Indexed OCR Text

Pages 361-380

- ٣٦١ -
قال الدارقطني: أبي ضعيف. اهـ.
قلت : ليس له في الصحيح سوى هذا الحديث ، وقد تابعه عليه
أخوه عبد المهيمن بن العباس ، أَفاده الحافظ رحمه الله في مقدمة الفتح.
وأما الحديث الثاني : فقد قال الدارقطني : أخرج البخاري حديث
إسماعيل بن أبي أُويس عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أَن عمر
استعمل مولى له يدعى ((هنياً)) على الحمى (١) ... الحديث بطوله.
قال الدارقطني في انتقاده : إِسماعيل ضعيف .
قلت : الرد على الدارقطني رحمه الله من وجوه :
١ - قال الحافظ رحمه الله في ((الهدي)) وروينا في مناقب البخاري
بسند صحيح أَن إِسماعيل أخرج له أُصوله ، وأَذن له أَن ينتقي منها ،
وأن يعلم له على ما يحدث به ، ليحدث به ، ويعرض عما سواه (٢).
قال الحافظ رحمه الله : وهو مشعر بأَن ما أخرجه البخاري عنه هو
من صحيح حديثه ، لأنه كتب من أُصوله ، وعلى هذا لا يحتج بشيءٍ
من حديثه غير ما في الصحيح ، من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره ،
إِلاَّ إِن شاركه فيه غيره، فيعتبر فيه (٣) اهـ.
قلت : علماً بأن اسماعيل يعتبر من الرتوت أَي الرؤساء من أَهل
الحدیث کما قال إِبراهيم بن محمد بن سلام (٤)
(١) فى نسخة هدى السارى ((الخمس)) والتصويب من الموطأ والبخارى:
(٢) انظر هدى الساری (٤٨٢) و (٣٩١).
(٣) هدى السارى (٣٩١).
(٤) هدی الساری ( ٤٨٢ ).

-: ٣٫٦٢ -
وقال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ: الإِمام الحافظ محدث المدينة (١)
قلت : وهو ابن أُخت الإِمام مالك ، وهذا الحديث يرويه البخاري
عنه عن خاله الإمام مالك رحمه الله .
٢ - هذا الحديث يرويه الإمام مالك رحمه الله تعالى في موطئه،
وهو قبل آخر الكتاب بحديث واحد ، في كتاب دعوة المظلوم : باب
ما يتقى من دعوة المظلوم . وقد ساقه بنفس سند البخاري [ زيد بن أسلم
عن أَبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له ... )) وزيد بن
أسلم من كبار الثقات الأعلام . قال عنه ابن عبد البر في التمهيد : أَحد
ثقات أهل المدينة ، وكان من العلماءِ العبَّاد الفضلاء، وزعموا أنه كان
أعلم أهل المدينة بتأويل القرآن بعد محمد بن كعب القرظي ، وكان
يشاور في زمن القاسم وسالم ... ))(٣) .
وأما أبوه أَسلم فهو مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه . قال عنه
ابن عبد البر : كان من جلة الموالي علماً وديناً وثقة (٢).
فالحديث من أعلى درجات الصحة ، لوجوده في الموطٍ . وإِن كان
الحافظ رحمه الله قال في الفتح : وهذا الحديث ليس في الموطإٍ . وهو
غفلة منه رحمه الله إِلاَّ أَن تكون نسخة الموطإِ التي عنده - من رواية يحيى
الليثي - لا يوجد فيها هذا الحديث . والله أعلم .
٣ - كون البخاري رحمه الله لم ينفرد بهذا الحديث عن إسماعيل
عن مالك ، بل وافق إِسماعيل على مالك غيره ، وهو معين بن عيسي عن
(١) تذكرة الحفاظ (١: ٤٠٩).
(٢) التمهيد (٣ : ٢٤٠) وما بعد.

- ٣٦٣ -
مالك. كما هو عند الدارقطني في ((غرائب مالك)) كما ذكره الحافظ
في الفتح ، وذكر بعضه ابن سعد في طبقاته (١) . فقد رواه عن مالك
كرواية إسماعيل سواءٌ ، والله أعلم
٤ - ما أَصدره الدارقطني رحمه الله على هذا الحديث ، فقد قال
في ((غرائب مالك)) هو حديث غريب صحيح (٢)، فتصحيح الدارقطني
- في غرائب مالك - لهذا الحديث يتعارض مع حكمه بضعف إسماعيل ،
والحديث صحيح بلا شك ، وسنده كلهم من الأئمة الثقات الأعلام .
وقد سبق الجواب عن إِخراج صاحبي الصحيحين أحاديث بعض
الرواة ممن تكلم فيهم - في الفصل السابق - فلا حاجة لإعادته هنا ،
فانظره ففيه كفاية .
القسم الخامس منها : ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله .
فما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله : فمنهما هو مؤثر قدحاً في الحديث ،
ومنه ما لا يؤثر فيه .
مثال ذلك :
قال الدارقطني رحمه الله : وأخرج البخاري عن أَبي معمر عن
عبد الوارث عن الحسين المعلم عن يحيى بن أبى كثير عن أبي سلمة عن
عطاء بن يسار عن زيد بن خالد الجهني أنه سأَل عثمان بن عفان عن
الرجل يجامع أَهله ولا يُمْنِي ؟ فقال عثمان : يتوضأ ويغسل ذكره ،
سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(١) فتح البارى (٦: ١٧٦) والطبقات الكبرى (٣ : ٣٢٦).
(٢) كما فى فتح البارى (٦: ١٧٧):

- ٣٦٤ -
قال زيد : وسألت عن ذلك علياً والزبير وطلحة وأبي بن كعب ،
فأمروه بذلك .
قال يحيى بن أبي كثير : وأخبرني أبو سلمة أيضاً أن عروة أَخبره
أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله صلي الله عليه وسلم.
قال الدارقطني رحمه الله في انتقاده : وهذا وهم ، وهو قوله : إِن
أَبا أَيوب أخبره : أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
لأَن أَبا أيوب لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإِنما سمعه
من أبي بن كعب ، كذلك رواه هشام بن عروة عن أبيه ، وقد أُخرجه
البخاري من حديث هشام على الصواب . اهـ.
وقال الخطيب: قوله ((إِن أَبا أيوب سمع ذلك من النبي صلى الله
عليه وسلم )) خطأً ، فإن جماعة من الحفاظ رووه عن هشام عن أبيه عن
أبي أيوب عن أبي بن كعب . اهـ.
قلت : لم ينفرد البخاري رحمه الله تعالى في هذا الحديث ، بل
رواه معه الشافعي وأحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة ومسلم وأبو عوانة
وابن خزيمة وابن حبان والطحاوي وغيرهم . وللحديث ثلاث طرق مختلفة ،
أُبَيِّنها ثم أَذكر من روى كل طريق ، وما وجه النقد ، ثم الرد عليه .
أولا : قال البخاري رحمه الله : حدثنا أَبو معمر قال : حدثنا
عبد الوارث عن الحسين قال : وأَخبرني أبو سلمة أَن عطاء بن يسار
أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره : أنه سأَل عثمان بن عفان فقال :
أَرأيت إِذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْن ؟ قال عثمان: ((يتوضأُ كما يتوضأُ
للصلاة ويغسل ذكره )) قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

- ٣٦٥ -
فسألت عن ذلك علي بن أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن
عبيد الله وأبي بن كعب رضي الله عنهم . فأَمروه بذلك .
قلت : ورواه مع البخاري أيضاً : مسلم وابن أبي شيبة ، وأَبو عوانة
وأحمد وابنا خزيمة وحبان والطحاوي (١) .
ثانياً : قال يحيى [ هو ابن أبي كثير] : وأخبرني أبو سلمة أَن عروة
ابن الزبير أخبره أن أبا أيوب أَخبره أنه سمع ذلك من رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
قلت: قوله ((قال يحيى)) هو الموجود في الإِسناد السابق ، وليس هذا
من التعليق ، وإِنما رواه أبو سلمة عن شيخين هما عطاء بن يسار - في
البند الأول ، وعروة بن الزبير في السند الثانى . والراوي عن أبي سلمة
في الإِسنادين هو يحيى، فيكون قوله ((وأخبرني )) هو عطف على مقدر .
قلت : ورواه مع البخاري أيضاً : مسلم ، لكن من طريق عبد الوارث
عن الحسين عن يحيى عن أبي سلمة ، وعبد الرزاق من طريق الثوري
عن هشام عن عروة به. وفيه زيادة ((وضوءه للصلاة)) (٢) .
قلت : وعلى هذه الرواية حكم الدارقطني والخطيب عليها بالوهم .
کما مر .
(١) صحيح البخارى : كتاب الوضوء: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين ، وكتاب
الغسل : باب غسل ما يصيب من فرج المرأة ، وصحيح مسلم : كتاب الحيض : رقم ٨٦ ومصنف
ابن أبى شيبة (١: ٩٠) ومسند أبى عوانة (١: ٢٨٧) ومسند أحمد (١: ٦٣، ٦٤)
وصحيح ابن خزيمة (١ : ١١٢) وصحيح ابن حبان (٢: ٣٥٠) وشرح معاني الآثار
(١ : ٥٣، ٥٤ ) .
. (٢) صحيح البخارى: كتاب الغسل - الباب السابق، وصحيح مسلم: كتاب الحيض
رقم ٨٦ ومصنف عبد الرزاق (١: ٢٥٠) .

- ٣٦٦ -
ثالثاً : قال البخاري : حدثنا مسدد حدثنا يحيي [ بن أبى كثير ] عن
هشام بن عروة قال : أخبرني أبي قال : أخبرني أبو أيوب قال : أخبرني
أبي بن كعب أَنه قال : يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل ؟
قال : يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأُ ويصلي .
قلت : وقد رواه مع البخاري الشافعي وأحمد ومسلم وأبو عوانة
وابن حبان وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والطحاوي (١) .
واستظهر الدارقطني والخطيب بهذه الرواية على التوهم في الرواية
السابقة .
وحاصل الكلام أن الرواية الثانية التي يقول فيها أبو أيوب : أَنه
سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حكم عليها الدارقطني
والخطيب بالوهم ، والصواب عندهما أَن أَبا أَيوب إِنما سمع هذا من
أبي بن كعب - كما في الرواية الثالثة - ولم يسمعه من النبي صلى الله
عليه وسلم .
فيكون قد حصل اختلاف بين هشام بن عروة وبين أبي سلمة
ابن عبد الرحمن بن عوف حيث زاد هشام فيه ذكر أبي بن كعب، وقصر
أبو سلمة عند أبي أيوب. وليس ذلك بمانع أن يكون أبو أيوب سمع ذلك
من رسول الله صلي الله عليه وسلم وسمع من أبي بن كعب . فمرة يذكره
عن النبي صلي الله عليه وسلم ومرة يذكره عن أبي بن كعب .
(١) بدائع المنن (١: ٣٥) ومسند أحمد (٥: ١١٣، ١١٣ - ١١٤، ١١٤)
وصحيح مسلم: كتاب الحيض رقم (٨٤، ٨٥) مصنف عبد الرزاق (١: ٢٤٩ - ٢٥٠)
ومصنف ابن أبى شيبة (١: ٩٠) وشرح معانى الآثار (١: ٥٤) ومسند أبى عوانة
(١ : ٢٨٦ - ٢٨٧) وصحيح ابن حبان (٢: ٣٤٨، ٣٤٩).

- ٣٦٧ -
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى(١): وغاية ما في هذا أن
أبا سلمة وهشاماً اختلفا، فزاد هشام فيه ذكر ((أُبي بن كعب)) ولا يمنع
" ذلك أن يكون أبو أيوب سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وسمعه أيضاً من أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم .
مع أَن أَبا سلمة أَجلُّ وأَسنُّ وأتقن من هشام . بل هو من أَقران
عروة والدهشام ، فكيف يقضى لهشام عليه . [ وإِذا اختلفا يعمد إلى
الترجيح إذا لم يمكن الجمع ، وفي الترجيح يقدم أبو سلمة لأَنّه أَجلّ
وأسنّ وأتقن وأحفظ، وروايته عن عروة من باب رواية الأَقْران ،
لأَنهما تابعيان فقيهان من طبقة واحدة ] .
قال الحافظ : بل الصواب أن الطريقين صحيحان .
ويحتمل أن يكون اللفظ الذي سمعه أبو أيوب من أبي بن كعب
غير اللفظ الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، لأَن سياق حديث
أبي بن كعب عند البخاري يقتضي أنه هو الذي سأل النبي صلى الله عليه
وسلم عن هذه المسألة ، فتضمن زيادة فائدة ، وحديث أبي أيوب عنده
[ قلت: وعند مسلم أيضاً ] لم يسق لفظه ، بل أَحال به على حديث
عثمان كما ترى .
قلت : ومما يدل على أن سياق حديث أَبي أیوب یختلف من حيث
:
لفظه عن حديث أبي بن كعب ما رواه أحمد وعبد الرزاق وابن ماجه
والدارمي والطحاوي عنه . فكلهم رووه من طريق عمرو بن دينار عن
عبد الرحمن بن السائب عن عبد الرحمن بن سعاد عن أبي أيوب عن
(١) هدى السارى (٣٥٠).

- ٣٦٨ -
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الماءُ من الماءِ))). رواه عبد الرزاق عن
ابن جريج به ، ورواه الدارمي من طريقه ، بينما رواه الآخرون من طريق
سفيان بن عيينة عن عمرو به .
ثم قال الحافظ رحمه الله : وعلى تقدير أن يكون أبو أيوب - في
نفس الأمر - لم يسمعه إِلاَّ من أبي بن كعب [ وهذا بعيد جداً أَيضاً
لأَّنه يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الصحابة وخاصة من
الأَنصار وكان عليه الأمر الأول ثم نسخ بعد فتح مكة ] فهو مرسل
صحابي . وقد اتفق المحدثون على أنه في حكم الموصول ، وقد أخرج
مسلم في صحيحه شبيهاً به ، ولم يتعقبه الدارقطني ، وهو حديث ابن
عباس في قصة إرسال معاذ بن جبل إلى اليمن . فإِن في بعض الروايات :
عن ابن عباس عن معاذ ، وفي بعضها عن ابن عباس قال : أرسل النبي
صلى الله عليه وسلم معاذاً . اهـ.
قلت : ومثل هذا كثير ، وهو موجود في الصحيحين وغيرهما من
كتب الحديث . ويكون الصحابي قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ،
وسمعه من صحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيرويه تارة نازلاً مشيراً
إلى ذلك، ويرويه عالياً ، وعلى أي الصحابة كلهم عدول ، عدلهم الله تعالى
في كتابه ، واتفقت كلمة المحدثين وغيرهم على قبول رواية الصحابي
إذا أضافها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنهم عدول ثقات لا يكذب
(١) سنن ابن ماجه - الطهارة رقم (٦٠٧) ومصنف عبد الرزاق (١: ٢٥١)
ومسند أحمد (٥: ٤٢١) والفتح الربانى (٢: ١١٠) وسنن الدارمى: الطهارة رقم (٧٦٤)
وشرح معانى الآثار (١: ٥٤).

- ٣٦٩ -
بعضهم بعضاً(١) . والله أعلم.
وبهذا بانت صحة الحديث ، وما قاله الدارقطني والخطيب رحمهما
الله تعالى مردود . والله أعلم .
لكن تعقب القاضي أبو بكر بن العربى رحمه الله تعالى - الرواية
الأُولى . وهي حديث زيد بن خالد الجهني - بتعقبات هي أَوْهَى من
خيط العنكبوت ، وأَضعف مما ذكره الدارقطني والخطيب ، ولولا وجود
ذلك في بعض كتب الحديث ، لما سطرته . فقد زعم أن فيه ثلاث علل :
قال : الأُولى : أَن مداره على حسين بن ذكوان المعلم ، ولم يصرح
بسماعه له من يحيى بن أبى كثير، وإِنما جاءَ: ((عن حسين قال: قال يحيى
ابن أبي كثير .
الثانية : أَنه خولف فيه ، فرواه غيره عن يحيى بن أبي كثير
موقوفاً غير مرفوع .
الثالثة : أَن أَبا سلمة أيضاً قد خولف فيه ، فرواه زيد بن أسلم
عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد موقوفاً عن جماعة من الصحابة. اهـ (١).
والرد على الشبهة الأولى من وجوه :
أولاً : إنه لم يأت بدليل على الانقطاع، فهذا مردود وغير مقبول منه .
ثانياً: قوله ((أَن مداره على حسين بن ذكوان)) غير صحيح فقد
أخرجه البخاري - في كتاب الوضوء قال : حدثنا سعد بن حفص :
(١) انظرما كتبته - مفصلا - عن هذا الموضوع فى ((بدعة دعوى الاعتماد على
الكتاب دون السنة)).
(٢) هدى السارى (٣٥٠ - ٣٥١).
( ٢٤ - مكانة الصحيحين )

- : ٣٧٠ -
حدثنا شيبان [ هو ابن عبد الرحمن ] عن يحيى عن أبى سلمة ... الخ
فهو لم ينفرد به كما زعم ابن العربى ، ورواه عن يحيى أيضاً معاوية
ابن سلام . أخرجه ابن شاهين ، كما قاله الحافظ في الفتح . ورواه
أحمد وأبو عوانة وابن أبي شيبة (١) كلهم من طريق شيبان عن يحيى بن
أَبي كثير . أيضاً . والله أعلم .
ثالثاً: قوله ((ولم يصرح بسماعه له من يحيى بن أبي كثير وإِنما جاءً:
(( عن حسين قال: قال يحيى)) فهو مردود أيضاً وذلك من أربعة
وجوه أيضاً :
١ - إِن رواية حسين من يحيى ثابتة في روايات متعددة ، قال
الحافظ في التهذيب روى عن عطاءٍ ونافع وقتادة وعبد الله بن بريدة
ویحیی بن أَبی کثیر ... ))(٣) فقد روى عمن هو أقدم من يحيى. إِذ يحى
من صغار التابعين وهو من الطبقة الخامسة بينما عطاء ونافع وعبد الله
- من الثالثة - وقتادة - رأس الطبقة الرابعة.
٢ - حسين ليس بمدلس ، حتى يحمل قوله على الانقطاع .
٣ - لقد وردت هذه الرواية عند مسلم وأحمد وأبي عوانة
والطحاوي ((عن حسين المعلم عن يحيى بن أبى كثير)) وعنعنة غير
المدلس محمولة على السماع إذا لقيه ، كما هو مذهب جمهور المحدثين .
(١) صحيح البخارى: كتاب الوضوء : باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين ...
فتح البارى (١: ٣٩٧) ومسند أحمد (١: ٦٤) ومسند أبى عوانة (١: ٢٨٧) ومصنف
ابن أبى شبية (١ : ٩٠).
(٢) تهذيب التهذيب (٢: ٣٣٨).
(٣) صحيح مسلم: كتاب الحيض رقم ٨٦ : باب إنما الماء من الماء . ومسند أحمد
(١: ٦٣) ومسند أبى عوانة (١: ٢٨٧) وشرح معانى الآثار (١: ٥٣، ٥٤).

- ٣٧١ -
٤ - بل ورد التصريح بالسماع والتحديث . فعند ابن خزيمة :
حدثنا حسين المعلم : قال حدثني يحيى بن أبي كثير ... وعند ابن حبان
كذلك . والسراج والإسماعيلي وغيرهم . ولفظ السراج - كما في هدي
الساري - بسنده إِلى حسين : أخبرنا يحيى بن أبي كثير أَن أَبا سلمة
حدثه ... الخ(١) .
وبهذا بان واتضح أن ما ذكره القاضي ابن العربى غير صحيح ،.
وهو مردود ، ولو تذكر تلك الروايات ما حكم بهذا الحكم الذي نقضته
الأدلة الصريحة الصحيحة والحمد لله .
وأما الرد على الشبهة الثانية . فمن وجهين :
أولا : إِن رواية حسين قد اشتملت على الوقف والرفع معاً . وذلك
أن قول عثمان رضي الله عنه (( يتوضأُ كما يتوضأُ للصلاة ويغسل ذكره))
هذا فتوى ، فهو موقوف على عثمان ، وقوله رضي الله عنه ((سمعته من
رسول الله صلى الله عليه وسلم )) فهذا رواية فهو مرفوع .
وأَما آخر الحديث (( عن علي والزبير وطلحة وأبي )) رضي الله عنهم ،
فأَمروه بذلك . فظاهره أَنه إِفتاءٌ ، لكنه ليس صريحاً في عدم الرفع ،
لكن ورد في رواية الإسماعيلي ((فقالوا مثل ذلك)) وهذا ظاهره الرفع .
قلت : وهو رواية ابن خزيمة وابن حبان وأبي عوانة والطحاوي .
وفي رواية عند الطحاوي ((فأتيت الزبير بن العوام وأبي بن كعب فقالا
(١) صحيح ابن خزيمة (١: ١١٢) وصحيح ابن حبان (٢: ٣٥٠) وهدى السارى
(٣٥١) .

- ٣٧٢ -
مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم )) فهذا ظاهره الرفع أيضاً .
بل هو تصريح.
وثانياً : إِذا كانت رواية غير حسين اشتملت على الموقوف فقط ،
ورواية حسين اشتملت على الموقوف والمرفوع ، فإِنها تكون قد اشتملت
على زيادة وهي لا تنافي الرواية الأُخرى . فتقبل من الحفاظ . وعند
أهل الحديث إذا اختلف راويان أحدهما يرفع والثاني يوقف ، فالقول
قول الذي يرفع الحديث ، لأن معه زيادة ، وزيادة الثقة مقبولة . علماً
بأن الحسين لم ينفرد بها ، بل رواها معه شيبان ومعاوية بن سلام
- كما مر - أَيضاً .
فتبين بهذا أَن هذه الشبهة مردودة وليست قادحة في الحديث .
والله أعلم .
وأما الرد على الشبهة الثالثة . فمن وجهين أيضاً :
أولاً : الرواية التي أَشار إليها أَخرجها ابن أبي شيبة ( حدثنا ابن
عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد الجهني سأَل
خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يقول: ((الماءُ من الماءِ))
منهم علي بن أبي طالب(١). اهـ. فهذه الرواية التي أشار إليها ابن العربي
وليس فيها ما يتعارض مع حديث زيد بن خالد الذي نحن بصدده .
فلم يذكر من الخمسة الموجودين في حديث البخاري سوى علي
رضي الله عنه .
(١) مصنف ابن أبى شيبة (١: ٨٩).

- ٣٧٣ -
وأيضاً إِن كان هنا فتوى - موقوفة عَلى عَليّ ، فقد أَفتى بموجب
ما يرويه .
ثانياً : في رواية يحيى بن أبى كثير عن أبي سلمة . زيادة علم عما
في رواية زيد بن أسلم . وهي الرفع ، فهي لا تنافي الرواية الأخرى فتقبل
من الحفاظ أيضاً - كما هو الحال في الجواب على الشبهة الثانية . وأَن
التعليل بذلك ليس بقادح أيضاً . والله أعلم
ملحوظة : وقبل أَن أَنتقل من هذا الحديث أُحب أَنْ أُبين أَن هذا
الحديث منسوخ ، وعلى ذلك ذهب الجماهير من الصحابة والتابعين
وتابعيهم ثم انعقد الإجماع على ذلك وناسخه قوله صلى الله عليه وسلم :
(( إِذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل )) من حديث
أبي هريرة ، وحديث عائشة ((إِذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)).
وأن هذا الحديث كان في أول الأمر حتى فتح مكة ثم نسخ . فعن
أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: إِن الفتيا التي يقولون ((الماءُ من الماءِ))
رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص بها في أول الإِسلام ثم
أمر بالاغتسال بعد )) وقد رواه أبو داود وأحمد ابن خزيمة وابن حبان
والإِسماعيلي وصححوه والترمذي وصححه وابن ماجه ، والدارمي والبيهقي
وغيرهم . والله تعالى أعلم
: القسم السادس منها : ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن . .
قال الحافظ رحمه الله تعالى : فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح ،
لإمكان الجمع في المختلف من ذلك . أَو الترجيح .

- ٣٧٤ -
وهناك عدة أحاديث اختلف في تغيير بعض ألفاظ متونها لكنها كلها
والحمد لله أمكن الجمع في ذلك وبان أَن أَصل الحديث صحيح .
مثال ذلك :
قصة شراء النبي صلى الله عليه وسلم جمل جابر بن عبد الله رضي الله
عنه ، ثم رده له مع الثمن ، وقد اخترت هذا المثال لأَني لا أعلم حديثاً
اختلف في متنه مثل ما اختلف في هذا الحديث ، ومع ذلك فإن هذا
الاختلاف لا يضر ولا يقدح في صحة هذا الحديث . والحديث متواتر
عن جابر رضي الله عنه، ورواه أغلب أهل الحديث - إن لم يكن كلهم-
- والعلم عند الله تعالى - كما سأَذكر ذلك في من خرَّج هذا الحديث
مع الشيخين .
وقد روى هذا الحديث من التابعين عن جابر رضي الله عنه عدد
كثير . حفظت منهم :
١٠ - محارب بن دثار: كما عند البخاري في الصلاة، والاستقراض،
والهبة ، والجهاد. ومسلم في صلاة المسافرين رقم ٧٢ ، والمساقاة رقم (١١٥،
١١٦) والطيالسي (١: ٢٦٢) من منحة المعبود، والحميدي (٥٣٩:٢) وابن
الجارود رقم ٥٨٩، وأحمد (٣٠٢،٢٩٩:٣) والطبراني في الأوسط (٨٥:٤)
من مجمع الزوائد .
٢ - وهب بن كيسان : كما عند البخاري في البيوع، والشروط
- تعليقاً -، ومسلم في المسافرين رقم ٧٣ ، والرضاع رقم ٥٧، وأحمد (٣٧٥:٣).
٣ - عطاء بن أبي رباح - وغيره - عند البخاري في الوكالة ،
ومسلم في المساقاة رقم ١١٧ .

- ٣٧٥ -
٤ - عامر ((الشعبي)) عند البخاري في الاستقراض، والجهاد ،
والشروط. وعند مسلم في المساقاة (١٠٩ - ١١٠). وأبي داود - في الإِجارة
رقم (٣٥٠٥). والترمذي في البيوع رقم ( ١٢٥٣) والنسائي في البيوع
( ٧ : ٢٩٧) والطحاوي (٤: ٤١) وسعيد بن منصور رقم (٥١١)
وأحمد (٣٩٢:٣)
٥ - وأبو المتوكل الناجي - عند البخاري في المظالم ، والجهاد ،
ومسلم في المساقاة رقم (١١٤) وأحمد (٣٦٢:٣، ٣٧٢، ٣٢٥).
٦ - وعمرو بن دينار- عند البخاري في المغازي، والشروط - تعليقاً -
وسعيد بن منصور رقم (٥١٠ ) .
٧ - سالم بن أبي الجعد- عند البخاري في الشروط - تعليقاً - وعند
مسلم في المساقاة رقم (١١١) والنسائي في البيوع (٧: ٢٩٨) وأحمد (٣١٤:٣).
٨ - أَبو نضرة: المنذر بن مالك بن قُطَعة - عند البخاري في
الشروط - تعليقاً - ومسلم في المساقاة رقم (١١٢)، والرضاع (٥٨) والنسائي
في البيوع (٧ :٢٩٨) وابن ماجه في التجارات رقم (٢٢٠٥) وأحمد
(٣ : ٣٧٣- ٣٧٤)
٩ - أَبو الزبير : محمد بن مسلم بن تدرس : عند البخاري في
الشروط - تعليقاً - وعند مسلم في المساقاة رقم (١١٣) والترمذي في المناقب
رقم (٣٨٥٢) والنسائي في البيوع (٢٩٩:٧) .
١٠ - محمد بن المنكدر - عند البخاري في الشروط - تعليقاً -
وسعيد بن منصور والبيهقي ، والطبراني (١) .
(١) سنن سعيد بن منصور رقم (٥١٠) والسنن الكبرى (٥: ٣٣٧) وانظر فتح
البارى ( ٥ : ٣٢٠) .

- ٣٧٦ -
١١ - زيد بن أسلم - عند البخاري في الشروط - تعليقاً - ووصله
البيهقي والطبراني (١) ..
١٢ - عبيد الله بن مقسم - عند البخاري في الشروط - تعليقاً -
١٣ - أَبُو هبيرة - عند أحمد في المسند (٣٠٣:٣).
١٤ - نبيح العنزي - عند أحمد في المسند (٣: ٣٥٨ -٣٥٩).
١٥ - عطية بن عبد الله بن أنيس - عند الواقدي (٢)
وغير هؤلاءٍ - وقد أَغفلت ذكر بعض الكتب التي رواها بعض
المصنفين ، وذكر بعض المؤلفين أيضاً .
وروى هذا الحديث من الأئمة : البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه وأحمد وسعيد بن منصور ، والحميدي ، وابن
الجارود . والطيالسي ، والطبراني ، والطحاوي والبيهقي والبزار وأبو يعلى
- وغيرهم - وأَهل السير أيضاً .
وقد وقع الاختلاف في متن هذا الحديث في أَمرين :
الأَول : حمل جابر عليه هل وقع مشروطاً من قبل جابر ، أَو تفضل
به النبي صلى الله عليه وسلم .
والثاني : في مقدار ثمن الجمل .
وقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى الاختلاف في الأَمرين في
كتاب الشروط من صحيحه باب: ((إِذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى
مكان مسمى جاز)) ، ثم رجح الصواب في الأمرين . .
(١) السنن الكبرى (٥ : ٣٣٧) وانظر فتح البارى (٥: ٣٢٠) .
(٢) فتح البارى (٥ : ٣٢٠).

- ٣٧٧ -
فقال عن المسألة الأولى :
قال شعبة عن مغيرة عن عامر [ الشعبي] عن جابر: ((أَفقرني ..
رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره إلى المدينة)).
وقال إِسحق عن جرير عن مغيرة ((فبعته على أن لي فقار ظهره.
حتى أَبلغ المدينة )) .
وقال عطاء [ ابن أبي رباح] وغيره ((ولك ظهره إلى المدينة)).
وقال محمد بن المنكدر عن جابر ((شرط ظهره إلى المدينة)).
وقال زيد بن أسلم عن جابر ((ولك ظهره حتى ترجع)).
وقال أبو الزبير عن جابر ((أَفقرناك ظهره إلى المدينة)).
وقال الأعمش عن سالم [ بن أبي الجعد ] عن جابر (( تبلغ عليه
إِلى أَهلك )).
قال أبو عبد الله [البخاري]: الاشتراط أكثر وأَصح عندي. اهـ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح: (١) أَي أَكثر طرقاً، وأَصج
مخرجاً ، وأَشار بذلك إِلى أَن الرواة اختلفوا عن جابر في هذه الواقعة ،
هل وقع الشرط في العقد عند البيع، أَو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إِباحة
من النبي صلى الله عليه وسلم بعد شرائه على طريق العارية ...
والحاصل : أَن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أَكثر عدداً من
الذين خالفوهم ، وهذا وجه من وجوه الترجيح ، فيكون أَصح .
(١) فتح البارى (٥ : ٣١٨).

- ٣٧٨ -
ويترجح أيضاً بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة ، وهم
حفاظ ، فتكون حجة .
وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره ، لأَن
قوله ((لك ظهره)) و((أفقرناك ظهره)) و((تبلغ عليه)) لا يمنع وقوع
الاشتراط قبل ذلك .
ثم قال الحافظ : وما جنح إليه المصنف [ البخاري ] من ترجيح
رواية الاشتراط هو الجاري على طريقة المحققين من أهل الحديث ،
لأَنهم لا يتوقفون عن تصحيح المتن إذا وقع فيه الاختلاف ، إِلا إِذا
تكافأت الروايات . وهو شرط الاضطراب الذي يرد به الخبر ، وهو
مفقود هنا مع إِمكان الترجيح .
قال ابن دقيق العيد رحمه الله : وقد أشار بعض الناس إِلى أَن
اختلاف الرواة في ألفاظ الحديث مما يمنع الاحتجاج به على هذا المطلب ،
فإِن بعض الألفاظ صريح في الاشتراط ، وبعضها لا ، فيقول : إِذا
اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعض: توقف الاحتجاج.
فنقول : هذا صحيح ، لكن بشرط تكافؤ الروايات ، أَو تقاربها ،
أما إذا كان الترجيح واقعاً لبعضها - إِما لأَن رواته أَكثر ، أَو أَحفظ -
فينبغي العمل بها ، إِذ الأَضْعف لا يكون مانعاً من العمل بالأَقوى ،
والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح . فتمسك بهذا الأصل ، فإِنه نافع
(١)
في مواضع عديدة
(١) إحكام الأحكام (٢ : ١٥٠).

- ٣٧٩ -
وهذه قاعدة عند المحدثين ، إِذا تعارضت الروايات وأمكن الجمع
بينها ، عمل بها جميعاً ، أما إذا لم يمكن الجمع ، فيعمد إلى الترجيح .
ومن عوامل الترجيح كثرة الرواة وإتقان الرواة ... وقد أوصلها بعضهم
إلى أكثر من أربعين وجهاً من وجوه الترجيح (١) .
وقد تأَول العلماءُ معنى الاشتراط في الحديث على مذاهب وأقوال :
أَقوى هذه الوجوه في نظر الحافظ رحمه الله هو قول الإسماعيلي رحمه الله
حيث قال: قوله ((ولك ظهره )) وعد قام مقام الشرط ، لان وعده
لا خلف فيه ، وهبته لا رجوع فيها ، لتنزيه الله تعالى له عن دناءه
الأَخلاق ، فلذلك ساغ لبعض الرواة أن يعبر عنه بالشرط ، ولا يلزم
ذلك في حق غيره . قال : وحاصله أن الشرط لم يقع في نفس العقد، وإِنما
وقع سابقاً أَو لاحقاً ، فتبرع بمنفعته أولاً كما تبرع برقبته آخراً(٢).
وقال الإمام البخاري رحمه الله عن المسألة الثانية :
وقال عبيد الله، وابن إِسحق عن وهب عن جابر ((اشتراه النبي
صلى الله عليه وسلم بأُوقية )).
وتابعه زيد بن أسلم عن جابر .
وقال ابن جريج عن عطاءٍ وغيره عن جابر ((أَخذته بأربعة دنانير))
وهذا يكون أوقية ، على حساب الدينار بعشرة دراهم .
ولم يبين الثمن مغيرة عن الشعبي عن جابر . وابن المنكدر ، وأبو الزبير
عن جابر .
(١) انظر كتب المصطلح عند باب مختلف الحديث .
(٢) فتح البارى (٥ : ٣١٩).

- ٣٨٠ -
وقال الأعمش عن سالم عن جابر ((أُوقية ذهب)).
وقال أبو إِسحق عن سالم عن جابر ((بمائتي درهم)).
وقال داود بن قيس عن عبيد الله بن مقسم عن جابر ((اشتراه بطريق
تبوك أحسبه قال: بأَربع أَواق )).
وقال أبو نضرة عن جابر ((اشتراه بعشرين ديناراً)).
قال البخاري: وقول الشعبي ((بأوقية)) أَكثر. الاشتراط أَكثر
وأَصح عندي .
قلت : وهناك أقوال أخرى غير ما ذكره الإمام البخاري رحمه الله .
وهذا الاختلاف لا يضر في أصل الحديث ، لأَنّه لا ينبني عليه
حكم فقهي أو شرعي .
قال الإِمام القرطبي رحمه الله : اختلفوا في ثمن الجمل اختلافاً
لا يقبل التلفيق ، وتكلف ذلك بعيد عن التحقيق . وهو مبني على أمر
لم يصح نقله ، ولا استقام ضبطه ، مع أنه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم ،
وإِنما تحصل من مجموع الروايات أنه باعه البعير بثمن معلوم بينهما ،
وزاده عند الوفاء زيادة معلومة ، ولا يضر عدم العلم بتحقيق ذلك (١) اهـ.
وقال الإِسماعيلي رحمه الله : ليس اختلافهم في قدر الثمن بضار ،
لأن الغرض الذي سيق الحديث لأجله : بيان كرمه صلى الله عليه وسلم ،
وتواضعه ، وحنوه على أصحابه : وبركة دعائه ، وغير ذلك ، ولا يلزم
من وهم بعضهم في قدر الثمن توهينه لأَصل الحديث(١) اهـ.
(١) فتح البارى (٥: ٣٢١).