Indexed OCR Text

Pages 281-300

- ٢٨١ -
عندي صحيح وضعته ههنا - يعني في كتابه الصحيح - إِنما وضعت
ههنا ما أجمعوا عليه .
قلت [ ابن الصلاح ] : أراد - والله أعلم - أنه لم يضع في كتابه
إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه ، وإِن
لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم .
ثم إن أبا عبد الله ابن الأَخرم الحافظ قال : (( قلَّ ما يفوت البخاري
ومسلماً مما يثبت من الحديث )) يعني في كتابيهما .
ولقائل أن يقول : ليس ذلك بالقليل ، فإِن المستدرك على الصحيحين
للحاكم أبي عبد الله كتاب كبير يشتمل مما فاتهما على شيءٍ كثير ، وإِن
يكن عليه في بعضه مقال . فإنه يصفو له منه صحيح كثير . وقد قال
البخاري : أَحفظ مائة ألف حديث صحيح ، ومائتي ألف حديث
غير صحيح)) . وجملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومائتان
وخمسة وسبعون بالأحاديث المكررة ... ))(١).
فقد اقتصر في ضرب المثال على الحديث الصحيح مما هو خارج
الصحيحين على المستدرك مع أن في غير المستدرك من دواوين السنة
المطهرة أضعاف ما فيه ، وقد سبق تفصيل ذلك .
وقد دلل الحافظ أبو بكر الحازمي رحمه الله على ذلك أيضاً معتمداً
على نُقول البخاري فقال : في معرض رده على عدم اعتبار العدد في
صحة الحديث :
(١) علوم الحديث (١٥ - ١٦).

- ٢٨٢ -
فإِن قيل : فإِن كان الأمر على ما ذكرت ، فإن الحديث إذا صح
سنده وسلم من شوائب الجرح ، فلا عبرة بالعدد والإفراد ، وقد يوجد
على ما ذكرت حديث كثير ، فينبغي أن يناقش البخاري في ترك إخراج
أحاديث هي من شرطه ، وكذلك مسلم ، ومن بعده .
قلت : الأَمر على ما ذكرت من أن العبرة بالصحة لا بالعدد ، وأما
البخاري فلم يلتزم أن يخرج كل ما صح من الحديث حتى يتوجه عليه
الاعتراض ، وكما أنه لم يخرج عن كل من صح حديثه ولم ينسب
إلى شيءٍ من جهات الجرح ، وهم خلق كثير . يبلغ عددهم نيفاً وثلاثين
ألفاً ، لأَن تاريخه يشتمل على نحو من أربعين ألفاً وزيادة ، وكتابه
في الضعفاء دون سبعمائة نفس ، ومن خرجهم في جامعه دون ألفين .
وكذا لم يخرج كل ما صح من الحديث . ويشهد لصحة ذلك :
ما أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد أَنبأَنَا ابن طلحة
في کتابه عن أبي سعيد المالي أنبأنا عبد الله بن عدي حدثني محمد
ابن أحمدقال : سمعت محمد بن حمدویه یقول : سمعت محمد بن إسماعيل
يقول : أَحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأَحفظ مائتي ألف حديث
غير صحيح .
وذكر بسنده إِلى البخاري أيضاً أنه قال : لم أُخرج في هذا الكتاب
إلا صحيحاً وما تركت من الصحيح أَكثر .
وذكر بسنده أيضاً إلى البخاري رحمه الله يقول : كنت
عند إِسحق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا : لو جمعتم كتاباً مختصراً
لسنن النبي صلى الله عليه وسلم ، فوقع ذلك في قلبي ، فأخذت في جمع
هذا الكتاب .

- ٢٨٣ -
فقد ظهر بهذا أن قصد البخاري كان وضع مختصر في الحديث ،
وأنه لم يقصد الاستيعاب لا في الرجال ولا في الحديث ، وأن شرطه
أن يخرج ما صح عنده، لأنه قال (( لم أُخرج في هذا الكتاب
إِلا صحيحاً ... )) (١) .
قلت : ويتضح مصداق قول الحافظ الحازمي رحمه الله من تسمية
الإمام البخاري رحمه الله كتابه الصحيح ((الجامع المسند الصحيح
المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه))(٣) فهو
يشعر بذلك .
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى ((ولم يستوعبا الصحيح ،
ولا التزماه. قيل : ولم يفتهما إلا القليل. وأُنكر هذا، والصواب : أَنه
لم يفت الأُصول الخمسة إلا اليسير ، أَعني : الصحيحين ، وسنن أبي
داود ، والترمذي ، والنسائي))(٣) .
وما قاله الإمام النووي رحمه الله فهو متعقب أيضاً . كما سيأتي
إن شاء الله تعالى من قول العراقي رحمه الله، وقد سبق أيضاً. الجواب عليه .
وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي رحمه الله : أَول عن اعتنى بجمع
الصحيح : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، وتلاه صاحبه
وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ، فهما أصح كتب
الحديث ... ثم قال :
(١) شروط الأئمة الخمسة (٤٧ - ٥١).
(٢) علوم الحديث (٢٢).
(٣) التقريب والتيسير (٩٨ - ٩٩) وهو بشرح التدريب.

- ٢٨٤١-
ثم إِن البخاري ومسلماً لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته
من الأحاديث ، فإِنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما ، كما
ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده ، بل
في السنن وغيرها (١).
وقال الإِمام الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في منظومته :
عند ابن الأخرم منه قد فاتهما
ولم يعماه ولكن قل ما
لم يفت الخمسة إلا النزر
ورد ، لكن قال يحيى البر
أَحفظ منه عشر ألف ألف
وفيه ما فيه لقول الجعفي
ثم قال الحافظ العراقي رحمه الله شارحاً تلك الأَبيات من الألفية :
أي لم يعم البخاري ومسلم الصحيح ، يريد لم يستوعباه في كتابيهما ،
ولم يلتزما ذلك ، وإلزام الدارقطني وغيره إياهما بأحاديث . ليس
بلازم . قال الحاكم في خطبة المستدرك ولم يحكما ولا واحد منهما أنه
لم يصح من الحديث غير ما أخرجاه . انتهى .
قال البخاري : ما أُدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح ، وتركت
من الصحاح لحال الطول .
وقال مسلم : ليس كل صحيح وضعته هنا ، إِنما وضعت هنا
ما أجمعوا عليه .
يريد ما وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه ، وإِن لم يظهر
اجتماعها في بعضها عند بعضهم . قاله ابن الصلاح (١).
(١) مختصر علوم الحديث (٢٥).
(٢) التبصرة والتذكرة (٤٣:١ - ٤٦).

- ٢٨٥ -
ثم ذكر كلام الحافظ ابن الأخرم ، وكلام الإمام النووي رحمهما
الله تعالى ، والرد علیه حیث قال « وفيه ما فيه » وأورد الدلیل الراد عليه
من قول البخاري رحمه الله تعالى .
وقال شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري رحمه الله شارحاً أَبيات ألفية
العراقي رحمه الله : ومع كون كتابيهما أصح لم يعماه أي الصحيح ،
أي لم يستوعبا فيهما كل صحيح على شرطهما فضلا عن مطلقه ، كما
صرحا بذلك . فإلزام الدارقطني وغيره إياهما بأحاديث على شرطهما
ليس بلازم ... ثم ذكر معنى كلام ابن الأخرم والنووي وقال عنه : وفيه
أي في كلام النووي مافيه أي ضعف ظاهر ، لقول البخاري . ثم ذكر قول
الإِمام البخاري: أَحفظ مائة ألف حديث صحيح ... ))(١).
وقال الإِمام السخاوي رحمه الله : وبالجملة فكتاباهما أصح كتب
الحديث ، ولكنهما لم يعماه ، أي لم يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما،
بل لو قيل : إِنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجهاً .
وقد صرح كل منهما بعدم الاستيعاب ، فقال البخاري - فيما رويناه
من طريق إبراهيم بن معقل عنه - : ما أَدخلت في كتابي الجامع
إلا ما صح ، وتركت من الصحيح خشية أن يطول الكتاب .
وقال مسلم : إنما أَخرجت هذا الكتاب وقلت : هو صحاحٍ ، ولم
أَقل : إِن ما لم أُخرجه من الحديث فيه ضعيف .
وحينئذ فإلزام الدارقطني لهما في جزءٍ أَفرده بالتصنيف بأحاديث
رجال من الصحابة رويت عنهم من وجوه صحاح ، تركاها مع كونها
(١) فتح الباقى (١ : ٤٣ - ٤٦ ).

- ٢٨٦ -
على شرطهما ، وكذا قول ابن حبان : ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم فى
تركهما إِخراج أحاديث هي من شرطهما ، ليس بلازم ...
والحق أنهما لم يلتزما حصر الصحيح فيما أَودعاه كتابيهما(١).
قلت : لقد استغل المبتدعة اشتراط البخاري ومسلم رحمهما الله
الصحيح في كتابيهما ، فطعنوا في بقية السنن ، وإِن هذا الاستغلال مبني
عن هوى في النفوس ، لأن كلا من الشيخين لم يحكم بضعف ما ليس في
صحيحه .
وقد مر قول الحاكم رحمه الله في استغلال المبتدعة ذلك . وطعنهم
في دواوين السنة .
ونحوه ما ذكر السلفي رحمه الله في (( معجم السفر)) أَن بعضهم رأى
في المنام أبا داود - صاحب السنن - في آخرين مجتمعين، وأَن أَحدهما
قال : كل حديث لم يروه البخاري فأفلت عنه رأس دابتك .
ومن ثم صرح بعض المغاربة بتفضيل كتاب النسائي على صحيح
البخاري ، وقال : إِن مَن شَرَط الصحة فقد جعل لمن لم يستكمل في الإدراك
سبباً إلى الطعن على ما لم يدخل ، وجعل للجدال موضعاً فما أُدخل .
قال السخاوي رحمه الله: وهو قول شاذ لا يعول عليه حكماً وتعليلاً (٣)
وهذا الذي قاله المبتدعة كان قد تخوفه أبو زرعة وابن وارة رحمهما
الله تعالى فكان ما تخوفاه ، ووقع ماخافاه .
فقد قال أبو عثمان سعيد بن عمرو : شهدت أبا زرعة الرازي ، ذكر
(١) فتح المغيث للسخاوى (١: ٢٦ - ٢٧).
(٢) فتح المغيث للسخاوى (١: ٢٦ - ٢٧):

- ٢٨٧ -
كتاب الصحيح : .. فقال يطرق لأهل البدع علينا ، فيجدوا السبيل
بأَن يقولوا للحديث إذا احتج عليهم به . ليس هذا من كتاب الصحيح.
قال سعيد : فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية : ذكرت لمسلم
ابن الحجاج إِنكار أبي زرعة ... فقال لي مسلم : إنما قلت صحيح ...
قال سعيد : وقدم مسلم بعد ذلك الري فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله
محمد بن مسلم بن وارة ، فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب وقال له نحواً
مما قال لي أبوزرعة [ إِن هذا يطرق لأهل البدع ... ] فاعتذر إليه مسلم ،
وقال له : إِنما أَخرجت هذا الكتاب وقلت : هو صحاح ، ولم أقل إِن
ما لم أُخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف . ولكن إِنما خرجت
هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعاً عندي وعند من يكتبه عني ،
ولا يرتاب في صحتها ، ولم أقل إِن ما سواه ضعيف . أَو نحو ذلك
مما اعتذر به مسلم إِلى محمد بن مسلم ، فقبل عذره وحدثه (١).
فقد اتفق ما حدسه أبو زرعة وابن وارة رحمهما الله تعالى . والذي
حدسه هؤلاء قد وقع فعلا من المبتدعة حتى قال ما قال الحاكم رحمه الله
تعالى في زمانه ، وهو الذي حمل بعض المنحرفين في زماننا إِلى ذلك أيضاً .
بل لعل هذا الحدس والتخوف من استغلال المبتدعة لذلك هو الذي
حمل أهل العلم بالحديث من بعد الشيخين إلى التصريح بعدم استيعاب
الصحيحين لجميع الأحاديث الصحيحة ، وبعدم التزام الشيخين بذلك
أيضاً . وإن كان كلام كل من البخاري ومسلم صريحاً في عدم
استيعاب ذلك .
(١) انظر شروط الأئمة الخمسة (٦٠ - ٦١) وتوضيح الأفكار (١: ٥١ - ٥٢ ).

- ٢٨٨٨: ٠
وهذا بين واضح أيضاً. فإِن البخاري رحمه الله ينقل عنه الترمذي
رحمه الله في سننه تصحيح كثير من الأحاديث وهي لا توجد في صحيحه
بل هي في السنن والمسانيد كما أن الإمام مسلماً رحمه الله قال (( ليس كل
شيءٍ صحيح عندي وضعته ههنا ، إنما وضعت ههنا ما أَجمعوا عليه ،
قاله عقب حديث أبي هريرة ((فإِذا قرأً فأنصتوا)) وقد سئل عنه : هل
هو صحيح ؟ فقال : هو صحيح عندي ، فقيل : لِمَ لَمْ تضعه ههنا ؟
فأجاب بالكلام المذكور . مع أن الحديث ليس في الصحيح عند
(١).
مسلم (١)
والذي حمل أَبا زرعة وابن وارة على عتاب مسلم - فيما يبدو لي ،.
والله أعلم - كما أن الذي حمل الدارقطني وغيره على إلزام الشيخين
بما فاتهما مما هو على شرطهما ، وحمل غيرهم على انتقاد الشيخين ومناقشتهما
في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما - كابن حبان والبيهقي ،
الذي حمل هؤلاء جميعاً - والعلم عند الله - هو فهمهم من تسمية البخاري
ومسلم كتابيهما ((الصحيح)) أن جميع ما صح هو ما في هذين الكتابين
فقط ، وما عدا ذلك من الحديث إِما حسن أو ضعيف ، أَو غير ذلك .
لذا عاتب منهم مسلماً ، وأَلزم من أَلزمهما معاً، وناقش من ناقشهما معاً ،
كما استدرك من استدرك عليهما معاً ، وهذا الفهم من قصر الصحيح
على الكتاب ، راجع إلى أُولئك حتى قدّم من قدم من أَهل المغرب على
البخاري غيره من كتب السنن .
ولعل هؤلاء لم يبلغهم بادىء ذي بدء قول كل من البخاري ومسلم
(١) انظر صحيح مسلم: كتاب الصلاة: باب التشهد، وشرح النووى (١: ١٦)
و تدریب الراوى (١ : ٩٨) وقد سبق ذكره أيضاً .

- ٢٨٩ -
عدم استيعابهما جميع الحديث الصحيح ، وإِنما جمعوا بعض الصحيح
وتركوا أكثر الصحيح . وإلا فقول الشيخين رحمهما الله تعالى في عدم
استيعابهما للحديث الصحيح وعدم التزامهما ذلك صريح وواضح
ولا يلزمهما من قبل غيرهما بما فهموه من عنوان كتابيهما .
وإِذا كان عتاب هؤلاءِ الأَّمة رحمهم الله تعالى مبيناً عن حسن نية
وفهم سليم وقصد جيد ، فإِنه بالمقابل نجد المبتدعة قد استغلوا هذا
العنوان من الصحيحين ليطعنوا في بقية السنة ، كما نجد بعض المعاصرين
أيضاً قد استغلوا ذلك ليشوهوا السنة ، تمشياً مع ما صدر من بعض
المستشرقين من تشكيك في السنة ، وخاصة بالقياس بين ما ثبت من
أحاديث صحيحة عن ألسنة بعض الحفاظ من السلف كأحمد بن حنبل
وعلي بن المديني والبخاري وغيرهم ، وبين ما هو موجود في الصحيحين
مع قلتها . فيرون الفرق الكبير لذا شَكَّكُوا في السنة كلها .
وهذا كله مبني على جهل في السنة ومراد المحدثين في عد الأحاديث.
وقصدِ الشيخين في انتقاء كتابيهما ، وأنهما جمعا مختصراً ولم يريدا
استيعاباً ولم يلتزما ذلك .
هذا وقد كان الدافع لكل من الشيخين إلى إِفراد الصحيح دون غيره
في هذين الكتابين ما أَفصح عنه مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه حيث
قال : وبعد يرحمك الله ، فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن
نصب نفسه محدثاً فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة والروايات
المنكرة ، وتركهم الاقتصار على الأحاديث الصحيحة المشهورة ، مما نقله
الثقات المعروفون بالصدق والأمانة ، بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم
أن كثيراً مما يقذفون به إلى الأغبياء من الناس هو مستنكر ، ومنقول
( ١٩ - مكانة الصحيحين )

- ٢٩٠ . -
عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمةُ الحديث مثل : مالك
ابن أَنس وشعبة بن الحجاج ، وسفيان بن عيينة ، ويحيى بن سعيد
القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وغيرهم من الأئمة ، لما سهل علينا
الانتصاب لما سأَلت من التمييز والتحصيل .
ولكن من أَجل ما أَعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة بالأسانيد
الضعاف المجهولة وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها خف على
قلوبنا إِجابتك إلى ما سأَلت .
واعلم ، وفقك الله تعالى ، أَن الواجب على كل أحد عرف التمييز
بين صحيح الروايات وسقيمها ، وثقات الناقلين لها من المتهمين ، أَن
لا يروي فيها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه ، وأن يتقي
منها ما كان منها عن أَهل التهم والمعاندين من أهل البدع ... )) .
وقال في موضع آخر من مقدمة صحيحه : إِذا كان الراوي لها
[ أي الأحاديث ] ليس بمعدن للصدق والأمانة ، ثم أَقدم على الرواية عنه
من قد عرفه ، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته ، كان آثماً بفعله
ذلك ، غاشاً لعوام المسلمين ، إِذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار
أن يستعملها ، أَو يستعمل بعضها ، ولعلها أَو أَكثرها أَكاذيب لا أَصل
لها ، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأَهل القناعة أَكثر من
أَن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ، ولا مقنع .
ولا أَحسب كثيراً ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث
ءَ
الضعاف والأسانيد المجهولة ، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها ، من
(١) مقدمة صحيح مسلم (٨:١).

- ٢٩١ -
التوهن والضعف - إِلا أَن الذي يحمله على روايتها ، والاعتداد بها
إِرادة التكثر بذلك عند العوام ، ولأَنْ يقال : ما أَكثر ما جمع فلان
من الحديث ، وألف من العدد .
ومن ذهب في العلم هذا المذهب ، وسلك هذا الطريق ، فلا نصيب
له فيه، وكان بأَن يسمى جاهلاً أولى من أَن ينسب إلى العلم (١). اهـ.
فهذا هو الذي حمله والبخاري رحمهما الله تعالى على إفراد الصحيح
من السقيم ، واختارا بعضاً من الصحيح لعدم الرغبة في جمع كل ما صح
إِذ يصعب ذلك على فرد واحد ، والأعمار قصيرة والهمم تكل ، والقراء
يضعفون . والآراءُ تتفاوت ، والأنظار تختلف ...
ويمكنني ذكر العوامل التي حدث بالإمامين البخاري ومسلم رحمهما
الله تعالى على الاقتصار على ما أخرجاه في صحيحيهما ، ولم يستوعبا جميع
ما صح ، والله من وراء القصد .
١ - كونهما لم يلتزما ذلك وإنما قصدهما تأليف مختصر :
وهذا واضح من أقوالهما ، حيث صرح كل منهما أنه لم يستوعب ،
وإنما القصد هو وضع مختصر ولعل بعض المعترضين أتته الشبهة من
تسمية البخاري رحمه الله كتابه (( الجامع)) وهذه شبهة واهية ، لا سيما
إذا نظر ذلك المعترض إلى تتمة الاسم ، وقد عرفت أن اسمه ((الجامع
المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه))
كما سبق ذكره
(١) مقدمة صحيح مسلم (١: ٢٨).

- ٢٩٢ -
ولأَن كتابة الحديث بجميع طرقه في غاية الصعوبة - من فرد
واحد - قال الإسماعيلي رحمه الله عقب قول البخاري ((لم أُخرج في
هذا الكتاب إِلا صحيحاً وما تركت من الصحيح أَكثر)): أَنه لو أُخرج
كل حديث صحيح عنده ، لجمع في الباب الواحد حديث جماعة من
الصحابة ، ولذكر طرق كل واحد منهم ، إذا صحت ، فيصير كتاباً
كبيراً جداً .
وقد قال الجوزقي رحمه الله : أنه استخرج على أحاديث الصحيحين
فكانت عدة الطرق خمسة وعشرين ألف طريق وأربعمائة وثمانين طريقاً .
وقال الحافظ الهروي رحمه الله أنه كتب حديث ((إِنما الأعمال
بالنيات )) من جهة سبعمائة من أصحاب راويه يحيى بن سعيد الأنصارى.
وقد جمعت لحديث ((إِذا سقط الذباب فى إِناء أحدكم ... )) أَكثر
من خمسين طريقاً ، اختار البخاري منها طريقين فقط - وهو الكتاب
الرابع في هذه السلسلة - فلو جمع في كل حديث جميع طرقه التي
يحفظها ، ويذكر حديث كل صحابي صحت الرواية إليه ، لكان في
ذلك جامعاً كتاباً كبيراً جداً ومن الذي يقرأُ ومن الذي يعلم ويتعلم .
فإِذا كان الشيخان - مع ضيق شرطهما - بلغ جملة ما في كتابيهما
بالمكرر ذلك العدد الذي جمعه الحافظ الجوزقي ، فكيف بالطرق التي
يحفظانها للمتون التي أُخرجاها ، وكذا الطرق للمتون التي لم يخرجاها
سواءٌ على شرطهما أو على شرط غيرهما إذا صحت ، وكذا إِذا انضاف
إلى ذلك ما جاءَ وصح عن الصحابة والتابعين، فلو كتبا كل هذا لكان
في غاية المشقة ولنفذ العمر ولم ينتهيا منه ، ولنفذ عمر القارىء ولم ينته
من قراءته . والله أعلم .

- ٢٩٣ -
٢ - كون الحديث ليس على شرطهما :
إن البخاري ومسلماً رحمهما الله تعالى قد وضعا في ذهنيهما ضوابط
وقواعد سارا عليها ، فإِذا كان الحديث ليس على شرط واحد منهما فإِنه
لا یذ کره ، وإِن کان رجال السند هم من رجالهما أو أحدهما ، إذ لابد
من معرفة الضوابط عند أهل الحديث ، إِذ قد يرد الحديث بسند
رواته مخرج لهم في الصحيحين ، والحديث ليس على شرط واحد منهما .
فمن روى بإِسناد ملفق من رجالهما كسماك عن عكرمة عن ابن
عباس مثلاً فهذا ليس على شرط واحد منهما . لأن سماكاً على شرط مسلم
فقط وعكرمة على شرط البخاري فقط .
بل أَدق من هذا أَن يرويا في أُناس ثقات ضُعِّفُوا في أُناس
مخصوصين ، ورويا عنهم من غير حديث الذين ضعفوا فيهم ، فيجيءُ
حديث عنهم من طريق من ضعفوا فيه ، برجال كلهم في الكتابين
أَو أَحدهما ، فنسبته أَنه شرط من خرج له غلط .
كأَن يقال: ((هشيم عن الزهري)) فكل من هشيم والزهري أُخرجا له،
فهو على شرطهما لكن ليس هذا السند ((هشيم عن الزهري)) على شرط
واحد منهما ، لأنهما أخرجا لهشيم من غير حديث الزهري ، فإِنه ضعف
فيه ، لأَنه دخل عليه فأَخذ منه عشرين حديثاً ، فلقيه صاحب له وهو
راجع ، فسأله روايته، وكان ثم ريح شديدة فذهبت بالأوراق ،
فصار هشيم يحدث بما علق منها بذهنه ، ولم يكن أتقن حفظهما فوهم
في أشياء منها ، فضعف في الزهرى بسببها .
وكذا همام في ابن جريج، مع أن كلا منهما أَخرجا له . لكن لم
يخرجا له عن ابن جريج شيئاً ..

- ٢٩٤ -
فعلى من يعزو إلى شرطهما أو شرط واحد منهما أَن يسوق السند
بنسق من نسب إلى شرطه ، ولو في موضع من كتابه .
قال ابن الصلاح رحمه الله : بعد ذكر الجواب على ما انتقد على
مسلم من الرواية عمن ضعف - وفيما ذكرته دليل على أن من حكم لشخص
بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأن من شرط الصحيح عند مسلم.
فقد غفل وأخطأً ، بل يتوقف ذلك على النظر في أنه كيف روى عنه ،
على ما بيناه من انقسام ذلك والله أعلم.))(١) اهـ. إِذ لابد من معرفة
کیف روى عنه وعلى أي وجه اعتمد عليه .
لذا أَقول إِن كثيراً من الأحاديث لم يخرجها الشيخان في صحيحيهما
لأَنّها ليست على شرطهما أَو شرط واحد منهما . والله أعلم.
٣ - كون الحديث الصحيح نازلا :
قد يأتي سندان [ حديثان ] أَحدهما عالياً والثاني نازلاً ، ورجال
الثاني أَوثق وأَعدل وأَضبط من رجال السند الأَول . فعادة أهل الحديث
يروون الحديث بالسند العالي - مع ضعف رجاله المحتمل ، أَو مع خفة
ضبطهم - ويدعون السند الثاني لأنه نازل . ويكتفون بمعرفة أهل العلم
بالحديث بذلك السند وذلك الحديث . وقد صرح مسلم رحمه الله بذلك
عندما لامه أبو زرعة روايته عن أَسياط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد
ابن عيسى . فقال مسلم : إنما قلت صحيح ، وإنما أدخلت من حديث
أسباط بن نصر ، وقطن وأَحمد ، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ،
إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ، ويكون عندي من رواية من هو
(١) شرح صحيح مسلم (١: ٢٦) وانظر: تدريب الراوى (١: ١٢٨ - ١٢٩):

- ٢٩٥ -
أوثق منهم بنزول ، فأَقتصر على أولئك ، وأَصل الحديث معروف من
(١)
2ُ
رواية الثقات
وبمثل ذلك فعل البخاري رحمه الله، وسيأتي مثاله إِن شاءَ الله في
قصة (( مدعم)) فيما بعد .
وقال الحافظ أبو بكر الحازمي رحمه الله: ((ثم قد يكون الحديث
عند البخاري ثابتاً ، وله طرق بعضها أَرفع من بعض ، غير أنه يحيد
أحياناً عن الطريق الأَصح لنزوله، أَو يسأم تكرار الطرق ، إِلى غير
ذلك من الأعذار ... (٢)) والله تعالى أعلم .
٤ - ضعف الرواة عندهما :
ومن جملة العوامل التي جعلت الشيخين يعزفان عن إخراج بعض
الأحاديث ممن هي صحيحة في نظر بعض من أَلزمهما ذلك . أَن رواة
تلك الأحاديث ضعفاء في نظر الشيخين ، بينما هم في نظر الملزمين ثقات .
وهذا مبني على الاختلاف في الاجتهاد وسعة الاطلاع ، واختلاف الحكم
عند الطرفين .
ولعل المتصفح للمستدرك يجد كثيراً من الأحاديث يحكم عليها
الحاكم بالصحة ، أَو أَنها على شرط واحد منهما ، ثم يقول الذهبي :
فيه فلان ضعيف ، أو منكر ... ))(٣).
(١) شروط الأئمة الخمسة (٦٢ - ٦٣) وانظر شرح صحيح مسلم (١: ٢٥ - ٢٦).
(٢) شروط الأئمة الخمسة (٦٠).
(٣) انظر الصفحات التالية فى المستدرك (١: ٥٧، ٣٧١، ٣٧٧، ٣٨٥،
٤١٠ ٠٠٠٠).

-٢٩٦٠ -
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في معرض جوابه على الزيادة في
المستدرك على الصحيحين : فإنه يلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما ،
لضعف رواتها عندهما، أَو لتعليلهما ذلك، والله أعلم (١)
٥ - اطلعا على علة فى بعض الأحاديث التى لم يخرجاها :
ومن العوامل التي جعلت الشيخين لا يخرجان بعض الأحاديث
ما هي صحيحة في نظر بعض من ألزمهما ذلك أن تلك الأحاديث اطلع
الشيخان على علة أَو علل في أَسانيدها ، ولم يكن قد اطلع عليها ممن
ألزمهما ذلك . وتلك العلل تختلف حسب الأحاديث ، فمنها ما فيها
انقطاع مع أن ظاهر الأسانيد الاتصال ، ومنها ما فيها ضعف في رواتها ،
أَو اختلاف في أَسانيدها، أَو استبدال في رواتها ... وكل هذا يعود إلى
تمكن الشيخين وسعة اطلاعهما ومعرفتهما في علل الأحاديث مما يخفى
على كثير ممن جاء بعدهما .
ومن ألقى نظرة في مستدرك الحاكم فيما قال فيه ((على شرطهما))
أو ((على شرط أَحدهما)) وكيف استدرك عليه الحافظ الذهبي مبيناً علل تلك
الأحاديث ، لاتضح له عذر الشيخين في عزوفهما عن رواية كثير من
الأحاديث مع أَن ظاهرها السلامة (٣) . والله أعلم.
٦ - رأيا أن غيره ينوب عنه :
ومن العوامل التي جعلت الشيخين رحمهما الله تعالى لم يخرجا بعض
الأحاديث مع أنها صحيحة عندهما وعند غيرهما ، أَن الشيخين رحمهما الله
(١) مختصر علوم الحديث (٢٦).
(٢) انظر الصفحات التالية فى المستدرك مثلا (١: ٣، ١٧، ٢٣، ٦٠، ١٠٨،
٣٩٩، ٤١٠ : ٠٠).

- ٢٩٧ -
تعالى رأيا أن غير ما لم يخرجاه ينوب عنه ما أخرجاه ، وذلك كأَنْ يكون
الذي تركاه نازلا ، والذي أخرجاه عالياً ، مع صحة الإثنين ، وقد يكون
بعضهما أصح من بعض ، وقد يكون الذي أخرجاه مروي من طريق
أوثق ورجاله أعدل من الذي تر کاه ، وقد یکون الذي رویاه مروي من
طريق أهل بلديهما بخلاف الآخر ، وقد يكون من طريق من جمع بين
الفقه والحديث، بخلاف الآخر ، وقد يكون من طريق عَلَمٍ من الأعلام
وإِمام من الأئمة بخلاف الآخر ، أَو ممن صرح فيه بالتحديث والسماع
بخلاف الآخر ، أَو من طريق من حضر الواقعة وشاهد المسألة بخلاف
الآخر ... إلى غير ذلك من العوامل التي حملت الشيخين في تقديم أحد
الحديثين أو الطريقين على الآخر فأخرجا الأول وتركا الثاني .
ولا يخفى أن عملية الانتقاء تخضع لعوامل متعددة وأنظار بعيدة ،
وليس معنى ذلك في هذه الصورة أَن ما تركاه أو أحدهما هو ضعيف .
٧ - تركاه نسياناً :
إِن البخاري ومسلماً رحمهما الله تعالى بشر يعتريهم ما يعتري البشر
من ملل أَو تعب أَو عوامل نفسية ... وإِن كنا ننظر إليهما وإلى غيرهما
من أئمة السلف نظرة إِكبار واحترام وتقدير ، لكن لا يمنع ذلك من
القول والاعتراف ، وإِذا كان الحديث التي تركاه أو أحدهما رأساً في بابه،
وأَصلافي بابه مع صحته من حيث الظاهر ، ومع هذا لم يخرجاه فمن المحتمل
أن يكونا نسيا أَن يخرجاه طالما هو صحيح وعلى شرطهما ولم تكن له
علة ، وإِن كان بحث العلل في الخفاء بمكان ولا يطلع عليه إلا النقاد

- ٢٩٨ -
الأفذاذ الأفراد ، إِذ كم من حديث هو صحيح عند كثير من أئمة العلم
وهو عند البخاري معلول(١) .
٨ - تركاه إيثاراً لترك الإطالة:
وهذا يعود إلى الأمر الأول ، لكن من صور هذا الاقتصار على سند
واحد أو سندين مثلا، وقد يكون للحديث أربعون سنداً أَو خمسون أَو سبعون
أو أكثر أو أقل ، بينما اقتصر أحدهما على سند أو سندين أَو أَكثر مثلا .
كما قد يكون الحديث مروياً عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم
فاقتصر أحدهما على رواية صحابي أو صحابيين مثلاً وتركا روايات بقية
الصحابة الآخرين إيثاراً لترك التطويل .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى - بعد ذكره الإلزام الدارقطني
والهروي لهما وأنهما صنفا في ذلك: وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة،
فإِنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح ، بل صح عنهما تصريحهما بأَنهما
(١) كما فى حديث ((كفارة المجلس)) حيث قال الحاكم رحمه الله عنه فى ((معرفة علوم
الحديث : ١١٣ - ١١٤))، هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله
علة فاحشة
ثم ذكر بسنده إلى الإمام مسلم وجاء إلى البخارى فقبل بين عينيه ، وقال : دعنى أقبل
رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ، وطبيب الحديث فى علله ، ثم ذكر الحديث، ثم
قال : هذا حديث مليح ولا أعلم بهذا الإسناد فى الدنيا حديثاً غير هذا ، إلا أنه معلول ، ثم
ذکر علته وساق سنده : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهیل عن عون بن
عبد الله. قوله . قال محمد بن إسماعيل : هذا أولى، ولا يذكر لموسى بن عقبة مسنداً عن
سهيل. ها. قلت : لكن وقع فى المعرفة ( ١١٤ ) ولا أعلم فى الدنيا فى هذا الباب غير هذا
الحديث)) ولا يتصور وقوع هذا من الإمام البخارى مع معرفته بما فى الباب من الأحاديث،
وإنما قال البخارى ((ولا أعلم بهذا الإسناد فى الدنيا حديثاً غير هذا)). أفاده الحافظ فى الهدى
(٤٨٨ - ٤٨٩) فتنبه، والله أعلم

- ٢٩٩ -
لم يستوعباه ، وإِنما قصدا جمع جمل من الصحيح ، كما يقصد المصنف
في الفقه جمع جملة من مسائله ، لا أنه يحصر جميع مسائله .
لكنهما إِن كان الحديث الذي تركاه ، أو تركه أحدهما - مع
صحة إِسناده في الظاهر - أصلاً في بابه ، ولم يخرجا له نظيراً ، ولا ما يقوم
مقامه ، فالظاهر من حالهما أَنهما اطلعا فيه على علة إِن كانا روياه (١)،
ويحتمل أنهما تركاه نسياناً ، أَو إيثاراً لترك الإطالة ، أَو رأيا أَن غيره
مما ذكراه يسد مسده ، أَو لغير ذلك . والله أعلم (٣) .
٩ - لاعتبارات أخرى :
ولا شك أن الإِنسان يعتريه حالات متفاوتة تجعله بعضها نشيطاً ،
وأُخرى بخلاف ذلك، وأحياناً لا يمل كثرة الطرق وتكرارها ، وأحياناً
يسأم ذلك ، كما أن هناك اعتبارات مختلفة غير ما ذكرت تجعل أحد
الشيخين أو كليهما يترك رواية حديث وكتابته ، بينما فى وقت آخر
يكون نشيطاً متيقظاً ، فيروي ويكتب . وهكذا قل بالنسبة لما تركه
الشيخان فلم يروياه فى كتابيهما . والله تعالى أعلم.
هذا ما عن لي وخطر أثناء كتابتي لهذا البحث ، ولعلي أكون قد
أتيت على أهم العوامل والأسباب التي حدت بالشيخين على الاقتصار على
ما روياه ولم يتوسعا في جمع جميع الأحاديث الصحيحة سواء ما كان
منها على شرطهما أَو على شرط غيرهما ، وإِن كان ما روياه يعتبر أصلا -
غالباً - لجميع ما تركاه . والله تعالى أعلم .
(١) كذا فى الأصل ومن نقل عنه، ولعل الصواب ((لم يروياه)) أو ((تركاه) والله أعلم.
(٢) شرح مسلم للنووى (١: ٢٤) وانظر: التدريب (١: ٩٩).