Indexed OCR Text
Pages 101-120
- ١٠١ - مع أنه أَصح الصحيح بإجماع ، إلا أن يقال : يلتحق أَي بالمراتب المتقدمة أي تقاس عليها ، فتكون أصح الصحيح ، فیلتحق به من حيث جريان المراتب الثلاثة ، أَصحهما ما اتفق عليه الشيخان ، ثم ما انفرد به البخاري ، ثم ما انفرد به مسلم ، وهذا يدل له قول الشارح بالنسبة إِلى (١) انفرد به ... )) قلت : وهذا هو الواضح من قول الحافظ رحمه الله تعالى . لأَّنه عندما تكلم على تعريف الحديث الصحيح ذكر تفاوت أصح الأسانيد ، ثم قال : والمعتمد عدم الإِطلاق لترجمة معينة منها . فكيف يثني بمرتبة المتفق عليه على مرتبة أصح الأسانيد . وقد نفاها هو ! ؟ وشيءٌ آخر يدل به على أَن مراد الحافظ رحمه الله هو كونه جعل في آخر كلامه المتفق عليه ثم انفراد البخاري ثم مسلم ثم ما كان على شرطهما. ثم جزمه بتلقي الأمة للكتابين بالقبول والإِجماع على أَصحيتهما قال هو قبل ذلك (( أَنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح ، ولو لم يخرجه الشيخان ، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية ، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة ... ثم قال : ويحتمل أن يقال : المزية المذكورة كون أَحاديثهما أَصح الصحيح )) وسنذكر هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى . فمن هذا يتضح أن مراد الحافظ ابن حجر رحمه الله أَن ما اتفقا عليه أرجح مما انفرد به أَحدهما ، وأَن ما انفرد به البخاري وحده أرجح (١) حاشية لقط الدرر (٤٣). - ١٠٢ - مما انفرد به مسلم وحده ، وهذا التفاوت يتفق مع التفاوت في أَصح الأَسانيد - لا أنه أقل مرتبة مما قيل فيه أَصح الأسانيد ، وإلا لكان ما اتفق عليه البخاري ومسلم دون ((سند محمد بن إسحق عن عاصم بن عمر عن جابر))، و((سند عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده)) وهي كما قال عنها الحافظ نفسه: روايات مرجوحة إِذا انفردبه فقال : عن الطبقة السابعة - وهي مقدمة على رواية من يعد ما ينفرد به حسناً كمحمد بن إِسحق ... )) ولم يقل بهذا أحد ، ولم يرده الحافظ رحمه الله ، بل ليس من هذه الطرق عند الشيخين منها شيءٌ حتى تعلو عليهما . والله أعلم وقال ملا علي القاري رحمه الله في شرحه لشرح النخبة : ظهر لنا من هذا - أي الذي ذكر من قوله ((يتفاوت)) إلى هنا ستة أقسام : أَحدها ما أخرجه البخاري ومسلم ، وهو الذي يعبر عنه بالمتفق عليه ، وثانيها : ما انفرد به البخاري ، وثالثها : ما انفرد به مسلم ، ورابعها : ما هو على شرطهما ولم يخرجه واحد منهما ، وخامسها : ما هو على شرط البخاري وحده ، وسادسها : ما هو على شرط مسلم وحده ،ثلاثة منها أُصول ، وثلاثة منها فروع ، تتفاوت درجاتهم في الصحة على ترتيب سبق وتهذيب تحقق . وثمة هناك - قسم سابع وهو حديث صحيح كما في السنن الأربعة وصححه أحدهم أو غيرهم من المصححين ، ليس على شرطهما اجتماعاً وانفراداً ... ))(١). وقال محمد بن إبراهيم الوزير في تنقيح الأنظار: ((اعلم أن مراتب (١) شرح ملا على القارى لشرح النخبة (٦٩). % - ١٠٣ - الصحيح متفاوتة بحسب تمكن الحديث من شروط الصحة ، وعدم تمكنه، وقد ذكر أهل علوم الحديث أن الصحيح ينقسم إلى سبعة أقسام : الأَول : أَعلاها وهو ما اتفق على إِخراجه البخاري ومسلم ، وهو الذي يعبر عنه أَهل الحديث بقولهم : متفق عليه ، والثاني : ما أخرجه البخاري ، والثالث : ما أخرجه مسلم ، والرابع : ما هو على شرطهما ، والخامس : ما هو على شرط البخاري ، والسادس : ما هو على شرط مسلم ، والسابع : ما هو صحيح عند غيرهما من الأئمة المعتمدين ، وليس على شرط واحد منهما . . قلت : والوجه في هذا عند أهل الحديث : هو تلقي الأمة للصحيحين بالقبول . ولا شك أنه وجه ترجيح (١))) اهـ . وقال الطيبي رحمه الله تعالى: (( وأَعلى أقسام الصحيح : ما اتفقا عليه ، ثم ما انفرد به البخاري ، ثم مسلم ... )) (١) . وقد لخص الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى اتفاق أَهل الحديث على هذه الأقسام ، وأن أَصحها إِنما هو المتفق عليه ، ثم ما انفرد به البخارى، ثم مسلم ... فقال: تحت عنوان ((الفائدة الخامسة)) في درجة أحاديث الصحيحين ، في الصحة : قد عرفت فيما سبق أن الحديث الصحيح له درجات ، تتفاوت في القوة ، بحسب تمكن الحديث من الصفات التي تبنى الصحة عليها ، (١) تنقيح الأنظار - بشرح توضيح الأفكار (١: ٨٦ - ٩٤). (٢) الخلاصة فى أصول الحديث (١٢٣). - ١٠٤ - · وتنبيُ عنها ، وأَن أَصح كتب الحديث كتاب البخاري ، وكتاب مسلم. وقد قسموا الحديث الصحيح باعتبار تفاوت الدرجات إِلى سبعة أقسام : القسم الأول : - وهو أَعلاها - ما أخرجه البخاري ومسلم . الثاني : ما انفرد به البخاري عن مسلم . الثالث : ما انفرد به مسلم عن البخاري . الرابع : ما هو على شرطهما ، ولكن لم يخرجه واحد منهما . )) الخامس : ما هو على شرط البخاري ، ولكن لم يخرجه . )) (( السادس: ما هو على شرط مسلم ، ولكن لم يخرجه . (( السابع : ما ليس على شرطهما ، ولا على شرط واحد منهما ، ولكنه صح عند أئمة الحديث . وكل قسم من هذه الأقسام أعلى مما بعده ، غير أنه قد يعرض لبعض الأحاديث من زيادة التمكن من شروط الصحة ، ما يجعله أرجح من حديث آخر يكون في القسم الذي هو أعلى منه فى الدرجة ... )) (١) . قلت : إِن تقديم ما رواه البخاري - بعد ما اتفقا عليه - على ما رواه مسلم وحده ، هو مذهب الجمهور من علماء الحديث ، خلافاً لأبي علي النيسابوري وبعض علماء المغرب - كما مر . والمراد من قولهم ((لاشتمالهما على أَعلى مقتضيات الصحة ، أَو على شروط الصحة ، أَو الصفات التي تبنى الصحة عليها ، وتنبئُ عنها )) هي (١) توجيه النظر (١١٩ - ١٢٠). - ١٠٥ - الشروط التي وضعها علماءُ الحديث ، واتفقوا عليها ، كضوابط لما هو صحيح ، فأي حديث حوى هذه الشروط فهو حديث محكوم له بالصحة، فإِذا اختل منها شرط ضعف من ذلك الحديث على قدر ذلك الاختلال. الشروط المتفق عليها بين عامة أهل الحديث خمسة ، وهي : ١٠ - اتصال السند . ٢ - عدالة الرواة . ٣ - ضبط الرواة . ٤ - عدم الشذوذ . ٥ - عدم العلة. فإذا اختل شرط من هذه الشروط ، فلا يسمى الحديث صحيحاً . وهي مأخوذة من تعريف الحديث الصحيح لذاته : ((ما رواه عدل تام الضبط ، متصل السند ، من غير شذوذ ولا علة)). ونقصد باتصال السند : أَن كل واحد من الرواة قد أَخذ الحديث مباشرة عن شيخه ، وأَداه كما تحمله عنه ، من أول السند إلى منتهاه ، وسواء عبر بالتحديث أَو السماع أَو الإِخبار ، أَو العنعنة - لمن هو غير معروف بالتدليس - فالحكم الجواز . وكلما كان التصريح بالسماع والَّلفي كلما كان أوقع في النفس . وخرج بهذا القيد : المنقطع، والمعضل ، والمعلق ، والمدلس ، والمرسل . ونقصد بالعدالة : أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة . - ١.٦- وقد عرّف الحافظ ابن حجر العدل بقوله : من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة . والمراد بالتقوى : اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أَو بدعة. والمراد بالمروءة : هو الاحتراز عما يُذم عرفاً ، وذلك بأَن يتخلق بالكمال في الخلق والعادات واللباس والحركات ... وسائر الصفات ، وأن يبتعد عن كل ما هو نقصان . وتثبت العدالة بأحد أمرين : أولاً : بتنصيص معدلين على عدالته . ثانياً : بالاستفاضة . فمن اشتهرت عدالته بين أَهل النقل أو نحوهم من أهل العلم ، وشاع الثناءُ عليه بالثقة والأمانة ، استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصاً ، مثل : مالك والشافعي وشعبة الأوزاعي والسفيانان ... وغيرهم من الأئمة . وخرج بهذا القيد . ما رواه مجهول العين ، أَو الحال ، أَو معروف بالضعف . ونقصد بالضبط : ١ - ضبط صدر : وهو أن يثبت ما سمعه، بحيث يتمكن من استحضاره متى شاءً . ٢ - ضبط كتاب : وهو صيانته لديه ، منذ سمع فيه وصححه ، إلى أن يؤدي منه ، وضبطه له . وقيد بالتام : إِشارة إلى الرتبة العليا في ذلك . - ١٠٧ - وإِن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه - زيادة على ذلك - أن يكون عالماً ما يحيل المعاني . ويعرف الضبط : بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإِن وجدنا رواياته موافقة - ولو من حيث المعنى لرواياتهم - أَو موافقة لهم في الأغلب والمخالفة نادرة ، عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً . وإِن وجدناه كثير المخالفة لهم ، عرفنا حينئذ اختلال ضبطه ، ولم نحتج بحديثه ، لعدم ضبطه وحفظه ، والله أعلم . قال الحافظ المزي رحمه الله في الأطراف : إِن الوهم تارة يكون في الحفظ ، وتارة يكون في القول ، وتارة يكون في الكتابة . اهـ. وخرج بهذا القيد : ما رواه مغفّل كثير الخطأ . ونقصد بالشذوذ : هو مخالفة الثقة من هو أوثق منه ، وأرجح إما عدداً أَو مكانة أَو حفظاً . وخرج بهذا القيد : الشاذ . ونقصد بالعلة : هي سبب خفي يقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه ، وذلك كالإِرسال الخفي ، أَو الانقطاع مع أن ظاهره الاتصال . وخرج بهذا القيد : المعلل . والله أعلم(١) (١) انظر ((مباحث فى مصطلح الحديث) للمؤلف . - ١٠٨ - ومن خلال هذا الاستعراض لشروط الحديث الصحيح أقول : إِن الصحيحين قد اشتملا على أعلى درجات الصحة ، وحويا أَعلى مقتضيات وشروط الحديث الصحيح ، المتفق عليها ، والمشروطة لصحة الحديث . وقد لخص الإمام الحافظ العراقي رحمه الله تعالى هذه الشروط في منظومته ، فقال : إلى صحيح وضعيف وحسن وأَهل هذا الشأن قسموا السنن بنقل عدل ضابط الفؤاد فالأول المتصل الإِسناد وعلة قادحة فتؤذي عن مثله من غير ما شذوذ وقال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في منظومته أيضاً : بنقل عدل ضابط عن مثله حد الصحيح : مسند بوصله ولم يكن شدًّا ولا معللاً وإِنما يراد بالشروط - هنا - إِنما هي عند أهل الحديث ، لا عند غيرهم ، إِذ قواعد كل فن إنما تجري حسب ذلك الفن ، لا حسب غيره . قال الإِمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى بعد ذكره لتعريف الحديث الصحيح : (( فهذا هو الحديث الذى يحكم له بالصحة ، بلا خلاف بين أهل الحديث ، وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث ، لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه ، أَو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأَوصاف .. ))(١). (١) علوم الحديث (١١): - ١٠٩ - وقال ابن تيمية رحمه الله: ((إِذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجباً للقطع به ، فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث ، كما أَن الاعتبار على الأحكام الشرعية بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي )»(١). وقال في موطن آخر: ((إِن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين ، وسائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث ، فإِجماع أهل العلم بالحديث على أن هذا الخبر صدق ، كإجماع الفقهاء على أن هذا الفعل حلال أَو حرام أَو واجب ، وإِذا أَجمع أهل العلم على ئ شيءٍ ، فسائر الأمة تبع لهم ، فإِجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على ءَ (٢) خطا )) بل زاد في ذلك حيث يرى وجوب التسليم لأهل العلم بالحديث ، لمن لم يبلغ علمه مبلغهم ، فيقول: ((وإذا كان الخبر قد تواتر عند قوم دون قوم ، وقد يحصل العلم بصدقه لقوم دون قوم ، فمن حصل له العلم به وجب عليه التصديق به ، والعمل بمقتضاه ، كما يجب ذلك في نظائره ، ومن لم يحصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك لأهل الإِجماع، الذين أَجمعوا على صحته . كما على الناس أن يسلموا الأحكام المجمع عليها إِلى من أجمع عليها من أهل العلم . فإن الله عصم هذه الأُمة أَن تجتمع على ضلالة ، وإنما يكون إِجماعها : بأن يسلم غير العالم للعالم . إِذ غير العالم لا يكون له قول ، وإنما القول للعالم )) (١) . (١) مجموع الفتاوى (١٣: ٣٥١ -٣٥٢). (٢) مجموع الفتاوى (١٨ : ١٧). (٣) مجموع الفتاوى ( ١٨ : ٥١). - ١١٠ - فإِذا اتصف الحديث بالشروط الخمسة المذكورة حكم له بالصحة ، بلا خلاف بين أهل العلم بالحديث ، فما بالك بالصحيحين اللذين اشترط مؤلفاهما أنهما لم يذكرا فيهما إلا ما كان صحيحاً ، وهما فارسا هذا الميدان ، وعالما هذا الفن، وسيدا أهل الحديث في زمانهما وما بعده رواية ودراية ، وهما شيخا أَهل هذا الشأن ؟؟؟ رحمهما الله تعالى . وتقديم ما اتفق عليه الشيخان ، وأنه أَصح الصحيح أَمر مجمع عليه بين أهل الحديث سلفاً وخلفاً ، ولا يعرف مخالف أو معارض منهم ، ثم تقديم مارواه البخاري وحده ، ثم مارواه مسلم وحده هذا هو مذهب جماهير أهل العلم وهو الموجود في مختلف كتب علوم الحديث . وهو المعتمد عندهم ، والله أعلم . قال الحافظ السيوطي رحمه الله فى منظومته : بعد القرآن ، ولهذا قدما وليس في الكتب أُصح منهما لمسلم ، فما حوى شرطهما مروى ذين ، فالبخاري فما كان على شرط فتى غيرهما فشرط أَول ، فثان ، ثم ما الفَصل السابعْ القَطْعُ بِصِمَّةُ أَخَادِهِمًا قال الإِمام أبو إسحق الإِسفراييني رحمه الله تعالى: ((أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التى اشتمل عليها الصحيحان ، مقطوع بصحة أَصولها ومتونها ، ولا يحصل الخلاف فيها بحال ، وإِن حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها . قال : فمن خالف حكمه خبراً منها ، وليس له تأويل سائغ للخبر ، نقضنا حكمه، لأَن هذه الأخبار تلقتها الأُمة بالقبول))(١) إ هـ. قلت : لقد حكم كل من الإِمام البخاري والإِمام مسلم رحمهما الله تعالى بصحة كل الأحاديث الموجودة في الصحيحين، وهما هما منزلة وعلماً ومعرفة . قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((ما أَدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول)) (٢) وقال أيضاً : ((صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام ، وما أَدخلت فیه حديثاً حتى استخرت الله تعالى، وصلیتر کعتین، وتیقنتصحته))(). (١) فتح المغيث (١: ٤٧)، توجيه النظر (١٢٥). (٢) علوم الحديث (١٥ - ١٦) وانظر شروط الأئمة الخمسة (٤٩). (٣) هدى السارى (٤٨٩) وانظر ص (٧) منه أيضاً . - ١١٢ - وقال أبو جعفر العقيلي رحمه الله : لما صنف البخاري كتاب الصحيح، عرضه على : عليّ بن المديني ، وأَحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وغيرهم. فاستحسنوه ، وشهدوا له بالصحة إِلا أربعة أَحاديث . قال العقيلي: ((والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة)) (١). وقال الإِمام الحاكم - أبو أحمد - رحمه الله تعالى: ((رحم الله محمد ابن إسماعيل الإِمام ، فإِنه الذي ألف الأُصول ، وبين للناس ، وكل من عمل بعده فإِنما أخذه من كتابه ... )) .. فأحاديث الإِمام البخاري كلها قد اتفق على صحتها علماءُ عصره ، وأَدمة زمانه ، حفظاً ورواية وجرحاً وتعديلا وجمعاً وفقهاً ، رحمهم الله تعالى . وقال الإِمام مسلم رحمه الله تعالى : ((ليس كل شيءٍ عندي صحيح وضعته ههنا ، إِنما وضعت ههنا ما أَجمعوا عليه )) قاله جواباً لأبي بكر ابن أُخت أبي النضر عندما سأله عن حديث أبي هريرة : هو صحيح ؟ يعني (( وإذا قرأَ فأنصتوا)) فقال: هو عندي صحيح، فقال: لِمَ لَمْ تضعه ههنا؟ فأجابه بما ذكر))(٣). وعن مكي بن عبدان - أَحد حفاظ نيسابور - أنه قال: ((سمعت مسلم بن الحجاج رضي الله عنه يقول : لو أَن أَهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند . يعني صحيحه)) . (١) هدى السارى (٤٨٩) وانظر صفحة ( ٧) منه أيضاً . (٢) هدى السارى (٤٨٩ - ٤٩٠) . (٣) صحيح مسلم : كتاب الصلاة : بابه التشهد. - ١١٣ - وقال: «وسمعت مسلماً يقول : عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي ، فكل ما أُشار أَن له علة تركته ، وكل ما قال : أَنه صحيح (١) وليس له علة خرجته ... )) وأَما معنى قوله: ((إِنما وضعت ههنا ما أَجمعوا عليه)) فقد بينها ابن الصلاح رحمه الله بقوله: ((أَراد - والله أعلم - أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح ، المجمع عليه، وإِن لم (٢) يظهر اجتماعها فى بعضها عند بعضهم )). أَي الأحاديث التي وجد هو فيها شرائط الصحيح المجمع عليها ، وأتفق عليها كبار علماء عصره ، ويتضح هذا من قول الإمام سراج الدين البلقيني رحمه الله: وقيل: أَراد مسلم بقوله: ((ما أَجمعوا عليه)) أَربعة: أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعثمان بن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور الخراساني)»(٣) اهـ . وبما أن وجهات النظر تختلف في مسائل الجرح والتعديل ، وصحة الرواية والتثبت والانتقاد لذا فقد أشكل وجود بعض الأحاديث المنتقدة مع قول الإمام مسلم رحمه الله ((إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه)). وقد أجاب الشيخ ابن الصلاح رحمه الله على هذا الإشكال - كمانقله عنه النووي رحمه الله حيث قال: ((وجوابه من وجهين : (١) شرح صحيح مسلم (١ : ١٥): (٢) علوم الحديث (١٦) : (٣) محاسن الاصطلاح (٩١): ( ٨ - مكانة الصحيحين ) - ١١٤ - أحدهما : أَن مراده أنه لم يضع فيه إلا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه، وإِن لم يظهراجتماعها في بعض الأحاديث عندبعضهم. والثاني : أَنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متناً أَو إسناداً ، ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق (١) بعض رواته . وهذا هو الظاهر من كلامه ... ))" وعلى هذا فالذي يرويه البخاري ومسلم - رحمهما الله تعالى - مقطوع بصحته ، وعلى ذلك جرى كلام أهل العلم من المحدثين والفقهاء وغيرهم . قال الحافظ العراقي رحمه الله فى منظومته : وأَقطع بصحة لما قد أَسندا كذا له ، وقيل : ظناً ولدا محققيهم قد عزاه النووي ثم قال شارحاً لما نظمه : ما أَسنده البخاري ومسلم ، يريد روياه بإِسنادهما المتصل ، فهو مقطوع بصحته ، كذا قال ابن الصلاح ، قال : والعلم اليقيني النظري واقع به ، خلافاً لقول من نفى ذلك، محتجاً بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأَنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئُ ، قال : وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قوياً ، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولاً هو الصحيح ، لأَن ظَنَّ من هو معصوم من الخطأ لا يخطى، ... إلخ. ثم قال العراقي: ((وقد سبقه إلى نحو ذلك محمد بن طاهر المقدسي وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف .. (١) شرح صحيح مسلم (١ : ١٦). - ١١٥ - قال النووي : وخالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون قالوا : يفيد الظن مالم يتواتر(١). لكن قول الإمام النووي رحمه الله: ((إِن المحققين خالفوا ابن الصلاح)) فقول غير سليم على إطلاقه إذا وافقه كثير من المحققين کما سنری بعد قليل إن شاء الله . وقال الشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله معلقاً على نظم العراقي : ((وأقطع بصحة لما قد أَسندا)) أى البخاري ومسلم مجتمعين ومنفردين ، لتلقّي الأُمة المعصومة فى إِجماعها بخبر: (( لا تجتمع أُمتى على ضلالةٍ)) لذلك بالقبول . وهذا يفيد علماً نظرياً . لأَن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئُّ. كذا قاله ابن الصلاح تبعاً لجماعة . وحاصله أن ذلك صحيح قطعاً، وأنه يفيد علماً(٢). اهـ. وقال ابن الصلاح رحمه الله في مقدمته: ((ما أسنده البخاري ومسلم رحمهما الله فى كتابيهما بالإسناد المتصل فذلك الذي حكما بصحته بلا إِشكال)» (٣). وقال أيضاً : ثم إِن ما يتقاعد عن ذلك عن شرط الصحيح قليل يوجد فى كتاب البخاري في تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه ، الذى يشعر به اسمه الذي سماه به وهو: (( الجامع المسند (١) التبصرة والتذكرة (٦٩:١). (٢) فتح الباقى (١: ٦٩). (٣) علوم الحديث (٢٠): - ١١٦ - الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وإلى الخصوص الذي بَيّنًا يرجع مطلق قوله: ((ما أُدخلت فى كتاب الجامع إلا ما صح))، وكذلك مطلق قول الحافظ أبي نصر الوائلي السجزي : أَجمع أهل العلم : الفقهاءُ وغيرهم ، على أن رجلاً لو حلف بالطلاق أن جميع مافي كتاب البخارى مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاله لا شك فيه ، أَنه لا يحنث ، والمرأة بحالها في حبالته(١).اهـ. وقال ابن الأهدل بعد الإطناب في ذكر [ البخاري ] رحمه الله : ((أجمع الناس على صحة كتابه ، حتى لو حلف حالف بطلاق زوجته ، ما في صحيح البخاري حديث مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا وهو صحيح عنه كما نقله ، ما حكم بطلاق زوجته ، نقل ذلك غير واحد من الفقهاء ، وقرروه ))(١) اهـ . وسوف أُذكر إن شاءَ الله ما يشابه هذا القول بعد قليل . وقال ابن الصلاح أيضاً : وإذا انتهى الأمر في معرفة الصحيح إلى ما أخرجه الأئمة في تصانیفهم الكافلة ببيان ذلك - كما سبق ذكره - فالحاجة ماسة إلى التنبيه على أقسامه باعتبار ذلك . فأولها : صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعاً . الثاني : صحيح انفرد به البخاري أي عن مسلم (١) علوم الحديث (٢٢). (٢) شذرات الذهب (٢: ١٣٥ - ١٣٦). - ١١٧ - الثالث : صحيح انفرد به مسلم أى عن البخاري ... هذ ◌ُمهات أَقسامه . وأعلاها : الأول وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيراً : صحيح متفق عليه ، يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم ، لا اتفاق الأُمة عليه ، لكن اتفاق الأُمة عليه لازم من ذلك ، وحاصل معه لاتفاق الأُمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول . وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته ، والعلم اليقيني النظري واقع به ، خلافاً لقول من نفى ذلك ، محتجاً بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن . وإنما تلقته الأمة بالقبول لأَّنه يجب عليهم العمل بالظن ، والظن قد يخطئ، وقد كنت أَميل إلى هذا وأحسبه قوياً ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح، لأَن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأُمة في إِجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبتني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها ، وأكثر إِجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة . ومن فوائدها القول بأن ما انفرد به البخاري أَو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته ، لتلقي الأُمة كل واحد من كتابيهما بالقبول ، على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق ، سوى أحرف يسيرة ، تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره ، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن. والله أعلم (١) وقال رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح مسلم - كما نقله الإمام - (١) علوم الحديث (٢٣ - ٢٥). - - ١١٨ - النووي رحمه الله عنه: (( ما حكم مسلم رحمه الله بصحته في هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته ، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر ، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه ، وذلك لأَن الأُمة تلقت ذلك بالقبول ، سوى من لا يعتد بخلافه ، ووفاقه فى الإجماع » . قال الشيخ: ((والذي نختاره أَن تلقي الأُمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري بصدقه ، خلافاً لبعض محققي الأُصوليين ، حيث نفى ذلك ، بناءً على أنه لا يفيد فى حق كل منهم إلا الظن، وإِنما قبله لأنه يجب عليه العمل بالظن ، والظن قد يخطىءُ . قال الشيخ: (( وهذا مندفع لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لايخطىء والأُمة في إجماعها معصومة من الخطأ))، وقد قال إمام الحرمين: ((لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن مافي کتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما أَلزمته الطلاق ، ولا حنثته ، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما . .. )(١) ولم يكن ابن الصلاح رحمه الله تعالى هو أول من ادعى القطع بصحة ما أخرجه الشيخان، بلى سبقه كثير من أهل العلم بالحديث والفقه والكلام . قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: (( إِن ما ادعاه من أن ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته ، قد سبقه إليه الحافظ أبو الفضل : محمد ابن طاهر المقدسي ، وأبو نصر : عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف فقالا: إنه مقطوع به ))(٣). (١) شرح النووي على مسلم (١: ١٩ - ٢٠). (٢) التقييد والإيضاح (٤١). - ١١٩ - قلت : بل يوجد غيرهما أيضاً ، بل هو مذهب عامة السلف ، وأهل الحديث قاطبة ، كما سترى إن شاء الله تعالى . وقال الإمام الطيبي رحمه الله تعالى: (( ثم البخاري أَصحهما - عند الجمهور)) وفي الجامع قال البخاري: (( خرجت الصحيح من زهاء ستمائة ألف حدیث ، وما وضعت فيه حديثاً إلا صليت ر کعتین)) .... وأَعلى أقسام الصحيح : ما اتفقا عليه ، ثم ما انفرد به البخاري (١) ثم مسلم .. ». وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (( الصحيح أقسام : أَعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ، ثم ما انفرد به البخاري ، ثم مسلم ، ثم على شرطهما .. ))" . وقال أيضاً: ((وإذا قالوا : صحيح متفق عليه ، أو على صحته ، فمرادهم اتفاق الشيخين ، وذكر الشيخ [ ابن الصلاح ] أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه )) .. م. ونقل عن ابن الصلاح رحمه الله حيث قال : وقال [ أي ابن الصلاح] في جزء له : ((ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه فهو مقطوع بصدق مخبره ، ثابت يقيناً لتلقي الأمة ذلك بالقبول ، وذلك يفيد العلم النظري ، وهو في إفادة العلم كالمتواتر ، إلا أن المتواتر يفيد العلم الضرورى ، : .. (١). الخلاصة في أصول الحديث للطيبي (٣٦). (٢) التقريب بأصل التدريب (١: ١٢٢ - ١٢٣). (٣) التقريب (١ :١٣٢). - ١٢٠ - وتلقي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري ، وقد اتفقت الأُمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته ، فهو حق وصدق »() . وقال الإِمام الحاكم أبو عبد الله النيسابوري رحمه الله تعالى في كتابه ((المدخل إلى كتاب الإكيل)): (( الصحيح من الحديث عشرة أقسام : خمسة متفق عليها ، وخمسة مختلف فيها . فالأول من المتفق عليه : اختيار البخاري ومسلم ، وهو الدرجة الأُولى من الصحيح ، وهو أن لا يذكر إلا ما رواه صحابي مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، له راويان ثقتان فأكثر ، ثم يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية عن الصحابة ، له أيضاً راويان ثقتان فأكثر ، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة من الطبقة الرابعة ، ثم يكون شيخ البخاري أَو مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في روايته ، فهذه الدرجة العليا من الصحيح)). قال الحاكم رحمه الله: ((والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حدیث.)) القسم الثاني : مثل الأُول إِلا أَن راويه من الصحابة ليس له إِلا راوٍ واحد . القسم الثالث : مثل الأول إِلا أَن راويه من التابعين ليس له ، إلا راوٍ واحد . قال الحاكم وابن الأثير: ((وليس في كتابي البخاري ومسلم من هذه (١) شرح صحيح مسلم (١ : ٢٠).