Indexed OCR Text
Pages 241-260
عن ابن عمر، ودليل خطئه مخالفته لأصحاب عبيدالله بن عمر، فكلهم يجعله من رواية ابن دينار عن ابن عمر قال ابن رجب - رحمه الله - وهو يتكلم على حديث عبدالله بن دينار ((وهو معدود من غرائب الصحيح، فإن الشيخين خرجاه، ومع هذا تكلم فيه الإمام أحمد وقال: لم يتابع عبدالله بن دينار عليه، وأشار إلى أن الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي وَّ قال: ((الولاء لمن أعتق))(١) لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته. قلت: وروى نافع عن ابن عمر من قوله: النهي عن بيع الولاء وعن هبته غير مرفوع وهذا مما يعلل به حديث عبدالله بن دينار والله أعلم))(٢). فالإمام أحمد استند في تعليله لهذا الحديث على جملة من الأمور: أولًا: تفرد عبدالله بن دينار عن ابن عمر بهذا الحديث دون سائر أصحاب ابن عمر كنافع وسالم وغيرهما. ثانياً: بعض أصحاب ابن عمر كنافع يروى في هذا الموضوع متناً مغايراً لما يرويه ابن دينار وهو قول النبي وَالر: ((إنما الولاء لمن أعتق)) ولم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته. ثالثاً: روى نافع عن ابن عمر ((النهي عن بيع الولاء وهبته)) لكن جعله موقوفاً على ابن عمر ولم يرفعه للنبي والر ومعلوم أن نافعاً أحفظ أصحاب ابن عمر وقد ميز الموقوف من المرفوع، فيكون حديثه أصح، هذه أهم الأمور التي استند عليها الإمام أحمد في تعليل حديث ابن دينار. ويفهم من كلام أحمد أن عبدالله بن دينار روى هذا الحديث بالمعنى ولم يلتزم باللفظ، وبهذا صرح أبو بكر بن العربي رحمه الله حيث قال في عارضة الأحوذي: ((تفرد بهذا الحديث عبدالله بن دينار، وهو من الدرجة الثانية من الخبر، لأنه لم يذكر لفظ النبي 19 وكأنه نقل معنى قول (١) أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب الولاء لمن أعتق رقم (٦٧٥٢) ج١٢ ص ٤٠ (مع الفتح). (٢) شرح العلل ص٢٣٨ - ٢٣٩. ٢٤١ النبي ◌َله: ((إنما الولاء لمن أعتق))(١). هذه هي الأسس والقرائن التي اعتمد عليها الإمام أحمد في استنكار هذا الحديث وتعليله .. إذن ما هي الأسس التي اعتمد عليها البخاري ومن تبعه کمسلم والترمذي وغيرهم في تصحيح هذا الحديث؟ هذه الأسس والقرائن التي اعتمد عليها هؤلاء الأئمة في تصحيح الحديث يمكن حصرها فيما يلي: ١ - إن هذا المتن الذي انفرد به عبدالله بن دينار لا يعارض غيره من الأحاديث التي وردت في هذا الموضوع سواء عن ابن عمر نفسه أو غيره كعائشة وما ورد في هذا الباب هو قول النبي ◌َله: ((إنما الولاء(*) لمن أعتق)) وهو يفيد حصر الولاء في العتق، دون غيره من أسباب التمليك كالبيع والهبة. وقد أشار البخاري - رحمه الله - إلى تداخل الحديثين واتفاقهما في المعنى، حيث ترجم في كتاب العتق، ((باب بيع الولاء وهبته))، فأورد فيه حديث عبدالله بن دينار عن ابن عمر، ثم أورد فيه حديث عائشة، قالت اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها فذكرت ذلك للنبي وَلة فقال: أعتقيها. فإن الولاء لمن أعطي الورق ... )). قال الحافظ: ووجه دخوله في الترجمة من قوله في أصل الحديث: ((فإن الولاء لمن أعتق)) وهو وإن كان لم يسقه هنا بهذا اللفظ، فكأنه أشار إليه كعادته، ووجه الدلالة منه حصره في المعتق فلا يكون لغيره معه منه شيء))(٢). ٢ - إن مضمون هذا الحديث قد عمل به أهل العلم من فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة رضي الله عنهم وهذا يعتبر شاهداً لصحته. وإلى هذا أشار الإمام الترمذي في جامعه، فإنه قال بعد روايته لهذا (١) نقله الحافظ ابن حجر في الفتح: ج١٢ ص ٤٥. (*) الولاء بالفتح والمد: حق ميراث المعتق من المعتق، (الفتح: ج٥ ص١٩٨). (٢) الفتح: ج. ص١٩٨. ٢٤٢ الحديث: ((هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبدالله بن دينار عن ابن عمر، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم))(١). وقال ابن عبدالبر: اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث إلا ما روي عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان يسار لابن عباس وروى عبدالرزاق ابن جريج عن عطاء: يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء(٢). وقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء وكذا عن عروة، وجاء عن ميمون جواز هبته الولاء وكذا عن ابن عباس، ولعلهم لم يبلغهم الحديث(٣). ٣ - ومما يدل أيضاً على صحة حديث عبدالله بن دينار في النهي عن بيع الولاء وهبته أنه ورد من طريق شعبة ومالك بن أنس وسفيان الثوري، وحديث عبدالله بن دينار إذا ورد من طريق هؤلاء فهو صحيح. قال أبو جعفر العقيلي(٤): ((روى شعبة والثوري ومالك وابن عيينة عن عبدالله بن دينار أحاديث متقاربة عند شعبة نحو عشرين، وعند الثوري نحو الثلاثين، وعند مالك نحوها، وعند ابن عيينة بضعة عشر حديثاً، فأما رواية المشايخ عنه فيها اضطراب»(٥) . وقال البرديجي : (١) جامع الترمذي (مع التحفة): ج٢ ص٢٣٨. (٢) الفتح: ج١٢ ص ٤٥. (٣) المصدر نفسه. (٤) هو الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حمد العقيلي، صاحب كتاب الضعفاء وهو مطبوع في أربعة مجلدات يشمل على (٢١٠١) ترجمة وعلى أكثر من (١٥٠٠) حديث صحيح وضعيف ومعلول. توفي سنة (٣٢٢هـ) ترجمته في تذكرة الحفاظ : ج٣ ص ٩٤٠. (٥) شرح العلل ص ٢٦١. ٢٤٣ ((أحاديث عبدالله بن دينار صحاح من حديث شعبة ومالك، وسفيان. الثوري)»(١) . : ويمكن أن يقال أن الإمام أحمد تقيد بحرفية الحديث، وأما الآخرون فنظروا إلى معنى الحديث فوجدوه خالياً من التغاير عن مضمون الحديث الذي رواه نافع فصححوه. وهنا نجد ما يتفاضل به نافع عن عبدالله بن دينار من جهة التقيد بحرفية الحديث الذي يحدث به ابن عمر. المثال الرابع: حديث عبدالله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي قال: ((الإيمان يضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان))(٢). أخرجه البخاري عن عبدالله بن محمد عن أبي عامر العقدي عن سلیمان بن بلال به. وأخرجه مسلم عن عبدالله بن سعد، وعبد بن حميد عن العقدي به .. ورواه أيضاً زهير عن جرير بن حازم عن سهيل بن عبدالله عن ابن دينار به. ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن سهيل به. رواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن سفيان عن سهيل به، وقال حسن صحيح. (١) المصدر نفسه ص ٢٦٢. (٢) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، حديث رقم ٩، ج١ ص٦٧ (مع الفتح) ومسلم، في الإيمان أيضاً، باب عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ... رقم (٥٧) (٥٨) ج١ ص٦٣، وأبو داود في كتاب السنة، باب في رد الإرجاء ج٢ ص٢٦٨ - ط دار الكتاب العربي، والترمذي في كتاب الإيمان، ج٣ ص٣٥٨ (مع التحفة)، والنسائي، في كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان (٥٠١٩) و(٥٠٢٠) و(٥٠٢١) ج٨ ص ٤٨٣ طبعة دار المعرفة، وابن ماجة في مقدمة سننه، باب في الإيمان رقم (٥٧): ج١ ص٢٢. ٢٤٤ ورواه النسائي عن محمد بن عبدالله المحرمي عن أبي عامر العقدي به. وعن أحمد بن سليمان عن أبي داود الحفري وأبي نعيم كلاهما عن سفيان به . وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث عن ابن عجلان ببعضه ((الحياء من الإيمان)). ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به، وعن عمرو بن نافع بن جرير به. وعن أبي بكر بن شيبة عن أبي جمال الأحمر عن ابن عجلان نحوه. وهذا الحديث معدود من غرائب الصحيح، فإنه تفرد به عبدالله بن دينار، عن أبي صالح ولم يتابعه عليه أحد، ثم اشتهر عن عبدالله بن دينار، ورواه عنه جماعة من أصحابه كسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال، وهؤلاء كلهم رواياتهم في الكتب الستة، كما سبق بيانه. وذكر ابن رجب عن العقيلي - وهو يتكلم عن أصحاب عبدالله بن دینار -: (( ... وأما رواية المشايخ عنه ففيها اضطراب، ثم ذكر منهم: يحيى بن سعيد، وعبدالعزيز بن الماجشون، وسهيلًا بن عجلان(*) ويزيد بن الهاد، وهؤلاء الثلاثة رووا عن عبدالله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة، حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة قال: ولم يتابعهم أحد ممن سمينا من الأثبات ولم يتابع عبدالله بن دينار عن أبي صالح عليه أحد))(١). وقد فسر الحافظ ابن رجب المراد من كلام العقيلي فقال: (*) لم أجد في الرواة من اسمه سهيل بن عجلان، وأظنه تصحيفاً، والصواب سهيلًا وابن عجلان . (١) شرح العلل ص٢٦٢. ٢٤٥ ((وقول العقيلي: لم يتابع عليه، يشبه كلام القطان، وأحمد والبرديجي في أن الحديث إذا لم يتابع راويه عليه فإنه يتوقف فيه أو يكون منكراً))(١) . فالحافظ العقيلي يستنكر هذا الحديث، وهذا الاستنكار مبني على جملة من الأمور هي: ١ - تفرد عبدالله بن دينار بالحديث، إذ لم يتابعه عليه أحد. ٢ - إن هذا الحديث إنما يرويه الشيوخ(*) من أصحاب عبدالله بن دينار،: ولم يتابعهم عليه الحفاظ . ٣ - وجود الاختلاف والاضطراب في رواية هؤلاء الشيوخ، عن عبدالله بن دینار . أما بالنسبة لتفرد عبدالله بن دينار بالحديث فلا يضر إذ إن التفرد كان في الطبقات المتقدمة، والتفرد في هذه الطبقات لا يضر إذ من شأن الحديث ألا ينشر كثيراً ولا تتعدد مخارجه، وقد تقدم تفصيل هذا في المطلب الأول من هذا المبحث. أما بالنسبة للنقطة الثانية: وهي تفرد الشيوخ بهذا الحديث. نعم لم يرو الحفاظ من أصحاب عبدالله بن دينار هذا الحديث، كشعبة ومالك وسفيان وإنما رواه الشيوخ من أصحابه وهم: سهيل بن عبدالله، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال، ويزيد بن الهاد. فأما سهيل بن عبدالله فهو ضعيف، روى عنه الجماعة(٢). وسهيل بن أبي صالح: صدوق تغير حفظه بآخره، روى له البخاري (١) المصدر نفسه. (*) الشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ وقد يكون فيهم الثقة وغيره (شرح العلل ص ٢٥٦). (٢) التقريب ص٢٥٩. ٢٤٦ مقروناً، وتعليقاً، وروى له بقية الجماعة (١). ومحمد بن عجلان: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث .(٢) أبي هريرة(٢) . وسليمان بن بلال: ثقة روى عنه الجماعة(٣). ويزيد بن عبدالله بن الهاد: ثقة مكثر، روى عنه الجماعة (٤). فهؤلاء الشيوخ فيهم الضعيف والصدوق والثقة، حتى ولو سلمنا بأن هؤلاء جميعاً في مرتبة الشيوخ بالنسبة إلى ابن دينار، فقد رووا جميعاً هذا الحديث عن عبدالله بن دينار عن أبي هريرة، فيدل ذلك على أنهم قد حفظوا هذا الحديث. وأما بالنسبة للنقطة الثالثة: وهي وجود الاضطراب في رواية هؤلاء الشيوخ فما وجه هذا الاضطراب؟ وهل يقدح في صحة هذا الحديث أم لا؟ قد ذكر العلامة العيني اختلاف الروايات في هذا الحديث، وحاصله ما يلي : - اختلاف في العدد: فبعض الرواة قال بضع وستون، أو بضع وسبعون على الشك، وبعضهم قال: بضع وسبعون، وقال آخر: بضع وستون. - اختلاف في بعض الألفاظ: فبعضهم قال: بضع وسبعون باباً، وفي بعضها شعبة، وورد في بعض الروايات: أرفعها وورد في روايات أخرى أفضلها(٥) . (١) المصدر نفسه ص٢٥٩. (٢) المصدر نفسه ص٤٩٦. (٣) المصدر نفسه ص ٢٥٠. (٤) المصدر نفسه ص ٦٠٢. (٥) عمدة القاري: ج١ ص ١٣٥. ٢٤٧ فهذا الاضطراب لا يقدح في صحة أصل الحديث وإن كان يقدح في ثبوت العدد، ولهذا نظائر وأمثلة في صحيح البخاري منها: حديث الواهبة نفسها . الذي يرويه أبو حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله: إني قد وهبت لك نفسي فقال رجل زوجنيها قال: زوجناكها بما معك من القرآن))(١). فقد اختلف الرواة على أبي حازم فقال مالك وجماعة: فقد زوجناكها، وقال ابن عيينة: أنكحتكها، وقال ابن أبي حازم، ويعقوب بن عبدالرحمن: ملكتكها، وقال الثوري: أملكتكها، وقال أبو غسان: أمكناكها. قال الحافظ: ((فالمقطوع به أن النبي ◌َّي لم يقل هذه الألفاظ كلها مرة. واحدة تلك الساعة، فلم يبقَ إلا أن يقال: إن النبي ◌َّ قال لفظاً وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى والله أعلم))(٢). فهذا الاختلاف لم يضر في ثبوت الحديث. فكذلك الاختلاف الواقع في حديث ((الإيمان بضع وسبعون ... )) لا يقدح في صحته. وإن كان الإمام البخاري - رحمه الله - قد اختار ورجح رواية ((بضع وستون ... )) فما هو الأساس الذي اعتمده في ترجيح هذه الرواية؟ قد أشار إليه الحافظ بقوله: ((ورجح البيهقي رواية البخاري لأن سليمان لم يشك، وترجيح رواية بضع وسبعون شعبة لكونها زيادة ثقة. كما ذكره الحليمي ثم عياض - لا يستقيم إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المخرج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري وقد رجح ابن الصلاح رواية الأقل لكونه المتيقن»(٣). (١) رواه البخاري في كتاب: الوكالة: باب وكالة المرأة الإمام في النكاح: ج٤ ص ٥٦٧ رقم (٢٣١٠)، ثم كرره في مواضع كثيرة من صحيحه. (٢) النكت ص ٣٤٥. (٣) فتح الباري: ج١ ص ٦٧. ۔۔ ٢٤٨ والذي يظهر لي إضافة إلى ما قاله الحافظ، هو أن سليمان بن بلال أوثق ممن خالفه، فهذه القرائن كلها مجتمعة ترجح رواية البخاري - رحمه الله -. ومما يدل على صحة هذا الحديث في الجملة، أنه لا يعارض القرآن ولا السنة، بل يوافقهما لذا نجد الإمام البخاري ذكر قبل هذا الحديث آيتين في نفس معناه، وهما قول تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَلْمَغْرِدٍ وَلَكِنَّ أَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ وَءَانَى اَلْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْبَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ اَلسَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِي اَلْقَابٍ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَأَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالْقَّهْبِينَ فِى الْبَّأْسَاءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسِنَّ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ٢ ٣ وَِّينَ هُمْ عَنِ الَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ وَالَّذِينَ هُمْ لِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ أَبْتَّغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَِهِمْ وَلَِّنَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ تُحَافِقُونَ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ (®) أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُنَ (٢) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ قال الحافظ: ((وكأن المؤلف (أي البخاري) أشار إلى إمكان عد الشعب من هاتين الآيتين وشبههما))(٣). وأما الأحاديث في هذا المعنى فهي كثيرة جداً قد أوردها الأئمة في مصنفاتهم في أبواب الإيمان والسنة. مما سبق نستخلص أن البخاري لا يرى أن كل حديث تفرد به راويه منكراً، بل يراه صحيحاً مقبولًا إذا توفرت فيه الشروط التالية كلها أو بعضها: ١٠ - أن يكون الراوي المتفرد بالحديث ثقة حافظ. ٢ - أن يكون التفرد في الطبقات المتقدمة ثم يشتهر في الطبقات المتأخرة. (١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧. (٢) سورة المؤمنون، الآيات: من ١ إلى ١١. (٣) الفتح: ج١ ص٦٦. ٢٤٩ ٣ - أن لا يعارض الحديث الثابت المشهور عن النبي ٤ - أن تكون له شواهد من القرآن الكريم أو الأحاديث المرفوعة. ٥ - أن يكون ما تضمنه الحديث معمولا به عند أهل العلم ولا يكون : مهجوراً غير مستعمل. وحسب وضوح هذه القرائن وكثرتها يكون الحكم على الحديث: بالنكارة أو بالشهرة. وهنا تختلف أحكام الأئمة النقاد حسب اجتهادهم واطلاعهم، ومن: خلال هذه الأمثلة المدروسة نطمئن إلى الأحاديث الواردة في صحيح: البخاري، ونعلم أنها منتقاة بدقة كبيرة. قال ابن رجب بعد أن نقل الإمام أحمد أنه يستنكر ما تفرد به بريد بن عبدالله بن أبي بردة، وزيد بن أنسية، وإبراهيم التيمي. (( ... وأما تصرف الشيخين والأكثرين فيدل على خلاف هذا، وأن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه وليس له علة فليس بمنكر، وقد خرجا في الصحيحين حديث بريد بن عبدالله بن أبي بردة، وحديث محمد بن إبراهيم: التيمي وحديث زيد بن أبي أنسية»(١) . ثم نقل عن الإمام مسلم قوله في مقدمة صحيحه : (حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم، في قول ما يتفرد به. المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رواه، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئاً، ليس عند أصحابه، قبلت زيادته، فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديث وحديث غيره أو كمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك وقد نقل. أصحابهما عنهما حديثهما على اتفاق منهم، في الكثرة، فيروى عنهما أو عن: (١) شرح العلل ص ٢٥٥. ٢٥٠ أحدهما العدد من الحديث ممن لا يعرف أحد من أصحابهما، وليس قد شاركهم في الصحيح الذي عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم))(١). المطلب الثالث نماذج لأحاديث أعلها الإمام البخاري بالتفرد رأينا في النماذج السابقة أن التفرد من دلائل العلة، ولكن قد يكون الحديث صحيحاً لقرائن أخرى تنضم إليه، كما سبق تفصيله. وفي هذا المطلب أذكر نماذج أخرى لما يتفرد به الراوي، وتنضم إليه قرائن أخرى فيكون الحديث معلولًا عند الإمام البخاري - رحمه الله -. المثال الأول: حديث النبي وَله: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد))(٢) فمتن هذا الحديث معروف عن النبي ◌َ﴾ من وجوه متعددة، وقد خرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر عن النبي ◌َّ بطرق مختلفة. لكن هذا الحديث رواه كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى عن النبي قال: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد))(٣). (١) المصدر نفسه انظر مقدمة صحيح مسلم ص٧. (٢) رواه البخاري، في كتاب الأطعمة، باب المؤمن يأكل في معي واحد، ج٩ ص٤٤٦ - ٤٤٧ (مع الفتح)، ورواه مسلم، في كتاب الأشربة، باب المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء، ج٣ ص١٦٣١. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه: ج٣ ص١٦٣٦، وابن ماجة في سننه، حديث رقم (٣٢٥٨) من رواية أبي كريب، وأخرجه الترمذي في العلل الصغير: ج٥ ص ٧٦٠ (مع الجامع)، والعلل الكبير ص٣٠٣. ٢٥١ وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكر أن أبا كريب تفرد به منهم البخاري وأبو زرعة، وظاهر كلام أحمد يدل على استنكار هذا الحديث أيضاً (١). إذا علمنا أن أبا كريب (٢) المتفرد بالحديث ثقة حافظ روى له الجماعة. فهل يتسنى لنا الاستدراك على هؤلاء الأئمة ونقول: إنه ثقة حافظ فلا يضر. تفرده أم نبحث عن القرائن التي انضمت إلى هذا التفرد، فجعلتهم يحكمون. على الحديث بالغرابة ويستنكرونه. وهذه القرائن هي : ١ - تفرد أبي كريب به عن أبي أسامة. ٢٠ - تفرد أبي أسامة به عن بريد. ٣ - رواية أبي كريب هذا الحديث عن أبي أسامة حال المذاكرة .. وقد أشار البخاري - رحمه الله - إلى هذه القرائن فيما نقله عنه. الترمذي، حيث قال بعد روايته هذا الحديث من طريق أبي كريب ((وسألت محمداً بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة، فقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا فجعل. يتعجب ويقول: ما علمت أن أحداً حدّث بهذا غير أبي كريب، قال محمد :: وكنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة))(٣). والذين رووا هذا الحديث عن أبي أسامة غير أبي كريب هم؛ أبو هشام الرفاعي وأبو السائب والحسين الأسود. (١) شرح العلل ص٢٤٨. (٢) هو محمد بن العلاء بن كريب الهمذاني، أبو كريب الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٥٢٤٧) وهو ابن تسع وثمانين سنة، ترجمته في التقريب ص٥٠٠. (٣) العلل الصغير (مع الجامع): ج٥ ص ٧٦٠، والعلل الكبير ص٣٠٣. ٢٥٢ فلماذا لم يعتد النقاد بهؤلاء ويعتبروا حديثهم متابعة لأبي كريب تدفع عنه وصف التفرد بهذا الحديث؟ لم يعتد النقاد بهذه الطرق، لأنهم علموا عدم صحة سماع هؤلاء لهذا الحديث من أبي أسامة مباشرة، وإنما سمعوه من أبي كريب وأضافوه إلى أبي أسامة . قال الحافظ ابن رجب : ((وذكر لأبي زرعة من رواه عن أبي أسامة غير أبي كريب، فكأنه أشار إلى أنهم أخذوه منه، وحسين بن الأسود (١)، كان يتهم بسرقة الحديث، وأبو هشام(٢) فيه ضعف))(٣). وكذلك تعجب الإمام البخاري لما قال له الترمذي حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا وقال: ما علمت أحداً حدث بهذا غير أبي كريب. وأما القرينة الأخرى، وهي أخذ أبي كريب لهذا الحديث حال المذاكرة فقد وضحها الحافظ ابن رجب بقول: ((وما حكاه الترمذي عن البخاري هاهنا أنه قال: كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة، فهو تعليل للحديث، فإن أبا أسامة لم يرو هذا الحديث عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، والمذاكرة يحصل فيها تسامح بخلاف حال السماع والإملاء»(٤). (١) الحسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي، صدوق يخطىء كثيراً، مات سنة ٥٢٥٤، ترجمته في: التقريب ص١٦٧، والتهذيب ج٢ ص٣٤٣، والميزان: ج١ ص٥٤٣. (٢) محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي، أبو هشام الرفاعي الكوفي، قاضي بغداد، ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، مات سنة ٥٢٤٨، ترجمته في: الضعفاء الصغير ٢٣٦، الميزان ج٤ ص٦٨. (٣) شرح العلل ص٢٤٨. (٤) المصدر نفسه ص٢٤٩. ٢٥٣ المثال الثاني: حديث النهي عن الانتباذ في الدباء والمزقت(١). وهو حديث صحيح ثابت عن النبي ◌َّ مشهور من رواية جماعة من الصحابة: ابن عباس وابن عمر وابن سعيد وأنس وأبي هريرة. لكن ورد من رواية شبابة عن شعبة عن بكير عن عطاء عن عبدالرحمن بن يعمر أن النبي ◌ّ نهى عن الدباء والمزفت(٢). ((فهذا الحديث بهذا الإسناد غريب جداً وقد أنكره على شبابه طوائف من الأئمة منهم - أحمد والبخاري وأبو حاتم وابن عدي)(٣) والترمذي أيضاً(٤). وقد بيّن الترمذي بعض الجوانب التي من أجلها أعلّ النقاد فقال: بعد روايته له من طريق شبابة . ((هذا حديث غريب من قبل إسناده، ولا يعلم أحد حدث به عن شعبة: غير شبابه، وقد روي عن النبي 18 من أوجه كثيرة أنه نهى أن ينتبذ في الدباء والمزفت، وحديث شبابه إنما يستغرب لأنه تفرد به عن شعبة، وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء بن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ◌ّ- أنه قال: ((الحج عرفة)) فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد))(٥) وتمثل هذه القرائن فيما يلي: (١) رواه البخاري في كتاب الإيمان: باب أداء الخمس من الإيمان، رقم (٥٣) ج١ ص١٥٧ (مع الفتح)، عن ابن عباس ورواه في كتب العلم، والمواقيت، والأثرية عن ابن عمر،: ورواه مسلم في كتاب الإيمان، ج١ ص٤٦ - ٥٠ عن ابن عباس وأبي سعيد، ورواه في الأثرية: ج٣ ص١٥٧٧ - ١٥٨٥ عن أنس وأبي هريرة وعلى وعائشة وغيرهم. (٢) أخرجه ابن ماجة في سننه رقم (٣٤٠٤٩) والنسائي: ج٨ ص ٣٠٥، وأخرجه الترمذي على العلل الصغير: ج٥ ص٧٦١ (مع الجامع) والعلل الكبير ص٣٠٩. (٣) شرح العلل ص٢٤٩ .. (٤) العلل الصغير: ج٥ ص ٧٦١، والعلل الكبير ص٣٠٩. (٥) العلل الصغير: ج٥ ص ٧٦٠. ٢٥٤ ١ - تفرد شبابة بهذا الحديث دون سائر أصحاب شعبة. ٢ - شهرة هذا الحديث بغير هذا الإسناد. ٣ - وجود حديث آخر عن شعبة روي بهذا الإسناد الذي تفرد به شبابه. وفيما يلي تفصيل هذه النقاط : إن تفرد شبابة عن شعبة بهذا الحديث بهذا الإسناد دون سائر أصحاب شعبة الحفاظ الأثبات يثير ريبة في نفس الناقد، نعم إن شبابه بن سوار ثقة(١). لكنه ليس من أثبت أصحاب شعبة، كيحيى القطان وابن مهدي ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث وغندر (محمد بن جعفر)(٢). فهؤلاء كلهم لم يرووه من هذا الطريق الذي رواه به شبابه. ولو نظرنا في الصحيحين نجد أن الثقات من أصحاب شعبة رووه من طرق عدة، ليس فيهما طريق شبابة. فأما البخاري فإنه يروي هذا الحديث في مواضع متعددة من صحيحه من طريق شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك: علي بن الجعد (٣)، وغندر(٤)، والنضر بن شميل(٥). وأما الإمام مسلم فإنه توسع في ذكر طرق هذا الحديث عن شعبة(٦). فقد أورده من طريق شعبة عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن علي حدث بذلك عن شعبة محمد بن جعفر. (١) شبابه بن سوار الفزاري: ثقة، رمي بالإرجاء. مات سنة ٢٥٤ ترجمته في تهذيب التهذيب: ج٤ ص ٣٠٠. (٢) انظر: سؤالات ابن بكير للدارقطني ص٤٣ وشرح العلل ص٢٨٦ - ٢٨٨. (٣) حديث رقم (٥٣) ج١ ص١٥٧. (٤) حديث رقم (٨٧) ج١ ص٢٢١. (٥) حديث رقم (٧٢٦٦) ج١٣ ص٢٥٦. (٦) صحيح مسلم: ج٣ ص١٥٧٨ - ١٥٨٦. ٢٥٥ ٠٠ وأورده من طريق شعبة عن نصور وسليمان وحماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة حدث عن شعبة بذلك يحيى القطان. وأورده أيضاً من طريق شعبة عن يحيى العمراني عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك عبدالرحمن بن مهدي، ومحمد بن جعفر. وأورده من طريق شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر حدث عنه بذلك محمد بن جعفر. وأورده من طريق شعبة عن عقبة بن حريث عن ابن عمر حدث عنه بذلك محمد بن جعفر. وأورده أيضاً من طريق شعبة عن جبلة عن ابن عمر حدث عنه بذلك محمد بن جعفر. وأورده من طريق شعبة عن عمر بن مرة عن زاذان عن ابن عمر حدث بذلك أبو داود ومعاذ بن معاذ. فهذه أشهر الطرق لهذا الحديث عن شعبة التي تداولها الثقات من أصحابه، أما طريقة شبابة عن شعبة فلم يشتهر فيتداوله الثقات. أما بالنسبة للنقطة الثالثة وهي وجود حديث آخر عن شعبة بهذا الإسناد وهو ((الحج عرفة))(١) فهذا المتن هو الذي يعرف عن شعبة عن بكير بن عطاء عن عبدالرحمن بن يعمر عن النبي ◌َّ أي أن الحديث السابق انقلب: إسناده على شبابة بن سوار فجعل إسناد هذا الحديث للحديث السابق. فهذه القرائن مجتمعة جعلت النقاد يحكمون على هذا الحديث بالنكارة وليس لمجرد التفرد. والنتائج التي نستخلصها مما سبق تتمثل فيما يلي: ١ - يعدّ التفرد من الدلائل القوية لمعرفة علل الأحاديث. (١) رواه الإمام أحمد في مسنده، ج٤ ص٣٠٩ و٣٣٥، والترمذي: ج١ ص ٨٨٥ وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم في المستدرك والبيهقي. ٢٥٦ ٢ - لا يكتفي النقاد بمجرد التفرد للحكم على الحديث بالنكارة أو الشذوذ، بل لا بد من وجود القرائن. ٣ - إن هذه القرائن تختلف باختلاف الأحاديث، وليس منحصرة. ٤ - ليس للنقاد عمل مطرد في تفرد الراوي، فلا يقبلونه مطلقاً، ولا يردونه مطلقاً، فهنالك بعض تفردات الرواة صححها البخاري وغيره وهذا النوع يسمى بغرائب الصحيح، كما سبق بيانه في المطلب السابق وهناك تفردات حكم عليها البخاري بالنكارة كما بينته في هذا المطلب . ٥ - قد تختلف أحكام النقاد على الأحاديث التي وقع فيها التفرد، وهذا بناء على مدى اطلاعهم على طرق الحديث والقرائن المرجحة، وليس اختلافاً في المنهج. ٢٥٧ المبحث الثالث المخالفة وأثرها في التعليل مدخل: مقدمات نظرية (تعريف المخالفة، أسبابها، ضابطها، صورها، أحكامها، أثرها). القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد. المطلب الأول: الاختلاف في الوصل والإرسال. المطلب الثاني: الاختلاف في الرفع والوقف. المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي. المطلب الرابع: الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه. القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن. المطلب الأول: الاختصار. المطلب الثاني: الرواية بالمعنى. المطلب الثالث: الإدراج. ٢٥٨ مقدمات نظرية: تعريف المخالفة وذكر أسبابها: لم أجد لها تعريفاً، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله، فأقول: («هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير(*) في سیاق إسناده أو متنه». وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط . وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها. ضابطها: حتى يكون الاختلاف معتبراً يتعين فيه أن يكون المخرج واحداً. قال ابن الصلاح - رحمه الله -: ((وينبغي في التعارض أن يكون المخرج واحداً وإلا فتعد الوجوه المختلفة طرقاً مستقلة))(١). قال الحافظ: ((وقد فسر ابن العربي الحديث بأن يكون من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة في البصريين وأبي إسحاق السبيعي في الكوفيين وعطاء في المكيين، وأمثالهم، فإن حديث البصريين مثلًا إذا (*) لم أعبر بالتعارض كما هو مستعمل عند بعض العلماء لأن التغاير أعم وأشمل، والتعارض أخص، ومن الاختلاف ما ليس فيه تعارض. (١) انظر مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ص٩٤ وص ١١٧ . ط: دار الكتاب العربي. بتحقيق عبدالرحمن محمد عثمان. ٢٥٩ ٠٠ جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفاً، وإذا جاء عن غير قتادة ونحوه كان شاذاً والله أعلم)»(١) صور المخالفة: يقع الاختلاف بين الرواة في أمور كثيرة غير محصورة فيها ما يؤثر في القبول وفيها ما لا يؤثر فيه، كاختلافهم في العبارات والألفاظ بحيث لا يغير المعنى المقصود وكذا في التقديم والتأخير، وصيغ التلقي مثل حدثنا وأخبرنا. ونحوهما . وجدير بالذكر أن الاختلاف في صيغ التلقي يؤثر أحياناً في الصحة والقبول، كالاختلاف في التصريح بالسماع بالنسبة إلى رواية من وصف بالتدليس أو الإرسال(٢). وأما الاختلاف المؤثر فتارة يكون في السند وتارة یکون في المتن، فالذي في السند يتنوع أنواعاً: تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف مع الرفع، وتعارض. الاتصال والانقطاع، وتعارض في شيخ الراوي، مثلًا: أن يروي الحديث قوم عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي نفسه، وتعارض في زيادة رجل في أحد الإسنادين، وتعارض في اسم الراوي ونسبه إن كان متردداً بين ثقة وضعيف، وتعارض في الجمع والإفراد في الرواية، مثلًا: أن يروي الحديث قوم عن رجل عن فلان وفلان ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن فلان مفرداً. وأما الاختلاف في المتن فيتنوع أنواعاً: منها تعارض الإطلاق. والتقييد، وتعارض العموم والخصوص، وتعارض الزيادة والنقص (٣). (١) النكت: تحقيق ربيع بن هادي: ج١ ص ٤٠٥. (٢) الحديث المعلول ص٣٦. (٣) المصدر السابق: ج٢ ص٧٧٧ - ٧٧٨. ٢٦٠