Indexed OCR Text

Pages 81-100

العلماء في تعريف الكبيرة والصغيرة، وكيفية التمييز بين الصغائر والكبائر
وعددها، بل هناك من أفردها بالتصنيف(١) والذي يهمنا هنا هو ذكر مسألتين
وقع فيهما النزاع ومحاولة معرفة موقف البخاري منهما.
المسألة الأولى:
ما حكم التائب من الكذب في حديث رسول الله وَ ل ذهب أكثر
العلماء والمحدثين إلى أن التائب من الكذب في حديث رسول الله وَالغ لا
تقبل روايته. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري، وعبدالله بن المبارك ورافع بن
الأشرس، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر
الحميدي، ويحيى بن معين(٢) ووجه عدم قبول روايته - وإن حسنت توبته -
أن ذلك تغليظاً وجزراً بليغاً عن الكذب عليه وي لعظم مفسدته، فإنه يصير
شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة. بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن
مفسدتهما قاصرة ليست عامة (٣) وألحقوا بالكاذب المتعمد من أخطأ وضمم
على خطئه بعد أن يبين له ذلك ممن يثق بعلمه لمجرد عناد (٤).
لكن ذهب الإمام النووي - رحمه الله - إلى قبول رواية التائب من
الكذب في حديث رسول الله وَله حيث قال: «هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة
ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول
رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي: الإقلاع عن
المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري
على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فأسلم،
وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة - أي كانوا كفاراً فأسلموا - وأجمعوا على
(١) انظر: مدارج السالكين: ج١ ص٣٢١، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام: ج١
ص١٩، والكبائر للذهبي، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي، وهما
خاصان بهذا الموضوع.
(٢) شروط الأئمة الخمسة للجازمي ص٥٣، وفتح المغيث للسخاوي: ج١ ص ٣٦٥ - ٣٦٩.
(٣) محيي الدين النووي: شرح صحيح مسلم - الطبعة المصرية دون تاريخ، ج١ ص٧٠.
(٤) فتح المغيث: ج١ ص٣٦٦.
٨٢

قبول شهادتهم، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا، والله أعلم))(١).
أما بالنسبة لصنيع الإمام البخاري فليس هناك ما يمكن أن نستنتج منه
حكماً أو رأياً ننسبه إليه. إلا أن صاحب كتاب ((أسباب اختلاف المحدثين))
يرى بأن احتجاج الشيخين بإسماعيل بن أبي أويس، وهو ممن اتهم بالكذب
يشهد لما ذهب إليه النووي(٢) ثم أورد أقوال بعض أئمة الجرح والتعديل فيه
منها :
قول يحيى بن معين فيه ((مخلط يكذب ليس بشيء)).
وقول النضر بن سلمة المروزي ((ابن أبي أويس كذاب)).
وما نقله ابن حزم في ((المحلى)) عن أبي الفتح الأزدي قال حدثني
سيف بن محمد أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث.
وقال سلمة بن شبيب سمعت إسماعيل ابن أبي أويس يقول: ((ربما
كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم».
وقال الحافظ ابن حجر - بعد أن نقل الأقوال السابقة -: ((ولعل هذا
كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما
أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات. وقد أوضحت
ذلك في مقدمة شرحي على البخاري والله أعلم)»(٣).
هذه جملة ما ارتكز عليه الأستاذ الفاضل ليرجح ما ذهب إليه النووي،
وعليه ملاحظات :
الأولى: ينبغي التفريق بين من اتهم بالكذب وبين من اتصف فعلًا
بالكذب، وإن كان كلّ من الوصفين من أوصاف الجرح. لكن لا يخفى أن
(١) شرح صحيح مسلم - الطبعة المصرية - دون تاريخ، ج١ ص ٧٠.
(٢) خلدون الأحدب: أسباب اختلاف المحدثين - الدار السعودية للنشر والتوزيع - الطبعة
الأولى ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٠م - ج١ ص٧٣.
(٣) تهذيب التهذيب ــ دار صادر - ج١ ص٣١١.
٨٣

الكذاب قد تحقق فيه الوصف فعلًا أما المتهم بالكذب فلم يتحقق فيه هذا
الوصف، فهل إسماعيل بن أبي أويس تحقق فيه الكذب أم لا؟
الثانية: ذكر الأستاذ أقوال الجارحين فقط لإسماعيل ولم يذكر أقوال:
المعدلين أو على الأقل بعض أقوالهم، مما يوهم أن التهمة بالكذب قوية.
ومتحققة، وليس الأمر كذلك فقد عدله جماعة من الأئمة النقاد وإليك
أقوالهم(١) :
.قال أبو حاتم: ((محله الصدق، وكان مغفلً)).
وقال الحاكم: ((عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديثه، وقد
احتجا به معاً، وغمزه من يحتاج إلى كفيل في تعديل نفسه أعني النضر بن
سلمة، فإنه قال: كذاب)).
وأما يحيى بن معين فقد اختلفت أقواله فيه: فمرة قال: ((هو ووالده
ضعيفان))، وقال مرة: (يسرقان الحديث))، وقال مرة: ((إسماعيل صدوق
ضعيف العقل ليس بذلك)»، وقال مرة: ((مختلط يكذب ليس بشيء))، وقال:
مرة أخرى: ((لا بأس به)).
وقال أحمد أيضاً: ((لا بأس به)) ..
وقال أبو القاسم اللالكائي: «بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي
إلی ترکه)).
فأنت ترى أن الأئمة لم يتفقوا على اتهامه، بل الظاهر من أمره أنه
صدوق لا يتعمد الكذب، ولكن ضعيف الحفظ وكان يعتمد على حفظه في
رواية الأحاديث فيقع في الأوهام وينفرد عن سائر أصحابه بأشياء ليست
عندهم. فمن نظر إلى صدقه في نفسه، واعتبر حديثه بحديث غيره، وتأكد
من صحة أصوله، قوي من أمره، وروى له، واحتج به، كالبخاري ومسلم،
(١) انظر هدي الساري، ط - دار الريان، ص ٤١٠ وعمدة القاري، ط - دار الفكر، ج١
ص١٦٩.
٨٤

والدارمي وغيرهم من الحفاظ، بل روى مسلم عن رجل عنه، وروى له
أبو داود والترمذي وابن ماجه.
ومن نظر إلى ضعف حفظه وكثرة غرائبه وهن من أمره فالدارقطني قال
فيه: ((لا أختاره في الصحيح)) ومنهم من ضعف عنده جانب الصدق،
واستكثر تلك الغرائب واستنكرها رماه بالكذب كالنسائي وغيره.
وقد لخص الحافظ حاله في التقريب فقال: ((صدوق أخطأ في أحاديث
من حفظه))(١) .
الثالثة: إذا لم يثبت أن إسماعيل كان يكذب ويضع الحديث، فكيف
يتسنى لنا أن نقول أنه تاب؟!، ومن ثم نبني على ذلك حكماً فنقول: تقبل
رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله وَ الر فليس في الأمر إلا ما
ذكره الحافظ - رحمه الله - وهو في معرض الدفاع عن صدق إسماعيل
وعدالته (لعل ذلك كان في شبيبته ثم انصلح)) فأنت تلاحظ أن الحافظ
استبعد اتهامه بالكذب، وحاول الدفاع ونفي التهمة، ولم يجزم بذلك بل
ذكره متردداً في معرض الدفاع لا غير.
ومن هنا لا يصح أن نبني عليه حكماً، حتى ولو غضضنا الطرف عن
أقوال معدليه، وبنينا حكماً على ما ذكره الحافظ ابن حجر لما جاز لنا أن
ننسب هذا الحكم للبخاري أو مسلم أبداً، لعدم ثبوت كذبه عندهما. فقد
انتقيا من أحاديثه ما يتابعه عليه الثقات من أصحاب مالك. ثم إن إسماعيل
هذا من شيوخ البخاري أي ممن جالسهم وعرفهم وسبر أحاديثهم وقد روى
من أصوله كما ذكر ذلك الحافظ في هدى الساري(٢).
الرابعة: لو سلمنا بهذا المثال، ولم نعترض عليه بما تقدم - لما جاز
لنا من الناحية العلمية أن نبني عليه حكماً، لأن الأحكام إنما تأخذ عن
(١) الحافظ ابن حجر العسقلاني: تقري بالتهذيب، تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد - سوريا
- حلب الطبعة الرابعة ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢م، ص١٠٨.
(٢) هدي الساري مقدمة فتح الباري، طبعة دار الريان ص ٤١٠.
٨٥

طريق التتبع والاستقراء، وإن لم يكن هذا الاستقراء تاماً فعلى الأقل أن
يكون تلخيصياً مبنياً على أكثر من مثال، وأنت ترى أن هذا مثالاً واحداً،
وهو غير سالم من الاعتراضات.
الخامسة: ما ذكره الإمام النووي - رحمه الله - مبنياً على القواعد
الأصولية حيث استعمل القياس لإثبات هذا الحكم، وهو قياس التائب من
الكذب على رسول الله ◌َ على الكافر إذا أسلم، ومثل له بقبول الأئمة
لرواية الصحابة، وقد كانوا كفاراً ثم أسلموا. لكن هذا القياس معترض، بأن
الصحابة قد عدلهم القرآن الكريم وشهد بصدق إيمانهم وإسلامهم. وأما
التائب من الكذب في حديث رسول الله. فأنى لنا أن نعرف صدق توبته،
حتى نحكم بعدالته ونقبل روايته، كما أنه مبني على انعدام الفارق بين
الرواية والشهادة، والفارق موجود هنا.
وقد سبق إلى انتقاد النووي في هذا شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري
فقد قال - بعد أن ساق كلام النووي السابق -:
((كنت أميل إليه، ثم ظهر لي أن الأوجه ما قاله الأئمة لما مر، ويؤيده
قول أئمتنا أن الزاني إذا تاب لا يعود محصناً، ولا يحد قاذفه، وأما
إجماعهم على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، فلنص القرآن على غفران
ما سلف. والفرق بين الرواية والشهادة أن الرواية الكذب فيها أغلظ منه في
الشهادة لأن متعلقها لازم لكل المكلفين، وفي كل الأعصار كما مر، مع
خبر (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد)(١))(٢).
وأخيراً لا يمكن أن ننسب للإمام البخاري - رحمه الله - أنه يقبل رواية
التائب من الكذب في حديث رسول الله قليل لعدم قيام الأدلة الكافية على
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، عن المغيرة بن شعبة، كتاب الجنائز، باب ما يكره من
النياحة على الميت، حديث رقم (١٢٩١)، ج٣ ص١٩١ مع الفتح ط دار الريان. ورواه
مسلم في مقدمة صحيحه ج١ ص ١٠ حديث رقم (٤).
(٢) زكرياء الأنصاري: فتح الباقي شرح ألفية العراقي - مطبوع بذيل شرح العراقي لألفيته .
طبعة فاس ١٣٥٤هـ، ج١ ص٣٣٥.
٨٦
۔

ذلك، والأقرب أن يكون مع جمهور المحدثين في عدم قبولها - والله تعالى
أعلم -.
المسألة الثانية:
التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق. هذا
الصنف من الرواة قبل المحدثون رواياتهم إلا خلافاً لبعض الأصوليين
كالسمعاني والصيرفي(١). ولا عبرة بهذا الخلاف لأن المعتبر هو إجماع أهل
الفن وهم هنا المحدثون ولم ينقل عنهم خلاف في ذلك. وأما ما قاله
الحافظ البلقيني: ((وما نقل عن الصيرفي يقرب منه ما قال ابن حزم: من
أسقطنا حديثه لم نعد لقبوله أبداً، ومن احتججنا به لم نسقط روايته أبداً،
وكذا ما قاله ابن حبان في آخرين».
في الواقع أن ما ذهب إليه ابن حزم لا علاقة له البتة بما يراه الصيرفي
فابن حزم ذكر هذا بصدد الرد على من يقبل روايات الضعفاء في الرقاق
والفضائل ويتجبنها في الأحكام والحلال والحرام، كما هو مذهب كثير من
أئمة الحديث، فهو يرى أن الراوي إما أن يكون من العدالة والضبط بحيث
تقبل أحاديثه جملة، أو ينزل عن درجة القبول فترد أحاديثه جملة.
خامساً - السلامة من خوارم المروءة:
عرفت المروءة بتعاريف كثيرة، جلها يرجع إلى العادات الجارية بين
الناس. فقال بعضهم: ((المروءة كمال المرء كما أن الرجولة كمال الرجل".
وقال بعضهم: ((المروءة هي قوة للنفس تصدر عنها الأفعال الجميلة
المستحقة للمدح شرعاً وعقلًا وعرفاً)).
وقال آخرون: ((المروءة صون النفس عن الأدناس، ورفعها عما يشين
عند الناس)) وقيل: «سيرة المرء بسيرة أمثاله في زمانه)).
:(١) انظر ابن الصلاح: علوم الحديث. ط المكتبة العلمية، ص ١٠٤ - ١٠٥.
٨٧

ومن أحسن تعاريفها ((هي آداب نفسانية، تحمل مراعاتها الإنسان على
الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات))(١) .
واشتراط العلماء للمروءة سببه: أن الإخلال بها إما يكون لخبل في
العقل، أو لنقصان في الدين، أو لقلة حياء وكل ذلك رافع للثقة بقوله(٢).
وقد جرى نزاع كبير واعتراض على من أدخل المروءة في شروط
(٣)
العدالة المتفق عليها
ومما يجدر التنبيه إليه هنا - وهو أن اشتراط المروءة والقدح في
الراوي الذي يتصف بما هو من خوارمها، إنما هو موكول للعالم الناقد مع
إضافة أسباب أخرى قد فصلها الإمام الخطيب البغدادي حيث قال:
((وقد قال الكثير من الناس: يجب أن يكون المحدث والشاهد مجتبين
لكثير من من المباحات نحو التبذل والجلوس للتنزه في الطرقات، والأكل
في الأسواق، وصحبة العامة الأرذال، والبول على قوارع الطرقات، والبول
قائماً، والانبساط إلى الخلق(*) في المداعبة والمزاح، وكل ما قد اتفق على
أنه ناقص القدر والمروءة، ورأوا أن فعل هذه الأمور يسقط العدالة ويوجب
رد الشهادة .
والذي عندنا في هذا الباب رد خبر فاعلي المباحات إلى العالم
والعمل في ذلك بما يقوى في نفسه فإن غلب على ظنه من أفعال مرتكب
المباح المسقط للمروءة أنه مطبوع على فعل ذلك، والتساهل به، مع كونه
(١) طاهر الجزائري: توجيه النظر إلى أصول الأثر - طبعة دار المعرفة - بيروت ص٢٨ -
٢٩.
(٢) المرجع نفسه ص٢٩.
(٣) انظر هذه الاعتراضات والجواب عليها في: التقييد والإيضاح ص١١٤ - ١١٥ وفتح
المغيث: ج١ ص٣١٦ - ٣١٧، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص ٣٠٠ - ٣٠٣، وتدريب
الراوي: ج١ ص ٣٠٥ - ٣٠٦.
(#) وردت في المطبوع (الخرق) ولعل الصواب ما أثبته.
٨٨

ممن لا يحمل نفسه على الكذب في خبره وشهادته، بل يرى إعظام ذلك
وتحريمه، والتنزه عنه قبل خبره، وإن ضعفت هذه الحال في نفس العالم
واتهمه عندها، وجب عليه ترك العمل بخبره ورد شهادته))(١) .
فالأمر إذن موكول إلى الناقد، فإن أكثر الشخص من الأفعال المخلة
بالمروءة وتكرر منه ذلك وأعلن به في الناس كان ذلك دليلاً على السفه
وخفة العقل ورقة الدين، وهذا مما يسقط العدالة ويوجب رد الرواية.
!
وقد ساق الخطيب البغدادي نصوصاً عن الأئمة المتقدمين تدل على هذا
منها قول الإمام مالك - رحمه الله -: ((لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن
سوى ذلك، لا تأخذ عن سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ
من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب ذلك عليه، وإن كان لا يتهم أن
يكذب على رسول الله # ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا
من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث))(٢).
ومما يؤيد ما ذهب إليه الخطيب البغدادي - رحمه الله - من رد خبر
فاعلي المباحات إلى العلم - صنيع الأئمة النقاد ومنهم الإمام البخاري -
رحمه الله -.
فهذا المنهال بن عمرو تركه شعبة، لما سمع في داره صوت
الطنبور (٣)، وفي رواية أخرى أنه سمع قراءة لحان، فكره السماع منه (٤).
قال ابن القطان: ((هذا ليس بجرحة إلا أن يتجاوز إلى حد يحرم، ولم يصح
ذلك عنه)) (٥)
(١) الخطيب البغدادي: الكفاية علم الرواية - تحقيق أحمد عمر هشام - دار الكتاب العربي،
ص١٣٩.
(٢) الخطيب البغدادي: الكفاية علم الرواية - تحقيق أحمد عمر هشام - دار الكتاب العربي،
ص ١٤٣.
(٣) المصدر نفسه ص ١٤٠.
(٤) فتح المغيث: ج١ ص٣٢٩.
(٥) المرجع نفسه ص ٣٣٠.
٨٩

: وقال السخاوي: ((وجرحه بهذا تعسف ظاهر، وقد وثقه ابن معين
والعجلي وغيرهما كالنسائي وابن حبان، وقال الدارقطني: إنه صدوق)) (١).
. لذا نجد الإمام البخاري قد احتج به في صحيحه.
روى له حديثين أحدهما: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في تعويذة
الحسن والحسين (٢)، وثانيهما في تفسير سورة فصلت (٣).
وروى له تعليقاً من طريق شعبة نفسه (٤) وفيه دليل على أن شعبة لم.
يترك الرواية عنه وذلك إما بما لعله سمعه منه قبل ذلك، أو لزوال المانع
منه عنده .
ومن ذلك أيضاً ما رواه الخطيب عن شعبة قال: «لقيت ناجية الذي
روى عنه أبو إسحاق فرأيته يلعب بالشطرنج فتركته فلم أكتب عنه، ثم كتبت
عن رجل عنه)).
قال الخطيب: ((ألا ترى أن شعبة في الابتداء جعل لعبه بالشطرنج مما
يجرحه، فتركه، ثم استبان له صدقه في الرواية، وسلامته من الكبائر،
فكتب عنه نازلاً)»(٥) .
:
وفي ختام هذا المطلب نلاحظ أن شروط العدالة لقبول الروايات قد
أخذت من شروط الشهادة، وقد أشار إلى هذا بعض أئمة الحديث المتقدمين
(١) المرجع نفسه ص ٣٣٠.
(٢) أخرجه البخاري في: كتاب أحاديث الأنبياء، في قصة إبراهيم. حديث رقم (٣٣٧١).
ج٦ ص ٤٧٠ مع الفتح، طبعة دار الريان.
(٣) أخرجه البخاري في: كتاب التفسير، سورة حم السجدة ج٨ ص٤١٨ مع الفتح ط دار:
الريان .
(٤) أخرجه البخاري في: كتاب الذبائح والصيد، باب ما يكره من المثلة والمصبورة:
والمجثمة، حديث رقم (٥٥١٥)، ج٩ ص٥٥٨.
(٥) الكفاية ص١٣٩.
٩٠

كأبي نعيم الفضل بن دكين فإنه كان يقول: ((إنما هي شهادات، وهذا الذي
نحن فيه - يعني الحديث - من أعظم الشهادات))(١) وبهز بن أسد (٢) ((كان إذا
ذكر له الإسناد الصحيح قال هذه شهادات الرجال العدول بعضهم على
بعض، وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء قال: هذا فيه عهدة، ويقول: لو أن
الرجل على رجل عشرة دراهم، ثم جحده لم يستطع أخذها منه إلا بشاهدين
عدلين فدين الله أحق أن يؤخذ من العدول)) (٣). وقد أشار الإمام مسلم إلى
ذلك أيضا في مقدمة صحيحه(٤).
المطلب الثالث
مسائل متعلقة بالعدالة وموقف البخاري منها
هناك مسائل لها علاقة بشروط العدالة. ومرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً، وقد
جرى إدراكها في كتب علوم الحديث، ويلاحظ أن آراء الأصوليين هي
الغالبة في تلك المباحث. كما يغلب عليها طابع التنظير دون التمثيل بواقع
المحدثين وسأختار فيما يلي بعض تلك المسائل، وأحاول دراستها وربطها
بالواقع العملي عند الإمام البخاري خاصة. وهذه المسائل هي:
١ - إذا روى الثقة حديثاً فسئل عنه فنفاه، فهل يقدح في عدالته؟
٢ - إذا كان المحدث يغشى السلطان، هل يقدح في عدالته؟
٣ - إذا كان المحدث يأخذ الأجرة على التحديث، فهل يقدح في عدالته؟
(١) المرجع نفسه ص ١٠٠.
(٢) بهز بن أسد العمي، أبو الأسود البصري، ثقة كثير الحديث، مات بعد سنة ٢٠٠هـ.
ترجمته في: تهذيب التهذيب ج١ ص٤٧، والتقريب ص١٢٨.
(٣) المرجع السابق ص٩٩.
(٤) ٢٩/١
٩١

المسألة الأولى:
إذا روى الثقة حديثاً فسئل عنه فنفاه، فهل يقبل قوله؟ ثم هل يؤثر
ذلك النفي في عدالته الفرع الراوي عنه أم لا؟ هذه المسألة اختلف فيها
العلماء على خمسة أقوال نوجزها فيما يلي (١):
١ - إذا كان النافي جازماً، وجب رد حديث الفرع.
٢ - عكس الأول تماماً، وهو عدم رد المروي، ولا يكون واحد منهما:
مجروحاً، لاحتمال النسيان.
٣ - نفس القول السابق، إلا أنه يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل.
٤ - أنهما يتعارضان، ويرجح أحدهما على الآخر. هذه الأقوال الأربعة إذا
کان الأصل جازماً بالرد.
٥ - أما إذا قال الأصل - إذا روجه ـ («لا أعرفه)) أو ((لا أذكره)) مما يقتضي
جواز أن يكون نسبه، فذلك لا يقتضي رد رواية الفرع عنه.
والظاهر قبول رواية الفرع، وأن ذلك لا يقدح في عدالته، ولا عدالة
الأصل.
وقد أورد الإمام البخاري - رحمه الله - في ((صحيحه)) حديث ابن:
عباس رضي الله عنه:
«ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله # إلا بالتكبير))(٢).
فهذا الحديث مما أنكره الأصل على الفرع، فقد رواه الإمام مسلم في
صحيحه أيضاً عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس أنه سمعه
يخبر عن ابن عباس قال :
(١) للتفصيل ينظر: مقدمة ابن الصلاح (علوم الحديث) ص ١٠٥ - ١٠٦، وفتح المغيث
للسخاوي ج١ ص٣١٥، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الآذان، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (٨٤١) ورقم
(٨٤٢) ج٢ ص٣٧٨ مع الفتح ط دار الريان.
٩٢

((ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صل إلا بالتكبير. قال عمرو:
فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا! قال عمر: قد
أخبرتنيه قبل ذلك»(١).
وهذا يدل على أن البخاري ومسلماً يذهبان إلى صحة الحديث ولو
أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلًا، وأن ذلك لا يقدح في عدالة أصل
الراوي ولا في عدالة الفرع الراوي عنه.
المسألة الثانية:
إذا المحدث يغشى السلطان، أو يتولى شيئاً من أعماله، فهل ذلك
يقدح في عدالته أم لا؟
قد قدح كثير من الورعين في بعض الرواة بسبب علاقتهم بالسلطان،
وخاصة إذا كان سلطان جور. ولكن ذلك في واقع الأمر لا يقدح في
العدالة، ولا يوجب رد الرواية. ما كان الراوي متصفاً بالصدق مجانباً
للكذب، وقدح من قدح فيهم، إنما كان على سبيل الهجر والتأديب الشرعي
كي يكفوا عن إعانة الظلمة - لا غير -. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله
-: ((اعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في
العقائد فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به. وكذا عاب جماعة من الورعين
جماعة دخلوا في أمر الدنيا، فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع
الصدق والضبط. والله الموفق))(٢). وهذا الذي قرره الحافظ هو الحق .
إن شاء الله - ويشهد له صنيع الإمام البخاري - رحمه الله - فقد روى في
((صحيحه)) عن رجال كثيرين ضعفوا بسبب من هذه الأسباب، ولم ير ذلك
قادحاً في عدالتهم وموجباً لرد رواياتهم. ومن هؤلاء:
(١) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم
(١٢١) دار الكتاب المصري - القاهرة - ج١ ص ٤١٠.
(٢) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: هدي الساري - دار الريان للتراث - القاهرة - ط
الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦م، ص ٤٠٤.
٩٣

١ - أحمد بن واقد الحراني:
قال ابن نمير: تركت حديثه لقول أهل بلده.
قال الميموني: قلت لأحمد: إن أهل حران يسيئون الثناء عليه فقال:
أهل حران قل أن يرضوا عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعه له.
فأفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله، وهو غیر قادح،
وقد قال أبو حاتم: كان من أهل الصدق والإتقان. وقد روى عنه الإمام
البخاري، في الصلاة والجهاد والمناقب أحاديث شورك فيها عن حماد بن
زيد، كما روى عنه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي وابن ماجة(١).
٢ - حميد بن أبي حميد الطويل:
مشهور من الثقات المتفق على الاحتجاج بهم، وقال يحيى بن يعلى:
المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل. قال الحافظ: ((إنما تركه زائدة
لدخوله في شيء من أمر الخلفاء)»(٢). فلم يعتبر الأئمة ذلك قادحاً في
عدالته، فقد روى له البخاري وسائر الجماعة.
٣ - حميد بن هلال العدوي:
قال الحافظ فيه: ((من كبار التابعين وثقه ابن معين، والعجلي والنسائي
وآخرون وقال يحيى القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه. قلت: بين أبو حاتم
الرازي: أن ذلك بسبب: أنّه دخل في شيء من عمل السلطان، وقد احتج به.
الجماعة))(٣).
٤ - خالد بن مهران الحذاء:
أحد الأثبات، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد، وتكلم فيه
شعبة وابن علية. إما لكونه دخل في شيء من عمل السلطان، أو كما قال
(١) المصدر نفسه ص٤٠٦.
(٢) المصدر نفسه ص٤١٩.
(٣) المصدر نفسه ص٤١٩٪
٩٤

حماد بن زيد، قدم خالد قدمة من الشام، فكأنما أنكرنا حفظه)»(١) فلم يعتبر
ذلك البخاري ولا غيره قادحاً فيه، فقد روى له هو وسائر الجماعة.
٥ - عاصم بن سليمان الأحول:
ثقة، حافظ. وثقة أحمد وابن معين، والعجلي وابن المديني وغيرهم،
وتركه وهيب لأنه أنكر بعض سيرته. قال الحافظ: ((كان يلي الحسبة بالكوفة
قاله ابن سعد)»(٢) ونجد الإمام البخاري قد وثقه وروى له في صحيحه ولم
يلتفت إلى ما قيل فيه.
٦ - عبدالله بن ذكوان:
أبو الزناد المدني: أحد الأئمة الأثبات الفقهاء، ويقال إن مالكاً كرهه
لأنه كان يعمل للسلطان(٣) لكن نجد البخاري قد وثقه وروى له، وكذا سائر
الجماعة .
٧ - مروان بن الحكم:
تكلم فيه من أجل الولاية، لكن لم ير الأئمة ذلك قادحاً في عدالته،
فقد روى له البخاري أحاديثه التي رواها عنه سهل بن سعد الساعدي،
وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث،
وقد اعتمد مالك رأيه وحديثه وكذا بقية الجماعة سوى مسلم(٤).
المسألة الثالثة:
أخذ الأجرة على التحديث.
في هذه المسألة قولان للعلماء: قول بالمنع، وآخر بالجواز.
(١) المصدر نفسه ص ٤٢٠.
(٢) هدي الساري ص ٤٣٢.
(٣) المصدر نفسه ص ٤٣٣.
(٤) المصدر نفسه ص٤٦٦.
٩٥

القول الأول:
من أخذ على التحديث أجراً فلا تقبل روايته، وإليه ذهب الإمام أحمد
وإسحاق بن راهويه، وأبو حاتم الرازي، وحماد بن سلمة، وسليمان بن
حرب وغيرهم (١).
القول الثاني : :
قبول رواية من أخذ على التحديث أجراً، وممن ذهب إلى هذا القول:
أبو نعيم الفضل ابن بكين، وعفان بن مسلم، وعلي بن عبدالعزيز المكي
البغوي، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وطاووس، ويعقوب بن إبراهيم
الدورقي، وهشام بن عمار وغيرهم (٢).
والظاهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ المنع مرتب على ما يمكن
أن يجر إليه أخذ العوض على التحديث من التكثر في الرواية المفضي إلى
الكذب، والجواز محمول على من هو ثقة ثبت له عذر في أخذ العوض
كأن يكون فقيراً، وله عيال يجب عليه مؤونتهم، وانقطاعه للتحديث يؤدي
إلى ترك الكسب لهم، وإلى هذا نبّه الإمام السخاوي - رحمه الله - حيث
قال: ((قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبدالله - يعني الإمام أحمد -
يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس
في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل
ما قاما به: عفان، وأبو نعيم. يعني بقيامهما عدم الإجابة في المجنة،
وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث. ووصف أحمد مع
هذا عفان بالمتثبت. وقيل له: من تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج
إلى أن يتابعه أحد، وأبا نعيم الحجة الثبت، وقال مرة أنه يزاحم به ابن
عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات
عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله، فيمكن الجمع بين هذا،
(١) انظر: الكفاية ض ١٨٤ - ١٨٦، وعلوم الحديث ص١٠٧.
(٢) انظر: الكفاية ص١٨٧ - ١٨٨، وعلوم الحديث ص١٠٧، وفتح المغيث: ج١ ص ٣٧٨.
٩٦

وإطلاقهما كما مضى أولًا، عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه
المرتبة في الثقة والتثبت، والأخذ مختلف في الموضعين»(١).
وواضح أن الإمام البخاري يذهب إلى هذا الرأي، فقد روى عن
شيوخ يأخذون الأجرة على التحديث منهم :
١ - أبو نعيم الفضل بن دكين(٢).
٢ - عفان بن مسلم(٣) .
٣ - يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدروقي(٤): الحافظ المتقن صاحب
المسند. فقد روى النسائي عنه - في سننه - حديث يحيى بن عتيق عن
محمد بن سيرين عن أبي هريرة. رفعه: ((لا يبولن أحدكم في الماء
الدائم(٥) ... ))، وقال عقبة: إنه لم يكن يحدث به إلا بدينار(٦)، ومع
ذلك روى له البخاري والجماعة.
(١) فتح المغيث: ج١ ص٣٧٨.
(٢) اسمه: عمرو بن حماد بن زهير بن درهم التميمي، أحد الأئمة، من شيوخ البخاري،
مات سنة ٢١٨هـ ترجمته في: تهذيب التهذيب ج٨ ص٢٤٣ . وتاريخ بغداد ج٦
ص٣٤٦، والعبر: ج١ ص٣٧٧.
(٣) أحد الأعلام، قال العجلي: ثقة ثبت صاحب سنة. مات سنة ٢١٩هـ، ترجمته في:
تاريخ بغداد: ج١٢ ص٢٦٩، وتذكرة الحفاظ: ج١ ص٣٧٩، وشذرات الذهب: ج٢
ص٤٧.
(٤) كان أحد الحفاظ المتقنين، صنف ((المسند))، مات سنة ٢٥٢هـ، ترجمته في: تذكرة
الحفاظ : ج٢ ص ٥٠٥.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد حديث رقم
(٩٧) مطولًا، وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد
والاغتسال منه حديث رقم (٢٢١)، وفي كتاب المياه، باب النهي عن اغتسال الجنب
في الماء الدائم حديث رقم (٣٣٠)، وفي كتاب الغسل والتيمم، باب ذكر نهي الجنب
عن الاغتسال في الماء الدائم حديث رقم (٤٩٤)، وأخرجه ابن ماجة في الطهارة
وسننها، باب الجنب ينغمس في الماء الدائم أيجزئه حديث رقم (٦٠٥).
(٦) فتح المغيث: ج١ ص٣٧٩، ولم أجده في سنن النسائي.
٩٧

٤ - هشام بن عمار (١): قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت.
مجلسه فقال له المستملي من ذكرت؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم
نعس فقال له المستملي: لا تنتفعون به. فجمعوا له شيئاً فأعطوه
فكان بعد ذلك يملي عليهم، بل قال الإسماعيلي عن عبدالله بن
محمد بن سيار؛ إن هشاماً كان يأخذ على كل ورقتين درهمين
ويشارط، لذلك قال ابن وارة: عزمت زماناً أن أمسك عن حديث
هشام. لأنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد(٢): إنه كان.
لا يحدث ما لم يأخذ (٣). ومع هذا كله لم ير الإمام البخاري ذلك
قادحاً في عدالته فقد روى له في (صحيحه)). وكذا روى له أصحاب
السنن.
المطلب الرابع
موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء
· من المسائل التي لها تعلق بشرط العدالة. وهي شرط أساسي في
صحة الحديث - الرواة الذين طعن في عدالتهم بسبب البدع والأهواء، وذلك
لأن القدح في الراوي يكون بعشرة أشياء. خمسة تتعلق بالعدالة وخمسة:
تتعلق بالضبط، فقد بينها الحافظ فقال: ((ثم الطعن إما أن يكون الكذب
الراوي، أو تهمته بذلك، أو فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه،
(١) هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة الدمشقي، روى عن مالك وخلق، وروى عنه
البخاري وغيره. مات سنة (٢٤٥هـ). ترجمته في : تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٤٥١ -
وشذرات الذهب: ج٢ ص١٠٩.
(٢) صالح بن محمد بن عمر بن حبيب الأسدي مولاهم البغدادي المعروف بصالح جزرة،
نزيل بخارى. قال الإدريسي: ما أعلم في عصره بالعراق ولا بخرسان مثله في الحفظ.
مات سنة (٢٩٣هـ)، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص ٦٤١ وتاريخ بغداد: ج٩
ص٣٢٢.
(٣) فتح المغيث: ج٣ ص٣٧٩.
٩٨

أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه))(١) وهذه العشرة اختصرها
الحافظ نفسه في خمسة فقال: ((أسباب الجرح مختلفة، ومدارها على خمسة
أشياء: البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالة الحال، أو دعوى
الانقطاع في السند»(٢) .
وقبل تحديد موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء، ينبغي
التعريف بالبدعة لغة واصطلاحاً، وبيان أقسامها، ثم تحديد موقف الأئمة من
روايات المبتدعة. ثم أعرج على موقف الإمام البخاري في ذلك مقروناً
بالأمثلة التطبيقية من خلال الجامع الصحيح.
تعريف البدعة:
لغة: أبدع الشيء: اخترعه لا على مثال، والله بديع السموات
والأرض أي (مبدعهما) (البديع) المُبتدع، وشيء (بدع) بالكسر أي مُبتدع
ومنه قوله تعالى: ﴿قُلّ مَا كُتُّ ◌ِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾(٣) والبدعة: الحدث في
الدين بعد الإكمال، وبدعه تبديعاً: نسبه إلى البدعة (٤).
أما في الاصطلاح: فقد اختلفت أنظار العلماء، وتنوعت تعاريفهم،
فمنهم من توسع في مدلولها، ومنهم من ضيق. ومن هنا يمكن حصر
التعاريف الاصطلاحية للبدعة في اتجاهين(٥).
١ - الاتجاه الأول: وهو التوسع في مدلول البدعة لتشمل كل أمر لم
(١) ابن حجر العسقلاني: نخبة الفكر مع شرحه نزهة النظر - شركة الشهاب الجزائر،
ص٤٠.
(٢) ابن حجر العسقلاني: هدي الساري - ط دار الريان - القاهرة، ص٣٨١.
(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٩.
(٤) محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح - ت مصطفى البغا - دار الهدى للطباعة
والنشر ص٣٦.
(٥) انظر: الدكتور عزت علي عطية: البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها - مطبعة المدني -
القاهرة ١٩٧٣م ص١٩٥ - ٢٢٠.
٩٩

يكن في عهده ◌َلّر، ولم يأت شيء في القرآن والسنة يدل عليه، سواء أكان:
دينياً أم دنيوياً، محموداً كان أم مذموماً، وهو مطابق تماماً للتعريف اللغوي
ويمثل هذا الاتجاه جماعة من الأئمة منهم: الإمام الشافعي، وابن حزم،
والعز بن عبدالسلام، والقرافي وغيرهم.
٢٠ - الاتجاه الثاني: وهو التضيق في مدلول البدعة لتنحصر في الجديد
.(المحدث) المخالف للسنة، ومنهم من ضيق أكثر فقال: البدعة كل محدث
مخالف للسنة ينسب إلى الدين ويتعبد به ويمثل هذا الاتجاه جماعة من
العلماء منهم: ابن رجب الحنبلي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر
الهيتمي، والزركشي وغيرهم، وأما من اعتبر قيد المخالفة للسنة والتدين بهذا
المحدث، فعلى رأس هؤلاء الإمام الشاطبي. وقد ناقش في كتابه.
((الاعتصام)) أصحاب الرأي الأول مناقشة علمية، وأبطل تقسيمهم للبدع إلى:
محمود ومذموم، وعرف البدعة بقوله: ((البدعة طريقة في الدين مخترعة، .
تضاهي الشرعية. يقصد بالسلوك عليها، المبالغة في التعبد لله تعالى))(١).
وعلى الرغم من تباين هذين الاتجاهين من حيث التوسيع والتضييق في
مفهوم البدعة إلا أن الواقع العملي في إطلاق البدعة عند علماء الجرح
والتعديل المقصود به دائماً ما هو مذموم من الآراء والاعتقادات والأعمال،
مما يكون سبيله التأويل الفاسد المستند إلى الشبهات. قال السخاوي -
رحمه الله -: ((البدعة هي ما أحدث على غير مثال متقدم، فيشمل المحمود
والمذموم لكن خصت شرعاً بالمذموم، مما هو خلاف المعروف عن
النبي بل﴿ فالمبتدع من اعتقد ذلك لا بمعاندة، بل بنوع شبهة))(٢).
أقسام البدعة:
قسم العلماء البدعة إلى قسمين هما: البدعة المكفرة، والبدعة
(١) أبو إسحاق الشاطبي: الاعتصام - ضبطه وصححه الأستاذ أحمد عبدالشافي - دار
اشريفة، ج١ ص٢٨.
(٢) شمس الدين السخاوي: فتح المغيث - ت محمد عويضة - ج١ ص٣٥٦.
١٠٠

المفسقة (١).
١ - البدعة المكفرة:
ما يخرج صاحبها عن دائرة الإيمان وهي نوعان:
أ - ما اتفق على تكفير أصحابها: كمنكري العلم بالمعدوم القائلين:
ما يعلم الأشياء حتى يخلقها، أو منكري العلم بالجزئيات، أو الإيمان
برجوع سيدنا علي إلى الدنيا، أو حلول الإلهية في علي أو غيره.
ب - ما اختلف في تكفير أصحابها: كالقائلين بخلق القرآن، والنافين
لرؤية الله تعالى يوم القيامة .
٢ - البدعة المفسقة:
وهي التي لا تخرج صاحبها عن دائرة الإيمان: مثل بدع الخوارج،
والروافض الذين لا يغلون ذاك الغلو، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين
الأصول السنة خلافاً ظاهراً لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ.
مناقشة التقسيم السابق:
هذا التقسيم - الذي ذكره العلماء للبدع - يترتب عليه إشكال كبير
وذلك أننا اشترطنا في حد العدالة ((السلامة من أسباب الفسق)) ثم مثلوا
للبدع المفسقة ببدع الخوارج وغيرها من الفرق المخالفين لأصول السنة،
ومقتضى ذلك الحكم عليهم بالفسق ورد رواياتهم، والصواب - فيما أرى -
أن هذا التقسيم نظري فحسب وذلك أن الحكم بالكفر أو الفسق أو البدعة،
إنما يكون بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، فمن وقع في شيء من البدع
فلا نجرؤ على تبديعه أو تفسيقه أو تكفيره، فإذا كان متأولاً أو جاهلًا، فهو
معذور بجهله أو تأويله، لكن من بلغته الحجة، وكشفت له الشبهة، فأصرّ
على قوله المخالف لأصول السنة، فهو معاند، ولا شك في فسق هذا
النوع، لأنه مخالف لأوامر الله وأحكامه، والفسق هو الخروج عن
-
(١) المصدر نفسه ص ٣٦٤، وهدي الساري ص٤٠٤.
١٠١