Indexed OCR Text
Pages 221-240
تفسير العدالة بما ذَكَرَ وإن تطابقت عليه كتب أصول الفقه وعلوم الحديث، وكتب الفقه، وقد يحذف البعض قيد الابتداع - إلاّ أنهم الكل اتفقوا: (أنها ملكة .. إلى آخره [ثم] (١) لا يخفى أن في عبارة الحافظ في رسمه للتقوى قصوراً، حيث قال: والمراد بالتقوى .. الخ، فإنه لا بد من زيادة قيد واجتناب المقبحات. إذا عرفت تطابقهم على أنها ملكة والملكة هي: كيفية راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة، يمتنع بها عن اقتراف كل فرد فرد من الكبائر، وصغائر الخسة - كسرقة لقمة والتطفيف بحبة، [والرذائل](٢) الجائزة: كالبول في الطرقات وأكل غير السُّوْقي فيه، فأقول: ولا ريب أن هذا تشديد في العدالة لا يتم إلّ في حق المعصومين، وأفراد من خُلَّص المؤمنين، بل جاء في الحديث أن ((كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون))(٣)، وفي حديث آخر أخرجه البزار ((المؤمن واه راقع)) أي: واه لدينه بالذنب راقع له بالتوبة [- تمامه -](٤) ((فالسعيد من مات على رقعه)(٥) وفي الحديث الآخر ((ما من نبي إلاّ عصى أو همَّ))(٦) الحديث، وحديث ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فیستغفرون فیغفر لهم)»(٧) حديث صحيح. (١) ما بين الحاصرتين موجود في النسخة (أ) أما الموجود في النسخة (ب) فهو: (غير أنه). (٢) هكذا في النسخة (أ) أما في النسخة (ب) فيوجد بدل قوله: الرذائل: [المراد]. (٣) أخرجه الترمذي (٢٤٩٩) وابن ماجة (٤٢٥١) والحاكم (٢٤٤/٤) وغيرهم من حديث أنس مرفوعاً بإسناد حسنه الإمام الألباني - رحمه الله - في تخريج أحاديث المشكاة (٢٣٤١). (٤) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في (ب). (٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥١٠/٢) والبزار كما في كشف الأستار (٣٢٣٦) وغيرهما بإسناد ضعفه البزار وكذا الهيثمي في مجمعه (٢٠١/١٠). (٦) لم أقف عليه. (٧) أخرجه مسلم (٦٨/١٧ - نووي) من حديث أبي هريرة مرفوعاً به والحديث له طرق أخرى - وجاء كذلك بألفاظ أخرى - تجدها مفصلة موسعة في تحقيقي على رسالة للإمام الشوكاني بعنوان بحث حول حديث: ((لو لم تذنبوا .. الحديث)) طبع - دار البيان - بالطائف (١٤٢١ - ٢٠٠٠). ٢٢١ ولا يخفى أن حصول هذه الملكة في كل راو من رواة الحديث عزيز، لا يكاد يتفق، ومن طالع تراجم الرواة علم ذلك - ثم إن الذين عرفوا العدالة بما ذكر، لم نجد لهم دليلا على ما قالوه ولا تعرضوا للدليل على ذلك - وحيث لا دليل لهم فالبحث لغوي، يجب علينا النظر حينئذ لمعناها لغة، فرجعنا إلى اللغة فوجدنا في القاموس [قال:](١) العدل: ضد الجور وهو في هذه الألفاظ قليل الإفادة، لأنه يقول: والجور: نقيض العدل فيدور. وفي النهاية العدل الذي لا يميل به الهوى. وهو وإن كان تفسيراً للعادل - فقد أفاد المراد - وفي غيرها - العدل: الاستقامة، ولأئمة التفسير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾ (٢) أقوال، قال الإمام الرازي(٣) بعد سرده الأقوال: ((أنه عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط)). قلت: هو قريب من تفسيره بالاستقامة وقد فسر الاستقامة الصحابة: وهم أهل اللغة - بعدم الرجوع إلى عبادة الأوثان، وأنكر أبو بكر الصديق [رضي الله عنه](٤) على من فسرها بعدم الإتيان بذنب وقال: حملتم الأمر على أشده، وفسرها أمير المؤمنين علي عليه السلام بالإتيان بالفرائض انتهى. وقال تعالى في الشهود: ﴿ذَوَىْ عَدّلٍ مِّنْكُمْ﴾(٥) و﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءٍ﴾(٦) وهو كالتفسير للعدل: بالمرضي، والمرضي: من تسكُن النفس إلى خبره ويرضى به القلب ولا يضطرب. ومنه: ﴿تِجَارَةً عَن تَاضٍ﴾(٧). وفي كلام أمير المؤمنين [علي - عليه السلام -](٨) ((حدثني رجال (١) في النسخة (أ) [وقال] بزيادة واو. (٢) (النحل/٩٠). (٣) في تفسيره الموسوم بمفاتيح الغيب (٣٤٥/٥) ط. العامرة الشرفية سنة ١٣٢٤هـ. (٤) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). (٥) (الطلاق/٢). (٦) (البقرة/ ٢٨٢). (٧) (النساء/٢٩). (٨) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). ٢٢٢ ٤ٍ)](١): ((إذا أتاكم من مرضيون وأرضاهم عمر))، وفي الحديث [عنه (٤ ترضون خلقه ودينه فانكحوه)) (٢). وإذا عرفت هذا، فقد قال الشافعي في العدالة قولاً، استحسنه كثير من العقلاء بعده. قال: «لو كان العدل: من لم يذنب، لم نجد عدلاً ولو كان كل ذنب لا يمنع من العدالة لم نجد مجروحاً، ولكن من ترك الكبائر وكانت محاسنه أكثر من مساويه فهو عدل)). انتهى. (قلت): وهو قول حسن ويؤيده تفسير أهل اللغة للعدل بنقيض الجور وليس الجور عبارة عن ملكة راسخة توجب إتيان كل معصية، ولا الجائر لغة من يأتي بكل معصية، بل من غلب جوره على عدله وشره على خيره. فالعدل حينئذ، هو: من قارب وسدد وكان خيره أكثر من شره . ثم قد أخذ الحافظ عدم البدعة في [رسم العدالة](٣) وأن المبتدع ليس بعدل، ولكنه بعد ذلك - كما يأتي - يقول بقبول [خبر](٤) المبتدع الذي لا تقتضي بدعته التكفير وهو يناقض ما هنا، ويأتي الكلام عليه. ثم قال في تفسير ألفاظ الرسم: ((والضبط: ضبط صدر، وهو: أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من إحضاره متى شاء وضبط كتاب، وهو: صيانته لديه منذ سمعه وصححه، إلى أن يؤدي منه - وقيد بالتام إشارة إلى المرتبة العليا في ذلك. والمتصل ما سلم إسناده من سقوط فيه: بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه، والسند تقدم تعريفه. والمعلل لغة: ما فيه علة، واصطلاحاً: ما فيه علة خفية قادحة. (١) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٢) أخرجه الترمذي (١٠٨٥) والبيهقي (٨٢/٧) وغيرهما من حديث أبي حاتم المزني رضي الله عنه - مرفوعاً وقد ورد من طرق أخرى بمثله، والحديث حسنه الألباني في إرواء الغليل (٦/رقم - ١٨٦٨). (٣) هكذا في النسخة (أ) وصورتها في النسخة (ب) [رسمها]. (٤) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). ٢٢٣ والشاذ لغة: الفرد، واصطلاحاً: ما يخالف الراوي من هو أرجح منه وله تفسير آخر سيأتي)) انتهى كلام الحافظ.(١) وقوله: (والمروءة) هي بضم الميم والراء بعدها واو ساكنة ثم همزة وقد تبدل وتدغم ولم يفسرها الحافظ وفسرها غيره، فقال: ((وهي كمال الإنسان من صدق اللسان، واحتمال عثرات الإخوان، وبذل الإحسان إلى أهل الزمان، وكف الأذى عن الجيران))، وقيل: ((المرؤة: التخلق بأخلاق أمثاله وأقرانه ولداته في لبسه، ومشيه، وحركاته، وسكناته، وسائر صفاته)). قاله الهروي. وقوله: (وقيد بالتمام .. إلخ) قيل عليه: إن كان هذا هو التمام فلا تتحقق المراتب؛ فإن من لم يكن له هذه الحيثية فهو سيء الحفظ أو ضعيفه ثم الضبط بالكتاب لا يتصور فيه تمام وقصور وبالجملة ففي التعريف تجهيل انتھی . وقال السيد محمد(٢) في رسم الصحيح: ((والصحيح من الآحاد: نقل عدل تام الضبط متصل السند غير مُعل، وعند من يقبل المرسل: نقل عدل غير مغفل بصيغة الجزم دون صيغة التمريض والبلاغ». انتهى. (قلت): ذكر الحافظ خمسة شروط للصحيح ثلاثة وجودية [واثنين](٣) عدمية وهي: الاتصال، وعدالة الراوي - وهي ترجع إلى الدين، وضبطه - وهي ترجع إلى الحفظ والفطنة. والعدميان عدم الشذوذ، وعدم العلة، وقيدها بكونها خفية قادحة، لأن العلة الظاهرة ترجع إلى ضعف الراوي أو عدم اتصال السند وقد تقدم الاحتراز عنهما بقوله: متصل السند بنقل العدل الضابط فإذا عدم أحدهما (١) نزهة النظر (ص٣٣). (٢) المراد بالسيد محمد هنا هو الإمام محمد بن إبراهيم الوزير. (٣) هكذا في النسخة (أ) أما في النسخة (ب) فصورتها: [اثنان]، والذي أثبته من النسخة (أ) هو الصحيح الموافق لقواعد النحو. ٢٢٤ عدما ظاهراً سمي باسمه من انقطاع أو ضعف أو نحوهما من أول وهلة، فلا تكون العلة أمراً ظاهراً إلاّ إذا كانت مع قدحها خفية، وفي كلام الحافظ في نكته على ابن الصلاح: (زاد أهل الحديث أي في تعريف الصحيح) قيدي عدم الشذوذ والعلة، لأن أحداً لا يقول أن الحديث يعمل به وإن وجدت فيه علة قادحة، غايته أن بعض العلل التي ذكروها لا يعتبرها الفقهاء فهم إنما يخالفونهم في تسمية بعض العلل [علة](١)، لا في أن العلة توجد ولا تقدح، وأهل الحديث يشترطون في الحديث الذي اجتمعت فيه [الثلاثة](٢) الأصناف [مزيد تفتيش حتى يغلب أنه سالم من الشذوذ والعلة، والفقهاء لا يشترطون ذلك بل متى اجتمعت الثلاثة الأوصاف](٣) سموه صحيحاً ثم متى ظهر أنه شاذ ردوه، [قال:](٤) ((فلا خلاف بينهما في المآل. إنما الخلاف في تسميته في الحال بعد وجود الأوصاف الثلاثة)). والفريقان مجمعون على أن العلة القادحة متى وجدت ضرت (قلت): وقد قيل: إن مرادهم بعدل الرواية: عدل يضبط مرويه - كما أن عدل الشهادة، يشترط فيه مع العدالة أن يكون ضابطاً لما [يشهد](٥) به، فالمغفل متوقف فيه رواية وشهادة، وإن كان عدلاً في الدين فمن يكون كثير الخطأ فاحش الغلط لا يكون عدلا في شهادة ولا رواية فالاقتصار على العدالة حينئذ كاف عن التقييد بالضبط وبهذا القيد - أي قيد العدالة - اكتفى الخطابي. إذا عرفت هذا فلا وجه لحذف قيد الشذوذ في رسم السيد محمد فإنه قيد معتبر وإن أراد أنه حد الصحيح على اصطلاح الفقهاء فلا وجه لزيادة قيد عدم العلة ولا لحذف وصفها بأنها خفية قادحة - كما قاله الحافظ - كما أنه لا وجه [لزيادته](٦) في رسم (١) هكذا في النسخة (أ) وصورتها في النسخة (ب) [بها]. (٢) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٣) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). (٤) في النسخة (ب) [قالوا]. (٥) في النسخة (ب) [شهد]. (٦) هكذا في النسخة (ب) وهو الصحيح، أما صورة هذه الكلمة في النسخة (أ) فهي[لزيادة]. ٢٢٥ المرسل [ووصف] (١) العدل بأنه غير مغفل فإن المغفل لا يقبل في مسند ولا مرسل. ولكن قوله: غير معلّ قد أفاد إخراج العلة القادحة الخفية؛ [لأنَّ](٢) المعل ما فيه علة قادحة خفية، ولا يكون معلاً إلاّ إذا اشتمل على علة موصوفة بالوصفين - كما قاله البقاعي - وبهذا يندفع إيراد أنه لا وجه لحذف وصفها بالخفاء والقدح. وقولنا: (وإن نظرت الوصفا) أي الذي يقتضي التصحيح في القوة، وهي: قيود التعريف، فإنها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية وإلى إفادة ذلك [أتى قولنا: ](٣) لِأَجْلِ هَذَا قَدَّمُواْ مَا قَدْ أَتَىْ (٢٥) وَجَدْتَ فِيْهِ ثَابِتَاً وَأَثْبَتَأْ (٢٦) عَنِ الْبُخَارِي مِنْ صَحِيحِ أَلْفأ وَبَعْدَهُ لِمُسْلِمٍ مُصَنَّفَا (وجدت فيه) أي: في الصحيح ثابتاً، أي صحيحاً وأثبتا أي: أصح قال الحافظ: ((إنها لما كانت الأوصاف مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة، اقتضت أن يكون لها درجات، بعضها فوق بعض بحسب الأمور [المقوية،](٤) فإذا كان كذلك [فما](٥) يكون راويه في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح [كان أصح مما دونه](٦) وهنا ذكر الحافظ ما قيل في أصح الأسانيد، وقد نقل ذلك السيد محمد في (التنقيح) وأوضحناه في شرحه (التوضيح)(٧) فلا حاجة إلى ذكره هنا لأنه (١) هكذا في النسخة (أ) أما في النسخة (ب) فصورتها [مِنْ وصف]. (٢) في النسخة (ب) بدل قوله: (لأن) يوجد (أن). (٣) ما بين الحاصرتين هكذا صورته في النسخة (أ) أما النسخة (ب) فصورته فيها: [قلنا]. (٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [القوية] ولعل الصواب ما أثبتناه من النسخة (أ) والله أعلم. (٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [مما]. (٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسختين (أ) و(ب)، وقد أثبتُّه من النسخة (ط) - ليستقيم السياق - والله أعلم. (٧) توضيح الأفكار (٢٨/١ - ٣٧). ٢٢٦ ليس من القواعد التي يفتقر إلى معرفتها إنما هي أفراد وأمثلة، كلٌ من الأئمة قال ما رجح عنده. قالوا: ومن المراتب العلية ما جعلوه بعدما قيل فيه: أصح الأسانيد. [على](١) ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما [وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم](٢) لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابيهما بالقبول واختلاف بعضهم في أن أيهما أرجح، فما اتفقا عليه أرجح من هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه وقد صرَّح الجمهور بتقديم البخاري في الصحة ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه ولا يقال: إن الاختلاف في أن أيهما أرجح تصريح بالنقيض لأنا نقول كأنهم لم يصرحوا به وإنما أخذ من إطلاقاتهم وما يفهم من كلامهم ولم يكن منهم تصريح بذلك وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: (ما تحت أديم [السماء](٣) أصحُّ من كتاب مسلم) (٤) فلم يصرح بأنه أصح من صحيح البخاري لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم، إذ المنفي إنما هو - ما تقتضيه صيغة أفعل - من زيادة صحة في كتاب شارك كتاب مسلم في الصحة - يمتاز بتلك الزيادة عليه - ولم ينف المساواة، هذا تأويل الحافظ لكلام أبي علي(٥) . (قلت): ولا يخفى بعد تسليمه أنه آل معنى كلام أبي علي أن كتاب البخاري ومسلم سواء في أنه ليس تحت أديم السماء أصح منهما وليس هذا (١) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). (٢) ما بين الحاصرتين موجود في النسخة (أ) أما النسخة (ب) فالموجود فيها: [وما انفرد به مسلم] وكلا العبارتين يستقيم بأحدهما السياق غير أني أثبت ما في النسخة (أ) لاشتماله على زيادة ليست موجودة في (ب). (٣) في النسخة (ب) [الأرض] بدل السماء وهو خطأ ظاهر. (٤) ذكر الحافظ ابن حجر في نزهة النظر (ص٣٥) والسيوطي في تدريب الراوي (ص٥٣) وعزاه ابن كثير في اختصار علوم الحديث إليه (ص٢٠) وذكر ابن كثير والسيوطي نقلاً عن ابن الصلاح في كتابيهم المذكورين: أن رأي أبي علي قال به طائفة من علماء المغرب). (٥) في نزهة النظر (ص٣٥). ٢٢٧ محل النزاع، ولا هو المطلوب: بل المطلوب أن كتاب البخاري أصح من کتاب مسلم . قال البقاعي: (إنه قد حقق السعد التفتازاني هذا البحث في شرح المقاصد بما حاصله). إن هذه الصيغة تارة تستعمل على مقتضى أصل اللغة فتنتفي الزيادة فقط وتارة على مقتضى ما شاع من العرف فتنتفي المساواة. فمثل قوله (®): ((ما طلعت ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر)) ذكره المحب الطبري في مناقب العشرة عن الدارقطني [والمخلص](١) الذهبي من حديث أبي الدرداء(٢) - وإن كان ظاهره نفي أفضلية الغير، لكنه إنما سيق لأفضلية المذكور. والسر في ذلك أن الغالب من حال كل اثنين هو التفاضل دون التساوي، فإذا نفي أفضلية أحدهما ثبت أفضلية الآخر وبمثل هذا ينحلّ الإشكال [المشهور] (٣) على قوله فيما رواه مسلم (٤) قال: ((من قال [حين يصبح وغيره واللفظ له من حديث أبي هريرة أنه وحين يمسي](٥): سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ذلك [أو](٦) زاد عليه)) لأنه في معنى أن من قال ذلك فقد أتى بأفضل مما جاء به كل أحد إلا أحداً قال مثل ذلك أو زاد فالاستثناء بظاهره من النفي والتحقيق أنَّه من الإِثبات ويصير ذلك كالحديث الذي رواه البزار من رواية جابر الجعفي عن أبي المنذر الجهني قال: ((قلت: يا نبي الله، علمني أفضل الكلام قال: ((يا أبا المنذر! قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده (١) في النسخة (ب) [والملخص]. (٢) أخرجه عبد بن حميد (١٠١/١) وأحمد في فضائل الصحابة (٣٥٢/١) بألفاظ متقاربة وإسناده حسن. (٣) صورة ما بين الحاصرتين في النسخة (ب) هي: [المذكور]. (٤) في صحيحه (٢٠/١٧ - نووي). (٥) في النسخة (ب) تقديم وتأخير فذكر: (من قال حين يمسي وحين يصبح). (٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). ٢٢٨ الخير، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة، فإنك يومئذ أفضل الناس عملاً إلا من قال مثل ما قُلْتَ))(١) انتهى. قال الحافظ: (فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في [كتاب مسلم](٢) وأشد، وشرطه فيها أقوى وأشد. أما رجحانه من حيث الاتصال، فلاشتراطه: أن يكون الراوي قد ثبت [له](٣) لقاء من روى عنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة. وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط، فلأن الرجال الذين تُكُلِّمَ فيهم من رجال مسلم أكثر عدداً من الرجال الذين تُكُلِّمَ فيهم [من رجال البخاري، مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم](٤) ومارس حديثهم بخلاف مسلم في الأمرين. وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال فلأن ما انْتُقِدَ على البخاري من الأحاديث أقل عدداً مما انْتُقِدَ على مسلم، هذا مع اتفاق العلماء أنَّ البخاري كان أجل من مسلم في العلوم، وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلماً تلميذه وخرِّيجه، ولم يزل يستفيد منه ويتبع آثاره حتى لقد كان يقول الدارقطني: (لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء)(٥) انتهى. وقد بينا في شرح التنقيح ما في كلام الحافظ وشرحناه مفصلاً، فهذه الوجوه التي بها قُدِّمَ صحيح البخاري، ثمر بعده مسلم لمشاركته للبخاري في تلقي العلماء كتابه بالقبول أيضاً، إلاّ ما عُلِّل. قالوا: ثم يقدم ما وافقه شرطهما قال الحافظ -: (لأن المراد به - أي: (١) أخرجه البزار كما في مجمع الزوائد (٨٨/١٠) قال الهيثمي: ((وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف)). (٢) صورة ما بين الحاصرتين في النسخة (ب): [كتاب صحيح مسلم] وما أثبته من النسخة (أ) هو الموافق للأصل المنقول عنه. (٣) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٤) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). (٥) نزهة النظر (ص ٣٥ - ٣٦). ٢٢٩ شرطهما - رواتهما مع [ما في](١) شروط الصحيح، ورواتهما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم فهم مقدمون على غيرهم في رواياتهم، [و](٢) هذا أصل لا يخرج عنه - إلاّ بدليل - فإن كان الخبر على [شرطهما](٣) معاً، كان دون ما أخرجه مسلم) كذا قال. قيل [عليه: ](٤) الذي يقتضيه النظر، أنه إذا كان على شرطهما وليس له علة مقدم على ما أخرجه مسلم وحده، لأن قوة الحديث إنما هي بالنظر إلى رجاله، لا بالنظر إلى كونه في كتاب كذا (قلت): بل ويقتضي أنه مقدم على ما أخرجه البخاري [أيضاً وحده لأنه لما كان الخبر على شروطهما معاً صار كالمتفق عليه عندهما، وهو مقدم على ما انفرد به واحد منهما](٥) إلاّ أنه قال البقاعي: (إنما تأخر ما هو على شرطهما عما أخرجه أحدهما لأن الذي أخرجه أحدهما تلقته الأمة بالقبول، بخلاف ما كان على شرطهما ولم يخرجاه). واعلم أن الحافظ جزم هنا أن شرط الشيخين رواتهما وقد اختلف أئمة الحديث في شرطهما، لأنهما لم يذكرا شرطاً قال النووي: (إنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما). (قلت): إنما العلماء الباحثون تتبعوا ما فيهما حتى تحصَّل لكل ناظر ما عدَّه شرطاً واختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً، قد بسطناه، وما يرد عليه، في شرحنا [على](٦) تنقيح الأنظار ما لم يسبق به النظار وقررنا: أنه إذا لم يعرف شرطهما، [إلاّ بالتخمين والتنحيت] (٧) فالأحوط للورع أن يتوقف (١) هكذا في النسخة (أ) وأما النسخة (ب) فصورة ما بين الحاصرتين هي: [باقي]. (٢) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). (٣) في النسخة (ب): [شروطهما]. (٤) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٥) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ) في هذا الموضع وإنما هو مذكور بعد قوله: (ولم يخرجاه) إلى قوله: (واعلم). (٦) ما بين الحاصرتين زدُّته ليستقيم السياق. (٧) هكذا السياق في النسخة (أ) أما النسخة (ب) فيوجد فيها: [لا بالتخمين ولا بالبحث]. ٢٣٠ ويمسك عن الجزم بوصف حديث لم يخرجاه في كتابيهما: (بأنه على شرطهما لأن شرطهما غير معلوم جزماً فكيف يجزم بوصف حديث بذلك، ويصححه مع الشك فيما يوجبه، ويتفرع عنه تصحيحه، والشك لا يتفرع عنه يقين، وأحسن - ما يحمل عليه - من قال في حديث لم يخرجاه (أنه على شرطهما) أي: في ظنه أن لهما شرطاً، وأنه ما ظنه فكيف يقال: إنه يستحق التقديم ما وصف بأنه على شرطهما؟ فإنه إن كان تقديمه - بالنسبة إلى الظَّان من المجتهدين - بأنه شرطهما، فهو: مخاطب بظنه، ومأمور بالعمل به ما لم يجد رتبة أرفع من الظن، وإن كان - بالنسبة إلى غيره من المقلدين أو المجتهدين - فلا يلزمهم ظن غيرهم، ولا يجوز العمل به والحافظ وغيره يسوقون [هذا أي: تقديم ما هو على شرطهما مساق التقعيد كما يسوقون](١) تقديم ما اتفقا عليه أو ما انفرد به البخاري، ثم مسلم، لكن هذا قد ذكروا دليله، وهو: تلقي الأمة بالقبول على ما فيه - مما أسلفناه آنفاً - بخلاف ما هو على شرطهما فإنهم لم يتفقوا على شرط لهما ولا صرَّحا هما بأَنَّ لهما شرطاً وكلام السيد محمد في (مختصره) مثل كلام الحافظ فإِنَّه قال: (ثم شرطهما عملاً بالغالب عند الجهل) انتهى. فاستدل لما قاله: من [تقديم](٢) ما هو على شرطهما بعدهما - بأنه عمل بالغالب كأنه يقول: فإن غالب شرطهما الصحة لكنا نقول: نعم، لو عُلِم لكنه في حيز الدعوى عليهما أولاً، ثم في حيز الجهالة ثانياً، كما عرفت فتحصل - كما قال الحافظ - ستة أقسام: ما اتفقا عليه، ما أخرجه البخاري، ما أخرجه مسلم، ما كان على شرطهما معاً، على شرط البخاري وحده، على شرط مسلم وحده، إلاّ أنه قد أورد على هذا أقسام زائدة على ما عدَّه هي من الصحيح، الأول: المتواتر فيكون أعلى الأقسام. وأُجيب: بأنه لا يرد؛ لأنه لا يشترط فيه عدالة الراوي، والكلام في الصحيح الذي سبق تعريفه. (١) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). (٢) ما بين الحاصرتين هكذا صورته في النسخة (أ) أما صورته في النسخة (ب): فهي [تقويم] ولعل الصحيح ما أثبتناه والله أعلم. ٢٣١ الثاني: المشهور الذي فقد [فيه](١) بعض شروط التواتر. الثالث: ما اتفق عليه الستة. قال الحافظ: ولا يرد منهما إلاّ المشهور. وأَنا متوقف في رتبته، هل هي قبل ما اتفقا عليه أو بعده؟ وأما ما أخرجه الستة فلا يرد؛ فإنه قسم، لا قسيم، إذ قد اندرج تحت ما أخرجاه وقد تعقب البقاعي كلام شيخه الحافظ، بما فيه طول. (تَنْبِيةٌ) قال ابن الهمام الحنفي في شرح الهداية: (وقول من قال أصح الأحاديث ما في الصحيحين، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم ثم ما اشتمل على شرطهما تحكّم، لا يجوز التقليد فيه، إذ الأصحية ليست إلاّ لاشتمال رواتهما على الشروط التي اعتبرها فإذا فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث في غير [الصحيحين](٢) الكتابين أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عين التحكم؟ ثم حكمهما أو أحدهما: (بأن الراوي يجمع تلك الشروط) مما لا يقطع فيه بمطابقة الواقع، فيجوز كون الواقع خلافه. وقد أخرج مسلم عن كثير في كتابه، ممن لم يسلم من غوائل الجرح وكذا في البخاري جماعة تُكُلُّمَ فيهم فمدار الأمر في الرواة: على اجتهاد العلماء فيهم، وكذا في الشروط حتى أن من اعتبر شرطاً، وألغاه آخر، يكون ما رواه الآخر مما ليس فيه الشرط مكافياً بمعارضته الذي اشتمل على ذلك الشرط. وكذا فيمن ضعف راوياً ووثقه الآخر، نعم، تسكن نفس غير المجتهد ومن لم يجد أمراً بنفسه إلى ما أجمع عليه الأكثر. أما المجتهد فلا يرجع إلّ إلى رأي نفسه، فإذا صحَّ في غير الكتابين عارض ما في الكتابين انتهى. [قلت:](٣) وهنا يذكرون عدة أحاديث البخاري، قال الحافظ في (١) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). (٢) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٣) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). ٢٣٢ مقدمة شرح البخاري(١): إنه عدَّه بنفسه فبلغت أحاديثه بالمكرر - سوى المعلقات والمتابعات - سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثاً وبلغ ما فيه من التعاليق: ألفاً وثلاثمائة وإحدى وأربعين حديثاً، فجميع ما في الكتاب على هذا بالمكرر: تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثاً. وهذه العدة خارجة عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات على التابعين فمن بعدهم، وبلغت أحاديثه بلا تكرار ألفين وخمسمائة وثلاثة وعشرين، نقل هذا البقاعي إلاّ أنه قال: إنه راجع نسخته من المقدمة - وقد قرأها على الحافظ - فوجدها بلفظ: فجميع ما في صحيح البخاري من المتون الموصولة - بلا تكرير - على التحرير ألف حديث وستمائة حديث وحديثان، ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر من الجامع المذكور مائة وتسعة وخمسون حديثاً، فجميع ذلك ألفا حديث وسبعمائة حديث وأحد وستون حديثاً. قال الحافظ في النكت: ((ذكر النووي عدة أحاديث مسلم فقال: (إن عدة أحاديثه: نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر) ولم يذكر عدته بالمكرر، وهو يزيد على عدة كتاب البخاري لكثرة طرقه، وقد رأيت . عن أبي الفضل أحمد بن سلمة - أنه اثنا عشر ألف حديث. قال البقاعي: (ومما نَقَلَ عن خطه شيخنا، أن الجوزقي قال: إن عدة الأحاديث التي اتفق الشيخان عليها ألفا حديث ومائتا حديث وذكر نحو هذا القاضي أبو بكر بن [العربي](٢) فقال: أحاديث الأحكام التي اشتمل عليها الصحيحان نحو ألفي حديث))، انتهى. (قلت): إلّ أنه خصها بأحاديث الأحكام والأول بالمتفق عليه. (١) (ص٦٢٩) وبعد عدِّه للأحاديث التي في البخاري قال: (وهذا الذي حررته من عدَّة ما في صحيح البخاري تحرير بالغ فتح الله به لا أعلم من تقدمني إليه وأنا مقر بعدم العصمة من السهو والخطأ والله المستعان) ا. هـ. (٢) ما بين الحاصرتين مثبت من النسخة (ب). ٢٣٣ (مَسْأَلَةُ: القِسْمِ الثَّاني، [الحَسَن](١) أشار إليه قولنا : يَخِفُّ ضَبْطَاً فَالَّذِيْ يَرْوِيْ الْحَسَنْ (٢٧) وَبَعْدَ ذَأْ شَرْطُهُمَاْ وَإِنَّ مَنْ طُرْقٌ لَهُ بِكَثْرَةٍ تَعَذَّدَتْ (٢٨) لِذَأْتِهِ وَقَدْ يَصِحُ إِنْ أَتَثْ قد عرفت معنى قوله: (وبعد ذا شرطهما) وهو شامل لثلاثة أقسام، من الصحيح - وإن لم يُفَصِّلْه النظم - فالسياق قد أفهم المراد قال الحافظ(٢): ((خف ضبطه - أي: قل، يقال: خفَّ القوم خفوفاً، قلوا والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حدِّ الصحيح، يريد من اتصال السند والعدالة وعدم الشذوذ والعلة فهذا هو الحسن لذاته، لا لشيء خارجٍ، وهو الذي يكون حُسنه بحسب الاعتضاد نحو: حديث المستور - إذا تعدَّدت ۔ یرید : الراوي الذي لم تحقق عدالته ولا جرحه، قال السخاوي: المستور من لم ينقل فيه جرح ولا تعديل وكذا إذا نقلا ولم يترجح أحدهما. قال: ويخرج - باشتراط باقي الأوصاف - الضعيف، وهذا القسم من الحسن مشارك للصحيح في الاحتجاج به، ومشابه له [في] (٣) انقسامه إلى مراتب بعضها فوق بعض)) انتهى كلام الحافظ. (وأقول): اعلم أن أقوال الأئمة قد اختلفت في الحديث الحسن، فقال الخطابي: ((هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامّة الفقهاء)). قال الترمذي: ((ما ذكرنا في هذا الكتاب - يعني كتاب (السنن) - حديثاً حسناً فإنما أردنا حسن إسناده، وهو: كل حديث يروى، ولا يكون في (١) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٢) في نزهة النظر (ص٣٧). (٣) الموجود في النسختين (أ) و (ب): [إلى] بدل [في] المذكورة والسياق أجود بما ذكرته والله أعلم. ٢٣٤ إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن)) انتهى. وقد اعترض القولان وأوضحنا في شرح (التنقيح) ما قيل في ذلك وما رُدَّ به عليه(١)، قال ابن الصلاح: (وقد أمعنت النظر في ذلك جامعاً بين أطراف كلامهم فاتضح لي أن الحسن قسمان: أحدهما: لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته على أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ، ولا متهماً بالكذب في الحديث ولا بفسق ويكون متن الحديث قد عرف بمتابع أو شاهد فيخرج عن كونه شاذاً أو منكراً وكلام الترمذي على هذا يتنزل. الثاني: أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة [لكن لا يبلغ درجة الصحيح](٢) لكونهم أنقص منهم في الحفظ والإتقان - مع سلامة الحديث - وهو مع ذلك يرتفع عمَّن يُعَدُّ - ما ينفرد به - منكراً، ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من الشذوذ والنكارة سلامته من أن يكون معللاً. وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي، انتهى. (قلت): والسيد محمد جمع تعريف الحافظ - مع زيادة بعض قيود ابن الصلاح - فقال في مختصره: (فإن خفَّ الضبط وكان من جنسه تابع أو شاهد فالحسن) انتهى. ولم يقل لذاته، هذا ولا يخفى أن خفة الضبط أمر فيه جهالة فهو رسم لمجهول، ثم قال السيد: ((وأدلة قبول الآحاد تشمله وإن انفرد - أي: خفيف الضبط - عند الأصوليين، خلافاً للبخاري وإن توبع)). قوله: [تشمله](٣) أي: [لكونه] (٤) مظنون العدالة، مظنون الصدق، (١) توضيح الأفكار (١٥٤/١ - ١٦٦). (٢) هكذا السياق في النسخة (أ) أما النسخة (ب) فالموجود فيها: [الذي لا يبلغوا درجة رجال الصحيح). (٣) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ). (٤) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (أ) والموجود فيها في نفس الموضع: [کملوا به]. ٢٣٥ وقوله: وإن انفرد، أي: فإنه يعمل به عند أهل الأصول لكونه خبراً آحادياً قد قام الدليل على قبوله، وخالف البخاري فقال: (لا يعمل به في التحليل والتحريم وإن وجد له [متابع](١). والحاصل أن كلام العلماء مضطرب في رسم الحسن - ولا سلم رسم من الاعتراض حتى قيل: لا يطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان تحتها، فإنا على إياس من ذلك، قاله الذهبي - نقله عنه ابن ناصر الدين ثم قال: ((وما أحسن ما قال شيخنا [شيخ الإسلام](٢) البلقيني: نوع الحسن لمَّا توسط بين الصحيح والضعيف - عند الناظر - كان شيئاً ينقدح في نفس الحافظ قد تقصر عبارته عنه - كما قيل في الاستحسان - فلذلك صعب تعريفه وقوله: (وقد يصح إلى آخره) قال الحافظ: (وإنما يحكم له بالصحة عند تعدد الطرق لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي يضر به ضبط راوي الحسن عن راوي الصحيح)) وقال السيد محمد: ((وبكثرة طرقه يصح اجتهاداً)) - وإنما قيده بالاجتهاد - لأن المجتهد هو الذي يتمكن من معرفة الطرق ويرتقي عنده إلى رتبة الصحيح والحسن كما قال ابن ناصر الدين: ((نوع متجاذب بين الصحة والضعف [قال](٣): وقد أدرجه جماعة في قسم الصحيح؛ لأنه إِنْ قوي ارتفع إلى الصحة: كسماك عن عكرمة عن ابن عباس وهو أدنى مراتب الصحيح وإن لم يقوَ، ينحط عن مرتبة الصحيح ويرتفع عن الضعف: كبهز عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، [ومحمد] (٤) بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومحمد بن إسحاق عن جده إبراهيم التيمي عن أشياخه ونحو ذلك ودونه في المرتبة أحاديث الحارث الأعور وعاصم بن ضمرة وحجاج بن أرطاة وحصيف وأمثالهم فبعضهم يحسنها وآخرون يضعفونها) انتهى. (١) ما بين الحاصرتين من النسخة (أ) والموجود في النسخة (ب) في نفس الموضع هو: [شاهد]. (٢) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٣) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٤) هكذا في النسخة (ب) وهو الصواب، والموجود في النسخة (أ): [حجر]. ٢٣٦ (٢٩) وَإِنْ تَرَى الرَّأْوِي لَهُ قَدْ جَمَعَا فِي الْوَصْفِ بِالصّحةِ وَالْحُسْنِ مَعَأ لمّا وقع للحافظ الترمذي وصف كثير من الأحاديث بالصحة والحسن معاً، مع أنهما متغايران رسماً، وقد يزيد الوصف بالغرابة، تَكَلم العلماء في توجيه ذلك قال الحافظ في النخبة: (١) ((فإن جُمِعَا فللتردد)» كما أفاده قولنا: (٣٠) فَإِنَّهُ عِنْدَ انْفِرَادِ مَنْ رَوَى تَرَدَّدَ الْعَالِمُ فِيْ هَذَأْ وَذَأْ أي [أنه](٢) تردّد المجتهد في الراوي، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها؟ وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية. قال الحافظ: (وعرف بهذا جواب من استشكل الجمع بين الوصفين فقال: الحسن قاصر عن الصحيح، ففي الجمع بين الوصفين إثبات لذلك القصور ونفيه)، ومحصل الجواب: أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين فيقال فيه: حسن باعتبار وصفه عند قومٍ صحيح باعتبار وصفه عند قوم، غاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد، لأنَّ حقه أن يقول: حسن أو صحيح، وعلى هذا، فما قيل فيه: حسن صحيح دون ما قيل فيه صحيح، لأن الجزم أقوى من التردد وهذا حيث حصل التفرد فإن لم يحصل التفرد بل حصل التعدد [وأطلق الوصفين](٣) معاً على الحديث فقد أفاد جوابه قولنا: كَأنَ اعْتِبَارَاً مِنْهُ لاسْتَأْدَیْنِ (٣١) مَأْ لَمْ يَكُنْ فَوَصْفُهُ بِذَیْنِ (ما لم يكن) - أي: يوجد التفرد - بل حصل التعدد في الرواة ووصف بالأمرين، فإنه وصف بهما اعتباراً للاسنادين فإن أحدهما صحيح، والآخر حسن. وعلى هذا فما قيل فيه: حسن صحيح فوق ما قيل فيه: صحيح [فقط] (٤) إذا كان فرداً، لأن كثرة الطرق تقوي. ولكنه لما كان (١) نخبة الفكر (ص ٣٨ - نزهة). (٢) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٣) في النسخة (ب) ما بين الحاصرتين صورته [وأطلق عليه الوصفين]. (٤) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). ٢٣٧ الترمذي هو الذي يجمع بين الوصفين لا يتم هذا الجواب [الآخر](١) على رأيه، إذ مبناه على تعدد الطرق والحال أنه قد يصرح الترمذي نفسه بأنها غير متعددة، بل ويضيف إلى تفرد الراوي وصف الحديث بالغرابة، فيقول: ((حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه))، فكيف يتم هذا التوجيه الآخر؟ (قلنا): قال الحافظ: فإن قيل: قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يروى من غير وجه فكيف يقول في بعض الأحاديث: حسن غريب لا نعرفه إلّ من هذا الوجه؟ فالجواب: أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقاً وإنما عرفه بنوع خاص منه [وقع في كتابه](٢)، وهو ما يقول فيه حسن، من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: حسن، وفي بعضها: صحيح، وفي بعضها: غريب، وفي بعضها: حسن صحيح، وفي بعضها: حسن غريب، وفي بعضها: صحيح غريب، وفي بعضها: [حسن صحيح](٣) غريب، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط وعبارته ترشد إلى ذلك، حيث قال في أواخر كتابه: (وما قلنا في كتابنا: حديث حسن، فإنما أردنا به حسن إسناده، عندنا لأن كل حديث يُروى - لا يكون راويه متهماً بالكذب، ويروى من غير وجه نحو ذلك ولا يكون شاذاً فهو عندنا حديث حسن)، فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه: (حسن) فقط. أما ما يقول فيه حسن صحيح، أو حسن غريب، [أو حسن صحيح غريب]. (٤) فلم يعرج على تعريفه، كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه صحيح فقط أو غريب فقط وكأنه ترك ذلك استغناء بشهرته عند أهل الفن، واقتصر على تعريف ما يقول فيه - في كتابه حسن فقط إما لغموضه، وإما لأنه اصطلاح جديد، ولذلك قيده بقوله: عندنا، ولم ينسبه إلى أهل الحديث - كما فعل الخطابي - وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يسفر وجه توجيهها فلله الحمد على ما ألهم وعلم انتهى. وهو كلام حسن. (١) في النسخة (أ) يوجد بعد قوله: الآخر كلمة: [إلا]. (٢) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) [صحيح حسن]. (٤) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). ٢٣٨ إذا تم أنه لا يقول الترمذي: لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه إلاّ فيما وصفه بأي صفة من صحيح أو غريب أو حسن مع أيهما أو معهما، وهذا يفتقر إلى تتبع الترمذي في أبواب سننه وحديثها، هذا وقال السيد محمد: ((فإِنْ وصف الحديث بالصحة والحسن معاً فأقوال - [يريد](١) أقوالاً لأئمة الحديث - في توجيه ذلك ثم ذكرها فقال: أحدها: باعتبار إسنادين)). (قلت): هو الجواب [الثاني](٢) للحافظ وثانيها أن يكون باعتبار اللغة يشير إلى جواب ابن الصلاح عن الإشكال فإنه قال: (غير مستنكر أن يراد بالحسن معناه اللغوي دون الاصطلاحي. ولما أورد على هذا الجواب (أنه يلزم عليه الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ) دفعه بقوله: [(هذا الإلزام عجيب فإن ابن الصلاح إنما فرض المسألة حيث يقول القائل: حسن صحيح فحكمه بالصحة يمنع معه أن يكون موضوعاً). وأجاب السيد محمد في (التنقيح) عن إشكال الجمع بين الوصفين بقوله:](٣) ((ويمكن أن الترمذي يريد صحيح الإسناد حسن الاحتجاج به فلا يَردُ الموضوع لأنَّه لا يحسن الاحتجاج به)). (قلت): الإيراد للشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد على من قال: إنه يريد الحسن اللغوي فالجواب: بأنه يمكن أنه أراد الترمذي حسن الاحتجاج خروج عن محل الإيراد: ولأنه إذا قد وصفه بالصحة، علم حسن الاحتجاج به فلا حاجة إلى التصريح به وثالثها أي الأقوال إنه يريد العرف وهو أن يكون أراد صحيح الإسناد والمتن حسنهما، ويدخل الحسن تحت الصحيح دخول النوع تحت الجنس كالإنسان تحت الحيوان جعلناه ثالث الأقوال التي أشار إليها السيد: وإن كان لم يصرح بأنه الثالث بل عطفه على اللغة عطف النسق لكن لا يخفى أن معناه العرفي غير معناه اللغوي، فهو قسيم له لا أنه هو، ولاقسم منه. وقد حققنا ما أشار إليه وبحثنا في هذا - في شرح التنقيح - وقال ابن العربي في شرحه (١) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب). (٢) صورة ما بين الحاصرتين في (ب) هي: [الذي]. (٣) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسختين (أ) و (ب) وهو موجود في النسخة (ط). ٢٣٩ على الترمذي - لما قال في أول حديث - (حسن صحيح) قال: (ونحن نبين معنى قوله هذا زائداً على بيانه. أما قوله: صحيح فإن الصحيح من الأحاديث له عشر مراتب: أولها: صحيح مطلق وهو الذي لا خلاف فيه ولا كلام عليه وهو قليل جداً عزيز في الباب. الثاني: صحيح بنقل عدل واحد. الثالث: صحيح شاذ بغير شواهد والقسم الثاني ينقسم إلى قسمين: (نقل عدل واحد عن الصحابي) أو (نقل عدل واحد عن التابعي) ويدخل عليهما ثالث وهو حديث تفرد به واحد من الأئمة. فهذه خمسة أقسام ذكر جميعها أبو عيسى واقتصر الجعفي - يريد البخاري - والقشيري - يريد مسلماً - على الأربعة دون الشاذ. السادس: المراسيل، ذكر الإمامان منها شيئاً يسيراً وأهل الحديث ينكرونها، والصحيح قبولها على وجه بينَّاه في أصول الفقه. السابع: الحديث المدلس اتفق أهل العلم على ذكره والعمل به، والتدليس على أقسام: لا نطول بذكرها، منها حديث يرويه راو عن أحد قد لقيه لم يسمعه منه لكن لا يقول: حدثنا فلان، إنما يقول: عن فلان، أو قال فلان. الثامن: صحيح خولف راويه فيه وفي كل كتاب جملة منها. التاسع: حديث مبتدع لا يدعو إلى بدعته وفي الصحيح منه جملة في الشواهد، ونادر في الأصول - لا سيما - في غير الأحكام. العاشر: حديث فيه راو صدوق غير حافظ، وليس يصحح أبو عيسى مثله، وفي الصحيح مثله في الشواهد. وأما قوله: (حسن)، فإن بعض أهل العلم قال: الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله: كحديث البصريين عن قتادة والكوفيين عن أبي إسحاق السبيعي، والمدنيين عن ابن شهاب، والمكيين عن عطاء. وعليه مدار الحديث وقد أكثر منه أبو داود وأبو عيسى. وقال أبو عيسى في آخر ٢٤٠