Indexed OCR Text

Pages 201-220

وذهب آخرون إلى التوسع في مدلول التدليس، فيمثل عندهم من
سمع، ومن أدرك ولم يسمع، ومن هؤلاء الإمام ابن الصلاح - رحمه الله -
قال :
«تدليس الإسناد: وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمع منه موهماً أنه
سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه موهماً أنه لقيه وسمع منه)) (١).
وبمثل تعريف ابن الصلاح عرفه النووي(٢) وابن كثير (٣) والعراقي
(٤)
وذكر أن تعريف ابن الصلاح هو المشهور بين أهل الحديث.
لكن الحافظ ابن حجر لم يرتض هذا، وفرق بين النوعين باعتبار أن
التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، وأما إذا عاصره ولم يعرف
أنه لقيه فهو المرسل الخفي (٥) .
وهو الظاهر أيضاً من صنيع الحافظ العلائي - رحمه الله - حيث تكلم
على التدليس بنوعيه ثم أفرد للمرسل الخفي باباً مستقلاً في كتابه جامع
التحصيل والرأي الذي ذهب إليه ابن حجر هو المعتمد لما يلي:
أولًا: إنه قول المتقدمين من أهل الحديث كما سبق نقله عنهم.
ثانياً: إنه يفرق تفريقاً دقيقاً بين المدلس والمرسل الخفي. وهذا
التفريق له أثره الواضح في القبول والرد، لأن حكمنا على الحديث بالتدليس
يستلزم رده أما حكمنا عليه بالإرسال الخفي فيعني قبوله عند من يقبل
المراسيل :
(١) علوم الحديث ص٦٦.
: (٢) التقريب ص٢٢٣ - ٢٢٤.
(٣) اختصار علوم الحديث ض ٥٠.
(٤) التقييد والإيضاح ص ٨٠.
:
(٥) نزهة النظر ص٣٩ - ٤٠.
٢٠٢

ب - تدليس الشيوخ:
هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثاً سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو
ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف (١).
ويمكن أن نضع تعريفاً للتدليس يشمل القسمين وهو: ((التدليس إخفاء
عيب في الإسناد ظهوره يكون سبباً في ضعفه أو انقطاعه)» فعيوب الإسناد
التي تكون سبباً في ضعفه هي: ضعف الرواة، وجهالتهم، وجرحهم.
والعيوب التي تكون سبباً في انقطاع الإسناد، كعدم السماع مطلقاً أو
عدم لقاء الرواة بعضهم بعضاً أو عدم السماع منهم في خصوص ذلك
الحديث .
حكم التدليس:
قال الخطيب البغدادي - رحمه الله -: ((التدليس متضمن للإرسال
لا محالة، الإمساك المدلس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل
بإيهامه السماع ممن لم يسمع فقط، وهو الموهن لأمره فوجب كون التدليس
متضمناً للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إبهام
السماع ممن لم يسمع منه))(٢) فالتدليس يشبه المرسل في كون كل منهما
منقطع، ويختلف عنه بأن الإرسال انقطاع ظاهر والتدليس انقطاع خفي مع
أن راويه يذكره بصيغة توهم الاتصال، ولهذا لم يذم العلماء من أرسل وذموا
من دلس.
ولقد اختلف العلماء في قبول رواية من عرف بهذا التدليس، ولقد
ذكر هذا الخلاف الإمام ابن الصلاح في مقدمته، فقال - رحمه الله -: ((ثم
اختلفوا في رواية من عرف بهذا التدليس (أي تدليس الإسناد) فجعله فريق
من أهل الحديث والفقهاء مجروحاً بذلك، وقالوا: لا تقبل روايته بحال بين
(١) علوم الحديث ص٦٦.
: (٢) الكفاية ص ٣٩٥.
٢٠٣

السماع أو لم يبين، والصحيح التفصيل وأن ما رواه المدلس بلفظ محتمل
لم يبين فيه السماع والاتصال حكمه حكم المرسل وأنواعه وما رواه بلفظ
مبين للاتصال نحو ((سمعت)) و((حدثنا)) و((أخبرنا)» وأشباهها فهو مقبول محتج
به .
وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب
كثير جداً كقتادة، والأعمش، والسفيانين، وهشيم بن بشير، وغيرهم، وهذا
أن التدليس ليس كذباً، وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل»(١) وبهذا
التفصيل قال الحافظ العلائي - رحمه الله(٢) - وقال الحافظ ابن حجر:
((وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلًا أن لا يقبل منه إلا ما صرح فيه
بالتحديث على الأصح))(٣) كما تعقب الحافظ ابن حجر الإمام ابن الصلاح
في قوله: ((وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا
الضرب كثير جداً».
قال ابن حجر: «أورد المصنف هذا محتجاً به على قبول رواية
المدلس إذا صرح، وهو يوهم أن الذي في الصحيحين وغيرهما من الكتب
المعتمدة من حديث المدلسين مصرح في جميعه وليس كذلك، بل في
الصحيحين وغيرهما جملة كثيرة من أحاديث المدلسين بالعنعنة.
وقد جزم المصنف في موضع آخر، وتبعه النووي وغيره، بأن ما كان
في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عن المدلسين، فهو محمول
على ثبوت سماعه من جهة أخرى، وتوقف في ذلك المتأخرين الإمام :
صدر الدين بن المرحل وقال في ((كتاب الإنصاف)): ((إن في النفس من هذا
الاستثناء غصة، لأنها دعوى لا دليل عليها، ولا سيما أنا قد وجدنا كثيراً
من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس
(١) علوم الحديث ص٦٧ - ٦٨.
(٢) جامع التحصيل في أحكام المراسيل - حققه وقدم له وخرّج أحاديثه: حمدي عبدالمجيد
السلفي - عالم الكتب. الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م، ص٩٨ - ٩٩.
(٣) نزهة النظر ص٣٩.
٢٠٤

رواتهما)) وكذلك استشكل ذلك قبله العلامة ابن دقيق العيد فقال: ((لا بد من
الثبات على طريقة واحدة، إما القبول مطلقاً أو الرد مطلقاً، في كل كتاب،
وأما التفرقة بين ما في الصحيح من ذلك وما خرج عنه فغاية ما يوجه به
أحد أمرين: إما أن يدعى أن تلك الأحاديث عرف صاحب الصحيح صحة
السماع فيها. قال: وهذا إحالة على جهالة، وإثبات أمر بمجرد الاحتمال.
وإما أن يدعى أن الإجماع عى صحة ما في الكتابين دليل وقوع
السماع في هذه الأحاديث، وإلا كان أهل الإجماع على الخطأ، وهو
ممتنع)).
وفي أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ أبي الحجاج المزي
((وسألته عما وقع في الصحيحين من حديث المدلس معنعناً هل نقول: إنهما
اطلعا على اتصالها ...
فقال: كذا يقولون وما فيه إلا تحسين الظن بهما، وإلا ففيهما أحاديث
من رواية المدلسين ما توجد من غير تلك الطرق التي في الصحيحين)).
قلت (القائل ابن حجر) وليست الأحاديث التي في الصحيحين بالعنعنة
عن المدلسين كلها في الاحتجاج، فيحمل كلامهم هنا على ما كان منها في
الاحتجاج فقط، أما ما كان في المتابعات فيحتمل أن يكون حصل التسامح
في تخريجها كغيرها))(١).
وهذه الإشكالات التي أوردها هؤلاء الحفاظ المتأخرون مردها إلى
أنهم يقررون قواعد عامة مطردة بمعزل عن صنيع الأئمة في كتبهم فإذا
وجدوا ما يخالف تلك القواعد حاولوا جاهدين الجواب عنهم، وكان من
المفترض أن يكون الواقع التطبيقي هو المنطلق الذي تستمد منه القواعد
والأحكام.
ولو تأملنا مسألة التدليس وأحاديث المدلسين من خلال الواقع التطبيقي
عند الإمام البخاري تتضح لنا الحقائق التالية :
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
٢٠٥

١ - أن الإمام البخاري قد أخرج أحاديث كثير ممن وصف بالتدليس، وهذا
يقتضي أن التدليس ليس بجرح ترد به الرواية، ويقدح به في العدالة.
٢ - إن الإمام البخاري أكثر ما يخرج لهؤلاء في التعاليق والاستشهاد.
٣ - خرج الإمام البخاري لبعض المدلسين في الأصول احتجاجاً إما
لتصريحهم بالسماع، أو لأنهم توبعوا على أحاديثهم، أو لشيوخ أكثروا.
عنهم بحيث لم يفتهم من أحاديثهم شيء، أو من طريق من لا يأخذ
عنهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع أو لكون هؤلاء المدلسين لا يدلسون
إلا عن الثقات .
أصناف المدلسين في صحيح البخاري:
١ - المدلسون الذين أخرج البخاري أحاديثهم متابعة واستشهاداً:
وهؤلاء مثل: بقية بن الوليد، عيسى بن موسى غنجار، مبارك بن
فضالة، محمد بن إسحاق، محمد بن عجلان.
٢ - المدلسون الذين أخرج البخاري أحاديثهم احتجاجاً:
وهؤلاء يخرج أحاديثهم بطرق مختلفة:
أ - من الطرق المصرح فيها بالسماع: مثل:
حميد بن أبي حميد الطويل: كان يدلس وقد اعتنى البخاري بطرق.
حديثه التي فيها التصريح بالسماع(١).
ب - من طريق من كان لا يأخذ عنهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع: مثل :
الأعمش: فقد اعتمد البخاري في تخريج حديثه على حفص بن غياث
لأنه كان يميز بين ما صرح فيه الأعمش بالسماع وبين ما دلسه (٢).
(١) هدي الساري ص٤١٩.
(٢) المصدر نفسه ص٤١٨.
٢٠٦

ج - من لا يدلس إلا عن الثقات أو تدليسهم نادر، وهؤلاء مثل (١):
إبراهيم بن يزيد النخعي، إسماعيل بن أبي خالد، بشير بن المهاجر،
الحسن بن ذكوان، الحسن البصري، الحكم بن عتبة، حماد بن أسامة،
سعيد بن أبي عروبة، سفيان الثوري، سفيان بن عيينة، شريك القاضي،
ومحمد بن حازم أبو معاوية الضرير، وغيرهم.
إن تخريج الإمام البخاري روايات بعض المدلسين دون أن يكون هناك
تصريح بالسماع مما يدل على أن قاعدة ((المدلس لا يقبل منه إلا ما صرح
فيه بالتحديث)) ليس قاعدة مطردة بل لها استثناءات.
فهناك بعض المدلسين من يكون تدليسه نادراً في بعض الروايات أو لا
يدلس فيها أصلًا مع كونه معروفاً بالتدليس، مثل هشيم بن بشير المشهور
بالتدليس إلا أنه لا يكاد يدلس في حديثه عن حصين بن عبدالرحمن فعنعنته
محمولة على الاتصال، قال الإمام أحمد: ((هشيم لا يكاد يدلس عن
حصین)»(٢).
ذلك لأنه لازمه ملازمة طويلة وأكثر سماعه منه بحيث لم يفت له من
أحاديثه شيء، ولذا قالوا: (هشيم أعلم الناس بأحاديث حصين)).
وكذلك سفيان الثوري فقد وصف بالتدليس عن الضعفاء إلا أن الإمام
البخاري قال: ((لا أعرف لسفيان عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن
كهيل، ولا عن منصور، وذكر شيوخاً كثيرة، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء
تدليساً، ما أقل تدليسه))(٣).
ومن هؤلاء الشيوخ، الأعمش وابن جريج، وأبو إسحاق ومعمر
ويحيى بن أبي كثير، لأنه قلما يفوت له من أحاديثهم لطول الملازمة وكثرة
السماع .
(١) النكت ص٢٥٧.
(٢) شرح العلل ص٣٨٩.
(٣) نفس المصدر ص٣٨٩، وفتح المغيث: ج١ ص٢١٩ والنكت ص٢٥٣.
٢٠٧

وكذلك الأعمش فقد قال الحافظ الذهبي: «وهو يدلس وربما دلس
عن ضعيف، وهو لا يدري به فمتى قال حدثنا فلا كلام، ومتى قال عن
تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم، وابن أبي
وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على
الاتصال»(١).
وكذلك ابن جريج فإنه كان يدلس عن غير عطاء فأما عن عطاء فلا،
قال: إذا قلت: قال عطاء فأنا سمعته منه وإن لم أقل سمعت، وإنما قال
هذا لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء))(٢).
كما أن بعض المدلسين إذا جاء حديثهم من طريق بعض الرواة فتحمل
عنعنتهم على الاتصال لأنهم لا يقبلون منهم إلا ما سمعوا من شيوخهم مثل
عكرمة بن عمار اليمامي، وقتادة، والأعمش ولأبي إسحاق وأبي الزبير
وسفيان الثوري.
فعكرمة قد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب
المدلسين لكن إذا جاء حديثه من طريق سفيان الثوري فتحمل عنعنته على
الاتصال لأنه كان يوقفه عند كل حديث قل: ((حدثني)) و((سمعت))(٣).
وأما قتادة والأعمش وأبو إسحاق فلا تضر عنعنتهم إذا روى عنهم
(٤)
شعبة فإنه كان يقول: ((كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وإسحاق وقتادة))(
قال الحافظ: ((وهي قاعدة حسنة تقبل أحاديث هؤلاء إذا كانت عن
شعبة ولو عنعنوها))(٥).
وقال الإسماعيلي: ((يحيى القطان لا يروي عن زهير إلا ما كان
(١) ميزان الاعتدال: ج٢ ص٢٢٤.
(٢) التنكيل: ج٢ ص ١٠٠.
(٣) الجرح والتعديل: ج١ ص٦٨.
(٤) النكت على ابن الصلاح ص٢٥٢.
(٥) المصدر نفسه ص٢٥٢٪
٢٠٨

مسموعاً لأبي إسحاق فإذا عنعن زهير عن أبي إسحاق وكان من طريق يحيى
القطان فلا يضر ذلك ويحمل على الاتصال))(١).
وأبو الزبير عن جابر إذا روى عنه الليث بن سعد فعنعنته محمولة على
الاتصال(٢)
٠
إلى غير ذلك من الأمثلة والشواهد التي تدل على صحة ما ذهب إليه
الإمام البخاري من عدم اعتبار أحاديث المدلسين على طريقة واحدة.
(١) المصدر نفسه.
(٢) المصدر نفسه. وانظر: الموازنة في تصحيح الأحاديث وتعليلها - للدكتور حمزة
المليباري - ط٢ بقسنطينة ص ١٢٠ - ١٢٤.
٢٠٩

الفصل الثالث
منهج تعليل الأحاديث عند
الإمام البخاري
المبحث الأول: الأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح.
المبحث الثاني: التفرد وأثره في التعليل.
المبحث الثالث: المخالفة وأثرها في التعليل.
المبحث الرابع: زيادات الثقات.
٢١١
٠

المبحث الأول
الأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح
المطلب الأول: تعريف العلة وبيان مواضعها، وحكمها ودلائلها.
المطلب الثاني: الأحدايث المنتقدة في صحيح البخاري وتصنيفها.
المطلب الأول
تعريف العلة وبيان مواضعها وحكمها ودلائلها
تمهيد:
إن الجامع الصحيح للإمام البخاري من أصح الكتب في الحديث بل
أصحها، ومع ذلك فهو جهد بشري ليس كاملًا ولا معصوماً، ومن هنا نجد
بعض الأئمة الحفاظ قد تكلموا على بعض الأحاديث في هذا الكتاب، وبينوا
فيها عللا تجعلها قاصرة على رتبة الصحة، وقبل الخوض في ذكر هذه
الانتقادات وتقويمها يجدر بنا أن نعرف العلة ومواضعها ودلائلها، ثم نتعرض
إلى الأحاديث المنتقدة في جامع الصحيح، ومناهج هؤلاء الأئمة في
انتقاداتهم وكذلك طريقة من حاول الدفاع عن الصحيح والرد على هذه
الانتقادات.
٢١٣

تعريف العلة:
١ - لغة:
قال الفيروزآبادي :
((العلة بالكسر: المرض، عل، يعل، واعتل، وأعله الله تعالى، فهو.
معل، وعليل، ولا نقول معلول))(١) ويرى كثير من العلماء أن معلول خلاف
القياس، لأن القياس أن يقال: معل من أعل قال ابن الصلاح: ((ويسميه أهل
الحديث: المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس
العلة والمعلول. مرذول عند أهل العربية واللغة))(٢).
وتبعه على ذلك النووي وقال: إنه لحن، وتبعه السيوطي أيضاً(٣)
لكن قال الفيومي: ((العلة المرض الشاغل، والجمع علل مثل سدرة
وسدر، وأعله الله فهو معلول، قيل: من النوادر التي جاءت على غير
قياس، وليس كذلك، فإنه من تداخل اللغتين، والأصل، أعله الله فعل، فهو
معلول، فيكون على القياس، وجاء معل على القياس، ولكنه قليل
الاستعمال»(٤).
وأورد الحافظ العراقي في ((التقييد والإيضاح)) استعمال معلول عن عدد
من أهل اللغة منهم قطرب، وابن القوطية، والمطرزي والجوهري (٥).
وجاء في مختار الصحاح: «والعلة: المرض، وحدث يشغل صاحبه
عن وجهه كأن تلك العلة صارت شغلاً ثانياً منعه عن شغله الأول؛ واعتل:
أي: مرض، فهو عليل، ولا أعلك الله أي لا أصابك بعلة))(٦).
(١) القاموس المحيط: ج٤ ص٢١.
(٢) علوم الحديث ص٨١.
(٣) التقريب مع شرحه التدريب: ج١ ص٢٥١.
(٤) المصباح المنير ص٤٢٦.
(٥) التقييد والإيضاح ص٩٦.
(٦) مختار الصحاح ص٢٩١.
٢١٤

وأصل الخلاف في هذه المسألة هل هذا الفعل ثلاثي مجرد أم مزيد.
قال السخاوي رحمه الله :
(نص جماعة كابن القوطية في الأفعال على أنه ثلاثي فإنه قال: عُلّ
الإنسان علة مرض والشيء أصابته علة ولكن الأعرف أن فعله من الثلاثي
المزيد نقول: أعله الله فهو معلٌ، ولا يقال: تعلل، فإنهم يستعملونه من عله
بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، وما يقع في
استعمال أهل الحديث له حيث يقال علله فلان، على طريق الاستعارة)»(١).
ومما سبق نستطيع أن نلخص معاني هذا الفعل واستعمالاته على هذا
النحو :
فعل علّ يعلّ بالكسر والضم: علا، يستعمل متعدياً ولازماً، ومعناه
سقاه السقية الثانية، ومنه العلل وهو الشرب الثاني، يقال علل بعد نهل (٢).
وأما أعله أي أصابه بعلة. والعلة المرض كما تقدم وهذا الفعل هو
الأكثر استعمالا عند المحدثين، ويراد منه أن الحديث به علة فيصح أن يقال
له معلول، في مقابل الصحيح.
وأما علله فهو في اللغة بمعنى ألهاه وشغله، واستعمال المحدثين لهذا
الفعل قليل، واستعمالهم له على سبيل الاستعارة أي كأن المحدث شغل
بالنظر في علة الحديث عما هو أهم من ذلك، والله أعلم.
ويرى العراقي أن الأحسن استعمال لفظ معلّ بدلًا من معلول(٣).
ومما تقدم يتبين لنا أن استعمال لفظ معلول لا إشكال فيه لغة، كما
أنه المستعمل بكثرة في كلام المحدثين كالبخاري، والترمذي والحاكم
والدارقطني وغيرهم.
(١) فتح المغيث: ج١ ص٢٤٤.
(٢) مختار الصحاح ص٢٩١.
(٣) التقييد والإيضاح ص٩٦.
٢١٥

ب - تعريف العلة اصطلاحاً:
قال ابن الصلاح ((هي عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة))(١).
فالعلة عبارة عن سبب غامض يدل على وهم الراوي سواء أكان الراوي .
ثقة أم ضعيفاً. سواء أكان الوهم فيما يتعلق بالإسناد أم فيما يتعلق بالمتن (٢).
وقد تطلق العلة على الأسباب الظاهرة التي تقدح في صحة الحديث كما نبّه
على ذلك ابن الصلاح فقال: ((ثم اعلم أنه قد تطلق العلة على غير ما ذكرنا
من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال
الضعف، المانعة من العمل به على مقتضى لفظ العلة في الأصل))(٣).
مواضع العلة وحكمها:
قال ابن الصلاح: ((ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر وقد
تقع في متنه، ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن :
جميعاً كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد
خاصة من غير قدح في صحة المتن))(٤).
والقدح هنا لفظ مجمل إن أريد به القدح في صحة الحديث، ففي
العلل ما هو قادح ومنها ما هو غير قادح، وعلى هذا يحمل كلام ابن
الصلاح وغيره من العلماء.
وإن أريد بالقدح، القدح في صحة ما قاله الراوي عمن فوقه فالعلة
على هذا الاعتبار كلها قادحة لأن العلة كما سبق هي الوهم والخطأ فما كان
وهماً لا يكون صحيحاً (*).
(١) علوم الحديث ص٨١.
(٢) الدكتور حمزة عبدالله المليباري: الحديث المعلول قواعد وضوابط - دار الهدى عين
مليلة. الجزائر ص١٣.
(٣) المصدر السابق.
(٤) علوم الحديث ص ٨٢.
(*) انظر لمزيد من التفصيل في هذه المسألة ((الحديث المعلول)» ص٢٢.
٢١٦
٠٠

دلائل العلة:
تعرف العلة بالتفرد من الراوي أو مخالفته لغيره مع قرائن أخرى.
قال ابن الصلاح: ((ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره
له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في
الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم
بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به أو يتردد فيوقف فيه)) (١).
وقال السخاوي:
(«تدرك بعد جمع الطرق، والفحص عنها، بالخلاف من راوي الحديث
لغيره، ممن هو أحفظ، وأضبط وأكثر عدداً، أو عليه، والتفرد بذلك، وعدم
المتابعة عليه مع قرائن قد يقصر التعبير عنها))(٢).
ولأهمية التفرد والمخالفة جعلتهما محور الدراسة في هذا الفصل،
فتناولت منهج التعليل عند الإمام البخاري من خلال موقفه من صور
المخالفة وموقفه من التفرد، ثم موقفه من زيادات الثقات، وهي حالة من
حالات المخالفة، لكن أفردتها لأهميتها وغموضها ..
المطالب الثاني
الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري
لقد أعلّ بعض الحفاظ جملة من الأحاديث في صحيح البخاري، ومن
هؤلاء الحافظ الدارقطني وأبو علي الغساني في جزء العلل من كتابه «تقييد
المهمل)»(*) .
(١) المصدر نفسه ص ٨٣.
(٢) فتح المغيث: ج١ ص٢٤٤ - ٢٤٥.
(*) لقد حقق هذا الجزء بعنوان ((التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين)) من قبل الرواة =
٢١٧

"أما الحافظ الدارقطني فقد انتقد البخاري ومسلماً في كتابه ((التتبع لما
في الصحيحين))، وقد طبع هذا الكتاب بتحقيق الشيخ مقبل بن هادي -:
حفظه الله -، ويعتبر كتابه أوسع مصدر في هذا الموضوع، وقد رد على
الدار قطني الحافظ أبو مسعود الدمشقي في جزء صغير ذكر فيه أربعة وعشرين
حديثاً مما انتقد فيه الدارقطني مسلماً، وقد لزم فيه الإنصاف فهو يصوب
الدارقطني فيما يرى أنه أصاب فيه، ويرد عليه إن رأى أنه أخطأ، كما نبه
على أوهام وقع فيها الدارقطني(١) .
كما رد على الدارقطني الإمام النووي في شرح لصحيح مسلم.
ورد عليه أيضاً الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) وفي فتح الباري
عند كلامه على الأحاديث المنتقدة.
والذي يلاحظ على رد النووي أنه رد مختصر مبني على قاعدة قبول
زيادة الثقة مطلقاً. كما هو مذهب الأصوليين والفقهاء وعلماء الكلام، كما
أنه لم يجب على بعض الأحاديث.
وأما الحافظ ابن حجر فكان رده موسعاً مبنياً على تتبع الطرق وذكر
المتابعات والشواهد، دون التمسك بقاعدة قبول زيادة الثقة على إطلاقها،
كما أنه التزم فيه العدل والإنصاف بحيث يصوب الدارقطني في مواضع كثيرة.
ويبين وجاهة انتقاده، ولكن يلاحظ أنه في بعض الأحاديث يكتفي
بالاحتمالات والتجويزات العقلية المجردة.
وقد ذكر ابن حجر أن عدة ما في ((صحيح البخاري)) من الأحاديث
المنتقدة مائة وعشرة أحاديث منها ما انفرد بتخريجه وهي ثمانية وسبعون"
حديثاً، والباقي شاركه مسلم في تخريجها(٢).
((قسم البخاري)) من طرف محمد صادق آيدان - رسالة ماجستير في كلية أصول الدين.
=
جامعة محمد بن سعود الإسلامية - نوقشت عام ١٤٠٤هـ.
(١). انظر مقدمة تحقيق ((الإلزامات والتتبع)) ص٥٨ - ٥٩.
(٢). هدي الساري ص٣٦٤.
٢١٨

وقد قسم الحافظ الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري إلى ستة
أقسام وذكر الرد الإجمالي على كل قسم منها ثم ذكر الأحاديث المنتقدة
حديثاً حديثاً وأجاب عنها، وهذه الأقسام هي:
القسم الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد.
فإن أخرج صاحب الصحيح الطرق المزيدة وعلله الناقد بالطريق
الناقصة فهو تعليل مردود، لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر لأنه
قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه
في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعل
الصحيح .
وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق
المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف فينظر إن كان
ذلك الراوي صحابياً أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكاً بيناً أو
صرح بالسماع إن كان مدلساً من طريق أخرى فإن وجد ذلك اندفع
الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهراً فمحصل الجواب
عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابع أو عاضد
أو حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع.
وربما علل بعض النقاد أحاديث ادعي فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما
في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من
يسوغ الرواية بالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل
على صحة الرواية بالإجازة عنده.
القسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغير رجال بعض الإسناد.
فالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي
على الوجهين جميعاً، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما حيث
يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد، وإن امتنع بأن يكون
المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ، والعدد فيخرج المصنف
الطريق الراجحة، ويعرض عن الطريق المرجوحة أو يشير إليها فالتعليل
٢١٩

بمجرد ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح إذ لا يلزم من مجرد
الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي الإعراض أيضاً عما هذا سبيله.
:
القسم الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عدداً
أو أضبط ممن لم يذكرها.
فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إذا كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر
الجمع، أما إذا كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل:
فلا، اللهم إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من
كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر.
القسم الرابع: ما تفرد به بعض من ضعف من الرواة.
وليس في الصحيحين من هذا القبيل غير حديثين(١).
القسم الخامس: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله، فمنه ما يؤثر
. ذلك الوهم قدحاً، ومنه لا يؤثر.
القسم السادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن.
فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك
أو الترجيح، على أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء.
ذلك من الكتابين كما تعرضوا لذلك في الإسناد.
ومن خلال هذه الأقسام التي ذكرها ابن حجر يتضح أن الإمام
البخاري يخرج الأحاديث الصحيحة وقد يتبعها أحياناً بالأحاديث المعلولة أو
يشير إليها، وإذا لم يمكن الترجيح بين الرواة المختلفين باعتبار العدد أو
(١) الحديث الأول هو حديث أبيّ بن العباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال: كان
للنبي # فرس يقال له اللحيف، وقد سبق تخريجه ..
الحديث الثاني حديث إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن
عمر استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى أورده البخاري في كتاب الجهاد، باب إذا
أسلم قوم في دار الجرب ولهم مال وأرضون فهي لهم حديث رقم (٣٠٥٨) ج٦)
ص٢٠٢ مع الفتح.
٢٢٠