Indexed OCR Text

Pages 41-60

تقدمة المحقق - ٤١
فلا يكون المخطئ منهما عين المطلوب بالاجتهاد - مأخوذاً - إن شاء الله
- بالخطأ ، ويكون مأجوراً على ما تكلف من الاجتهاد ، ولا يؤخذ كل
واحدٍ منهم على أنه خالفَ كتاباً نصًا ، ولا سنة قائمة ، ولاجماعة ، ولا
قياساً صحيحاً عنده ، ولكن قد يجهل الرجل السنة ، فيكون له قول
يخالفها ، لأنه عمد خلافها ، وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل .
وقد قابل المصنف أقوال كل واحد منهم - بمبلغ علمه - من كتاب الله،
ثم بما جمع من السنن والآثار والفرائض والنوافل والحلال والحرام ، والحدود
والأحكام ، فوجد أن الشافعي - رحمه الله - أكثرهم اتباعاً ، وأقواهم
احتجاجاً، وأصحهم قياساً ، وأوضحهم إرشاداً ، وذلك فيما صنَّف من
الكتبِ القديمة والجديدة في الأصولِ والفروع بأبينِ بيانٍ وأفصحٍ لسانٍ .
وكيف لا يكون كذلك وقد تَبَحِّرَ أولا في لسان مَنْ خَتَمَ اللَّه النُّبوةَ به ،
وأنزل به القرآن ، مع كونه عربي اللسان ، قرشي الدار والنسب ، مِنْ خيرٍ
قبائل العرب ، من نسل هاشم والمطلب .
ثم اجتهد في حفظ كتاب الله، عز وجل، وسنة نبيه #، وآثار
الصحابة وأقوالهم ، وأقوال من بعدهم في أحكام الله عز وجل حتى عرف
الخاص من العام، والمُفَسَّر من المجمل. والفَرْض من الأدب، والحَتْمَ من
النّذْب ، واللازم من الإباحة ، والناسخ من المنسوخ ، والقوي من الأخبار
من الضعيف . والشاذ منها من المعروف ، والإجماع من الاختلاف .
ثم شبّه الفرع المختلف فيه بالأصل المتفق عليه ، من غير مناقضة منه
للبناء الذي أسّسَهُ ، ولا مخالف منه للأصل الذي أصله فخرجتْ - بحمد
اللّه ونعمته - أقوالُه مستقيمةً وفتاويه صحيحة .
ثم قال البيهقي :
وكنت قد سمعت من كتبه الجديدة ما كان مسموعاً لبعض مشايخنا ،
وجمعت من كتبه القديمة ما وقع إلى ناحيتنا .
وجد المصنف أن
الشافعي أقوى
المجتهدين
احتجاجاً
خلاصة مزايا
الإمام الشافعي
البيهقي يصنف
((المبسوط»
في كلام الإمام
الشافعي

٤٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١
فنظرت فيها وخَرَّجْتُ - بتوفيق الله تعالى - «مبسوط كلامه في كتبه
بدلائله وحججه)» على ترتيب مختصر « أبي إبراهيم : إسماعيل بن
يحيى الْمُزَني)) رحمه اللّه، ليرجعَ إِليه، إن شاء اللّه، من أراد الوقوف
على مبسوط ما اختصره ، وذلك في تسع مجلدات .
سوى ما صنفت في الأصول بالبسط والتفصيل .
ثم خرجت بعون الله، عز وجل، ((سنن المصطفى)) تَّ ، وما احتجنا
إليه من آثار أصحابه ، رضي الله عنهم ، على هذا الترتيب ، في أكثر
من مئتي جزءٍ ، بأجزاء خفاف .
ثم يصنف
((السنن))
وجعلت له مدخلاً في اثني عشر جزءاً ، لينظر - إن شاءَ - في كلِّ
واحد منهما مَنْ أراد معرفة ما عرفته من صحة مذهب الشافعي ، رحمه
اللّه على الكتاب والسنة .
وقد وقع الكتاب الأول وهو (( المبسوط )) إلى أستاذي في الفقه :
الشيخ الإمام الشريف أبي الفتح : ناصر بن الحسين العُمَرِي ، رضي اللّه
عنه ، فرضيه وحمد أثري فيه .
أستاذ البيهقي
في الفقه يرضى
عن (( المبسوط»
الإما الجويني
پعجب بکتاب
«السنن»
ووقع الكتاب الثاني (( كتاب السنن )» إلى الشيخ الإمام أبي محمد :
عبد الله بن يوسف الجُوَيْني، رضي اللّه عنه، بعد ما أنفق على تحصيله
صيداً كثيراً. فارتضاه وشكر سعيي فيه. فالحمد لله على هذه النعمة
حمداً يُوازيها ، وعلى سائر نعمته حمداً يُكافيها .
البیھقي یصنف
فهل الكتب السابقة تفي بالمطمح الذي سعى إليه ؟ يحدثنا المصنف في
(السنن الصغير)) ((السنن الصغير)) (١: ٧) سبب تأليفه له، فيقول:
إن الله تبارك وتعالى سهّل عليّ تصنيف كتاب مختصرٍ في بيان ما يجب
على العاقل البالغ اعتقاده والاعتراف به في الأصول ، منوّر بذكر أطراف
أدلّته من كتاب الله تعالى وسُنّة الرسول عليه ومن إجماع السّلف ودلائل

تقدمة المحقق - ٤٣
النقول ، ثم إني استخرتُ اللّه تعالى في إردافِهِ بتصنيف كتابٍ يشتملُ
على بيان ما ينبغي أن يكون مذهبه بعد ما صحّ اعتقاده في العبادات ،
والمعاملات ، والمناكحات ، والحدود ، والسير ، والحكومات ؛ ليكون
بتوفيق الله عز وجل لكتابه وسنة نبيه على متبعاً، وبالصالحين من عباده
مُقْتدياً ، وللَّه جَلَّ ثناؤه فيما فرض عليه وندب إليه - نصّاً أو دلالةٌ -
مطيعاً ، وعمّا زجر عنه مُنْزَجراً. ونكون في حالتي التوفيق والتقصير
ممِّن يرجو رحمةَ ربِّه ويخشى عذابه ، وأي عبدٍ عبده حق قدره أو قام فيما
تعبّدَهُ به بواجب أمره .
ولكن لمن صنّف البيهقي كتاب (( معرفة السنن والآثار؟)).
يحدد لنا المصنف سبب تأليفه لمعرفة السنن والآثار ، فيذكر :
١ - إنّ طلابَ الفقه يَأْخُذُهُمُ المَلَلُ من طول كتاب («السنن » فخرِّج في
هذا الكتاب ما احتجِّ به الشافعيُّ من الأحاديث في الأصولِ والفروعِ
بأسانيدها التي رواها بها - مع ما رواهُ مُسْتَانِساً به غير معتمدٍ عليه ،
أو حکاهُ لغيره مجيبًا عنه.
٢ - أضافَ البيهقي إلى بعضِ ما أُجْمَلَهُ الشافعيُّ ما يُفَسِّره من كلام
غيره ، وإلى بعضٍ ما رواهُ من روايَة غيره ما يقوِِّهِ ، ليكونَ من تَفَقَّهَ بفقه
الشافعيٌّ على وثيقَةٍ مما يجبُ الاعتمادُ عليه من الأخبارِ ، وعلى بصيرةٍ مما
يجب الوقوفُ عليه من الآثار = ويعلم أنّ الشافعيّ لم يصدْر بابًا بروايةٍ
مجهولة ، ولم يَبْنِ حُكْمًا على حديثٍ معلول ، ولم يَدَعْ لرسول اللَّه شَ﴾
سُنَّةٌ بلغَتْهُ وثبتَتْ عنده حتى قلّدها ، وما خفي عليه بثوته عَلَّقَ قوَلَه به (١)
(١) أنظر الفقرة (٤٥٢) من هذا الجزء ص ٢١٦، ثم الفقرة (٤٥٣) حيث عبر
الشافعي عن إرادته تلك بقوله: ((وددت لو أن الناس نظروا في هذه الكتب ثم نحلوها
غيري )) وأثابه الله عما عمل وانتوى بنباهة القدر، ورفعة الذكر، وحسن الثناء الذي يهواه
المبرزون والمقصرون ؛ لأنه طبيعة من طبائع بني آدم ، وذريعة من ذرائعهم إلى التشبث
بأذيال الخلود .
سبب تأليف
البيهقي لهذا
الكتاب

٤٤ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١
وما عسى لم يبلغه أوصى مَنْ بَلَغَهُ باتباعه وترك خلافه ، وذلك بَيِّنٌ في كُتُبِهِ التي
كتبها غير ملتمسٍ بها ذكْراً ولا شَرَفاً في الدنيا وإنما أراد بها القيام بحقِّ أداء
النصيحة التي افترضها اللَّه، وجعلها رسول اللَّه ◌َو تعريفاً لدين الله .
الصنعة الفقهية والحديثية في (( معرفة السنن والآثار)» وطريقة
الاستدلال بالأحاديث (١):
١ - تقوية الحديث بذكر متابعات وشواهد له ترجحه :
في ((الأم)) في أول كتاب الطهارة يذكر «الشافعي )» آية الوضوء ، ويعقب
بأن المقصود الغسل بالماء ، والماء لا صنعة للآدميين فيه ، وأنَّ ذِكْرَ الماءِ عامُ
ويشمل ماءَ السَّماء ، وماء الأنهار والآبار ، والجبال ، والبحار ، وأنَّ ظاهر القرآن
يدلُّ على أنَّ كُلِّ ماءٍ طاهر ماء بحر وغيره ، وقد روي فيه حديث يوافق ظاهر القرآن
في إسناده من لا أعرفه. أ هـ (١ : ٣)، ثم يورد هذا الحديث عن مالك ، عن
صفوان بن سليم ، عن سعيد بن سلمة - رجل من آل ابن الأزرق - أن المغيرة بن
بُرْدَةً وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل النبي صلَّ،
فقال : يا رسول الله ! إنا نركب البحر ، ومعنا القليل من الماء ؛ فإن توضأنا به
عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي ◌َّ: ((هُوَ الطَّهورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتَهُ)).
ثم يذكرُ الشافعيُّ حديث أبي هريرة الآخر: ((مَنْ لم يطهره البحر فلا طَهَرَهُ اللّه ))
وبذلك تنتهي أحاديث هذا الباب الذي بوبهُ البيهقي بعنوان « ما تكون به الطهارة
من الماء)) وهو تحت عنوان ((الطهارة)) في كتاب الأم .
ج
فإذا انتهى البيهقي من ذكرِ ما أُوْرَدَهُ الشافعيّ بدأ في تخريج الحديث ، فيذكرُ
أنّ الإِمام مالكاً أُوْدَعَهُ الموطأ ، وأخرجَهُ أبو داود ، والترمذي ، وأنَّ الترمذيُّ سَأَلَ
عنه البخاري ؟ فقال : هو حديث صحيح ، وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم في
(١) من المعلوم أنني أشير هنا إشارات ، أما دراسة الكتاب بتوسع فتحتاج إلى أكثر من مجلد ،
لعلّ اللّه ييسر إتمامه ليلحق بالطبعة الثانية للكتاب ، ولله الحمد والمنة .
٦

تقدمة المحقق - ٤٥
الصحيحين لاختلافٍ وقَعَ في اسم : سعيد بن سَلَمَةَ ، والمغيرة بن أبي بردة ، وهو
ماوقع من قبلهما للشافعي ، فقال : في إسناده من لا أعرفه .
يذكر البيهقي - بعد ذلك - من تابَعَ مالكاً على روايته ، فيذكر أنَّ عبد الرحمن
ابن إسحق ، واسحق بن إبراهيم المزني تابعا مالكاً على روايته عن صفوان بن سليم
فيذكر حديثهما (١) ، ثم يورد متابعةً أخرى ذات شقين من طريق يزيد بن أبي
حبيب ، والأخرى من طريق عَمْرو بن الحارث (٢) ، ويذكر الاختلاف الذي وقع في
الرواية الأولى (٣) بإسهابٍ شديد، ويذكر أنَّ هذا الاختلاف يدلُّ على أنَّ الحديث
لم يُحْفظ كما ينبغي وأنَّ الإمام مالكاً أقامَ إسناده عن صفوان بن سليم ، وتابعه
على ذلك : الليث بن سعد ، عن يزيد ، عن الجُلاح ، كلاهما عن سعيد بن سَلْمَةً ،
عن المغيرة بن أبي بُرْدة ، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ّي، فصار الحديث بذلك
صحيحاً كما قال البخاري في رواية أبي عيسى ، عنه .
فإذا انتهى المصنف إلى هذه الغاية يرى أنه لا بأس عليه أن يذكر أو يشير إلى
بعض الآثار التي وردت في الباب عن بعض الصحابة (٤) ، وما لم يذكره هنا يشير
إلى أَنَّهُ قد ذكره في ((السنن الكبرى )) لمن أراد الرجوع إليه .
٢ - جمعه ما ذكره الشافعي حول المسألة متناثراً في عدة مواضع
في موضع واحد وقد يستشهد به البيهقي في موضع آخر :
في باب الآنية (١: ٢٤٢) ينقل البيهقي الأحاديث التي أُوْرَدها («الشافعي)»
في باب « الآنية)) من كتاب ((الأم)) (١: ٩)، ثم ينقل ما رواهُ الشافعيّ
وجَمَعَهُ حَرْمَلَةَ في «سننه» مما ليس في ((الأم)) ، ثم يدعم المصنف رواية حرملة
بما رواه أبو داود في «سننه» ، ثم يعلق على كل ما ورد في الباب .
(١) (١ : ٢٢٥) من هذا المجلد .
(٢) (١ : ٢٢٦) من هذا المجلد .
(٣) الفقرة (٤٧٨) .
(٤) الفقرة (٥.١).

٤٦ - مَعْرِفَةُ السُنْنِ وَالآثَارِ / ج١
٣ - اعتماد التاريخ في الترجيح = يعني الناسخ والمنسوخ ، وآخر
القولين أو الفعلين من رسول الله # :
وهذا قد اعتمدَ عليه المصنف كغيره وقد وَرَدَ كثيراً في الكتاب نسوق عليه مثالاً
في مسألة ترك الوضوء مما مَسِّتِ النّارُ ، وأَنّهُ كان آخر الأمْرَيْنِ من فِعْلِ رسولِ الله
◌ّ، فقد قال البيهقي عن الشافعي في الفقرة (١٢٩٩) بعد أن ساقَ أحاديثَ
الباب: ألا ترى أن عبد اللّه بن عباس - وَإِنَّمَا صَحِبَهُ بَعْدَ الفَتْحِ - يروي عنه أنه
رآه يأكلُ من كتفٍ شاةٍ ، ثم صلى ولم يتوضأ ؟
قال البيهقي في الفقرة (١٣.٨): قد قيل في سن عبد الله بن عباس يوم توفي
رسول الله ى ما قال الشافعي = يعني ابن أربع عشرة سنة ، ثم يعضد هذا برواية
أخرى فيها أنه ناهزَ الاحتلام يوم توفي رسول الله ﴾ .
٤ - تثبيته للحديث ونصره السنة منشرح الصدر لها ، مبعداً عن
أقوال الصحابة إذا ثبت عنده الحديث :
والكتاب كله شاهد لذلك، إنما نعرضُ لما ذكره في باب «الوضوء من مسِّ الذكر)»
فَقَدَ عَرَضَ لرواية بُسْرَةً ، وذكر مراجعها كموطأ مالك ، وسنن أبي داود ، وشرح
حقيقة مماراة عُروة ومروان ، وأنَّ عُروة صارَ بعدها إلى الأخذ بحديثها ، ثم أتى
بالأحاديث العاضدة له ، وأقوال الصحابة والتابعين الآخذين بهذا الحديث ، ثم ذكر
مِنْ سَابِقَةٍ بُسْرَةَ وقديم هجرتها، وصُحْبَتِها للنبى ◌َّ وتحديثها بهذا الحديث بين
المهاجرين والأنصار دونَ أن يعترضَ عليها منهم أحد ، وردّ على المخالفين بأنّ
حديثهم الذي اعتمدُوا عليه منقطع، ثم أثبتَ أنَّ حديثَ بُسْرَةَ على شَرْطِ البخاري
ومسلم ، ثم ردًّ رواية من قال : لا وضوء من مسِّ الذكر بأنّهُ إنما قالها بالرّآيِ ،
والذي أوجب الوضوء فيه لا يوجبه إلا بالاتباع، وقال: ((إذا ثبتَ الحديث عن
النبي ◌َّ فلا حُجَّةَ في فعل أحدٍ بعده)).
٥ - عرض البيهقي الأسانيد الحديث :
إنّ أسلوبَ الْمُصَنَّفِ في عَرْضِ أسانيده يختلف بين أن يخرج الحديث الواحد الذي
تعددت أسانيده في إسنادٍ واحد ، بطريقة العَطْفِ بين شيوخ الإسناد ، أو التحويل
هـ

تقدمة المحقق - ٤٧
في الإسناد ، أو الجمع بين الطريقين ، انظر (٧٣٣، ٧٣٤، ٧٧٩، ٧٨٠ ،
. ٥١٦، ٥١٦٢) وغيرها كثير.
٦ - جرح أو تعديل رجال الإسناد :
في الفقرة (٩٦٨)، قال : معبد بن نباتة هذا مجهول ، وفي (٩٧٩) : أبو روق
ليس بالقوي ... ، وفي (٩٨٥): وزينب هذه مجهولة، وفي (٩٨٦): العرزميُّ
متروكٌ، وفي (٩٩٥): قال عن الرواية التي قبلها: وكلهم ضعيف لا يُحتج
بروايته ، وبعدها : غالب بن عبد اللّه الجزري: ضعيف، وفي (١٦٥٣): إلا أن
عمرو بن خالد هذا متروك ، وفي (١٦٥٦) : وعمر بن موسى هذا متروك .. ،
وفي (١٦٥٩): أبو الوليد هذا ضعيف ، وفي (.١٦٩) : عبد الَّه بن محمد بن
عقيل مختلف في عدالته ... ، وفي (١٦٩٦) : وسليمان بن أرقم متروك ، وتمام
ابن نجيح غير محتج به ... إلخ ، ومثل ذلك كثير .
٧ - ترجيحه رواية راوٍ أحفظ من غيره وكلاهما ثقة :
في باب «ما تكون به الطهارة من الماء » بعد أن يذكر حديث أبي هريرة ،
يقول : ورواه محمد بن إسحق بن يسار ، عن يزيد بن أبي حبيب ، واختلف عليه
في إسناده ... إلى أن يقول في الفقرة (٤٨٣): الليث بن سعيد أحفظ من محمد
ابن إسحق .
في الفقرة (٢٤٢٩) في المجلد الثاني ، في باب « الأذان قبل طلوع الفجر »
قال المصنف : وهذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة ، ثم قال : حماد
ابن سلمة ساءَ حفظه في آخر عمره ، فلا يُقْبل منه ما يخالفُهُ فيه الحفاظ ...
في باب «القراءة بعد التعوذ)»، الفقرة (٣.٣٩) ، يرجح رواية يحيى بن
سعيد القطان ، فيقول : كيف وقد رواه يحيى بن سعيد القطان ، وهو بالحفظ
والإتقان بالمكان الذي لا يخفى على أُهْلِ العلم بهذا الشأن .

-
٤٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١
في الفقرة (٣ : ٣٦٢٢) يقول : حديث محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد
ابن عمرو بن عطاء : صحيح ، وحديثه عن عباس بن سهل فيه نظر ، فيرجح
المصنف بذلك رواية عن أخرى لنفس الراوي .
٨ - التنبيه على ثبوت الحديث بطريقيه : مرفوعاً وموقوفاً :
رغم أنّ البيقهي يعتمد في الكتاب على الأحاديث المرفوعة إلا أنه يذكر
الأحاديث الموقوفة عن ابن عباس ، والروايات المشهورة عن الإمام علي ، وابن
مسعود ، وما صحَّ عن الفاروق عمر ، معتمداً على أنّ الحديث يثبت بطريقيه :
مرفوعاً وموقوفاً ، لا بل إنه يعتمد الحديث الموقوف حتى ولو لم يذكر اسم
الصحابى فيه ، ويفيد أنَّ ذلك لا يجعل الحديث مرسلاً .
٩ - وصله أحاديث انقطعت من الأصل من رواية الشافعي :
هناك أحاديث في كتاب « الأم » ، ذكرت بإسنادها دون المتن فلما رواها المصنف
في هذا الكتاب فإنه وصلها ، كما وقع كمثال في باب «الأذان والإقامة للجمع بين
الصلاتين والصلوات)»، الفقرة ( ٢٥٢٢) وما بعدها حيث نقل المصنف من الأم
(١ : ٨٦) حديث سالم عن أبيه ، ثم قال :
قال أحمد : انقطع الحديث من الأصل ، وإنّمَا أرَادَ حديث الجمع بمزدلفة بإقامة
واحدة .
والذي يدلُّ عليه ما أخبرنا أبو إسحاق الفقيه ( قال ) ، أخبرنا شافع بن محمد
(قال ) ، أخبرنا أبو جعفر الطحاوي ( قال ) ، حدثنا المزني ( قال ) ، حدثنا
الشافعي ، عن عبد الله بن نافع ، عن ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن
عبد الله ، عن أبيه :
((أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌ِ صلَّى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا، لم ينادِ في واحدة
منهما إلا بإقامة ، ولم يسبّح بينهما ، ولا عَلى أثر واحدة منهما)).

تقدمة المحقق - ٤٩
وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ، حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ،
حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم ، أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن أبي
ذئب ، ( فذكره بإسناده نحوه ) .
وهذا أوردته كمثال ، وأضرابه كثير .
١٠ - غريب ألفاظ الحديث في معرفة السنن والآثار ومصادر (١)
المصنف فيها :
أ - قال ابن الصلاح : معرفة غريب الحديث فن فهمٍ يقبح جهله بأهل الحديث
خاصة ، ثم بأهل العلم عامة ، والخوض فيه ليس بالهين ، والخائض فيه جدير
بالتحري وجدير بالتوقي .
وقد وقع في الأحاديث التي استشهد بها المصنف في « معرفة السنن والآثار »
كثير من الألفاظ الغريبة فكان للمصنف عناية خاصة بهذه الألفاظ ، كشرحه للفظ :
البيضاء من الحبوب ، في الفقرة (٨ : ١١٢٢٤)، واعتماده على كتاب أبي
سليمان الخطابي، في الغريب، وكتاب ((الغريبين )) الهروي وكتاب الفراء ،
وغريب الحديث لأبي عبيد كما صرح بذلك، وانظر أيضاً (٦ : ٧٩٩٠) و (١٣:
١٧٣٦٩) ؛ وغير ذلك .
ب - بالإضافة إلى ذلك استدلاله بلفظ ورد في حديث ، ليوضح به نفس اللفظ
في حديث آخر ، ومثال ذلك استدلاله بحديث المعراج الذي ورد فيه تشبيه النبي
* ما رأى ليلة المعراج من نبقِ سِدْرَةِ المنتهى بِقلالِ هَجَر، لتفسير ما ورد بحديث
آخر: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل نَجَساً .. » (٢).
(١) ثم وضع فهرس خاص لغريب اللغة والمفردات المفسرة الواردة في الكتاب في المجلد الخامس
عشر ، ولله الحمد والمنة .
(٢) انظر المجلد الثاني، ص (٩١).

٥٠ - مَعْرِفَةُ السَُّنِ والآثارِ / ج١
١١ - الركون إلى الروايات السالمة من الاضطراب ، وتنبيهه لدفع
توهم الاختلاف عن بعض الأحاديث :
بعد أن يذكر المصنف أُصَحَّ ما وردَ في الباب وهي الروايات التي ركَنَ إليها
وسلمتْ من الاضطراب ، فإنه لا ينسى أن يشيرَ إلى الروايات الضعيفة والمضطربة
ففي نهاية باب ((الوضوء بالماء المسخن)» في الفقرة (٥١٣).
قال الشيخ أحمد ، رحمه اللّه : قلت : وأما ما روي عن عائشة، عن النبي
من قوله في ذلك: (( يا حُمَيْرَاءُ لا تفعلي ، فإنه يورث البرص)» لا يثبت البتة ،
قد بينا ضعفه في (( كتاب السنن )) .
وفي باب الوضوء بالنبيذ ، الفقرة (٥١٦) من المجلد الأول ، يقول :
وأما حديث ابن مسعود، أنه كان مع النبي ◌َّ ، ليلة الجن وأنه خط حوله خطأ
وقال : لا تخرجن منه . وأنه لما رجع قال : هل معك من وضوء ؟ قال : لا . معي
إدارة فيها نبيذ ، فقال : تمرة طيبة ، وماؤه طهور . وتوضأ به - فقد روي من أوجه
كلها ضعيف ، وأشهرها رواية أبي زيد ، مولى عمرو بن حريث ، عن ابن مسعود ،
وقد ضعفها أهل العلم بالحديث .
وفي باب الآنية الفقرات (٥٤٩ - ٥٥٤) يقول :
وأما حديث أبي بكر الهُذَّلي ، عن الزهري ، عن عبيد بن عبد الله ، عن ابن
عباس ، موقوفاً: (( إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم ، فأما الجلد ،
والسن ، والعظم ، والشعر، والصوف - فهو حلال)).
فقد روينا عن يحيى بن معين أنه قال : هذا الحديث ليس يرويه إلا أبو بكر
الهذلي، عن الزهري، ((وأبو بكر الهذلي)) ليس بشيءٍ)).
قال الشيخ أحمد: وقد روي عن ((عبد الجبار بن مسلم )» عن الزهري شيء في
معناه .

١
تقدمة المحقق - ٥١
((وعبد الجبار )) ضعيف . قاله أبو الحسن الدارقطني الحافظ ، فيما أخبرنا
أبو بكر بن الحارث عنه .
قال الشيخ أحمد: وحديث أم سلمة مرفوعاً: ((لا بأس بمسك الميتة ( إذا دبغ
ولا بشعرها إذا غسل ) بالماء ، وإنما رواه يوسف بن السفر ، وهو متروك في عداد
من يضع الحديث .
وهو كثير في الكتاب يحتاج حصره إلى مجلد مستقل .
١٢ - مراتب الرواة في ((معرفة السنن والآثار)):
يقول البيهقي في مقدمة ((المعرفة)) في الفقرة (٣١٥):
والأحاديث المروية على ثلاثة أنواع :
فمنها : ما قد اتفق أهل العلم بالحديث على صحته ، فذاك الذي ليس لأحد أن
يتوسع في خلافه ، ما لم يكن منسوخاً .
ومنها : ما قد اتفقوا على ضعفه ، فذاك الذي ليس لأحدٍ أن يعتمد عليه .
ومنها : ما قد اختلفوا في ثبوته : فمنهم من يضعفه بجرح ظهر له من بعض
رواته ، خفِيَ ذلك على غيره ، أو لم يقف مِنْ حاله على ما يوجب قبولَ خبره ، وقد
وقف عليه غيره . أو المعنى الذي يجرحه به لا يراه غيره جرحا . أو وقف على
انقطاعه ، أو انقطاع بعض ألفاظه. أو إِدْرَاج بعض رواته قول رواته في مَتْنِه .
أو دخول إِسناد حديث في حديث خفى ذلك على غيره .
فهذا الذي يجب على أهل العلم بالحديث بعدهم : أن ينظروا في اختلافهم ،
ويجتهدوا في معرفة معانيهم في القبول والردّ ، ثم يختاروا من أقاويلهم أصحها .
وبالله التوفيق .
وما يهمنا من هذه الفقرة مراتب الرواة ، التي قد أشرنا إليها آنفاً ، وهو قول
المصنف عن الصحابة: ((وأصحاب النبي ## كلهم ثقة، فترك ذكر أسمائهم في
الإسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه))، وفي الفقرة (٣ : ٣٩٥٨)

٥٢ - مَعْرِفَةُ السُّننِ والآثارِ / ج١
يقول : والربيع بن أنس تابعيٍّ معروف من أهل البصرة ، ورد خراسان ، سمع أنس
ابن مالك وأبا العالية ، وروى عن عبد الله بن المبارك وغيره من الكبار .
كما أنه في مجال الرواة الضعفاء فإنه يذكرهم ، ويذكر من ضعفهم أيضاً ، ويميز
الراوي بالإسم والكنية ، وكذا فإنه يميز من ذكر بأسماء مختلفة ، (٢: ١٨١٨)،
ويشير إلى من اشتهر بمخالفة الثقات (٢ :١٨٣٠)، وفي (٢ : ٢٦٤٤) يذكر أن
مرسل حفص بن عمر بن سعد حسنٌ، وفي (٢ : ٣.٣٩) يذكر توثيقاً قوياً لرواية
يحيى بن سعيد القطان وأنه مشهور بالحفظ والإتقان، ويعرف في (٣ : ٤٧١٠)
ذا الشمالين ويذكر اسمه ، وفي ( ٦ : ٧٨٨٣): وقد أثنى جماعة من الحفاظ
على سليمان بن داود الخولاني منهم أحمد بن حنبل ، وأبو زرعة الرازي ... ، وفي
(٧ : ٩٢٦٩) يقول: أبو نصر السلمي غير معروف، وفي (١٤: ١٩١٨٩)
يذكر أن كنية مقسم : أبا القاسم ، ولا يألو جهدا أن يميز المشتبه من الرواة ،
ويوضح من له اسم واحد، ومن له أكثر من اسم، ومن اختلف في اسمه (١) كما
يميز المبهمات (٢) ، وما إلى ذلك .
١٣ - ضَمُّهُ الأسانيدَ بعضها إلى بعض لتأخذَ قُوَّةً:
في باب «سؤر ما لا يؤكل لحمه)) (٣) استدل المصنف على أن سؤر الحيوان
المأكول اللحم طاهر ، وكذا سؤر جميع الحيوانات من الخيل والبغال والحمير والسباع
... ، وكان معتمداً في ذلك على حديث جابر الذي أخرجه الشافعي ، والدارقطني
وقد رواه بعدة أسانيد في النصوص (.١٧٦، ١٧٦٢، ١٧٦٤، ١٧٦٦ )، ثم
(١) في النص (١٨١٨) قال: اختلفوا في اسم ابن رافع هذا، فقيل: عبيد اللّه، وقيل: عبدالله
واختلفوا في اسم أبيه أيضاً ؛ فقيل : عبد الرحمن ، وقيل : عبد اللّه.
(٢) في النص (.١٨٢) - موضحاً اسم راوٍ مبهم ورد بلفظ : رجل : هذا الرجل هو إبراهيم بن
محمد بن أبي يحيى، وفي (١٨٥١) قال البيهقي : هذا الثقة هو أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي
فإن الحديث مشهور به ، وفي النص (١٨٨٧) ، قال عن راوٍ مجهول: هو إبراهيم بن محمد ، وأضراب
ذلك كثير .
(٣) من النص (.١٧٦)، (٢: ٦٥) وما بعدها.

تقدمة المحقق - ٥٣
قال: « فإذا ضممنا هذه الأسانيد بعضها إلى بعض أخذت قوة)) ، ثم أورد حديث
قتادة في سؤر الهرة ، وذكر أن الاعتماد عليه ، وأنه في معنى حديث جابر .
١٤ - السنن والآثار في مفهوم الاستدلال عند المصنّف :
تقدم في رقم (٤) من هذا الباب تحت عنوان : تثبيته للحديث ونصره السنة
منشرح الصدر لها مبعداً عن أقوال الصحابة إذا ثبتَ عنده الحديث ، ولكن كيف
يستدل البيهقي بالآثار الواردة عن الصحابة والتابعين ؟
يبين لنا المصنف في باب (( أقاويل الصحابة)) أن العلم طبقات : ( الأولى ) =
الكتاب والسنة ، ( والثانية ) = الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة ،
(والثالثة) = أن يقول بعض أصحاب النبي ﴾ ولا نعلم له مُخالفاً منهم،
(والرابعة ) = اختلاف أصحاب النبي #، (والخامسة) = القياس على بعض
هذه الطبقات .
من هنا فإنه يثبت الآثار الواردة بإسناد قوي ويدعمها بآثار أخرى تزيدها قوة
ويدعم بها استدلاله للمسألة ، أما تلك الأبواب التي ورد بها حديث ضعيف فإنه
يستدل لها من الآثار القوية ، ومن الآثار الحسنة أيضاً .
في باب ((الوضوء بالماء المسخّن)) لا يوجد إلا ما أثر عن الفاروق عمر أنه كان
يُسَخّن له الماء فيغتسل به ويتوضأ ، وفي هذا الأثر : إبراهيم بن محمد بن أبي
يحيى الأسلمي المدني ، وهو شيخ الشافعي ، روى عنه لأنه لأن يخرّ من السماء
أحب إليه من أن يكذب ، وقد ذكر البيهقي أنه ليس بمنكر الحديث ، وأن المنكر من
قِبَلٍ من يروي إبراهيم عنه، وأن له أحاديث كثيرة، وله كتاب ((الموطأ)) أضعاف
((موطأ)» مالك، وقد روى عنه ابن جريج ، وسفيان الثوري ، وعباد بن منصور ،
وأنه من جملة من يكتب حديثه ، ومن هنا استدلّ البيهقي بالأثر في هذا الباب عن
الفاروق عمر والذي رواه إبراهيم ، ولم يستدل بالحديث المروي عن عائشة لأنه لا يثبت
البتة .

بين البيهقي والطحاوي
في ختامِ مقدمة المصنف لكتابِهِ يُحَدَثُنا بِأَنَّهُ عِنْدمَا شَرَعَ في تَصْنِيفِ كتابه بَعَثَ
إليه بعض إخوانه مِنْ أُهْلِ العِلْمِ بالحديث بكتابٍ لَأبى جعفر الطحاوي ، وشكا فيما
كتبَ إليه ما رأى مَن تَضَّعِيفَِ أخبارٍ صحيحةٍ عند أُهْلِ العلمِ بالحديثِ حين خَالَفَهَا
رَأَيَهُ ، وتصحيحٍ أخبارٍ ضعيفةٍ عندهم حين وافقها رأيه ، وسَأَلَهُ أنْ يُجيبَ عما احتجِّ
به فيما حَكَمَ به من التَّصْحِيحِ والتعليلِ في الأخبار، فاستخارَ الْمُصَنِّفُ اللهَ تعالى
في النظر فيه ، وأضافَ الجوابَ عنه إلى ما خَرَّجه في هذا الكتاب ، وذكرَ الْمُصَنَّفُ
أن في كلام الشافعي على ما احتجَّ به أو ردّ من الأخبارِ جوابٌ عَنْ أكثرِ ما تَكُلُّفَ
هذا الشيخ من (« تَسْوِيَةِ الأخبار )) على مَذْهَبِهِ ، وتضَعيفِ ما لا حيلةَ له فيه بما
لا يُضَعَّفُ به، والاحتجاجِ بما هو ضعيفٌ عند غيره.
وقد تَعَرَّضَ البيهقي للردِّ على الطحاوي في مُعْظَمِ المسائلِ التي اختلفَ فيها
الشافعية مع الحنفية، وقد قال عن الطحاوي مرة «تَرَكَ حديثَ رسول اللَّه عَّ فلم
يَقُلْ به، وتَرَكَ الأثَّرَ الذي رَوَاهُ عن عليٌّ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ ، ثم روَى أقاويَلَ بَعْضِ أُهْلِ
العِلْمِ فَخَالَفَهُمْ في بعضها ، .. ثم زَعَمَ أَنَّهُ يَتبِعُ الآثاَرَ ، وهو فيما رَأَيْنَا يَتْرُكَهَاَ .
وقال عنه مرة أخرى: ((وَدَعْوَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ في هذه الأخبار بأخبارِ النَّهْىِ
عَنْ صَلاةِ التَّنَقُّلِ بَعْدَ الصُّبْحِ والعَصْرِ - بَاطِلَةٌ، لا يَشْهَدُ لها تاريخٌ، وَلَا سَبَبٌّ
يَدُلُّ على النَّاسِخَ منهما، والجمعُ بين الأخبار إذا أمْكَنَ أوْلى من إِبْطالِ ما لا يُوافِقُ
مَذْهَبَهُ )) .
وَيَصِفَهُ بِأَنَّهُ (( يُسَوِّي الأَخْبَارَ على مَذْهَبِهِ ، وَيَجْعَلُ مَذْهَبَهُ أُصْلاً، وأُحادِيثَ
رسول اللَّه ◌َّ تَبَعاً!)).
وَيَصِفُهُ بالجَهْلِ في تَرُكِ الحديثِ أُصْلاً ، بِأَنَّهُ لا يَعْلَمُ مِقْدار القُلُّتَيْنِ ، ولا يكون
عُذْراً (١) .
(١) (٢: ٩٢)، الفقرة (١٩.٣).
٥٤

تقدمة المحقق - ٥٥
وفي باب «نزح بئر زمزم )) (١)، قال عنه: تَرَكَ الطحاويُّ القَوَّلَ بحديثٍ بئرِ
بُضَاعَةً، وَحَمَلَهَا على ما يَعْلَمُ جيران بئرِ بضاعة من حالِها خلافَ ما قال، واحتجٌ
بما رُوِيَ عن عليٌّ وابن الزبير ، وإسنادهما مختلف فيه ، وهو لا يقولُ بما رواه عن
عليٌّ في الفأرةِ، وأَنَّهُ تَرَكَ حديثَ النبي ◌َِّ فلم يَقُلْ به، وتركَ الأثَرَ الذي رواهُ عن
علي فلم يَقُلْ به ، ثم روى أقاويلَ بعضِ أُهْلِ العلم ، فخالفهم في بعضها ... ثم
زعم أنه يتبع الآثار ، وهو فيما رَوَيْنا يتركها !
في الفقرة (٢٩٦٤) (٢) في باب ((رفع اليدن في التكبير في الصلاة)) يذكر
المصنف الطحاوي بالإسم ، فيقول: ((واعتمدَ الطحاويُّ على حديث وائل بن حجر
في الرفع حذو الأذنين ، وحملَ سائرَ الأحاديث على أنها وَرَدَتْ في الرَّفْعِ في
الثياب لعلّةِ البَرْدِ إلى منتهى ما يُستطاع الرفع إليه ، وهما المُنْكِبان ، وغفلَ عن
رواية سفيان بن عُيَيْنَةً ، وغيره عن عاصم بن كُليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر :
((رأيتُ رَسُولَ اللَّه ◌َ﴾ إذا انْتَتَحَ الصَّلاةَ يرفع يديه حَذْوَ مَنْكبيه، وإذا ركع، وبعد
ما يرفع رأسه من الركوع ، قال وائل : ثم أتيتهم في الشتاء ، فرأيتهم يرفعون
أيديهم في البرانس )) .
يعقب البيهقي في رده بعد ذكر الحديث ، فيقول :
فهلاً جعل هذه الرواية أولى من رواية مَنْ روي عنه حذاء أذنيه ، لموافقتها رواية
غير وائل ممن سميناهم ، ولا يحمل رواية الجماعة على النادر مِنَ الأحوال ، مع أنه
قد يستطاع الرفع في الثياب إلى الأذنين ، وفي زعمه إلى المنكبين ولم يرفعهما في
روايته إلا إلى صدره ، فكيف حمل سائر الأخبار على خبره ، وليس فيه ما حملها
عليه ، وقد خالفه في موضعين آخرين : في الرفع عند الركوع ، ورفع الرأس منه ،
وقال من الطعن في روايته ما لا يجوز قوله في رواية أحد من الصحابة . وبالله
التوفيق .
(١) (٢: ٩٧ - ٩٨)، الفقرات (١٩٣٧ - ١٩٤٦).
(٢) (٢ : ٣٣٧) .

٥٦ - مَعْرِفَةُ السُّنْنِ والآثارِ / ج١
في الفقرة (٣٣.٨) (١) في باب ((من قال لا يرفع يديه في الصلاة إلا عند
الإفتتاح )) يذكر المصنف أنه قَرَأُ في كتاب الطحاويِّ حَمْلَهُ حديث ابن عمر في رَفْعِ
اليدين إذا رَفَعَ رَأَسَهُ من الركوع على أنَّهُ صَارَ مَنْسُوخاً ، واحتجاجه بذلك بحديث
أبي بكر بن عياش، عن حُصين، عن مجاهد، قال: (صَلَيْتُ خلف ابن عمر فلم
يرفع يَدَيْه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة)) .... وبعد أن يضعف البيهقي هذا
الأثر ، ويفند دعاوى الطحاوي ، يقول : وفي هذا دليلٌ على بُطْلانِ ما ادَّعاهُ هذا
الشيخ من نَسْخِ حديث الرفع بما روي من تَرْكِ ابن عمر الرفع في بعضِ أيامه ، ومع
ما مضى من طَعْنِ الْحُفّاظِ في تلك الرواية ، ومَذْهَبُ ابن عمر في الرَّفْعِ أُشْهَرَ مِنْ
أُنْ يُمكنَ التلبيس عليه .
في باب ((الوتر)) من كتاب الصلاة بعد أُنْ يُرَتِّبَ المُصَنَّفَ أُدْلَةِ الإِمامِ الشافعيِّ
في جوازِ الوتر بواحدةٍ ، ويدعمها بأحاديثَ وآثارَ أُخْرى ؛ ينتقدُ صنيعَ الطحاوي في
« شرح معاني الآثار))، فيقول (٢): ولكن من يريد تصحيحَ الأخبارِ على مَذْهَبِهِ
لا يجدُ بُدّاً من أن يحملَ السلام عن الصلاةِ على التشهدِ دون السلام ، ووتر عثمان
وسعد بركعةٍ على الوهم ، وتصويب ابن عباس معاوية على الثّقْيَةِ ، ورواية أبي
أيوب الأنْصاري على مُخالفَةِ الإجماع ، وبالله المستعان .
في الباب الذي يليه = ((الوتر بخمس ركعات)) (٣)، يتتبع المصنف الأحاديث
والآثار الواردة ، ثم يقول : وعلى هذا سائر أُهْلِ العلم بالحديث ، فَأُمَّا مَنْ زَعَمَ أنَّ
رواية عُرْوَةً في هذا قد اضطربت فَأُدَعُهَا وأرجعُ إلى روايةٍ من رواها مطلقةٌ ليس
فيها من التفسير ما في روايةٍ عُروةً ليمكنني تصحيحها على مذهبي ، أو إلى
رواية من لعلُهُ لم يَدْخُلْ على عَائِشَةَ إلا مَرَّةٌ واحِدَةً ، ولم يسمع منها وراء الحجابِ
إلا مَرَّةً ، فإنه لا ينظر في استعمالِ الأخبارِ لدينه ، ولا يحتاط فيها لنفسه، واللّه
يُوفقنا لمتابعةِ السُّنّةِ ، وترك الهوى بِرَحْمَتِهِ .
(١) (٢ : ٤٢٨ ) .
(٢) الفقرة (٥٤٧٥)، (٤: ٦٣).
(٣) الفقرة (٥٤٩١)، (٤ : ٦٧).

تقدمة المحقق - ٥٧
في الباب التالي له، باب - ((الوتر بتسع ركعات)) (١)، قال المصنف:
واحتجَّ بعض من لا يجوِّز الوترَ بِرَكْعَةٍ واحدةٍ بهذا الحديث ( حديث عائشة عن وتر
رسول اللَّه ◌َي) ثم تَركَهُ ، فلم يجوِّزِ الزيادةَ في الوترِ على ثلاث ركعات ، ولا الزيادة
على ركعتين في صلاة الليل ... واحتجَّ بروايةِ الزُّهْريِّ، عن عروة ، عن عائشة ،
عن النبي ۶﴾﴾ أنه کان یسلّم من كل ركعتين ويوتر بواحدة - فترك من حديث الزهري
ما لا يوافقه ، وترك من حديث سعد بن هشام ما لا يوافقه ، ويَدَّعي مع هذا متابعة
الآثار ، والله حسيبُ الكل .
*
K
عَلى هذا المنوالِ تَتَنَاثَرُ مَادَّةُ البَيْهِقِي النَّقْدِيَّةِ في ثَنَايا الكتاب ، وَلَيْسَت بالكثيرة
لكنَّها تُضيفُ إلَى كتابٍ ((مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ )) ما يزيدُهُ قُوَّةً إلى قُوَّتِهِ ، في
تَجْلِيَّةِ مَذْهَبِ الإمامِ الشَّافِعِيِّ، ونُصْرَتِهِ ، وَدَعْمٍ مَا أُوْرَدَهُ الإمامُ الشَّافِعِيُّ في
((الْأَم)) بما يُقويه وَيَعْضِدُهُ ويحولُ ((الْمَعْرِفَةَ)) إلى كتابٍ مِنْ أُعْظَمِ كُتبِ النّقْدِ
الحديثيِّ، والفقهِ المقارن، يَتَعرِّفُ النَّاظِرُ فِيهِ وَجْهَ الحقِّ فيماَ رَدّ به الْمُصَنِّفُ على
كتابٍ ((شَرْحٍ مَعَاني الآثار)) للطحاوي ، خاصةً - في الخلافِ حَوَلَ بَعْضِ المسائِلِ
في العباداتِ ، والمعاملاتِ ، والأحكام ، وما إلى ذلك .
وأبو جعفر الطحاويُّ توفىَ قَبْلَ ولادةِ البيهقي بنحو ستينَ سنة ، حيث أُنَّهُ ولدَ
(٢٣٩)، وكانت وفاته (٣٢١) بينما ولَد مُصَنِّفُ هذا الكتاب سنة (٣٨٤) ، وهو
مُحَدِّثُ الدِّيارِ المِصْرِيَّةِ ، وكانَ أول شيخٍ له خاله : المُزَني أحد تلاميذ الإمام
الشافعي المشهورين، والذين قال عنه: ((المزني ناصر مذهبي»، وله مختصر
كتاب ((الأم )) ، وقد تركَ الطحاوي خَالَهُ ، وانضمَّ إلى العالم الحنفي : أحمد بن
أبي عمران، وَجَمَعَ، وصنّف، وارتحلَ، حتى انتهت إليه رئاسةُ المَذْهَبِ الخَتَفِيِّ
قال الذهبي: «مَنْ نَظَرَ في تواليفِ هذا الإمام عَلِمَ مَحلّهِ من العِلْمِ وسَعَةٍ
مَعَارِفِهِ )) (٢) .
(١) الفقرة (٥٤٩٤)، ص (٤: ٦٩).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٥: ٢٧).

٥٨ - مَعرِفُ السُّنُنِ والآثارِ / ج١
وَقَدْ صَنَّفَ الطحاوي ((شرح معاني الآثار)) لبعضٍ أُصْحابِهِ الذين سَأَلُوهُ أُنْ يَصَنعَ كتاباً يَذْكُرُ فيه
الآثارَ عَنْ رسولِ اللَّه ◌َ في الأحْكامِ التي يَتَوَهّمُ أُهْلُ الإلحادِ والضَّعَفَةِ من أُهْلِ الإسلامِ أُنَّ بَعْضَها
يَنْفُضُ بعضاً لِقِلَّةٍ عِلْمِهِمْ بناسِخِها من مَنْسوخِها ، وما يَجِبُ به العلم منها، لِمَا يَشْهَدُ له من الكتابِ
النَّاطِقِ ، والسُّنَّةُ المجتمعِ عليها ، وجعل لذلكَ أبوايا ذكر في كل كتاب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ
وتأويل العلماء واحتجاج بعضهم على بعض ، وإقامة الحجة لمن صح عنده قوله منهم ، بما يصح به مثله
من كتابٍ أو سُنّةٍ أو إجماعٍ أو تواتر من أقاويل الصحابة أو تابعيهم .
قال الطحاوي : وإني نظرت في ذلك وبحثت عنه بحثا شديدا ، فاستخرجتُ منه أبوابا على النحو
الذي سأل ، وجعلتُ ذلك كُتبا ، ذكرتُ في كل كتاب منها جنسا من تلك الأجناس . فأوّلُ ما ابتدأتُ
بذكره من ذلك ما رُويَ عَنْ رسولِ الله ◌َ في الطهارة ، فمن ذلك باب الماء يقع فيه النجاسة ... ).
وطريقة الطحاوي ومنهجه في هذا الكتاب أنه يورد أحاديث وآثارا تفيدُ حكما معينا ، ذهب إليه
بعض العلماء مستندين إلى هذه الأحاديث والآثار. ثم يأتى بأحاديثَ وآثارَ أخرى ، تفيد نقيض الحُكْمِ
الأول، ثم يُرَجِّحُ بَعْضَ الآثارِ على بعضٍ ، وغالبا ما يأتي بالرأي المخالفَ في الأول ، وإنْ ذَهَبَ إلى هذا
الرأى بعض أئمة الأحناف بيِّن ذلك ، كقوله مثلا في ( باب سور الهرة ) بعد أن أوْرَدّ الآثار التي تفيد
أنَّ الهرَّةَ لا بأسَ بسؤرھا: ( وقال أبو جعفر : فذهب قوم إلى هذه الآثار ، فلم يروا بسؤر الهر بأسا ،
وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف ومحمد ) (١) ، ثم يأتى بالرأى الذي يميل إليه ثانيا، ويحتجّ له بالآثار
وقد يتتبع الكلمة أو التعبير في استعمال الأحاديث ليصل إلى المراد منها ، وفى أثناء ذلك يتبين سعة
علمه بنقد الرجال ، وعلل الأحاديث . ثم يأتى بالعلة العقلية أو النظر ، ليقوي الرأى المختار ، وقد يقدم
على النظر الاحتجاج بعمل الصحابة والتابعين أو يؤخره عنه، ثم يبين أن هذا الرأي الذي رَجِّحَهُ هو رأي
أئمة الأحناف أو بعضهم ولا يترك ذلك إلا قليلا .
وقلما يصرح الطحاوي باسم مخالفه من غير مذهب الأحناف ، وإنما شأته أن يقول: ( فذهب قوم إلى
هذه الآثار .. وخالفهم في ذلك آخرون ) ثم لا يذكر من الأسماء الموافقة أو المخالفة إلا أسماء أئمة
الأحناف ، وإلا أسماءَ الصَّحَابَةِ والتابعين. أُمَّا أصحابُ المذاهبِ الأُخْرَى أو تلامذتهم، فَقَلْما يصرحُ
(٢)
باسمٍ واحدٍ منهم (٢) .
(١) معاني الآثار ١ - ١١.
(٢) ومن هذا القليل قوله فى ( كتاب الحجة في أن مكة فتحت عنوة ) وممن قال هذا القول أبو حنيفة والأوزاعى ، ومالك
ابن أنس، وسفيان بن سعيد الثوري). ( معاني الآثار ١٨٤/٢ - ١٩٧).

تقدمة المحقق - ٥٩
ولهذا الكتاب مكانة عظيمة ، وقد نالَ به الطحاوي شهرةً واسعةً ، حتى إن بعض المترجمين يفردونه
بالذكر عند التعريف بالطحاوي ، فيقولون: ( ... الطحاوي صاحب شرح الآثار) (١)، وذكر العينى
أنه ( أحسن مصنفاته، وأنفع مؤلفاته) (٢)، وأنه (فايق على غيره من الأمثال والأنظار ، مشتمل
على فوايد جسيمة ، إن أردت حديثا ، فكبحر متلاطم أمواجا ، وإن أردت فقها رأيت الناس يدخلون
فيه أفواجا ، من شرع فيه لم يزل يعاوده ، ومن غرف منه غرفة لم يزل يراوده ومن نال منه شيئا نال
مناه) (٣)، كما أقام الدليل على إمامة الطحاوي في الحديث، بهذا الكتاب؛ إذ قال: ( ... ومما يدل
على ذلك أيضا تصانيفه المفيدة ، ولا سيما كتاب معاني الآثار ، فإن الناظر فيه المنصف إذا نأمله يجده
راجحاً على كثير من كتب الحديث المشهورة المقبولة ... ) (٤).
لهذا كان لأهلِ العلم عناية خاصة بكتاب معاني الآثار ، وتلخيصه وشرحه ، والكلام في رجاله .
فممن لخصه حافظ المغرب ابن عبد البر ، وبه امتلأ قلبه إجلالا للطحاوي ، ولذلك يكثر النقل عنه في
كتبه ، ولا سيما ( التمهيد) (٥) . وممن لخصه أيضا : الحافظُ الزيلعي صاحب نصب الراية ،
وملخصه محفوظ بمكتبة رواق الأتراك بالأزهر ، ومكتبة كوبريللي بالآستانة ، ولخصه أيضا أبو الوليد
محمد بن رشد المالكي وهو يذكر روايات الطحاوي بعد حَذْفٍ أسانيدها . ثم يورد رأي الطحاوي وقد
يعلق عليه ابن رشد برأي مالك في الموافقة أو المخالفة ، والمختصر مخطوط بدار الكتب المصرية (٦).
أما شراحه فهم كثيرون ، منهم الحافظ عبد القادر القرشي صاحب ( الحاوي في بيان آثار
الطحاوي) (٧) . وهو يعرف برجال السند ، ويذكر رأي علماء الجرح والتعديل فيهم ، توثيقا أو توهينا
كما يبين من روى لهم من أصحاب السنن والمسانيد ، ويقول في مقدمة كتابه ( ... فقد سألني من يتعين
عليّ إجابته أن أضعَ له كتاباً مختصرا في عزو أحاديث كتاب معاني الآثار للحافظ أبي جعفر الطحاوي
رحمه الله إلى الكتب المشهورة من الصحيحين والسنن الأربعة والمسانيد ، وغير ذلك ، مبينا صحيحها
وحسنها وضعيفها ... ) .
ومن الذين خدموا هذا الكتاب خدمة جليلة - الحافظ البدر العيني ، الذي كان يتولى تدريسه
بالمؤيدية ، وكان لهذا الكتاب كرسي خاص فيها كباقي أمهات الحديث ، وألف العيني شرحين كبيرين :
(١) انظر: اللباب في تهذيب الأنساب، لابن الأثير ٨٢/٢.
(٢) مغاني الأخيار، ورقة ٣ أ. والعينى: هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد الحنفي قاضي القضاة، بدرالدين .
ولد سنة ٧٦٢ هـ بعين تاب ، ونشأ بها وتفقه وبرع في النحو وأصول الفقه والمعاني بالعلامة جبريل بن صالح البغدادي ،
وأخذ عن الجمال يوسف الملطي والعلاء السيرافي والزين العراقي وغيرهم . ولي نظر الحسبة بالقاهرة مرارا ثم نظر الأحباس ثم
قضاء الحنفية ومن مصنفاته غير شروح معاني الآثار شرح المجمع وشرح درر البحار وعمدة القارئ شرح صحيح البخاري وشرح
الهداية وغير ذلك. مات سنة ٨٥٥ هـ ( انظر النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير ص ٥ هـ ).
(٣ و ٤) مغاني الأخيار ١، أ،٢ ب.
(٥) الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي ص ٣٣.
(٦) رقم (٤١٩) حديث - دار الكتب المصرية .
(٧) رقم (١٩٥) حديث - دار الكتب المصرية .

٠ ٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ / ج١
( أحدهما): (نخب الأفكار في شرح معاني الآثار) (١)، وخطته فى هذا لشرح أن يترجم لرجال
الحديث . ومقدار الثقة بروايتهم ثم يخرج الحديث من كتب الصحاح والسنن والمسانيد ، ثم يشرح ألفاظ
الحديث ويعلق عليه ، أما الشرح الآخر ) : فهو ( مباني الأخبار في شرح معاني الآثار ) ولم يتكلم
فيه عن الرجال حيث أفردهم بمجلدين سماهما ( معاني الأخيار في رجال معاني الآثار ) (٢) . ولقاسم
ابن قطلوبغا ، الحنفي، المتوفي سنة ٨٧٩ هـ كتاب في رجال معاني الآثار يسمى: ( الإيثار برجال
معاني الآثار ) .
وما صَنَعَهُ البيهقيُّ في الرد على الطحاوي لأنه اندفع في التَّوَرَكِ على الشافعي
ونقد مذهبه ، فجاءَ وحمل على الطحاوي هذه الحملة ، وَوَصَمَهُ بالجهلِ في علمٍ
الحديث ، وهذا يَحْدُثُ بين العلماء ، وقد أُفْرَدَ له ابن عبد البر في جامع بيان العلم
باباً سَمّاهُ: ((باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض» (٣).
ولكن لماذا يختلفُ العلماء في المسائل الفقهية كل هذا الاختلاف البائن ،
ويتعرَّضوا لبعضهم بهذا النقد اللاذع ؟ وهلاً اجتمعت كلمتهم في الأحكام الشرعية
على مذهبٍ واحدٍ كما اجتمعت كلمةُ أُهْلِ السُّنَّةِ والجماعة فى مسائِلِ العقيدة
الإسلامية على مَذْهَبٍ واحد ؟
إِنَّ الاختلاف بين البشر أُمْرٌ واقعٌ ومن لوازمهم ولا يشكِّلُ خَطْراً على الأُمّة ، فقد
كانَ الصحابة والتابعون رضي اللَّه عنهم ومن بعدهم يختلفونَ في الرأي مع اتحاد
كلمتهم ، وَوَحْدَةِ صُفوفهم، وَسَلفُ الأمة، وجميعُ الأَئِمَّةِ لم يختلفوا لِيُخَطِّئَّ بعضهم
بعضاً ، وإنما اختلفوا في سبيلِ الوصولِ إلى الحقِّ، وتحقيقِ مقاصد الشرع (٤).
(١) رقم (٥٢٦) حديث - دار الكتب المصرية .
(٢) رقم (٧٢) مصطلح حديث - بدار الكتب المصرية ، ومباني الأخبار رقمه (٤٩٢) حديث - بدار الكتب المصرية ،
وانظر كتاب ((أبو جعفر الطحاوي وأثره في الحديث)) لعبد المجيد محمود .
(٣) في رسوخ قدم الطحاوي في علم الحديث انظر ما كتبه عبد المجيد محمود في كتاب ((أبو جعفر
الطحاوي، وأثره في الحديث)) ( نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٣٩٥) - انظر ص (١٧٢ -
٢٢٢) في إثباته رسوخ قدم الطحاوي في الحديث .
(٤) حصر الإمام النحوي ابن السيد البطليوسي (٤٤٤ - ٥٢١) أسباب الخلاف في كتابه «الإنصاف
في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم » في ثمانية أسباب هى : =