Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
فن بإِجماع أهل الاجتهاد فيه فقال : المعتبر بالإجماع في كل فن أَهل
الاجتهاد فى ذلك الفن ، وإِن لم يكونوا من أهل الاجتهاد فى غيره .
مثلاً : العبرة بالإجماع في مسائل الكلام بالمتكلمين ، وفى مسائل
الفقه بالمتمكنين من الاجتهاد في مسائل الفقه . فلا عبرة بالمتكلم فى
الفقه ، ولا بالفقيه في الكلام ... ثم قال : والدليل على هذه المسائل :
أن هؤلاء كالعوام - فيما لا يتمكنون من الاجتهاد فيه ، فلا يكون بقولهم
عبرة ... ))) وانظر كلامه فيه فإِنه نفيس .
وأَما القبول ، فهو أَعم من العمل ، إِذ رضى أهل الحديث بهذين
الكتابين أكثر من الادعاء في وجوب العمل بهما ، إِذ الاتفاق بين
أهل العلم بوجوب العمل بكل ما صح ، سواء في الصحيحين وغيرهما ،
والإِجماع منعقد أن للصحيحين مزية ، فتسليم أهل العلم بالحديث ،
وما في نفوسهم ونفوس الأمة كلها لهذين الكتابين يدل بشكل واضح
على أن المراد أكثر من مجرد العمل . والله أعلم .
على أن القطع بصحة أحاديث الصحيحين ، وإِفادتها العلم إنما يحصل
ذلك للمتبحر الناظر ، ولا يحصل لكل أحد ، ومن لم يحصل له يسلم
لمن حصل له كما يقول ابن تيمية رحمه الله .
ولهذا قال إِمام العصر الشيخ محمد أنور الكشميرى رحمه الله
تحت عنوان :
((القول الفصل في أن خبر الصحيحين يفيد القطع)).
(١) المحصول (٢: ١: ٢٨١- ٢٨٢).
( ١١ - مكانة الصحيحين )

- ١٦٢ -
اختلفوا في أن أحاديث الصحيحين هل تفيد القطع أم لا ، فالجمهور
إلى أنها لا تفيد القطع، وذهب الحافظ رضي الله عنه إلى أنها تفيد القطع،
وإليه جنح شمس الأئمة السرخسي رضي الله عنه من الحنفية ، والحافظ
ابن تيمية من الحنابلة ، والشيح عمرو بن الصلاح رضي الله عنه .
وهؤلاءٍ وإِن كانوا أقل عدداً، إِلا أَن رأيهم هو الرأي ، وقد سبق
في المثل السائر :
تعيرنا أَنا قليل عديدنا فقلت لها إِن الكرام قليل
ثم صرح الحافظ رضي الله عنه أَن إِفادتها القطع ، نظري ، کإعجاز
القرآن ، فإِنه معجز قطعاً إِلا أَنه نظري ، لا يتبين إلا لمن كان له يد في
علوم العربية عن آخرها . ولذا قيل : لم يدر إعجاز القرآن إِلا العرجان .
فإن قيل: إِن فيهما أخباراً آحاداً ، وقد تقرر فى الأُصول أنها لا تفيد
غير الظن .
قلت : لا ضير ، فإِن هذا باعتبار الأصل ، وذاك بعد احتفاف
القرائن ، واعتضاد الطرق ، فلا يحصل القطع إِلا لأصحاب الفن
الذين يسَّر لهم الله سبحانه التمييز بين الفضة والقضة، ورزقهم علماً
من أَحوال الرواة والجرح والتعديل ، فإنهم إِذا مروا على حديث ،
وتتبعوا طرقه ، وفتشوا رجاله ، وعلموا حال إِسناده ، حصل لهم القطع ،
وإِن لم يحصل لمن لم يكن له بصر ولا بصيرة ... )) (١) إلى آخر قوله فانظره
فإِنه نفيس .
(١) مقدمة فيض البارى (١ : ٤٥).

- ١٦٣ -
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله : اختلفوا في الواحد العدل ،
إِذا أَخبر بخبر ، هل يفيد خبره العلم ؟ ... والمختار حصول العلم بخبره
(١)
إذا احتفت به القرائن ، ويمتنع ذلك عادة دون القرائن ... )).
قلت : وخبر الواحد العدل يفيد العلم إذا احتفت به القرائن هو
مذهب عامة أئمة الأُصول ، وهو المذهب المعتمد عند الحنابلة أيضاً .
قال أبو الخطاب : والذي عليه الأصوليون من أصحاب أبي حنيفة
والشافعي وأحمد ، أَن خبر الواحد إِذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له ،
وعملاً به ، يوجب العلم ، إِلا فرقة قليلة اتبعوا طائفة من أهل الكلام ،
أَنكروا ذلك .
والأَّول ذكره أبو إسحق ، وأَبو الطيب ، وذكره عبد الوهاب
وأَمثاله من المالكية ، والسرخسي وأمثاله من الحنفية ، وهو الذي عليه
أكثر الفقهاء ، وأهل الحديث، والسلف، وأكثر الأشعرية وغيرهم".
وقال القاضي أبو يعلى : هذا المذهب(٢).
قلت : وهو مذهب كثير من الأصوليين أيضاً ، ذكروه فى كتبهم
ورجحوه
.(٣)
قال الرازي في المحصول : والمختار أن القرينة قد تفيد العلم ،
إِلا أَن القرائن لا تفي العبارات بوصفها ، فقد تحصل أمور يعلم
(١) الكفاية (٣٢).
(٢) شرح الكوكب المنير (٢: ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٣) المحصول ، والمستصفى ، ونهاية السول، والأحكام ، وتوضيح الأفكار ، وإرشاد
الفحول ، وشرح الكوكب المنير ، وفواتح الرحموت ..

- ١٦٤ : -
بالضرورة عند العلم بها كون الشخص خجلا أو وجلاً مع أَنا لو حاولنا
التعبير عن جميع تلك الأمور لعجزنا عنه .
والإِنسان إِذا أُخبر عن كونه عطشاناً ، فقد يظهر على وجهه ولسانه
من أمارات العطش ما يفيد العلم بكونه صادقاً .
والمريض إِذا أَخبر عن ألم في بعض أعضائه ، مع أنه يصبح ،
وترى عليه علامات ذلك الألم ثم إن الطبيب يعالجه بعلاج لو لم يكن
المريض صادقاً في قوله لكان ذلك العلاج قاتلاً له ، فههنا يحصل
العلم بصدقه .
وبالجملة فكل من استقرأَ العرف ، عرف أَن مستند اليقين في
الأخبار ليس إلا القرائن ، فثبت أن الذي قاله النظام حق (١) اهـ.
ومن الملاحظ أن بعضهم أُطلق العلم ولم يقيده ، وبعضهم قال : العلم
الضروري ، وبعضهم قال : العلم الظاهري ، وبعضهم بالعلم النظرى
والمقصود بالعلم النظري ما كان استدلالا ، بعد البحث عن صحة الخبر
والقرائن المحيطة به . فمن نفى عدم إِفادة خبر الواحد للعلم أراد العلم
الضروري ، وهو ما يفيده بنفسه ، وأما من أثبته من الأصوليين والمحدثين،
فإِنما أراد العلم النظري عن استدلال . ولهذا كان الحافظ ابن حجر رحمه
الله تعالى يرى أن الخلاف لفظي ، حيث قال : وقد يقع فيها أي في أخبار
الآحاد المنقسمة إلى مشهور وعزيز وغريب ، ما يفيد العلم النظري
بالقرائن على المختار ، خلافاً لمن أبى ذلك .
(١) المحصول (٢: ١: ٤٠٢ - ٤٠٣) ونقله الجزائرى فى توجيه النظر (١٢٨).

- ١٦٥ -
والخلاف في التحقيق لفظي ، لأن من جوز إِطلاق العلم ، قيده بكونه
نظرياً ، وهو الحاصل عن الاستدلال ، ومن أبى الإطلاق ، خص لفظ
العلم بالمتواتر ، وما عداه عنده كله ظني ، لكنه لا ينفي أن ما احتف
بالقرائن أرجح مما خلا عنها (١) ١ هـ.
فلعله يكون قد اتضح الحق من أن حديث الواحد العدل عن مثله
إِذا انضمت إليه القرائن فإنه يفيد العلم النظري البرهاني . وأَن من أخبار
الآحاد حديث الصحيحين ، إذا لم يتواتر ، فإنه يفيد ذلك . وهذا
لا يحصل إِلَّ للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة، والعلل.
وهذا العلم اليقيني النظري يبدو ظاهراً لكل من تبحر في علم من
العلوم ، وتيقنت نفسه بنظرياته ، واطمأن قلبه بها ، وسبر أغوار ذلك
العلم ، وعرف خفاياه فصارت عنده ملكة ، وشفافية يستطيع بها معرفة
الصحيح من سقيمه ، فيطمئن لذلك ويركن ، ويجزم أو يرفض .
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كيفَ تُحْبِي الْمَوْنِى، قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ؟
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِ﴾(٢) فهذا واضح وصريح . ويفهم منه
ما تفيده القرائن ، ولكن الهدى هدى الله . والله تعالى أعلم .
(١) شرح النخبة (٩).
(٢) سورة البقرة : (٢٦٠ )

الفَضْل التاسع
المِسِتِ جَا عَلِيُهما
لقد اهتم علماء الحديث - من معاصري الشيخين رحمهما الله تعالى
وما بعدهم - بالصحيحين ، واعتنوا بهما عناية فائقة ، لا يفوقها أَو يعدلها.
إِلا عناية علماء المسلمين بالقرآن الكريم ، وقد اتضح فعلهم رحمهم الله
تعالى بشكل واضح ودقيق بما يسمى بـ ((المستخرجات)) .
والمستخرج: هو أن يأتي المصنّف إلى كتاب - من كتب الحديث
فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه ، من غير طريق صاحب الكتاب ،
فيجتمع معه في شيخه ، أَو في من فوقه - ولو في الصحابي - مع رعاية
ترتيبه ، ومتونه ، وطرق أسانيده .
فإِذا اجتمع مع شيخ مصنف الكتاب سمي هذا النوع موافقة ، لأنه
وافق المستخرج عليه في شيخه .
وإِذا اجتمع مع شيخ شيخه فما فوق سمي هذا النوع موافقة عالية ،
بدرجة أو أكثر على حسب العلو .
وشرطه - كما قال الحافظ رحمه الله - : أَلا يصل إلى شيخ أبعد
مع وجود سند يوصله إلى الأقرب ، إِلا لغرض : من علو ، أَو زيادة
حكم ، أو نحوه . وإلا فلا يسمى مستخرجاً .
والمستخرِجون لم يلتزموا في متن الحديث لفظ واحد من الصحيحين .

- ١٦٨ -
بل يروون بالألفاظ التي تقع لهم من شيوخهم . فيروون أصل الحديث .
دون لفظه أحياناً . وأحياناً يقع لهم أصل الحديث مع لفظه . وإِذا رووا
أَصل الحديث دون اللفظ . لابد أن يتفق معه في المعنى .
ولهذا لا يصح عزو ألفاظ متون المستخرجات للصحيحين ولا إلى
أحدهما ، إلا أن يعرف اتفاقهما في اللفظ . بأن يصرح المستخرج
بذلك ، أَو أَن يعرف القارئْ ذلك ، وذلك بمقابلة ما في المستخرج
بالأَصل المستخرج عليه ، فله ذلك .
ويشترط في المستخرج أيضاً أَلا يروي حديث البخاري ومسلم
- مثلا - عنهما ، بل يروي حديثهما عن غيرهما . سواءٌ عن شيوخهما
أَو شيوخ شيوخهما ، أَو أَرفع من ذلك(١) .
كما يشترط في المستخرج أيضاً أن يروي - تلك الأحاديث المستخرج
عليها - بالأسانيد الصحيحة ، وخاصة بالنسبة للصحيحين . باعتبار
جزم مصنفيهما بذلك .
لكن الحافظ ابن حجر رحمه الله طالب بسبر أحوال من بين المستخرج
وبين الرجل الذي التقى به في سند الشيخين . فقال : وأما من بين المستخرج
وبين الرجل [ أي الذي التقى فيه إِسناد المستخرج وإِسناد مصنف الأصل ]
فيحتاج إلى نقد ، لأن المستخرِج لم يلتزم الصحة في ذلك . وإِنما جل
قصده العلو ، فإِن حصل ، وقع على غرضه ، فإِن كان مع ذلك صحيحاً ،
أو فيه زيادة حسنٍ حصلت اتفاقاً، وإلاَّ فليس ذلك همته(٢)
(١) انظر علوم الحديث (١٩).
(٢) تدريب الراوى (١ : ١١٥).

- ١٦٩ -
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته :
عوانة ونحوه واجتنب
واستخرجوا على الصحيح كأَبي
إِذ خالفت لفظاً ومعنى ربما
عزوك ألفاظ المتون لهما
فهو مع العلو من فائدته
وما تزيد فاحكمن بصحته
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم : فصل ، في
بيان جملة من الكتب المخرجة على صحيح مسلم :
فقد صنف جماعات من الحفاظ على صحيح مسلم ، كتباً ، وكان
هؤلاء تأخروا عن مسلم ، وأدركوا الأَسانيد العالية ، وفيهم من أَدرك
بعض شيوخ مسلم ، فخرجوا أحاديث مسلم في مصنفاتهم المذكورة ،
بأسانيدهم تلك .
قال الشيخ أَبو عمرو [ ابن الصلاح ] رحمه الله : فهذه الكتب
المخرّجة ، تلتحق بصحيح مسلم ، في أَن لها سمة الصحيح ، وإِن لم
تلتحق به في خصائصه كلها (١) ١ هـ .
فوائد المستخرجات :
إِن للمستخرجات فوائد جليلة وعظيمة ، ومهمة ، وذلك لما عرف
من أساليب المستخرجين من علو الإسناد ، وزيادة ألفاظ صحيحة باعتبارها
ملحقة بالصحيحين ، وبيان المهمل والمبهم والتصريح بالنسبة للمرسل ...
ثم قوة الحديث نتيجة كثرة الطرق .
قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله - فيما نقله الإمام النووي رحمه
الله - في شرح مسلم :
(١) شرح صحيح مسلم (١: ٢٦).

-- ١٧٠ -
ويستفاد من مخرجاتهم ثلاث فوائد :
١ - علو الإسناد .
٢ - وزيادة قوة الحديث بكثرة طرقه .
٣ - وزيادة ألفاظ صحيحة مفيدة ... ..
وقال رحمه الله في ((علوم الحديث)): ثم إِن التخاريج المذكورة
على الكتابين يستفاد منها فائدتان :
إحداهما : علو الإِسناد.
والثانية : الزيادة في قدر الصحيح ، لما يقع فيها من ألفاظ زائدة ،
وتتمات في بعض الأحاديث ، تثبت صحتها بهذه التخاريج ، لأنها
واردة بالأسانيد الثابتة في الصحيحين . أو أحدهما ، وخارجة من ذلك
[المخرج الثابت. والله أعلمُ"
قلت : ذكر الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى في علوم الحديث
فائدتين فقط ، بينما ذكر في شرح مسلم - كما نقله عنه الإمام النووي .-
ثلاث فوائد. علماً بأنه ليس للمستخرجات هذه الفوائد فحسب ، بل لها
فوائد أُخرى كما سأذكر بعدقليل. إِن شاءَ الله تعالى .
وقد فسر الحافظ السيوطي رحمه الله على الإسناد ، وضرب المثال
عليه فقال في ((التدريب)): لأن مصنف المستخرج لو روى حديثاً مثلاً
من طريق البخاري ، لوقع أنزل من الطريق الذي رواه به في المستخرج .
(١) شرح صحيح مسلم (١ : ٢٦).
(٢) علوم الحديث (١٩ - ٢٠).

- ١٧١ -
مثاله : أَن أَبا نعيم لو روى حديثاً عن عبد الرزاق من طريق البخاري
أو مسلم ، لم يصل إليه إِلا بأربعة [ اثنان بينه وبين البخاري أو مسلم ،
والبخاري أَو مسلم وشيخ أحدهما الراوي عن عبد الرزاق ] وإِذا رواه عن
الطبراني عن الدَّبَري - بفتح الموحدة - عنه ، وصل باثنين .
وكذا لو روى حديثاً في مسند الطيالسي ، من طريق مسلم ، كان
بينه وبينه أربعة : شيخان بينه وبين مسلم ، ومسلم وشيخه ، وإِذا رواه
عن ابن فارس عن يونس بن حبيب عنه، وصل باثنين )) (١) اهـ .
وأَما قوة الأحاديث بكثرة الطرق وذلك بأن يضم المستخرج شخصاً
آخر فأكثر مع الذي حدّث مصنف الصحيح عنه ، وربما ساق له طرقاً
أُخرى إلى الصحابي بعد فراغه من استخراجه ، كما يصنع أبو عوانة
رحمه الله ، فإنه بعد أن يسوق سند الحديث المستخرج يسوق أسانيد
أُخرى غير سند مسلم ، ولا شك أن هذا يعطي الحديث قوة بكثرة تلك
الطرق ، إِذ بدلاً أن يكون للحديث سند واحد يكون له عدة طرق .
قال الجوزقي: (( إِنه استخرج على أحاديث الصحيحين ، فكانت
عدته (( خمسة وعشرين ألف طريق، وأربعمائة وثمانين طريقاً))(٢).
وأَما الفوائد الأخرى - غير ما ذكر :
فقد قال الإِمام السخاوي رحمه الله أنه أَوصلها في ((النكت)) إِلى
(٣)
عشرين فائدة
(١) تدريب الراوى (١: ١١٤- ١١٥).
(٢) فتح المغيث للسخاوى (١: ٢٨) وكان فى الأصل ((خمسة وعشرون)) والظاهر
ما كتبته . والله أعلم.
(٣) فتح المغيث (١ : ٣٦).

- ١٧٢١ -
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى - كما نقله عنه السيوطي
والصنعاني - وللمستخرجات فوائد أُخرى لم يتعرض أحد منهم لذكرها .
إحداها : عدالة من أَخرج له فيه ، لأَن المخرج على شرط الصحيح ،
يلزمه أن لا يخرج إلا عن ثقة عنده ، فالرجال الذين في المستخرج
ينقسمون أقساماً : فمنهم من ثبتت عدالته قبل هذا المخرج ، فلا كلام
فيهم .
ومنهم : من طعن فيه غير هذا المخرج فينظر في ذلك الطعن : إِن
كان مقبولاً قَادحاً فيقدم ، وإلا فلا .
ومنهم : من لا يعرف لأحد قبل هذا المخرج فيه توثيق ولا تجريح ،
فتخريج من يشترط الصحة لهم ، ينقلهم عن درجة من هو مستور ،
إلى درجة من هو موثق ، فيستفاد من ذلك صحة أحاديثهم التي يروونها
بهذا الإِسناد ولو لم تكن في ذلك المستخرج .
الثانية : ما يقع فيها من حديث المدلسين ، بتصريح السماع ، وهو في
الصحيح بالعنعنة . فقد قدمنا أَنا نعلم في الجملة أن الشيخين اطلعا على أنه
مما سمعه المدلس عن شيخه ، لكن ليس اليقين كالاحتمال . فوجود ذلك
في المستخرج بالتصريح ينفي أحد الاحتمالين .
الثالثة : ما يقع فيها من حديث المختلطين ، عمن سمع منهم قبل
الاختلاط ، وهو في الصحيح من حديث من اختلط (١. ولم يبين هل
سماع ذلك الحديث منه في هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده .
(١) المختلط : هو من ساء حفظه ، لعاو فى سنه ، أو مرض ، أو آفة ، بعد أن كان
حافظاً .

- ١٧٣ -
الرابعة : ما يقع فيها من التصريح بالأسماءِ المبهمة ، والمهملة (١)
في الصحيح في الإسناد أو في المتن .
الخامسة : ما يقع فيها من التمييز للمتن المحال به ، على المتن المحال
عليه ، وذلك في كتاب مسلم كثير جداً ، فإِنه يخرج الحديث على لفظ
بعض الرواة ، ويحيل باقي ألفاظ الرواة على ذلك اللفظ الذي يورده ،
فتارة يقول ((مثله)) فيحمل على أنه نظيره، وتارة يقول ((نحوه ))
أَو ((معناه )) فيحمل على أَن فيهما مخالفة بالزيادة والنقص ، وفي ذلك
من الفوائد ما لا يخفى .
السادسة : ما يقع فيها من الفصل للكلام المدرج في الحديث ،
مما ليس من الحديث ، ويكون في الصحيح غير مفصل .
السابعة : ما يقع فيها من الأحاديث المصرح برفعها ، وتكون في
أصل الصحيح موقوفة ، أَو كصورة الموقوفة .
إِلى أَن قال : فكملت فوائد المستخرجات بهذه الفوائد التي ذكرناها
= (٢)
عشراً (٢). اهـ
وقال الحافظ أيضاً : وكل علة أُعل بها حديث في أَحد الصحيحين ،
جاءت رواية المستخرج سالمة منها ، فهن من فوائده، وذلك كثير جداً(٢).اهـ
(١) المقصود: ((المبهم)) كقوله ((حدثنا فلان)) أو رجل، أو فلان وغيره ، أو غير
واحد)) فيعينه المستخرج، والمقصود بـ ((المهمل)) كقوله ((حدثنا محمد)) من غير ذكر
ما يميزه عن غيره من المحمدين ، ويكون فى مشايخ من رواه - كذلك من يشاركه فى الاسم
فيميزه المستخرج .
(٢) توضيح الأفكار (١: ٧٢ - ٧٣) وتدريب الراوى (١: ١١٥ - ١١٦).
(٣) تدريب الراوى (١ : ١١٦).

- ١٧٤ -
وقد نظم الحافظ السيوطي رحمه الله ذلك فقال :
يروي أُحادیث کتاب حيث عن
واستخرجوا على الصحيحين بأن
مجتمعاً في شيخه فصاعدا
لا من طريق من إِليه عمدا
لفظٍ كثيراً، فاجتنب أَن تضفٍ
فربما تفاوتت معنى وفي
بذلك الأَصل فما أَجادا
إليهما ، ومن عزا أَو زادا
فهو مع العلو ذا يفيد
وآحكم بصحة لما يزيد
أُبهم أو أُهمل أَو سماع ذي
وكثرة الطرق وتبيين الذي
أَعل في الصحيح منه سلما . اهـ
تدليسٍ أَو مختلطٍ ، وكل ما
أهم المستخرجات :
لقد أَلف عدد من الحفاظ المتقدمين - من معاصرين للشيخين أَو ممن
جاء بعدهما - مستخرجات على الصحيحين ، لكن : منهم من اقتصر
في فعله على البخاري فقط ، ومنهم من اقتصر على صحيح مسلم فقط ،
ومنهم من ألف على كل منهما مستخرجاً ، منفصلا ، ومنهم من ألف
عليهما معاً فى مؤلف واحد .
ومن هذه المستخرجات :
( أولاً ) على صحيح البخاري :
١ - المستخرج للحافظ أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل
((الإسماعيلي الجرجاني)) إِمام أَهل جرجان الشافعي .
٢ - مستخرج الحافظ أبي أحمد محمد بن أبي حامد أحمد بن
الحسين بن القاسم بن السري بن الغطريف ((الغطريفي)).

- ١٧٥ =٠
٣ - مستخرج الحافظ أبي عبد الله محمد بن العباس بن أحمد
ابن محمد بن عصيم بن بلال بن عصم - بضم فسكون - المعروف
(( بابن أبي ذهل )).
٤ - مستخرج الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى (( ابن مردويه ))
الأصبهاني . وهو ابن مردويه الكبير - صاحب التاريخ والتفسير المسند .
وهذه الأربعة على صحيح البخاري فقط .
( ثانياً) على صحيح مسلم فقط :
١ - مستخرج الحافظ (( أَبي عوانة)): يعقوب بن إسحق بن إبراهيم
ابن يزيد الإسفراييني - الشافعي وكتابه (( مختصر المسند الصحيح)).
٢ - مستخرج الحافظ أبي جعفر : أَحمد بن أحمد بن حمدان
ابن علي بن عبد الله بن سنان - (( الحيري)).
٣ - مستخرج الحافظ أبي بكر : محمد بن محمد بن رجاء
النيسابوري الإِسفراييني يشارك مسلماً في أَكثر شيوخه . وكتابه :
((المسند الصحيح)).
٤ - مستخرج الحافظ أبي بكر : محمد بن عبد الله بن محمد
ابن زكريا الشيباني النيسابوري ((الجوزقي)) وكتابه ((المسند الصحيح)).
٥ - مستخرج الحافظ أبي حامد : أَحمد بن محمد بن شارك
الهروي (( الشاركي)) الشافعي ، الفقيه .
٦ - مستخرج الحافظ أبي الوليد : حسان بن محمد بن أحمد
ابن هارون، القرشي الأموي ((القزويني)) النيسابوري ، الشافعي .

- ١٧٦ -
٧ - مستخرج الحافظ أبي عمران : موسى بن العباس بن محمد
((الجويني)) أَحد الرحالين .
٨ - مستخرج الحافظ أبي النصر : محمد بن محمد بن يوسف
((الطوسي)) الشافعي .
٩ - مستخرج الحافظ أبي سعيد : أَحمد بن أبي بكر محمد ،
ابن الحافظ الكبير أبي عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري النيسابوري ،
المستشهد بطرسوس .
١٠ - مستخرج الحافظ أبي الفضل : أَحمد بن سلمة النيسابوري ،
البزار رفيق مسلم في الرحلة إلى البصرة وبلخ ...
١١ - مستخرج الحافظ أبي محمد : أَحمد بن محمد بن إبراهيم،
الطوسي ، البلاذري الواعظ .
١٢ - مستخرج الحافظ أبي محمد : قاسم بن أصبغ البياني، القرطبي.
وهذه الإثنا عشر كلها على مسلم فقط .
( ثالثاً ) على الصحيحين ، في كتابين منفصلين .
١ - مستخرجا الحافظ الكبير ((أبي نعيم)): أحمد بن عبد الله
ابن أحمد بن إسحق بن موسى بن مهران ، الأصفهاني ، الصوفي الشافعي .
صاحب التصانيف .
٢ - مستخرجا الحافظ أبي عبد الله : محمد بن يعقوب بن يوسف
الشيباني، النيسابوري، المعروف (( بابن الأُخرم )).
٣ - مستخرجا الحافظ أبي ذر : عبد - بغير إِضافة - بن أحمد

- ١٧٧ -
ابن محمد بن عبد الله بن عُفَيْر - بالتصغير - الأنصاري ، الهروي .
صاحب التصانيف .
٤ - مستخرجا الحافظ أبي محمد : الحسن بن أبي طالب محمد
ابن الحسن بن علي البغدادي المعروف ((بالخلاَّل)) - بتشديد اللام .
٥ - مستخرجا الحافظ أبي علي : الحسن بن محمد بن أحمد
ابن محمد بن الحسن بن عيسى بن ما سرجس ((الماسرجسي)).
٦ - مستخرجا الحافظ أبي مسعود : سليمان بن إبراهيم بن محمد
ابن سليمان، الأصبهاني ((الملنجي (١))) .
٧ - مستخرجا الحافظ أبي بكر : أحمد بن علي بن محمد بن إبراهيم
ابن (( منجويه)) الأصبهاني ، البردي ، نزيل نيسابور .
٨ - مستخرجا الحافظ أبي بكر : أحمد بن عبد الله بن محمد
ابن الفرج الشيرازي محدث الأهواز .
٩ - مستخرجا الحافظ الكبير أبي بكر : أَحمد بن محمد بن أحمد
ابن غالب الخوارزمي، ((البرقاني)) الشافعي.
وهذه التسعة على كل منهما في كتاب مستقل .
(١) بنون وجيم، بكسر أوله - وهو الميم - وفتح ثانيه ـ وهو اللام - كذا ضبطه
الحافظ فى تبصير المنتبه ( ٤ : ١٣٩٢) وضبطه فى الإكمال ، بكسر الميم وفتح اللام ،
وسكون النون، وبالجيم ، وهو كذلك فى تذكرة الحفاظ (١١٩٧). قلت: وهو خلاف
ما فى الرسالة المستطرفة، حيث قال فيها (المليحى)) بالمثناة التحتية والحاء المهملة، والله أعلم.
(١٢ - مكانة الصحيحين)

-: ١٧٨ -
د. (رابعاً) على الصحيحين معاً في كتاب واحد . ...
١ - وهو مستخرج الحافظ أبي بكر : أَحمد بن عبدال بن محمد
بن الفرج الشيرازي . في كتاب واحد (١) والله أعلم .
وأما ما ألف عليها من الشروح والتعليقات والحواشي والمستدركات
والمختصرات فهو كثير والحمد لله ، يعرفه أَهل العلم .
٠٠٠
٠٠٠٠
T
باججيو
عملية واقعماك
غناء يالهمن:
٠٫٠٠
٨٫٠٠
(١) انظر الرسالة المشتطرفة (٢٤ - ٢٧) وتدريب الراوى (١١٢:١) وشرح
صحيح مسلم (١٠: ٢٦ -٢٧) وتذكرة الحفاظ فى تراجمهم ...
(ينة ٠٠ , )

الفصل العاشر من
الصَئِكَان ےسْوعناچیغ السطح
وَأَنَا أَعْبَفيحُ الصِّحِيح
٠
لقد ادعى بعض الجهال - ممن لا علم لهم بالحديث الشريف، وعلومه -
أن جمهور العلماء يشيرون إلى الاكتفاء بالصحيحين، وأن الصخيحين
إستوعبا الحديث الصحيح .. الا ٧٠ جم
ـبه. وهذا الادعاء -عد! عن كونه، جهلاً من قائله - وأنه. لا دراية له
بما صح عن علماء الحديث ، فضلا عما صح من الحديث ، فإنه أيضاً .-
يتناقض مع ما قاله الشيخان أنفسهما ، وما قاله علماءُ الحديث ، من
أن الصحيحين لم يستوعبا جميع ما صح من الحديث ، بل لم يستوعبا
المشروط فيهما ، ويتناقض أيضاً مع ما صح من الحديث الشريف.
زم ..
قال الإِمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى : الفائدة الرابعة ،أى لم
يستوعبا الصحيح في صحيحيهما ، ولا التزما ذلك .
فقد روينا عن البخاري أنه قال: ما أَدخلتِ في كتابي ((الجامع))
"إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول .
وروينا عن مسلم أنه قال : ليس كل شيء عندي صحيح وضعته
ههنا - يعني في كتابة الصحيح - إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه).
قلت [ ابن الصلاح ] : أَراد - والله أعلم - أنه لم يضع في كتابه
إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه، وإن

- ١٨٠ -
لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم ))
(١)
وقال الحاكم أبو عبد الله رحمه الله تعالى في ((المستدرك)): ثم قيض
الله لكل عصر جماعة من علماء الدين ، وأئمة المسلمين ، يزكون رواة
الأخبار ، ونقلة الآثار ، ليذبوا به الكذب عن وحي الملك الجبار ،
فمن هؤلاء الأئمة :
أَبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي .
وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ، رضي الله عنهما .
صَنَّفَافي صحيح الأخبار كتابين ، مهذبين ، انتشر ذكرهما في
الأقطار ، ولم يحكما ولا واحد منهما : أنه لم يصح من الحديث غير
ما أخرجه .
وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة ، يشمتون برواة الأخبار،
بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث .
وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزءٍ أَو أَقل أَو أَكثر منه
كلها سقيمة غير صحيحة .
وقد سألني جماعة من أعيان أَهل العلم بهذه المدينة وغيرها ، أن أجمع
كتاباً يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل
ومسلم بن الحجاج بمثلها ... ))(٣).
فهو يذكر رحمه الله أن الدافع الذي حمله على تأليف هذا الكتاب
(١) علوم الحديث (١٥ - ١٦)
(٢) المستدرك (١: ٢ -٣).