Indexed OCR Text

Pages 1-20

جـ
ابن الصلاح
الإمام أبو عمر وعثمان زعبد الرحمن الشّهرِّزوي
ولدسنة ٥٧٧ وتوفي سنة ٦٤٣ هـ
هممُ اللّه تعالى
تحقيق وشرح
أستاذ التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه
في كلية الشريعة جامعة دمشق
دار الفكر
ومشى سورية
دَارَ الْفِكَر الْعَاصِرْ

بسـِلَّهِالرّمِ الرَّحَيِمِ
ابن الصلاح

بسم الله الرحمن الرحيم
رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لدْنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾(١).
الحمد لله الهادي من استهداه ، الواقي من اتقاه ، الكافي مَنْ تحرّى
رضاه ، حمداً بالغاً أمد التمام ومنتهاه . والصلاة والسلام الأكملان على
نبينا والنبيين وآل كل، ما رجى راج مغفرته ورُحماه، آمين(٢).
هذا ، وإِن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة . وأنفع الفنون
النافعة ، يحبه ذكور الرجال وفحولتهم ، ويُعنَى به محققو العلماء
وكَمَلتهم ، ولا يكرهه من الناس إلا رُذَالتُهم وَسِفِلَتُهم . وهو من
أكثر العلوم تولَّجاً (٣) في فنونها ، لاسيما الفقه الذي هو إنسان
عيونها . ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء ، وظهر
الخلل في كلام المخلين به من العلماء .
ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيماً ، عظيمةٌ جموع طَلَبته ،
رفيعةٌ مقادير حُفّاظه وحَمَلتِهِ . وكانت علومه بحياتهم حية ، وأفنان
(١) من الآية: ١٠ من سورة الكهف . ولم يثبت هذا النص في آ.
(٢) وفي آ («آمين. آمين)).
(٣) تولجأ : تداخلاً .
- ٥ -

فنونه ببقائهم غضة ، ومغانيه بأهله آهلة ، فلم يزالوا في انقراض ولم
يزل في اندراس حتى آضت به الحال إلى أن صار أهله إنما هم شرذمة
قليلة العَدد ، ضعيفة العُدد . لا تُعْنَى (١) على الأغلب في تحمله بأكثر
من سماعه غُفْلاً(٢) ، ولا تتعنّى في تقييده بأكثر من كتابته عُطْلاً(٣) ،
مطَّرِحين علومه التي بها جلَّ قَدْرهُ ، مباعدين معارفه التي بها فُخِّم
أمرُه .
فحين كاد الباحث عن مشكله لا يُلفي له كاشفاً ، والسائل عن
علمه لا يلقَى به عارفاً، منَّ الله الكريم تبارك وتعالى وله الحمد
أجمع بكتاب (( معرفة أنواع علم الحديث))؛ هذا الذي باح بأسراره
الخفية ، وكشف عن مشكلاته الأبية ، وأحكم معاقده ، وقَعَّد
قواعده ، وأنار معالمه ، وبيَّن أحكامه ، وفصَّل أقسامه، وأوضحَ
أصوله ، وشَرح فروعه وفصوله ، وجَمَعَ شَتات علومه وفوائده ،
وقَنصَ شوارد نُكَته وفرائده . فاللهَ العظيمَ الذي بيده الضرُّ والنفع
والإعطاء والمنع أسأل ، وإليه أضرع وأبتهل ، متوسلاً إِليه بكل
وسيلة ، متشفعاً(٤) إِليه بكل شفيع ، أن يجعله ملياً بذلك
(١) وفي ق ((تُغْنِي)) بالغين المعجمة.
(٢) غُفْلًا : جمع مُغْفَل بسكون الغين وفتح الفاء ، وهو السهم الذي لا علامة به . وكانوا
في الجاهلية يضربون بالسهام القُرعة لما يعزم عليه المرء ، فإن خرج السهم مغفلاً ليس عليه علامة
على الفعل أو الترك أعاد القرعة .
(٣) عُطْلاً : جمع عاطل من العَطَل وهو الخلو عن الزينة . والمراد بدون تحقيق .
(٤) وفي ع (( مستشفعاً)) .
- ٦ -

وأملى(١) ، وافياً بكل ذلك وأوفى، وأن يعظّم الأجر والنفع به في
الدارين ، إنه قريبٌ مجيب . ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ باللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ .
وهذه فهرسة أنواعه :
الأول منها
: معرفة الصحيح من الحديث .
: معرفة الحَسَن منه .
الثاني
: معرفة الضعيف منه .
الثالث
الرابع
: معرفة المسند .
: معرفة المتصل .
الخامس
: معرفة المرفوع .
السادس
: معرفة الموقوف .
: معرفة المقطوع ، وهو غير المنقطع .
السابع
الثامن
: معرفة المرسل .
التاسع
: معرفة المنقطع .
العاشر
: معرفة المعضل ، ويليه تفريعات ، منها في
الحادي عشر
الإسناد المعنعن ، ومنها في التعليق .
الثاني عشر
: معرفة التدليس وحكم المدَلَّس .
(١) قال في المصباح المنير: ( و((رجل مليء)) مهموز أيضاً على فعيل : غني ومقتدر .
ويجوز البدل والإدغام ... الخ) أي يجوز قلب الهمزة ياءً وجعلهما ياءً مشددةً، فتقول ((مليّا))
والمراد ثقة .
- ٧ -

الثالث عشر
الرابع عشر
الخامس عشر
السادس عشر
السابع عشر
الثامن عشر
التاسع عشر
العشرون
: معرفة الشاذ .
: معرفة المنكر .
: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد .
: معرفة زيادات الثقات وحكمها .
: معرفة الأفراد .
: معرفة الحديث المعلل .
: معرفة المضْطَرب من الحديث .
: معرفة المُدْرَج في الحديث .
الحادي والعشرون : معرفة الحديث الموضوع .
الثاني والعشرون
الثالث والعشرون
الرابع والعشرون
: معرفة المقلوب .
: معرفة صفة مُنْ تُقْبَلُ روايته، ومن تُرَدُّ روايته(١).
: معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله ، وفيه بيان
أنواع الإجازة وأحكامها (٢) وسائر وجوه الأخذ
والتحمل ، وعلم جم .
الخامس والعشرون : معرفة كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب
وتقييده ، وفيه معارف مهمة رائقة .
السادس والعشرون : معرفة كيفية رواية الحديث وشرط أدائه وما
يتعلق بذلك ، وفيه كثير من نفائس هذا العلم .
(١) قوله ((ومن ترد روايته)» ليس في ع .
(٢) قوله ((وأحكامها )) ليس في ع .
- ٨ -

٠۵
السابع والعشرون : معرفة آداب المحدّث .
الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث .
التاسع والعشرون : معرفة الإِسناد العالي والنازل .
النوع(١) الموفي ثلاثين: معرفة المشهور من الحديث .
الحادي والثلاثون : معرفة الغريب والعزيز من الحديث .
: معرفة غريب الحديث .
الثاني والثلاثون
: معرفة المسلسل .
الثالث والثلاثون
الرابع والثلاثون
: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه .
الخامس والثلاثون : معرفة المصَخَّف من أسانيد الأحاديث ومتونها .
السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث .
: معرفة المزيد في متصل الأسانيد .
السابع والثلاثون
: معرفة المراسيل الخفي إرسالها .
الثامن والثلاثون
: معرفة الصحابة رضي الله عنهم .
التاسع والثلاثون
: معرفة التابعين رضي الله عنهم .
الموفي أربعين
الحادي والأربعون : معرفة الأكابر الرواة عن الأصاغر .
الثاني والأربعون
: معرفة المُدَبَّج وما سواه من رواية الأقران
بعضهم عن بعض .
الثالث والأربعون : معرفة الإِخوة والأخوات من العلماء والرواة .
الرابع والأربعون : معرفة رواية الآباء عن الأبناء .
(١) ((النوع)) ليس في ق.
- ٩ -

الخامس والأربعون : عكس ذلك : معرفة رواية الأبناء عن الآباء .
السادس والأربعون : معرفة من اشترك في الرواية عنه راويان
متقدم ومتأخر تباعد مابین وفاتيهما .
: معرفة من ذُكِرَ بأسماء مختلفة أو نعوت متعددة .
: معرفة المفردات من أسماء الصحابة والرواة والعلماء.
: معرفة الأسماء والكنى .
: معرفة كنى المعروفين بالأسماء دون الكنى .
: معرفة الرواة المتشابهين في الاسم والنسب
المتمايزين بالتقديم والتأخير في الابن والأب .
: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم .
: معرفة الأنساب التي باطنها على خلاف ظاهرها .
: معرفة المبهات .
: معرفة تواريخ الرُواة في الوَفَيات وغيرها .
: معرفة الثقات والضعفاء من الرواة .
: معرفة من خلَّط في آخر عمره من الثقات .
: معرفة طبقات الرواة والعلماء .
- ١٠ -
السابع والأربعون : معرفة من لم يرو عنه إلا راوٍ واحد .
الثامن والأربعون
التاسع والأربعون
الموفي خمسين
الحادي والخمسون
: معرفة ألقاب المحدِّثين .
الثاني والخمسون
: معرفة المؤتَلِف والمختلف .
الثالث والخمسون
: معرفة المتفِقِ والمفْترق .
الرابع والخمسون
: نوع يتركب من هذين النوعين .
الخامس والخمسون
السادس والخمسون
السابع والخمسون
الثامن والخمسون
التاسع والخمسون
الموفي ستين
الحادي والستون
الثاني والستون
الثالث والستون

: معرفة الموالي من الرواة والعلماء .
الرابع والستون
الخامس والستون
: معرفة أوطان الرواة وبلدانهم .
وذلك آخرها ، وليس بآخر الممكن في ذلك فإنه قابلٌ للتنويع إِلى
ما لا يحصى ، إِذ لا تحصى أحوال رواة الحديث وصفاتهم ، ولا أحوال
متون الحديث وصفاتها ، وما من حالة منها ولا صفة إلا وهي بصدد
أن تفرد بالذكر وأهلُها ، فإذا هي نوعٌ على حياله، ولكنه نَصَبٌ
من غير أرب ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
النوع الأول من أنواع علوم الحديث
معرفة الصحيح من الحديث
اعلم - عَلَّمَك الله وإياي - أن الحديث عند أهله ينقسم إلى
صحيح ، وحسن ، وضعيف .
أما الحديث الصحيح : فهو الحديث المسند(١) الذي يتصل إِسناده
(١) قوله: ((المسند)):
اختار غير ابن الصلاح كالنووي وغيره حذف لفظة: (« المسند » من التعريف ، لأنه يقيد
الحديث الصحيح بكونه مرفوعاً إلى النبي ◌َ ◌ّ، لأن من شرط المسند أن يكون مرفوعاً ، كما
سيأتي في تعريف المسند ص ٤٢ مع أن الحكم بالصحة يطلق على المرفوع وعلى غير المرفوع ، مما
ينقل عن الصحابي أو التابعي مستوفياً شروط الصحة . وانظر تدريب الراوي ص ٢٢ .
- ١١ -

بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً
ولا معللاً .
وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسل ، والمنقطع ، والمعضل ،
والشاذ ، وما فيه علة قادحة ، وما في راويه نوع جرح . وهذه
أنواع يأتي ذكرها إن شاء الله تبارك وتعالى(١) .
(١) أشار المصنف رحمه الله ورضي عنه إلى ما يدل عليه التعريف من الاحتراز عما لا
يدخل في الصحيح ، لكونه لا يستوفي شروطه .
وشروط الحديث الصحيح خمسة اشتمل عليها التعريف نشرحها ونوضح محترزاتها فيما يلي :
١ - اتصال السند: أفاده قوله: ((الذي يتصل إسناده ... إلى منتهاه .. )).
ومعنى الاتصال : أن يكون كل واحد من رواة الحديث قد تلقاه ممن فوقه بطريق مقبول
من طرق التلقي .
فخرج بذلك المرسل ، والمنقطع بأي نوع من أنواع الانقطاع ، كالمُعَلَّق ، والمعضل ،
والمدلّس ، والمرسل الخفي .
لأنه إذا لم يكن متصلاً فمعناه أنه سقط من سنده واسطة أو أكثر، ويحتمل أن يكون
الواسطة المحذوف ضعيفاً ، فلا يكون الحديث صحيحاً .
٢ - العدالة في الرواة: وسيأتي شرح معناها وتفصيل شروطها ص ١٠٤، وهي ركن هام
في قبول الرواية ، لأنها الملكة التي تحث على التقوى ، وتحجز صاحبها عن المعاصي والكذب وما
يخل بالمروءة ، فخرج بهذا الشرط الحديث الموضوع ، وما ضعف لاتهام الراوي بالفسق والإخلال
بالمروءة ، أو غير ذلك ...
٣ - الضبط : ومعناه أن يحفظ الراوي الحديث في صدره أو كتابه ، ثم يستحضره عند
الأداء ، وهذا الشرط يستدعي عدم غفلته ، وعدم تساهله عند التحمل والأداء ، إلى آخر ماسيأتي
في أبحاث الضبط والرواية ص ١٠٦ وما بعد .
٤ - عدم الشذوذ : والشذوذ هو مخالفة الراوي الثقة لمن هو أقوى منه ( ص ٧٦ )، لأنه إذا
خالفه من هو أولى منه بقوة حفظ أو كثرة عدد كان مقدماً عليه ، وكان المرجوح شاذاً . وتبين
بشذوذه وقوع وهم في رواية هذا الحديث .
=
- ١٢ -

فهذا هو الحديث الذي يُحْكَمُ له بالصحة بلا خلاف بين أهل
الحديث . وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في
وجود هذه الأوصاف فيه(١) ، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه
الأوصاف كما في المرسل (٢).
ومتى قالوا: ((هذا حديث صحيح )) فمعناه أنه اتصل سنده مع
والحقيقة أن نفي الشذوذ يتحقق بالشروط السابقة ، لكنهم صرحوا بانتفائه لأن الضبط
=
ملكة عامة بالنسبة لجملة أحاديث الراوي ، إلا أنه قد يحتمل أن يقع منه وهم في حديث ما ،
دون أن يفقد صفة الضبط لسائر حديثه ، فهذا يخل بصحة الحديث الذي وهم فيه فقط ، لذلك
صرحوا بنفي الشذوذ .
٥ - عدم الإعلال : ومعناه سلامة الحديث من علة تقدح في صحته ، أي خلوه من وصف
خفي قادح في صحة الحديث والظاهر السلامة منه ( ص ٩٠ )، فخرج بهذا الشرط الحديث
المعلِّل ، فلا يكون صحيحاً .
ووجه دلالة هذه الشروط الخمسة على صحة الحديث : أن العدالة والضبط يحققان
أداء الحديث كما سُمع من قائله ، واتصال السند على هذا الوصف في الرواة يمنع اختلال ذلك في
أثناء السند ، وعدم الشذوذ يحقق ويؤكد ضبط هذا الحديث الذي نبحثه بعينه وأنه لم يدخله
وهم ، وعدم الإعلال يدل على سلامته من القوادح الخفية بعد أن استدللنا بسائر الشروط على
سلامته من القوادح الظاهرة ، فكان الحديث بذلك صحيحاً لتوفر عامل النقل الصحيح واندفاع
القوادح الظاهرة والخفية . فيحكم له بالصحة بالإجماع .
(١) وذلك لأن الحكم على الحديث بالصحة أو غيرها وعلى الرواة جرحاً أو تعديلا
اجتهادي ، وهذا أمر مهم يغفل عنه طلبة الحديث كثيراً، وقد بيّنا ذلك في كتابنا ( الإمام
الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ) ص ٢٧٤ وفي آخر كتابنا في ( علم الجرح
والتعديل ) يسّر الله إخراجه .
(٢) انظر تفصيل الأوصاف المختلف في اعتبارها شرطاً لصحة الحديث في تدريب الراوي
ص ٢٦ - ٢٧ .
- ١٣ -

سائر الأوصاف المذكورة ، وليس من شرطه أن يكون مقطوعاً به في
نفس الأمر ، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد وليس من الأخبار
التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول(١) .
وكذلك إذا قالوا في حديث: ((إنه غير صحيح )) فليس ذلك
قطعاً بأنه كذب في نفس الأمر ، إذ قد يكون صدقاً في نفس الأمر
وإنما المراد به أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور(٢)، والله أعلم .
فوائد مهمة :
إحداها : الصحيح يتنوع إلى متَّفَقٍ عليه ، ومختَلَفٍ فيه ، كما سبق
ذكره ، ويتنوع إلى مشهور، وغريبٍ ، وبين ذلك . ثم إن درجات
الصحيح تتفاوت في القوة بحسب تمكن الحديث من الصفات المذكورة
(١) أي ومثل هذا لا يكون يقيناً مقطوعاً به ، لاحتمال وقوع الخطأ والنسيان على الثقة .
لكنه احتمال مرجوح وضعيف لا قيمة له ، لذلك يحكم للحديث بالصحة ويجب العمل به . إلا إذا
احتف بقرائن تقويه فيرتفع إلى القطع، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: (( وليس من الأخبار
التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول)). وزدنا ذلك تفصيلاً في كتابنا (( منهج النقد في علوم
الحديث ) ص ٢٤٦ - ٢٤٧ .
(٢) وذلك لأن المحدثين لدقتهم في النقد واحتياطهم لا يتوقف رد الحديث عندهم على
وجود دليل مضاد له ، بل يكفي أن يفقد الحديث شيئاً من شروط القبول ، كما أوضحنا في
كتابنا منهج النقد ص ٢٨٦ - ٢٨٧، فاعلم ذلك ، وتنبه له ، فإن بين المرتبتين بوناً بيناً لمن
تفطن .
- ١٤ -

التي تَنْبَنِي الصحة عليها ، وتنقسم(١) باعتبار ذلك إلى أقسام يستعصي
إحصاؤها على (٢) العاد الحاصر .
ولهذا نرى الإمساك عن الحكم لإسناد أو حديث بأنه الأصح على
الإطلاق(٣) . على أن جماعة من أئمة الحديث خاضوا غمرة ذلك
فاضطربت أقوالهم :
فروينا عن إسحاق ابن رَاهُوْيَةْ أنه قال: (( أصح الأسانيد كلها
الزهري عن سالم عن أبيه ))، وروينا نحوه عن أحمد بن حنبل .
وروينا عن عمرو بن علي الفلاس أنه قال: ((أصح الأسانيد
محمد بن سيرين عن عَبيدة عن علي)).
وَرَؤْينا نحوه عن علي بن المديني ، وَرُوِيَ ذلك عن غيرهما . ثم
(١) وفي ق ((وينقسم)).
(٢) وفي آ ((عن )).
(٣) أما الحكم لإسناد بأنه أصح بالنسبة لراو معين أو بلد معين فهو أبعد من هذا الإشكال
الذي أثاره الإمام ابن الصلاح ، وقد سبق إليه الحاكم النيسابوري ، ووافقه عليه العلماء .
ومن أمثلة ذلك قول الحاكم :
((أصح أسانيد الصديق : اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن حازم عنه .
وأصح أسانيد عمر : الزهري عن سالم عن أبيه عن جده .
وأصح أسانيد المكيين : سفيان بن عُيَيْنَةً عن عمرو بن دينار عن جابر .
وأصح أسانيد اليمانيين: معمر عن همام عن أبي هريرة )).
معرفة علوم الحديث ص ٥٤ - ٥٦، وانظر تدريب الراوي ص ٣٦ .
- ١٥ -

منهم من عين الراوي عن محمد وجعله أيوب السَّخْتياني ، ومنهم من
جعله ابن عون .
وفيما نرويه عن يحيى بن معين أنه قال: ((أجودها الأعمش عن
إبراهيم عن علقمة عن عبد الله )).
وروينا عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: ((أصح الأسانيد كلها
الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي )).
وروينا عن أبي عبد الله البخاري صاحب الصحيح أنه قال :
(( أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر)). وبنى الإِمام أبو
منصور عبد القاهر بن طاهر التيي على ذلك أن أجلَّ الأسانيد
((الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر))، واحتج بإجماع
أصحاب الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجلُّ من
الشافعي رضي الله عنهم أجمعين، والله أعلم(١).
الثانية : إذا وجدنا فيا يُروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثاً
صحيح الإسناد ولم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصاً على صحته
في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة فإنّا لا نتجاسر
(١) انظر تخريج الأقوال في أصح الأسانيد في فصل نفيس في كتاب ((الكفاية في علم
الرواية )» للخطيب البغدادي ص ٣٩٧ - ٤٠٠ .
وقد جمع الإمام العراقي ماروي بأصح الأسانيد من أحاديث الأحكام في كتاب ((تقريب
الأسانيد وترتيب المسانيد)»، لكنه لم يستوعب. فجمعنا ما حكم له بالأصحية من الأسانيد
باستقصاء ، وتتبعنا ما روي بها من الأحاديث ، يسّر الله تعالى إخراجها .
- ١٦ -

على جزم الحكم بصحته ، فقد تعذَّر في هذه الأعصار الاستقلال
بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد ، لأنه ما من إِسناد من ذلك
إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عَرِيّاً عما
يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان . فآل الأمر إِذاً في
معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في
تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها - لشهرتها - من التغيير
والتحريف(١) . وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجاً
عن ذلك إِبقاء سلسلة الإِسناد التي خُصَّتْ بها هذه الأمة ، زادها الله
تعالى شرفاً ، آمين .
الثالثة: أول من صنف الصحيح البخاري أبو عبد الله
محمد بن اسماعيل الجُعْفِيّ مولاهم ، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج
(١) خالف النووي وغيره ابن الصلاح في هذا؛ قال النووي ((والأظهر عندي جوازه لمن
تمكن وقويت معرفته)) قال العراقي: (( وما رجَّحه النووي هو الذي عليه عمل أهل
الحديث ... الخ)). لكن الأحوط أن يقول ((صحيح الإسناد)) ولا يطلق التصحيح، لاحتمال
علة في الحديث خفيت عليه .
انظر التفصيل في ((شرح العراقي على الألفية)» ص ١٢، و((فتح المغيث)) للسخاوي شرح
ألفية الحديث للعراقي ص ٦، و((تدريب الراوي شرح تقريب النواوي )» للسيوطي :
ص ٧٨ - ٨٣ .
وقد أفرد السيوطي دراسة هذه المسألة ببحث خاص سماه: (( التنقيح لمسألة التصحيح))
جنح فيه إلى التوفيق بين الآراء ، وذلك بأن جعل التصحيح الذي منعه ابن الصلاح هو الحكم
للحديث أنه صحيح لذاته ، والذي أجازه الآخرون هو الحكم بأنه صحيح لغيره . وبنى تحقيقه هذا
على استقرائه لصنيعهم . انظر البحث المذكور في مخطوطات دار الكتب الظاهرية مجموع رقم عام
/ ٥٨٩٦ / وانظر التفصيل في كتابنا منهج النقد في علوم الحديث ص ٢٨٠ - ٢٨٣.
علوم الحديث (٥)
- ١٧ -

النيسابوري القُشَيْري من أنفسهم . ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري
واستفاد منه يشاركه في كثير من(١) شيوخه. وكتاباهما أصح الكتب
بعد كتاب الله العزيز. وأما ما روينا عن الشافعي رضي الله عنه
من أنه قال: (( ما أعلم في الأرض كتاباً في العلم أكثر صواباً من
كتاب مالك))، ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ(٢)، فإنما قال ذلك
قبل وجود كتابي البخاري ومسلم(٣).
ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحاً وأكثرهما فوائد .
وأما ما رويناه عن أبي عليّ الحافظ النيسابوري أستاذ الحاكم أبي
(١) وفي ق ((أكثر شيوخه)).
(٢) زاد في آ ما يلي: قد روي فيه عنه: (( ما على الأرض بعد كتاب الله أصح من
كتاب مالك والله أعلم )) .
(٣) وذهب بعض العلماء إلى أن ( الموطأ) هو أول مصنَّف في الحديث الصحيح ، لما علم
من تحري الإمام مالك في اختيار أحاديثه . وقد اعترض هذا الرأي بأن مالكاً لم يخص كتابه
بالحديث الصحيح ، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات أيضاً . وأجيب أنه تبين اتصالها ،
وصلها ابن عبد البر في ( التمهيد ) جميعاً ، خلا أربعة أحاديث من البلاغات لم يصل أسانيدها ،
ذكرها ابن عبد البر في التقصي ص ٢٤٧ و ٢٥٣ و٢٥٤ ، وانظر اختصار علوم الحديث ص ٣٠
والتدريب ص ٤١ . لكن ابن الصلاح وصلها في جزء خاص . انظر ( الرسالة المتطرفة )
ص ٤ - ٥ و (مفتاح السُّنة) للخولي ص ٢٢ - ٢٣ .
قال نور الدين: ((لكن مالكاً مزج الحديث بأقوال الصحابة والتابعين وساق الجميع سياقاً
واحداً ، فلم يكن كتابه مجرداً للحديث المرفوع ، أما البخاري فقد ميز أقوال الصحابة والتابعين
فأوردها في تراجم الأبواب ، فكتابه خاص بالحديث الصحيح المرفوع فحاز الأولية بذلك ، أما
إذا نظرنا إلى مطلق الجمع للحديث الصحيح ولو كان ممزوجاً بغير المرفوع فالموطأ أول كتب
الصحيح وجوداً )) . والله أعلم .
- ١٨ -

عبد الله (١) الحافظ من أنه قال: (( ما تحت أديم السماء كتابٌ أصح من
كتاب مسلم بن الحجاج ، فهذا وقول مَن فَضَّل من شيوخ المغرب
كتاب مسلمٍ على كتاب البخاري ، إِن كان المراد به أن كتاب مسلم
يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح ، فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا
الحديث الصحيح مسروداً غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري في
تراجم أبوابه من الأشياء التي لم يسندها على الوصف المشروط في
الصحيح ، فهذا لابأس به . وليس يلزم منه أن كتاب مسلم أرجح
فيما يرجع إلى نفس الصحيح على كتاب البخاري ، وإنْ كان المراد
به أن كتاب مسلم أصح صحيحاً فهذا مردود على من يقوله(٢) ، والله
أعلم .
الرابعة : لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما ولا التزما ذلك ، فقد
روينا(٣) عن البخاري أنه قال: ((ما أدخلت في كتابي(٤) ( الجامع )
إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول )).
(١) وفي آ ( النيسابوري الحاكم أبو عبد الله) ، وليس فيها ( استاذ) ، وهو سقط وتحريف
من الناسخ .
(٢) ترجيح صحيح البخاري هو الذي حققه علماء الحديث : انظر ( هدي الساري مقدمة
فتح الباري) للحافظ ابن حجر ١ : ٧ - ٨ و ( تدريب الراوي ) ص ٤٢ - ٤٥ . لكنا ننبه إلى أن
هذه المفاضلة لاتعني أن كل حديث في صحيح البخاري أصح من كل حديث في صحيح مسلم ،
بل قد يوجد أحاديث في مسلم أصح من أحاديث في البخاري . لكن الأصح في كتاب البخاري
أكثر منه في كتاب مسلم فترجح بجملته على كتاب مسلم .
(٣) وفي آ ((روينا ذلك عن البخاري)).
(٤) في آ و ق : ( كتاب )
- ١٩ -

وروينا عن مسلم أنه قال: (( ليس كل شيء عندي صحيح
وضعته ههنا - يعني في كتابه الصحيح - إنما وضعت ههنا ما أجمعوا
عليه )) .
قلت : أراد - والله أعلم - أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي
وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه وإن لم يظهر اجتماعها في
بعضها عند بعضهم .
ثم إن أبا عبد الله بن الأخرم الحافظ قال: ((قَلَّ ما يفوت
البخاري ومسلماً مما يثبت من الحديث )) يعني في كتابيهما . ولقائل
أن يقول : ليس ذلك(١) بالقليل؛ فإن المستدرك على الصحيحين
للحاكم أبي عبد الله كتاب كبير يشتمل مما فاتها على شيءٍ كثيرٍ ،
وإن يكن(٢) عليه في بعضه مقال فإنه يصفو له منه صحيح كثير .
وقد قال البخاري: ((أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي
ألف حديث غير صحيح )) . وجملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف
ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً بالأحاديث المتكررة . وقد قيل إنها
بإسقاط المكررة أربعة آلاف حديث ، إلا أن هذه العبارة قد يندرج
تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين ، وربما عُدَّ الحديثُ الواحد
(١) أي ليس الفائت للكتابين من الحديث الصحيح بالقليل ، قال النووي في التقريب
ص ٤٧: (( والصواب إنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني الصحيحين ، وسنن أبي داود ،
والترمذي ، والنسائي)).
(٢) وفي آ «وإن لم يكن)). وهو غلط .
- ٢٠ -