ ابنُ أمّ مكتوم))(٢)،
وروى بإسناده عن شعبة أنه قال: إذا حدثك المحدث فلم تَرَ وَجْهَهُ
(١) ((يا فلان)) زيادة من آ.
(٢) وفي ع ( فسمع ) .
(٣) أخرجه البخاري في الأذان ١ : ١٢٣، ومسلم في الصوم ٣ : ١٢٨.
- ١٤٩ -

فلا تَرْوِ عنه ، فلعلّه شيطان قد تصور في صورته يقول ((حدَّثنا
وأخبرنا )) ، والله أعلم .
الثامن: من سمع من شيخ حديثاً ثم قال له: (( لا تروه عني ، أو
لا آذن لك في روايته عني))، أو قال: ((لست أخبرك به، أو
رجعت عن إخباري إِياك به ، فلا تروه عني )) غير مُسْنِدٍ ذلك إِلى
أنه أخطأ فيه أو شك فيه ونحو ذلك ، بل منعه من روايته عنه مع
جزمه بأنه حديثه وروايته ، فذلك غير مُبْطِلٍ لسماعه ، ولا مانع له
من روايته عنه(١).
وسأل الحافظ أبو سعد بن عَلْيَّكُ(٢) النيسابوري الأستاذ أبا إسحاق
الإسفرائيني رحمهما الله عن محدث خص بالسماع قوماً فجاء غيرهم
وسمع منه من غير علم المحدث به هل تجوز له رواية ذلك عنه ؟
فأجاب بأنه تجوز. ولو قال المحدث: ((إِني أخبركم ولا أخبر فلاناً))
لم يضره ، والله أعلم .
(١) وقد أفاد ذلك الرامهرمزي في ( المحدث الفاصل ) ص ٤٥١ - ٤٥٢ في ضمن بحثه مسألة
الإعلام .
(٢) وفي ق ( أبو سعيد بن عليّك ) و ( عليك ) بفتح العين وسكون اللام وفتح الياء
التحتية مخففة . وبفتح العين وكسر اللام وتشديد الياء مفتوحة ، كذا ضبطت في الأصل على
الوجهين . والكاف ساكنة فيهما .
- ١٥٠ -

القسم الثالث
من أقسام طرق نقل الحديث وتحمله : الإجازة(١):
وهي متنوعة أنواعاً :
أولها : أن يجيز لِمُعَيَّنٍ في مُعَيَّنٍ .
مثل أن يقول: ((أجزتُ لك الكتاب الفلاني ، أو ما اشتملت
عليه فهرستي هذه )). فهذا على أنواع الإجازة المُجَرَّدَةِ عن المناولة.
وزعم بعضهم أنه لا خلاف في جوازها ولا خالف فيها أهل الظاهر ،
وإنما خلافهم في غير هذا النوع . وزاد القاضي أبو الوليد الباجي
المالكي فأطلق نَفْي الخلاف وقال: (( لا خلاف في جواز الرواية
بالإجازة مِنْ سَلَفِ هذه الأمة وخَلَفِها »، وادعى الإجماع من غير
تفصيل ، وحكى الخلاف في العمل بها ، ( والله أعلم ) (٢).
قلت : هذا باطل ، فقد خالف في جواز الرواية بالإجازة
(١) الإجازة : هي إذن المحدث لغيره أن يروي عنه حديثاً أو كتاباً من كتبه أو كل كتبه
التي يرويها أو مؤلفاته ، من غير أن يسمع ذلك منه أو يقرأه عليه .
وقد فصل الخطيب أنواعها في الكفاية ص ٣٢٦ - ٣٥٠ وعنون لها بخمسة أنواع أدرج فيها
المكاتبة والمناولة وأتبعها بالإجازة على الإجازة ، وكأنه تبع في هذا الإدماج المحدث الفاصل في
باب الإجازة والمناولة حيث أدمج في الباب المكاتبة والإعلام أيضاً .
ثم جاء القاضي عياض وعُنِيَ بتحريرها بما لم يُسْبَقْ إليه ، وذكر لها ستة أنواع في كتابه
الإلماع ص ٨٨ - ١٠٧، وتابعه ابن الصلاح هنا، ولخص كلامه ، وزاد نوعاً واحداً فبلغت سبعة
أنواع .
(٢) ريادة من الأصل .
- ١٥١ -

جماعات من أهل الحديث والفقهاء والأصوليين ، وذلك إِحدى
الروايتين عن الشافعي رضي الله عنه . رُوي(١) عن صاحبه الربيع بن
سليمان قال: ((كان الشافعي لا يرى الإجازة في الحديث . قال
الربيع : أنا أخالف الشافعي في هذا (٢) . وقد قال بإبطالها جماعة من
الشافعيين ، منهم القاضيان حسين بن محمد المرْوَرُوذي وأبو الحسن
الماوردي ، وبه قطع الماوردي في كتابه ( الحاوي ) وعزاه إلى مذهب
الشافعي، وقالا جميعاً: ((لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة)).
وروي أيضاً هذا الكلام عن شعبة وغيره .
ومن أبطلها من أهل الحديث الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي ،
وأبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ ، والحافظ أبو
نصر الوايلي السجزي . وحكى أبو نصر فسادها عن بعض من لقيه .
قال أبو نصر: وسمعت جماعة من أهل العلم يقولون: ((قول
المحدث : قد أجزت لك أن تروي عني تقديره : أجزت لك ما لا
يجوز في الشرع ، لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع)).
قلت : ويشبه هذا ما حكاه أبو بكر محمد بن ثابت الخُجَنْدِيُّ أحد
مَنْ أبطل الإِجازة من الشافعية عن أبي طاهر الدبَّاس أحد أئمة
(١) وفي ع ( وروي ) .
(٢) في هامش الأصل بخط الحافظ " افي: ((فائدة : قد فعلها الشافعي للكرابيسي حين
أراد الكرابيسي أن يقرأ كتب الشافعي عليه ، فأبى الشافعي ، وقال : خذ كتب الزعفراني
فانسخها فقد أجزتها لك. أسنده الرامهرمزي )) انتهى. وانظر المحدث الفاصل ص ٤٤٨ .
- ١٥٢ -

الحنفية قال: من قال لغيره: ((أجزت لك أن تروي عني ما لم
تسمع)) فكأنه يقول ((أجزت لك أن تكذب عَلَيّ)).
ثم إن الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من أهل
الحديث وغيرهم القول بتجويزِ الإجازة وإباحةِ الرواية بها(١).
وفي الاحتجاج لذلك غموض . ويتجه أن يقول (٢) : إِذا أجاز له
أن يروي عنه مروياته فقد أخبره بها جملة ، فهو كما لو أخبره
تفصيلاً ، وإخباره بها غيرُ متوقف على التصريح نطقاً كما في القراءة
على الشيخ كما سبق ، وإنما الغرض حصول الإِفهام والفهم ، وذلك
يحصل بالإِجازة المفْهِمَةِ ، والله أعلم(٣) .
(١) انظر النقول عنهم وعن مخالفيهم بتوسع في المحدث الفاصل ص ٤٣٥ - ٤٤١
و ٤٤٧ - ٤٥١ والكفاية ص ٣١١ - ٣٢٥. ونص في أول البحث أن الذين قبلوها أكثر. وكذا
صرّح عياض في الإلماع ص ٨٨ أنه أجاز الرواية بها جمهور العلماء من أهل الحديث وغيرهم .
(٢) وفي ع وق : ( نقول ) .
(٣) حاصل هذا أن الإجازة إخبار إجمالي بالمروي ، فهو كما لو أخبره به تفصيلاً . وهذا
غامض ، نوضحه بما ذكرناه في كتابنا ( منهج النقد في علوم الحديث ) ص ٢١٥ - ٢١٦ - فنقول :
((إن العلماء اعتمدوا على الإجازة بعدما دُوّن الحديث وكتب في الصحف وجمع في
التصانيف ، ونُقِلَتْ تلك التصانيف والصحف عن أصحابها بالسند الموثوق الذي ينتهي بقراءة
النسخة على المؤلف أو مقابلتها بنسخته ، فأصبح من العسير على العالم كلما أتاه طالب من
طلاب الحديث أن يقرأ عليه الكتاب ، فلجؤوا إلى الإجازة .
فالإجازة فيها إخبار على سبيل الإجمال بهذا الكتاب أو الكتب أنه من روايته . فتنزل
منزلة إخباره بكل الكتاب نظراً لوجود النسخ ، فإن دولة الوراقين قد قامت بنشر الكتب بمثل
ما تفعله المطابع الآن . ولهذا لا يجوز لمن حمل بالإجازة أن يروي بها إلا بعد أن يصحح نسخته
على نسخة المؤلف ، أو على نسخة صحيحة مقابلة على نسخة المؤلف ، أو نحو ذلك مما نُسِخَ
وصُحح على النسخ المقابلة المصححة)».
=
- ١٥٣ -

ثم إنه كما تجوز الرواية بالإِجازة يجب العمل بالمروي بها ، خلافاً
لمن قال من أهل الظاهر ومن تابعهم إنه لا يجب العمل به وإِنه
جارٍ مجرى المرسل . وهذا باطل لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في
اتصال المنقول بها وفي الثقة به ، والله أعلم .
النوع الثاني : من أنواع الإجازة : أن يجيز لِمُعَيَّنٍ في غير مُعَيَّنٍ :
مثل أن يقول ((أُجزْتُ لك أو لكم جميع مسموعاتي أو جميع
مروياتي )) وما أشبه ذلك ، فالخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر .
والجمهور من العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم على تجويز الرواية
بها أيضاً وعلى إيجاب العمل بما رُوِيَ بها بشرطه ، والله أعلم .
النوع الثالث: من أنواع الإِجازة: أن يجيز لغير معيَّنِ بوصف
العموم :
مثل أن يقول: ((أَجَزْتُ للمسلمين ، أو أجزت لكل أحد ، أو
أجزت لمن أدرك زماني)» وما أشبه ذلك ، فهذا نوعٌ تكلم فيه
المتأخرون ممن جَوّز أصلَ الإجازة واختلفوا في جوازه . فإن كان
ذلك مُقَيَّداً بوصف حاصر أو نحوه فهو إلى الجواز أقرب(١) .
وبهذا يتضح تصحيح التحمل بالإجازة ، ووجوب العمل بها ، والرد على من قال من
=
الظاهرية: ((لا يجب العمل بما يروى بالإجازة))، والله أعلم .
(١) في هامش الأصل بخط العراقي: (( لم يظهر من كلام المصنف في هذه المسألة المنع أو
الصحة . والصحيح في هذه الصورة الصحة ، فقد قال القاضي عياض في الإلماع : ما أحسبهم
اختلفوا في جوازه ممن يصح عنده الإجازة ، ولا رأيت منعه لأحد ، لأنه محصور موصوف ،
كقوله: الأولاد فلان)) وانظر الإلماع ص ١٠١.
- ١٥٤ -

وممن جوّز ذلك كله أبو بكر الخطيب الحافظ .
ورَوينا عن أبي عبد الله بن مَنْده الحافظ أنه قال: ((أجَزْتُ لمن
قال لا إله إلا الله)). وجوّز القاضي أبو الطيب الطبري أحد الفقهاء
المحققين فيما حكاه عنه الخطيب الإجازة لجميع المسلمين من كان منهم
موجوداً عند الإجازة . وأجاز أبو محمد بن سعيد أحد الجلّة من شيوخ
الأندلس لكل من دخل قُرْطُبة من طلبة العِلْم . ووافقه على جواز
ذلك منهم أبو عبد الله بن عتاب رضي الله عنهم . وأنبأني من سأل
الحازمي أبا بكر عن الإجازة العامة هذه فكان من جوابه أن من
أدركه من الحفاظ نحو أبي العلاء الحافظ وغيره كانوا يميلون إلى
الجواز، والله أعلم .
قلت: ولَمْ (١) نَرَ ولم نسمع عن أحد ممن يُقْتَدى به أنه استعمل
هذه الإجازة فروى بها، ولا عن الشِّرذمة المستأخرة(٢) الذين
سوّغوها ، والإجازة في أصلها ضعف وتزداد بهذا التوسع والاسترسال
ضعفاً كثيراً لا ينبغي احتماله ، والله أعلم(٣).
(١) وفي ق ( لم ) .
(٢) وفي ق ( المتأخرة ) .
(٣) في هامش الأصل بخط العراقي: (( ما رجحه المصنف من عدم صحتها خالفه فيه جمهور
المتأخرين ، وصححه النووي في الروضة فقال: الأصح جوازها. انتهى . وممن أجازها أبو
الفضل بن خيرون وابن رشد من المالكية والسلفي ، وخلائق كثيرون . ورجحه أيضاً أبو
عمرو بن الحاجب المالكي)) .
- ١٥٥ -

النوع الرابع : من أنواع الإجازةِ : الإجازةُ للمجهول أو بالمجهول ؛
ويتشبّث بذيلها الإجازة المعلقة بالشرط :
وذلك مثل أن يقول ((أجزتُ لمحمد بن خالد الدمشقي ))، وفي
وقته ذلك جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب ، ثم لا يعين المجازَ
له منهم. أو يقول: ((أجزتُ لفلان أن يروي عني كتاب السنن)»
وهو يروي جماعة من كتب السنن المعروفة بذلك ثم لا يعين . فهذه
إجازة فاسدة لا فائدة لها .
وليس من هذا القبيل ما إذا أجاز لجماعة مسمَيْنَ معينين بأنسابهم
والمجيز جاهل بأعيانهم غير عارفٍ بهم ، فهذا غير قادح ، كما لا يقدح
عدم معرفته به إذا حضر شخصُه في السماع منه ، والله أعلم .
وإن أجاز للمُسَمَّيْنَ المنتسبين في الاستجازة ولم يعرفهم بأعيانهم ولا
بأنسابهم ولم يعرف عددهم ولم يتصفح أسماءهم واحداً فواحداً فينبغي
أن يصح ذلك أيضاً ، كما يصح سماع من حضر مجلسه للسماع منه
وإِن لم يعرفهم أصلاً ولم يعرف عددهم ولا تصفّح أشخاصهم واحداً
واحداً .
وإِذا قال ((أجزتُ لمن يشاء فلان)) أو نحو ذلك فهذا فيه جهالة
وتعليق بشرط ، فالظاهر أنه لا يصح ، وبذلك أفتى القاضي أبو
الطيب الطبري الشافعي إِذ سأله الخطيب الحافظ عن ذلك ، وعلل
بأنه إجازة المجهول، فهو كقوله: ((أجزت لبعض الناس)) من غير
- ١٥٦ -

تعيين . وقد يعلل ذلك أيضاً بما فيها من التعليق بالشرط ، فإن
ما يفسد بالجهالة يفسد بالتعليق ، على ما عُرِفَ عند قوم .
وحكى الخطيب عن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي وأبي الفضل بن
عُمْروس(١) ، المالكي أنها أجازا ذلك ، وهؤلاء الثلاثة كانوا مشايخ
مذاهبهم ببغدادَ إِذ ذاك . وهذه الجهالة ترتفع في ثاني الحال عند
وجود المشيئة ، بخلاف الجهالة الواقعة فيما إِذا أجاز لبعض الناس .
وإذا قال ( أجَزْتُ لمن شاء ) فهو كما لو قال ( أجزت لمن شاء
فلان ) بل هذه أكثر جهالة وانتشاراً من حيث إنها معلقة بمشيئة من
لا يُحصر عددُهم بخلاف تلك . ثم هذا فيما إذا أجاز لمن شاء الإجازة
منه له .
فإن أجاز لمن شاء الرواية عنه فهذا أولى بالجواز من حيث إِن
مقتضى كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة المجاز له ، فكان
هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحاً بما يقتضيه الإطلاق وحكايةً
للحال لا تعليقاً في الحقيقة . ولهذا أجاز بعض أئمة الشافعيين في
البيع أن يقول : ( بعتك هذا بكذا إن شئت ) فيقول ( قبلت ) .
وَوُجد بخط (٢) أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي الحافظ :
(١) بفتح العين وضمها ، كما ضبطت في الأصل وفوقها ( معاً ).
(٢) في ع : ( بخط الشيخ أبي الفتح ) .
- ١٥٧ -

(( أَجّزْتُ رواية ذلك لجميع من أحب أن يرويَ ذلك عني))(١) .
أما إذا قال : ( أجزت لفلان كذا وكذا إن شاء روايته عني ، أو
لك إِن شئت، أو أحببت ، أو أردت ) فالأظهر الأقوى أن ذلك
جائز، إِذ قد انتفت فيه الجهالة وحقيقة التعليق ولم يبق سوى
صيغته ، والعلم عند الله تعالى .
النوع الخامس من أنواع الإجازة : الإجازة للمعدوم ، ولنذكر معه
الإجازة للطفل الصغير :
هذا نوع خاض فيه قوم من المتأخرين واختلفوا في جوازه .
ومثاله أن يقول : ( أجزت لمن يولد لفلان ) فإن عَطَف المعدومَ في
ذلك على الموجود بأن قال : ( أجزت لفلان ولمن يولد له أو أجزت
لك ولولدك وعقبك (٢) ما تناسلوا) كان ذلك أقرب إلى الجواز من
الأول . ولمثل ذلك أجاز أصحاب الشافعي ( رضي الله عنه )(٣) في
الوقف القسمَ الثاني دون الأول . وقد أجاز أصحاب مالك وأبي
حنيفة ( رضي الله عنهما )(٤) أو من قال ذلك منهم في الوقف القِشْمين
(١) (( لم يبين المصنف في هذه الصورة تصحيحاً، بل جعلها أولى بالجواز. والصحيح فيها
عدم الصحة ، وقياس المصنف لهذه الصورة على تجويز بعض الأئمة قول القائل : بعتك هذا بكذا
إن شئت ، ليس بجيد ، والفرق بين المسألتين أن المبتاع معين في مسألة البيع ، والشخص المجاز
مبهم في مسألة الإجازة ، وإنما وازن مسألة البيع أن يقول : أجزت لك أن تروي عني إن شئت
الرواية عني ، فإن الأظهر الأقوى جوازه ، كما ذكره المصنف بعد ذلك)) انتهى من خط العراقي
بهامش الأصل .
(٢) وفي ع ( ولعقبك ) .
(٣) و(٤) ليس في الأصل .
- ١٥٨ -

كليهما . وفعل هذا الثاني في الإجازة من المحدثين المتقدمين أبو بكر ابن أبي
داود السجستاني، فإنا روينا عنه أنه سئل الإجازة فقال: ((قد أجزت لك
ولأولادك ولحبَل الحَبَلَة))(١). يعني الذين لم يولدوا بعد.
وأما الإجازة للمعدوم ابتداءً من غير عطف على موجود فقد
أجازها الخطيب أبو بكر الحافظ ، وذكر أنه سمع أبا يعلَى بن الفراء
الحنبلي وأبا الفضل بن عُمْرُوس المالكي يجيزان ذلك . وحكى جواز
ذلك أيضاً أبو نصر ابن الصباغ الفقيه فقال : ذهب قوم إلى أنه
يجوز أن يجيز لمن لم يخلق ، قال: (( وهذا إنما ذهب إليه من يعتقد
أن الإجازة إذن في الرواية لا محادثة)). ثم بيَّن بطلان هذه
الإجازة . وهو الذي استقر عليه رأي شيخه القاضي أبي الطيب
الطبري الإمام .
وذلك هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره ، لأن الإجازة في حكم
الإخبار جملة بالمجازِ على ما قدمناه في بيان صحة أصل الإجازة ،
فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة للمعدوم . ولو قدَّرنا
أنَّ الإجازة إِذْنٌ فلا يصح أيضاً ذلك للمعدوم كما لا يصح الإذن في
باب الوكالة للمعدوم لوقوعه في حالة لا يصح فيها المأذون فيه من
المأذون له .
وهذا أيضاً يوجب بطلان الإجازة للطفل الصغير الذي لا يصح
(١) أخرجه الخطيب في (الكفاية) ص ٣٢٥.
- ١٥٩ -

سماعه. قال الخطيب(١): (( سألت القاضي أبا الطيب الطبري عن
الإجازة للطفل الصغير هل يعتبر في صحتها سِنّه أو تمييزه كما يعتبر
ذلك في صحة سماعه ؟ فقال : لا يعتبر ذلك . قال(٢) فقلتُ له: إِن
بعض أصحابنا قال : لا تصح الإجازة لمن لا يصح سماعه . فقال قد
يصح أن يجيز للغائب عنه ولا يصح السماع له)). واحتج الخطيب
لصحتها للطفل بأن الإجازة إنما هي إباحة المُجيز للمُجَاز له أن
يروي عنه ، والإباحة تصح للعاقل وغير العاقل .
قال: (( وعلى هذا رأينا كافة شيوخنا يجيزون للأطفال الغُيَّب
عنهم من غير أن يسألوا عن مبلغ أسنانهم وحال تمييزهم ، ولم نَرَهُمْ
أجازوا لمن لم يكن مولوداً في الحال )) (٣).
قلت : كأنهم رأوا الطفل أهلاً لتحمُّل هذا النوع من أنواع تحمل
الحديث ليؤدِّيّ به بعد حصول أهليته ، حرصاً على توسيع السبيل
إلى بقاء الإسناد الذي اختصت به هذه الأمة وتقريبه من رسول الله
مَّة. (والله أعلم ) (٤).
(١) الكفاية ص ٣٢٥ .
(٢) قوله ((قال)» ليس في ع .
(٣) تمامه في الكفاية ص ٣٢٦: « ولو فعله فاعل يصح ، لمقتضى القياس إياه ، والله
أعلم )) انتهى ، وكلام المصنف التالي يشير إلى ضعف هذا الرأي وضعف الاستدلال له ، وأن من
أجازها من الشيوخ لاحظ مجرد بقاء سلسلة السند .
(٤) من النسخة الأصل .
- ١٦٠ -