Indexed OCR Text
Pages 61-80
قلت : هذا جيد حسن لأن هذا الانقطاع بواحد مضوماً إلى الوقف يشتمل على الانقطاع باثنين: الصحابي ورسول الله عَ لّةٍ ، فذلك باستحقاق اسم الإعضال أولى ، والله أعلم . تفريعات : أحَدُها: الإسناد المعنعن وهو الذي يقال فيه: ((فلان عن فلان )) ، عده بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره . والصحيح والذي(١) عليه العمل أنه من قبيل الإِسناد المتصل . وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم ، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه ، وكاد أبو عمر بن عبد البر الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك(٢) . وادعى أبو عَمْرو الداني المقرئ(٢) الحافظ إجماع أهل النقل على ذلك(٤). وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً مع براءتهم من وصمة التدليس . فحينئذ يحمل على ظاهر الاتصال إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك . (١) وفي ع ( الذي ) . (٢) ((التمهيد)) مبحث الإسناد المعنعن ١: ٢٦. (٣) قوله ( المقرىء ) ليس في ع . (٤) في هامش ع بخط الحافظ العراقي: ((لكنه اشترط أن يكون معروفاً بالرواية عنه)) اهـ . - ٦١ - وكثر في عصرنا وما قاربه بين المنتسبين إلى الحديث استعمال ((عن)) في الإِجازة، فإذا قال أحدهم: ((قرأت على فلان عن فلان )) أو نحو ذلك ، فظُنَّ به أنه رواه عنه بالإِجازة ، ولا يخرجه ذلك من قبيل الاتصال على مالا يخفَى ، والله أعلم . الثاني: اختلفوا في قول الراوي: ((أن فلاناً قال كذا وكذا)) هل هو بمنزلة ( عن ) في الحمل على الاتصال إذا ثبت التلاقي بينهما حتى يتبين فيه الانقطاع . مثاله : ( مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب قال كذا ). فروينا عن مالكٍ رضي الله عنه أنه كان يرى ( عن فلان ) و ( أن فلاناً) سواء . وعن أحمدَ بن حنبل رضي الله عنه أنهما ليسا سواء . وحكى ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن ((عن)) و((أنّ)) سواء ، وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة ، يعني مع السلامة من التدليس ، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال حتى يتبين فيه الانقطاع . وحكى ابن عبد البر عن أبي بكر البَرْدِيجي(١) أن حرف ((أنّ)) محمول على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى . وقال : عندي لامعنى لهذا ؛ لإجماعهم على أن الإسناد (١) ضبط في النسخة الأصل بفتح الباء وكسرها، وفوقها كلمة ( معاً). وتكرر ذلك في النسخة ، فليتنبه . - ٦٢ - المتصل بالصحابي سواء فيه قال: ((قال رسول الله عَّاللٍّ))، أو ((أن رسول الله عَ ظِلّ قال))، أو ((عن رسول الله عَّ اللّ أنه قال))، أو ((سمعت رسول الله عَ لّ يقول)) والله أعلم. قلت(١): ووجدت مثل ما حكاه عن البرديجي(٢) أبي بكر الحافظ للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في مسنده الفحل فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير عن ابن الحنفية عن عمّار قال: ((أتيت النبي ◌َ ◌ّ وهو يصلي فسلمت عليه ، فرد عليَّ السلام)»، وجعله مسنداً موصولاً. وذكر رواية قيس بن سعد(٣) لذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية: ((أن عماراً مر بالنبي عْظُّ(وهو يصلي ]))، فجعله مرسلاً من حيث كونُه قال: (( إِن عماراً فعل))، ولم يقل: ((عن عمار))، والله أعلم(٤) . (١) ((قلت)) ليس في ع ولا آ. (٢) في هامش الأصل هذه الحاشية: (( برديج على مثال فَعليل بفتح أوله ، بُلَيْدَة بينها وبين برذعة نحو أربعة عشر فرسخاً ، إليها نسب هذا الحافظ ( أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي البَرذَعي ) . ومن نحا بها نحو أوزان كلام العرب كُتَر أوّلها ، نظراً إلى أنه ليس في كلامهم فَعْليل بفتح الفاء ، والله أعلم . قاله المؤلف )) . (٣) وفي ع ( سعيد ) . وهو تصحيف ، كما يعرف من مصادر الرجال . (٤) استدرك الحافظ العراقي على المصنف تفسيره لصنيع يعقوب بن شيبة فقال: ((لم يجعله مرسلاً من حيث لفظ ( أن )، وإنما جعله مرسلاً من حيث إنه - أي محمد بن الحنفية - لم يسند حكاية القصة إلى عمار، وإلا فلو قال: أن عماراً قال: مررت بالنبي ◌ُِّ، لما جعله مرسلاً . فلما أتى به بلفظ ( أن عماراً مَرَّ ) كان محمد بن الحنفية هو الحاكي لقصة لم يدركها لأنه لم يدرك مرور عمار بالنبي مٍَّ، فكان نقله لذلك مرسلاً)). شرح الألفية ١: ٧٩. وانظر تدريب الراوي ص ١٣٥ . - ٦٣ - ثم إنَّ الخطيب (١) مثّل هذه المسألة بحديث نافع عن ابن عمر عن عمر ((أنه سأل النبي فر أينام أحدنا وهو جنب؟ ... الحديث)). وفي رواية أخرى عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: (( يارسول الله ... الحديث(٢))). ثم قال: ((ظاهر الرواية الأولى يوجب أن يكون من مسند عمر عن النبي ◌ُ ◌ّ ، والثانية ظاهرها يوجب أن يكون من مسند ابن عمر عن النبي مَّةٍ)). قلت : ليس هذا المثال مماثلاً لما نحن بصدده ، لأن الاعتماد فيه في الحكم بالاتصال على مذهب الجمهور إنما هو على اللقاء والإدراك ، وذلك في هذا الحديث مشترك متردد لتعلقه بالنبي مع تر وبعمر رضي الله عنه وبصحبة(٢) الراوي ابن عمر لهما ، فاقتضى ذلك من جهةٍ كونَه رواه عن النبي ◌َ ◌ٍّ، ومن جهةٍ أخرى كونَه رواه عن عمرّ عن رسول الله عاقل(٤)، والله أعلم. (١) في الكفاية ص ٤٠٦ - ٤٠٧ . (٢) تمام الحديث: ((قال: نعم إذا توضأ )). متفق عليه باللفظ الثاني في السند : البخاري في أواخر الغسل ١: ٦١ - ٦٢ ومسلم (باب جواز نوم الجنب ) ١: ١٧٠ - ١٧١. ولفظ ( عن عمر ) أخرجه الترمذي ١ : ٢٠٦ . (٣) وفي ع وق (( وصحبة )) . (٤) ضبط الإمام العراقي ما يحكم له بالاتصال مما يرويه الراوي بـ ( عن ) أو ( أن ) بقاعدة جليلة هامة ، فقال : (( إن الراوي إذا روى حديثاً فيه قصة أو واقعة فإن كان أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النبي ◌َّ وبين بعض الصحابة والراوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة فهي محكوم لها بالاتصال ، وإن لم يدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي . وإن كان الراوي تابعياً فهو منقطع ، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلاً ، وإن لم يدرك وقوعها وأسندها إلى الصحابي كانت متصلة وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فهي منقطعة ، = - ٦٤ _ الثالث : قد ذكرنا ما حكاه ابن عبد البر من تعميم الحكم بالاتصال فيما يذكره الراوي عمن لقيه بأي لفظ كان ، وهكذا أطلق أبو بكر الشافعي الصيرفي ذلك فقال: ((كلَّ مَن عُلِمَ له سماع من إنسان فحدث عنه فهو على السماع حتى يعلم أنه لم يسمع منه ما حكاه . وكل من علم له لقاء إِنسان فحدث عنه فحكمه هذا الحكم)). وإنما قال هذا فيمن لم يظهر تدليسه . ومن الحجة في ذلك وفي سائر الباب أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الرواية عنه من غير ذكر الواسطة بينه وبينه مدلساً ، والظاهر السلامة من وصمة التدليس والكلام فيمن لم يعرف بالتدليس . ومن أمثلة ذلك: قوله: ((قال فلان كذا وكذا)) مثل أن يقول نافع ((قال ابن عمر)). وكذلك لو قال عنه: ((ذكر، أو فعل ، أو حدث ، أو كان يقول كذا وكذا))، وما جانس ذلك ، فكل ذلك محمول ظاهراً على الاتصال ، وأنه تلقى ذلك منه من غير واسطة بينهما مهما ثبت لقاؤه له على الجملة . ثم منهم من اقتصر في هذا الشرط المشروط (١) في ذلك ونحوه على مطلق اللقاء أو السماع كما حكيناه آنفاً . وقال فيه أبو عمرو = كرواية ابن الحنفية الثانية عن عمار. ولا بد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم)). شرح الألفية ١ : ٨٠ . (١) وفي ق (المشترط). علوم الحديث (٨) - ٦٥ - المقرىء: ((إذا كان معروفاً بالرواية عنه)). وقال فيه أبو الحسن القابسي: ((إذا أدرك المنقول عنه إدراكاً بيناً)). وذكر أبو المظفر السّمْعَاني في العنعنة أنه يشترط طول الصحبة بينهم . وأنكر مسلم بن الحجاج في خطبة صحيحه على بعض أهل عصره حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء والاجتماع ، وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه ، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديماً وحديثاً أنه يكفي في ذلك أن يثبت كونها في عصر واحد ، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها . وفيما قاله مسلم نظر(١) ، وقد قيل إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم : عليٌّ بن المديني ، والبخاري ، وغيرهما ، والله أعلم . قلت : وهذا الحكم لاأراه يستمر بعد المتقدمين فيما وجد من (١) (( أي لأنهم كثيراً ما يرسلون عمن عاصروه ولم يلقوه فاشترط لقيهما لتحمل العنعنة على السماع)» من شرح الزرقاني على البيقونية ص ٤٢ . والذي يقوي مذهب مسلم أن المسألة في الثقة غير المدلس، ومثله إذا قال ((عن فلان)) يحمل على السماع وإلا كان مدلساً والمسألة في غير المدلس . فلابد أن تحمل عنعنة الثقة غير المدلس على السماع طالما كان ذلك ممكناً ولو لم يثبت السماع نصاً صريحاً . انظر تفصيل المسألة في ( فتح الملهم شرح صحيح مسلم) للديوبندي ١ : ٤٠ - ٤١ و١٤٨ - ١٥٠، وانظر فتح المغيث للسخاوي ص٦٦ و٦٧ . وراجع للتوسع شرح علل الترمذي ١: ٣٥٩ - ٣٨٣. وتعليقنا عليه. - ٦٦ - المصنفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه : ((ذكر فلان قال فلان )) ونحو ذلك ، فافهم كل ذلك فإنه مهم عزيز، والله أعلم . الرابع : التعليق (١) الذي يذكره أبو عبد الله الحميدي صاحب ( الجمع بين الصحيحين ) وغيرُه من المغاربة في أحاديث(٢) من صحيح البخاري قُطِعَ إِسنادُها - وقد استعمله الدارقطني من قبل - : صورته صورة الانقطاع وليس حكْمُه حكْمَه ولا خارجاً ما وجد ذلك فيه منه(٢) من قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف ، وذلك لما عرف من شرطه وحكمه على مانبهنا عليه في الفائدة السادسة من النوع الأول(٤) . ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رده ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري عن (١) الحديث المعلق: هو ما حذف مبتدأ سنده ، سواء كان المحذوف واحداً أو أكثر على سبيل التوالي ولو إلى آخر السند . وقولهم: ((واحداً أو أكثر)) يدخل فيه المعضل الآتي، وقولهم: ((على سبيل التوالي)) خرج به ما إذا حذف البعض وأبقي البعض ، فإنه يدخل عندئذ في المنقطع ، ولا يكون من المعلق . انظر شرح الشرح ص١٠٦، ولقط الدرر ص ٦٢، وقارن بشرح الألفية ١ : ٣٠ وغيره . (٢) وفي ق ( حديث ) . (٣) الضمير في ( فيه ) يرجع إلى صحيح البخاري وفي ( منه ) ، إلى الحديث المعلّق - أفاده شيخنا الطباخ رحمه الله . (٤) ص ٢٤ . - ٦٧ - رسول الله عَ الَ: «لَيكونَنَّ في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف ... الحديث(١))) من جهة أن البخاري أورده قائلاً فيه قال هشام بن عمار وساقه بإسناده ، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعله جواباً عن الاحتجاج به على تحريم المعازف . وأخطأ في ذلك من وجوهٍ ، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح(٢) . والبخاري رحمه الله قد يفعل ذلك لكون ذلك الحديث معروفاً من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه . وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسنداً متصلاً ، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع ، والله أعلم . (١) البخاري في الأشربة ( باب فين يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه ) ٧ : ١٠٦، وأبو داود في اللباس : ٤ : ٤٦ . (٢) قال أبو عمرو بن الصلاح في شرحه لصحيح مسلم: ((وهذا خطأ من وجوه)) والله أعلم : أحدها : أنه لا انقطاع في هذا أصلاً من جهة أن البخاري لقي هشاماً وسمع منه ... الثاني : أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري . الثالث : أنه وإن كان ذلك انقطاعاً فمثل ذلك في الكتابين ، غير ملحق بالانقطاع القادح ، لما عرف من عادتها وشرطهما . وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة ، فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت ... )). من القطعة المخطوطة من شرح ابن الصلاح لمسلم بعنوان ( صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط ) ورقة ٤ب - ٥آ. وعنه النووي بحروفه في صدر شرحه لمسلم ١ : ١٨ - ١٩ وانظر للتوسع إغاثة اللهفان لابن القيم ص ١٣٩ - ١٤٠ وفتح الباري ١٠ : ٤١ - ٤٣ . - ٦٨ - وما ذكرناه من الحكم في التعليق المذكور فذلك فيما أورده منه أصلاً ومقصوداً لافيما أورده في معرض الاستشهاد ، فإن الشواهد يحتمل فيها ماليس من شرط الصحيح معلقاً كان أو موصولاً . ثم إن لفظ التعليق وجدته مستعملاً فيما حذف من مبتدإٍ إِسناده واحد فأكثر، حتى أن بعضهم استعمله في حذف كل الإِسناد . مثال ذلك: قوله ((قال رسول الله عَ ل ◌ّ كذا وكذا ، قال ابن عباس كذا وكذا ، روى أبو هريرة كذا وكذا ، قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا وكذا(١) ، قال الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي عَّ كذا وكذا))، وهكذا إلى شيوخ شيوخه . وأما ما أورده كذلك عن شيوخه فهو من قبيل ماذكرناه قريباً في الثالث من هذه التفريعات (٢). = وبلغني عن بعض المتأخرين من أهل المغرب أنه جعله قسماً من التعليق ثانياً وأضاف إليه قول البخاري - في غير موضع من كتابه -: (( وقال لي فلان وزادنا فلان )) فوسم كل ذلك بالتعليق المتصل من حيث الظاهر ، المنفصل من حيث المعنى ، وقال : متى رأيت البخاري يقول: ((وقال لي، وقال لنا)) فاعلم أنه إسناد لم يذكره للاحتجاج به وإنما ذكره للاستشهاد به . وكثيراً ما يعبر المحدثون بهذا اللفظ عما جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات ، (١) وفي ق زيادة : ( قال الزهري : كذا وكذا). (٢) ص ٦٥ . - ٦٩ - وأحاديث المذاكرة قلما يحتجون بها . قلت : وما ادعاه على البخاري مخالف لما قاله من هو أقدم منه وأعرف بالبخاري وهو العبد الصالح أبو جعفر بن حمدان النيسابوري ، فقد روينا عنه أنه قال ؛ كل ما قال البخاري: ((قال لي فلان )» فهو عرض ومناولة . قلت : ولم أجد لفظ التعليق مستعملاً فيما سقط فيه بعض رجال الإسناد من وسطه أو من آخره ولا في مثل قوله (( يُرْوَى عن فلان ويُذْكَر عن فلان )) وما أشبهه مما ليس فيه جزم على من ذكر ذلك عنه بأنه قاله وذكره(١) . وكأن هذا التعليق مأخوذٌ من تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوه (٢) ، لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال ، والله أعلم . (١) المعتمد استعمال التعليق في غير المجزوم به . قال العراقي: (( قد استعمل غير واحد من المتأخرين التعليق في غير المجزوم به ، منهم الحافظ أبو الحجاج المزي ... )) شرح الألفية ١ : ٣١ ، وتدريب الراوي ص ١٣٧. وعلى ذلك درج الحافظ ابن حجر في فصل المعلقات في كتابه هدي الساري ، وكذا في شرح النخبة ص ٢٦ - ٢٧ . وأكثر ما يوجد الحديث المعلق في صحيح البخاري ، وأوفى بحث في معلقاته كتاب ((تغليق التعليق)» لابن حجر، ثم الفصل الخاص بوصل معلقات البخاري في كتاب ((هَذي الساري)). وأما صحيح مسلم فغاية ما فيه اثنا عشر حديثاً معلقاً وقد تحققت صحتها كلها ، كما بين الإمام أبو علي الغساني في (( تقييد المهمل وتمييز المشكل )) ورقة ٥٢٠ - ٥٥٤ وابن الصلاح في شرح مسلم ورقة ٤ ب ، وعنه النووي بنصه في شرح مسلم ١ : ١٦ - ١٨ . (٢) وفي ع ( ونحو ذلك ). - ٧٠ - الخامس : الحديث الذي رواه بعض الثقات(١) مرسلاً وبعضهم متصلاً اختلف أهل الحديث في أنه ملحق بقبيل الموصول أو بقبيل المرسل. مثاله: حديث: ((لا نكاح إلا بولي))(٢)، رواه إسرائيل بن يونس في آخرين عن جده أبي إسحاق السبيعي عن أبي بُردة عن أبيه أبي موسى الأشعري عن رسول الله عَ لقلٍ مسنداً هكذا متصلاً، ورواه سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بُردة عن النبي مَو ◌َّةٍ مرسلاً هكذا . عاوسلم فحكى الخطيب الحافظ أنَّ أكثر أصحاب الحديث يرون الحكم في هذا وأشباهه للمرسل . وعن بعضهم أنّ الحكم للأكثر، وعن بعضهم : أن الحكم للأحفظ ، فإذا كان من أرسله أحفظ ممن وصله فالحكم لمن أرسله ، ثم لا يقدح ذلك في عدالة من وصله وأهليته . ومنهم من قال: (( من أسند حديثاً قد أرسله الحفاظ فإرسالهم له يقدح في مسئَدّه وفي عدالته وأهليته)). ومنهم من قال: (( الحكم لمن أسنده إِذا كان عدلاً ضابطاً ؛ فيقبل خبره وإن خالفه غيره سواء كان المخالف له واحداً أو جماعة)). قال الخطيب: ((هذا القول هو (١) وفي ق ( الرواة). (٢) أخرجه الترمذي وحسنه ( باب لا نكاح إلا بولي) ١: ٤٠٧. وأبو داود ٢ : ٢٢٩ وابن ماجه ١ : ٦٠٥. وقد رجح الترمذي رواية الوصل ببيان مطول ص ٤٠٨ - ٤٠٩. وللحديث شواهد عن عدد من الصحابة . انظر نصب الراية ٣ : ١٨٧ - ١٩٠ ، والتلخيص الحبير ص ٢٩٥ - ٢٩٦ ، وانظر تعليق ابن القيم على سنن أبي داود ٣ : ٢٩ - ٣١ ففيه فوائد هامة ، وانظر المسألة في الأم ٥ : ١٢. - ٧١ - الصحيح ))(١). قلت : وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله . وسئل البخاري عن حديث ((لا نكاح إِلا بوَلَّي)) المذكور، فحكم لمن وصله، وقال ((الزيادة من الثقة مقبولة))، فقال البخاري هذا، مع أن من أرسله شعبة وسفيان وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية (٢). ويلتحق بهذا ما إذا كان الذي وصله هو الذي أرسله ؛ وصله في وقت وأرسله في وقت . وهكذا إذا رفع بعضهم الحديث إلى النبي حَو ◌ّ ووقفه بعضهم على الصحابي ، أو رفعه واحد في وقت ووقفه هو أيضاً في وقت آخر، فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع ؛ لأنه مثبت وغيره ساكت ولو كان نافياً فالمثبت مقدم عليه لأنه علم ما خفي عليه . ولهذا الفصل تعلق يفصل زيادة الثقة في الحديث وسيأتي إن شاء الله تعالى ، وهو (٣) أعلم(٣) . (١) واستدل الخطيب لصحة ذلك ببيان قوي فقال في كتابه القيم ( الكفاية في علم الرواية) ص ٤١١ - ٤١٢: ((وهذا القول هو الصحيح عندنا، لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له ، ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً أو عند بعضهم ، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان ، والناسي لا يُقضى له على الذاكر ... إلخ)). (٢) هذا الاستدلال بكلام البخاري تبع المصنف فيه الخطيب في الكفاية ص ٣١٣ ، وقد تعقبه الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي ص ٤٢٩ بأن العموم ليس مراد البخاري قطعاً . فانظره ، وانظر هذا الفصل فيه ، فإنه هام . (٣) ((والله أعلم)) ع. وانظر زيادة الثقة في النوع ١٦ ص ٨٥ - ٨٨ . - ٧٢ - النوع الثاني عشر معرفة التدليسِ وحكم المدَلَّس التدليس قسمان : أحدهما : تدليس الإِسناد وهو أنْ يَرويَ عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهماً أنه سمعه منه ، أو عمن عاصره ولم يلقه موهماً أنه قد لقيه وسمعه منه . ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر. ومن شأنه أن لا يقول في ذلك : ( أخبرنا فلان ) ولا ( حدثنا ) وما أشبههما . وإِنما يقول : ( قال فلان أو عن فلان ) ونحو ذلك(١). (١) تدليس الإسناد أربعة أضرب : الضرب الأول : تدليس الإسقاط : وهو الذي عرّفه ابن الصلاح هنا ، وهو أكثر أنواع التدليس ، لذلك اقتصر عليه المصنف ، والله أعلم . الضرب الثاني : تدليس القطع : وهو أن يقطع اتصال أداة الرواية بالراوي ، متاله ما ذكره المصنف أن سفيان بن عُيَيْنَةَ قال: (( الزهري )) فهذا بهذه الصيغة من تدليس القطع . لكنه وقع في معرفة علوم الحديث ص ١٠٥ بلفظ ((عن الزهري )) فيكون من الضرب الأول وهو تدليس الإسقاط . الضرب الثالث : تدليس التسوية : وهو أن يروي المدلس حديثاً عن ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر فيسقط الضعيف ، ويجعل بين الثقتين عبارة موهمة للاتصال ، فيستوي الإسناد كله ثقات لمن لم يَخْبُرْ هذا الشأن ، وقد سماه القدماء ( تجويداً ) . الضرب الرابع : تدليس العطف : وهو أن يصرح بالتحديث عن شيخ له سمع منه ويعطف عليه شيخاً آخر لم يسمع منه ذلك المروي ، فيقول : حدثنا فلان وفلان. والحال أنه لم يسمع من فلان الآخر هذا ، لكن أضمر في الكلام محذوفاً تقديره ( وفلان غير مسموع لي ) . وهذا الضرب نادر لم نعثر له إلا على مثال واحد ، فعله الراوي من باب المداعبة . وانظر = - ٧٣ - مثال ذلك: (( ما رُوِّينا عن علي بن خَشْرَم قال : كنا عند ابن عُيَيْنَةَ ، فقال: ((الزهري)) فقيل له: (( حدثكم الزهري؟)) فسكت ثم قال: ((الزهري)) فقيل له: ((سمعته من الزهري؟)) فقال: (( لا ، لم أسمعه من الزهري ، ولا ممن سمعه من الزهري ، حدَّثني عبد الرزاق عن مَعْمَر عن الزهري ))(١). القسم الثاني : تدليس الشيوخ وهو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه فيسميه ، أو يكنيه ، أو ينسبه ، أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف . مثاله : ما رُوي لنا عن أبي بكر بن مجاهد الإِمام المقرئ أنه رَوى عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني فقال : حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله ، ورَوى عن أبي بكر محمد بن الحسن النقاش المفسّر المقرئ فقال: ((حدثنا محمد بن سند))، نسبه إلى جَدِّ له، والله أعلم .. أما القسم الأول : فمكروه جداً ذمه أكثر العلماء وكان شعبة من أشدهم ذماً له . فروينا عن الشافعي الإِمام ( رضي الله عنه ) عنه - أنه قال: ((التدليس أخو الكذب)). ورُوِّينا عنه أنه قال: ((لأن = التوسع في هذه الأضرب وشرحها في كتابنا ( منهج النقد في علوم الحديث ) رقم عام / ٦٦ / ص ٣٨١ - ٣٨٣ . وانظر فيه أيضاً بيان طبقات المدلسين وأحكامها وإزاحة بعض إشكالات في هذا الشأن رقم عام ٧ ص ١٣٨ - ١٣٩ . (١) انظر المثال مخرجاً في الكفاية ص ٣٥٩ كما أثبتناه: ( الزهري ) ، ليس فيه ( عن ) . - ٧٤ _ أزني أحب إليَّ من أن أُدَلِّس)). وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير . ثم اختلفوا في قبول رواية من عرف بهذا التدليس فجعله فريز من أهل الحديث والفقهاء مجروحاً بذلك ، وقالوا : لا تقبل روايتـ بحال ؛ بيّن السماع أو لم يبيّن . والصحيح(١) التفصيل ، وأن ما رواه المدلّسُ بلفظ محتمل لم يبيّن فيه السماع والاتصال حكمه حكم المرسل وأنواعِه ، وما رواه بلفظ مبينٍ للاتصال نحو ( سمعت ، وحدثنا ، وأخبرنا ) وأشباهها فهو مقبول محتج به . وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جداً كقتادة، والأعمش ، والسُّفْيانَيْنِ، وهُشَيمٍ(٢) بز بشير، وغيرهم . وهذا لأن التدليس ليس كذباً وإنما هو ضربٌ من الإِيهام(٣) بلفظٍ محتملٍ. والحكم بأنه لا يقبل من المدلس حتى يبيّن قد أجراه الشافعي رضي الله عنه فيمن عرفناه دلس مرة (٤) ، والله أعلم . (١) وهو (( الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول))، كما قال العلائي في جامع التحصيل ص ١١١، وانظر ص ١١٤ و١١٧ - ١١٨ وشرح الألفية ١: ٨٨ والنكت ص ٩٧ . (٢) وفي ع ( هشام ) . والصواب ما أثبتناه . (٣) وفي ع ( الإبهام ) . (٤) الرسالة ص ٣٧٩ - ٣٨٠ . - ٧٥ - وأما القسم الثاني : فأمره أخف ، وفيه تضييع للمروي عنه ، وتوعير لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهليته . ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه ، فقد يحمله على ذلك كونُ شيخه الذي غيّرَ سِمَته غيرَ ثقة ، أو كونُه متأخِّرَ الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه ، أو كونُه أصغَر سناً من الراوي عنه ، أو كونُه كثيرَ الرواية عنه فلا يُحِبُّ الإكثارَ من ذكر شخص واحد على صورةٍ واحدةٍ . وتسَمَّح بذلك جماعة من الرواة المصنفين منهم الخطيب أبو بكر فقد كان لهجاً به في تصانيفه ، والله أعلم(١) . النوع الثالث عشر معرفة الشاذ روينا عن يونس بن عبد الأعلى قال قال لي الشافعي(٢) رضي الله عنه: (( ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة مالا يروي غيره . إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس )). وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني نحو هذا عن الشافعي" (١) وقد عُنِيَ العلماء بهذا الفن وأفرد كثير من الأئمة أسماء المدلسين بالتصنيف مثل: كتاب التبيين في أسماء المدلسين للبرهان الحلبي الحافظ . و( تعريف أهل التقديس بمراتب لوصوفين بالتدليس ) للحافظ ابن حجر. وكل من الكتابين مطبوع . (٢) وفي ق ( قال الشافعي ). (٣) قوله ((عن الشافعي)) سقط من ع . - ٧٦ - وجماعة من أهل الحجاز. ثم قال: ((الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقةً كان أو غير ثقة ، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به )). وذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ(١) أن الشاذ هو الحديث الذي کذا يتفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل بمُتابع لذلك الثقة . وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه ، والشاذُّ لم يوقف فيه على علة كذلك" . قلت : أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غيرُ مقبول ، وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط كحديث: ((إنما الأعمال بالنيات )، فإنه حديث فردٍ تَفَرَّد به عمر رضي الله عنه عن رسول الله مع الله ، ثم تفرد به عن عمر عَلْقَمة بن وقاص ، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم ، ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث(٢). (١) في معرفة علوم الحديث ص ١١٩ . (٢) حديث ((الأعمال بالنيات)) متفق عليه: البخاري في مطلع صحيحه ومواضع أخر. ومسلم ٦ : ٤٨. وأخرجه أيضاً الترمذي ( فين يقاتل رياء ) ٤: ١٧٩ والنسائي ١ : ٥٨ - ٦٠ ( طبع المصرية) وابن ماجه ص ١٣ - ١٤. وقد أشار القسطلاني إلى تعدد طرقه ثم قال : ((وقد اتفق على أنه لا يصح مسنداً إلا من رواية عمر)). إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ١ : ٧٥ - ٧٦ ٠ - ٧٧ - وأوضح من ذلك في ذلك : حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ((أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن بيع الولاء وهبته)) تفرد به عبد الله بن دينار(١). وحديث مالك عن الزهري عن أنس ((أن النبي عَلىالله دخل مكة وعلى رأسه المغفر))(٢)، تفرد به مالك عن الزهري . فكل هذه مُخَرَّجةٌ في الصحيحين مع أنه ليس لها إلا إِسناد واحد تفرد به ثقة . وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة . وقد قال مسلم بن الحجاج: ((للزهري نحو(٣) تسعين حرفاً يرويه(٤) عن النبي عَ ◌ٍّ لا يشاركه فيه (٤) أحد بأسانيد جياد)»، والله أعلم . فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبيّن لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم(٥) ، بل الأمر في ذلك على تفصيل نُبيِّنُه ، فنقول : (١) أخرجه البخاري في العتق ( باب بيع الولاء وهبته ) ٣: ١٤٧ ، ومسلم ٤ : ٢١٦ وقال: ((الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث)). انتهى. وانظر شرح القسطلاني على البخاري ٤ : ٣٧٨ . (٢) البخاري في الحج : ( باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام ) ٣ : ١٧ ، ومسلم ٤ : ١١١. والترمذي (باب المغفر) ٤: ٢٠٢ وقال: ((هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرف كبير أحد رواه غير مالك عن الزهري )». وأخرجه مالك في الموطأ ١ : ٢٩٢. (٣) في ع ( نحو من تسعين ) . (٤) ثبت فوقها في الأصل ((كذا)). (٥) للحاكم اصطلاح خاص في الشاذ، يجعله أدق من المعلل ، لأنه لم يوقف له على علة مع وجود ما يشير إليها ، كما بينا في كتابنا منهج النقد رقم عام ٨٥ : ٤٥١ - ٤٥٢ وانظر شرح علل الترمذي وتعليقنا عليه ص ٤٥٧ - ٤٦١ . لكن الأليق في تعريف الشاذ هو تعريف الشافعي . والله أعلم . - ٧٨ - إذا انفرد الراوي بشيء نُظِرَ فيه ، فإن كان ما انفرد به مخالفاً لما رواه مَنْ هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبطُ كان ما انفرد به شاذاً مردوداً . وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره ، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره ، فينظر في هذا الراوي المنفرد ، فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه قُبلَ ما انفرد به ولم يقدح الانفرادُ فيه كما فيما سبق من الأمثلة . وإن لم يكن ممن يُوثَّق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارماً له مزحزحاً له عن خيِّز الصحيح . ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه ، فإن كان المنفرد به غير بعيدٍ من درجة الضابط(١) المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف . وإن كان بعيداً من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر . فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان : أحدهما الحديث الفرد المخالف ، والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه(٢) التفرد والشذوذ من النكارة والضعف ، والله أعلم . (١) وفي ع وق ( الحافظ الضابط ). (٢) وفي ق: ( يوجب ) . - ٧٩ - النوع الرابع عشر معرفة المنكر من الحديث بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البَرْديجي الحافظ : أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف مَتنه من غير روايته ، لا من الوجه الذي رواه منه ولا من وجهٍ آخر. فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصل . وإطلاق الحُكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثيرٍ من أهل الحديث(١). والصواب فيه التفصيل الذي بيّناه آنفاً في شرح الشاذ . وعند هذا نقول : المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه(٢). (١) ولو كان المتفرد ثقة، وذلك على لسان بعض المتقدمين، كما قال الإمام أحمد في أفلح بن حُميد الأنصاري - أحد رجال البخاري الأثبات -: (( روى أفلح حديثين منكرين : أن النبي مَّ أشعر، وحديث وقت لأهل العراق ذات عرق)». فسماهما منكرين لتفرد أفلح بروايتها، مع كونه ثقة. وقد بينا في رسالتنا أن الترمذي يقول: ((حديث منكر)» للحديث الذي تفرد به الراوي الضعيف وليس ثمة أحد خالفه . وهو مذهب مسلم بن الحجاج فيا حققه الحافظ ابن حجر. فعليك لدى الانتفاع بكتب الجرح والتعديل أن تميز بين اصطلاحات القوم ، وتنزل إطلاق كل منهم ( المنكر) منزلته ، ولا تحط الراوي الثقة عن منزلته . وانظر : هدي الساري ٢: ١١٧ وفتح المغيث للسخاوي ص ٨٤ وشرح علل الترمذي لابن رجب ص ٤٤٩ - ٤٥٧ ، والرفع والتكميل للكنوي ص ٩٨ . (٢) التحقيق أن المنكر غير الشاذ حتى قال ابن حجر ((وقد غفل من سوى بينهما)). وقد =. - ٨٠ -