Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٦١ -
أو لم يصح، وقد أَزاح عن نفسه الكلام ، فإِنه شفى فى تصنيفه ، وتكلم على
كل حديث بما يقتضيه ... )) (١).
قلت : وبالمقارنة بين ما ذكره عن شرط الشيخين رحمهما الله تعالى ،
وبين ما يوجد في الكتب الأربعة السنن الأُخرى يظهر الفارق الكبير ،
إِذ اشترط البخاري ومسلم رحمهما الله إخراج الحديث الصحيح ، كما
قال كل منهما . بينما لم يشترط أصحاب السنن بعدهما مثل هذا الشرط
بل يوجد فيها ما هو صحيح - وهو مخرج فى الصحيحين - وما هو على
شرط الصحيح - لكن لم يخرجه الشيخان ، وإنما يكون من جملة الصحيح
الذى تركاه. والقسم الثالث ، وهو الذي فيه الضعف - سواء كان
ما يمكن جبره ، أو لا ، وقد صرح كل من أبي داود والترمذي بذلك .
فقد قال أبو داود رحمه الله في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه :
((وليس في كتاب السنن الذى صنفته ، عن رجل متروك الحديث شيءٌ ،
وإِذا كان فيه حديث منكر بينت أَنه منكر ، وليس على نحوه في الباب
غيره ... ثم قال : وما كان في كتابى من حديث فيه وهن شديد فقد
بينته ، ومنه ما لا يصح سنده ، وما لم أَذكر فيه شيئاً فهو صالح ،
وبعضها أَصح من بعض .. )) (٢) .
لكن المنذري رحمه الله نقل عن أبي بكر محمد بن بكر بن داسة
قال: سمعت أبا داود يقول: ((ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه)) (".
(١) شروط الأئمة الستة (١٠ - ١٣).
(٢) رسالة أبى داود - إلى أهل مكة - نشر مجلة أضواء الشريعة العدد الخامس.
(٢٧٨ -٢٧٩) .
(٣) مختصر سنن أبى داود (١: ٦- ٧).

- ٦٣ ٢
وقال الحافظ ابن منده : (( إِن شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث
أقوام لم يجتمع على تركهم ، إِذا صح الحديث باتصال السند من غير
قطع ولا إِرسال )) (١) .
فتبين الفارق الكبير بين شرط الشيخين وشروط غير همامن بعدهما
رحمهم الله تعالى ، سواءٌ فى الرجال ، أَو الأَسانيد ، والمتون .
وقال الحاكم رحمه الله في - المدخل - كما نقله محمد بن طاهر
وغيره(٢): (( القسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم ، وهو
الدرجة الأولى من الصحيح)).
ومثاله : الحديث الذى يرويه الصحابي المشهور عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وله راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية
عن الصحابي ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين :
الحافظ المتقن المشهور ، وله رواة من الطبقة الرابعة ، ثم يكون شيخ
البخاري أو مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة ، فهذه هي الدرجة الأولى
من الصحيح اهـ)).
قلت: وقد أنكر كثير من أهل العلم بالحديث على الإِمام الحاكم ،
في قوله : (( الصحابي المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله راويان
ثقتان )) وذلك لوجود بعض الأحاديث التي يرويها بعض الصحابة وليس
لأحدهم إلا راو واحد فقط . مثل مرداس الأسلمي ، وليس له إِلا قيس
ابن أبي حازم . والمسيب بن حزن ، وليس له إلا ولده سعيد ، و ...
(١) مختصر سنن أبى داود (١: ٨).
(٢) انظر شروط الأئمة الستة (١٤) وفتح المغيث (١ : ٤٢ - ٤٣) والتدريب
(١ : ١٢٥) وغيرهم.

- ٦٣ -
قلت : وقد وافقه تلميذه البيهقي على هذا ، لكن قال الحافظ ابن
حجر رحمه الله في كتابه ((هدي الساري)): والشرط الذى ذكره الحاكم
- وإن كان منتقضاً في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم ، فإِنه معتبر في
حق من بعدهم ، فليسفي الكتاب حدیث أصل من روایة من ليس له إلا راو
(١
واحد قط
قلت : لكن كلام هؤلاءِ منقوض بما قاله الحاكم نفسه وذلك باستثناء
الصحابي ، فإنه إن وجد له راو واحد وصح الطريق إليه أخرجاه ،
أما غير الصحابي فلا بد أن يكون مشهوراً بالرواية بأَن يروي عنه أكثر
من راو . وكل من حمل أو تحامل على الحاكم رحمه الله لم يطلع على
قوله هذا .
قال السخاوي رحمه الله تعالى: ((وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح
باستثناء الصحابة من ذلك . وإِن كان مناقضاً لكلامه الأول ، ولعله رجع
عنه إلى هذا . فقال : الصحابي المعروف إِذا لم نجد له راوياً غير تابعي
واحد معروف احتججنا به ، وصححنا حديثه ، إِذ هو صحيح على شرطهما
جميعاً ، فإِن البخاري قد احتج بحديث قيس بن أبي حازم عن كل من
مرداس الأسلمي وعدي بن عميرة(٢) ، وليس لهما راو غيره ، وكذلك
احتج مسلم بأحاديث أبي مالك الأَشجعي عن أبيه ، وأحاديث مجزاة
ابن زاهر الأسلمي عن أبيه (٣)) :
(١) هدى السارى (٩).
(٢) الذى أخرج حديث عدى بن عميرة هو مسلم لا البخارى ، وقيس لم ينفرد عنه
أيضاً .
(٣) والذى أخرج حديث أزهر إنما هو البخارى لا مسلم.

- ٦٤ -
وحينئذ فكلام الحاكم قد استقام ، وزال ـ بما تممت به - عنه
الملام (١) . اهـ.
(١)
وقد فهم بعض أهل العلم بالحديث أَن كلام الحاكم رحمه الله
منصب باشتراطه العدد عن عدلين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا
خطأً في الفهم ، وتحميل للحاكم على غير مراده ، وإِنما مراد الحاكم
- والعلم عند الله - أن يكون الراوي خارجاً عن الجهالة بأن يكون له
راويان فأكثر ، لا أنه يريد أن يكون لكل حديث خاص راويان يرويانه
عن راويين يرويانه كذلك (٢) .
وقال الحازمي رحمه الله في بيان شروط المخبر في الرواية ، وبيان
شرط الشيخين ومن بعدهما من أصحاب الأُصول : فإِذا ثبت أَن الحاجة
داعية فى تصحيح الخبر إلى اعتبار أوصاف في المخبِر ، فلنذكر الآن
ما وعدنا به من حصر الشرائط التي إذا قامت بشخص لزم قبول خبره :
الشرط الأول : الإِسلام ، وهو المقصود الأعظم ، فرواية أهل الشرك
مردودة ....
الشرط الثاني : العقل ، وبه يتوجه الخطاب ، ومنه يتلقى الصواب ،
والمفقود عقله لا يخلو : إما أن يكون مجنوناً ، أَو صبياً ، وكلاهما
لا تقبل روايته ولا شهادته ....
شرط آخر : الصدق ، وهو عمدة الأنباءِ ، وعدة الأنبياءِ ، وشيمة
الأبرار ، وأَرومة الأُخيار ، والبرزخ بين الحق والباطل ، والفيصل بين
الفاضل والجاهل
(١) فتح المغيث (١ : ٤٣).
(٢) وانظر التدريب (١: ١٢٥) وفتح المغيث وغيرهما .

- ٦٥ . -
شرط آخر : أن لا يكون مدلساً ، والتدليس - وإِن كان أنواعاً -
بعضها أسهل من بعض ، وكان جماعة من ثقات الكوفيين والبصريين ،
مولعين به ، من حديثه مخرج في الصحاح ، غير أن شرط الصحيح
لا يحتمل ذلك .
شرط آخر : العدالة : وقد أَجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر
العدل ، وكل حديث اتصل إِسناده بين من رواه وبين النبي صلى الله عليه
وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله ، وإِمعان النظر فى
أحوالهم . سوى الصحابي الذى رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأن عدالة الصحابي ثابتة معلومة ، بتعديل الله تعالى لأصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم ، وإخباره عن طهارتهم ....
ومنها : أن يكون الشخص بعد أن ثبتت عدالته ، وجانب ما ينافي
العدالة ، نحو السفه وغيره ، معروفاً عند أهل العلم بطلب الحديث ،
وصرف العناية إليه .
ومنها : أَن يكون حفظه مأخوذاً عن العلماء لا عن الصحف .
ومنها : أن يكون ضابطاً لما سمعه وقت سماعه ، متحققاً على شيخه
في روايته ، من أن لا يدلسه إِن كان ممن يعرف بالتدليس ....
ومنها : أن يكون متيقظاً سليم الذهن عن شوائب الغفلة .
ومنها : أن يكون قليل الغلط والوهم ، لأن من كثر غلطه ، وكان
الوهم عليه غالباً رد حديثه ، وسقط الاحتجاج به .
ومنها : أن يكون حسن السمت ، موصوفاً بالوقار ، غير مشهور
بالمجون والخلاعة ، إِذ ارتكاب هذا مُفْض إلى السفه .
( ٥ - مكانة الصحيحين )

- ٦٦ -
ومنها : أن يكون مجانباً للأَهواء تاركاً للبدع ، فقد ذهب أكثرهم
إِلى المنع إِذا كان داعية ، واحتملوا رواية من لم يكن داعية .
فهذه جوامع الأوصاف ، ولها توابع ولواحق لا يمكن إِحاطة العلم بها ،
إلا بعد الممارسة والمطالعة للكتب المصنفة في هذا الشأن .
ثم اعلم أن لهؤلاءِ الأئمة مذهباً في كيفية استنباط مخارج الحديث ،
نشير إليها على سبيل الإِيجاز .
وذلك أن مذهب من يخرج الصحيح : أَن يعتبر حال الراوي العدل
في مشايخه ، وفيمن روى عنهم - وهم ثقات أيضاً - وحديثه عن بعضهم
صحيح ثابت . يلزمهم إخراجه ، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إِخراجه
إِلا فى الشواهد والمتابعات .
وهذا باب فيه غموض . وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي
الأصل ، ومراتب مداركهم ، ولنوضح ذلك بمثال :
وهو أن نعلم مثلاً أن أصحاب الزهري على طبقات خمس ، ولكل
طبقة منها مزية على التى تليها . وتفاوت .
فمن كان في الطبقة الأولى : فهو الغاية في الصحة ، وهو غاية
مقصد البخاري .
والطبقة الثانية : شاركت الأولى في العدالة ، غير أَن الأُولى جمعت
بين الحفظ والإِتقان ، وبين طول الملازمة للزهري ، حتى كان فيهم من
يزامله في السفر ، ويلازمه في الحضر ، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري
إِلا مدة يسيرة ، فلم تمارس حديثه ، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى
وهم شرط مسلم .
١

- ٦٧ -
الطبقة الثالثة : جماعة لزموا الزهري مثل أَهل الطبقة الأُولى ،
غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح ، فهم بين الرد والقبول ، وهم
شرط أبي داود والنسوي .
والطبقة الرابعة : قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في الجرج
والتعديل ، وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري ، لأنهم لم يصاحبوا
الزهري كثيراً ، وهم شرط أبي عيسى [ الترمذي ] ...
والطبقة الخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين لا يجوز لمن يخرج
الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد،
عند أبي داود فمن دونه ، فأَما عند الشیخین فلا .
ثم مثل الأعيان كل طبقة من الطبقات الخمس ثم قال :
وقد يخرج البخاري أحياناً من أعيان الطبقة الثانية . ومسلم من
أعيان الطبقة الثالثة .... )) (١) .
قلت : أَما الطبقة الأولى والثانية فقد اشتركا فى الحفظ والضبط
والإتقان والعدالة ، لكن الطبقة الأولى تمتاز عن الثانية بشدة الملازمة ،
وطول الصحبة . فهؤلاء هم الذين يخرج لهم البخاري . أما الطبقة الثانية
لم تلازمه كثيراً ، مع ما هي عليه من الحفظ والضبط والعدالة ، فيخرج
مسلم من الطبقتين الأولى والثانية في الأصول . بينما ينتقي البخاري من
أَعيان الطبقة الثانية انتقاءً .
وأَما الطبقة الثالثة مثل حماد بن سلمة وغيره فلا يخرج لهم البخاري ،
(١) شروط الأئمة الخمسة (٣٩ - ٤٧).

- ٦٨ -
وإِنما ينتقي مسلم من أعيانهم . هذا مفاد كلام الحازمي .
لكن سوف أَذكر تقسيم الإِمام مسلم للرواة إلى ثلاث طبقات ، وأَنه
لا يعرج على الطبقة الثالثة بحال .
فالبخاري رحمه الله يخرج من حديث الطبقة الثانية كالليث بن
سعد والأوزاعي وابن أبي ذئب ما يعتمده من غير استيعاب . وأَما مسلم
فيخرج أحاديث الطبقتين على سبيل الاستيعاب ، ويخرج أحاديث
أَهل الطبقة الثالثة على النحو الذي يصنعه البخاري فى الثانية . وأَما
الرابعة والخامسة فلا يعرجان عليهما .
قال الحافظ ابن حجر : وأكثر ما يخرج البخاري حديث الطبقة
الثانية تعليقاً ، وربما أَخرج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقاً أيضاً.
ثم قال: ((وهذا المثال الذى ذكرناه ، هو في حق المكثرين ، فيقاس
على هذا أَصحاب نافع، وأَصحاب الأَعمش ، وأصحاب قتادة ، وغيرهم.
فأَما غير المكثرين ، فإِنما اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على
الثقة والعدالة ، وقلة الخطأ ، لكن منهم من قوي الاعتماد عليه ، فأخرجا
ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصاري ، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه ،
فأخرجا له ما شاركه فيه غيره وهو الأكثر )) (١) .
وقال ابن الصلاح رحمه الله في شرح مسلم - كما نقله النووي رحمه
الله: (( شرط مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه أن يكون الحديث متصل
الإِسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه ، سالماً من الشذوذ والعلة)).
(١) هدى السارى (٩ - ١٠).

- ٦٩ -
قال : وهذا حد الصحيح . فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط ،
فھو صحیح بلا خلاف بين أهل الحديث .. ))(١) .
وقد قسم مسلم رحمه الله تعالى الأحاديث إلى ثلاثة أقسام ، والناس
الرواة على ثلاث طبقات ، فيأخذ الأَول ويتبعه بالثاني عند الانتهاء من
الأَولِ ، أَما الثالث فلا يعول عليه .
قال رحمه الله : إِنا نعمد إلى جملة ما أُسند من الأخبار عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فنقسمها على ثلاثة أقسام ، وثلاث طبقات من
الناس على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يستغني فيه عن ترداد حديث
فيه زيادة معنى ، أو إِسناد يقع إلى جنب إِسناد لعلة تكون هناك ، لأَن
المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام ، فلا بد من
إِعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة ....
فأَما القسم الأول : فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من
العيوب من غيرها وأَنقى ، من أن يكون ناقلوها أَهل استقامة في الحديث ،
وإتقان لما نقلوا ، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ، ولا تخليط
فاحش ....
فإِذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس ، أَتبعناها أَخباراً
يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف
المقدم قبلهم ، على أَنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم ، فإِن اسم الستر
والصدق وتعاطي العلم يشملهم كعطاء بن السائب ، ويزيد بن أبي زياد ،
وليث بن أبي سليم ، وأَضرابهم من حمال الآثار ونقال الأخبار ، فهم
(١) شرح صحيح مسلم للنووى (١ : ١٥).

- ٧٠ -
وإِن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين ، فغيرهم
من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية
يفضلونهم في الحال والمرتبة .... فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف
ما سأَلت من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فأَما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون ، أَو عند
الأَكثر منهم ، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم ، كعبد الله بن مسور
أبي جعفر المدائني ، وعمرو بن خالد ... وأشباههم ممن اتهم بوضع
الأحاديث ، وتوليد الأخبار .
وكذلك من الغالب على حديثه المنكر ، أَو الغلط ، أَمسكنا أيضاً عن
حديثهم ، .... فمن هذا الضرب من المحدثين : عبد الله بن محرر ،
ويحيى بن أبي أنيسة .... ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث ،
فلسنا نعرج على حديثهم ، ولا نتشاغل به ، لأن حكم أهل العلم ، والذى
نعرف من مذهبهم في قبول ما ينفرد به المحدث من الحديث ، أَن
يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا ، وأَمعن
في ذلك على الموافقة لهم ... )) (١) .
فقد قسم الرجال إلى أربع طبقات ، لكنه اعتبر الطبقتين الثالثة
والرابعة واحدة . باعتبار رد حديثهما وعدم الانشغال بهما . ومفاد كلامه
رحمه الله .
أنه قسم الأحاديث إلى ثلاثة أقسام :
الأَول : ما رواه الحفاظ المتقنون ، أَهل الاستقامة في الحديث :
(١) صحيح مسلم: المقدمة (١: ٤٨ - ٥٨) بشرح النووى .

- ٧١ -
والإتقان في النقل ، وذكر الدليل الذي ذهب إليه الأئمة من أهل الحديث
والفقه والأصول أَن ضبط الراوي يعرف بأَن تكون روايته - غالباً -
كما روى الثقات ، لا تخالفهم إلا نارداً ، فإِذا كانت المخالفة نادرة ،
لم يخل ذلك بضبطه ، بل يحتج به ، لأن ذلك لا يمكن الاحتراز عنه ،
وإِن كثرت مخالفته ، اختل ضبطه ، ولم يحتج برواياته ، وكذلك
التخليط في روايته واضطرابها ، إِن ندر لم یضر، وإِن فحش ردت روايته.
وهؤلاء هم الطبقة الأولى أمثال منصور والأَعمش ومالك ...
والثاني : ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان . كعطاء
ابن السائب الكوفى التابعي الثقة ، لكنه اختلط في آخر عمره ، قال
أهل العلم بالحديث : فمن سمع منه قديماً فهو صحيح السماع ، ومن سمع
منه متأخراً فهو مضطرب الحديث ، وممن سمع منه قديماً الثوري وشعبة ،
من السامعين أخيراً جرير وخالد بن عبد الله ... كما قال أحمد ...
أَما الثالث : فهم قسمان : الأول المتهمون بوضع الحديث وتوليد
الأخبار ، والثاني من غلب عليهم المنكر والغلط .
وقد اختلف أهل العلم في بيان معنى قوله رحمه الله: (( فإِذا نحن
تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس ، أَتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها
بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان )) . فهل وفّى مسلم بهذا
الوعد أم لا .
قال الإِمامان الحافظان أَبو عبد الله الحاكم وصاحبه أبو بكر البيهقي
رحمهما الله تعالى: ((إِن المنية اخترمت مسلماً رحمه الله قبل إخراج
الثاني، وأَنه إِنما ذكر القسم الأول )).
ص

- ٧٢ -
وقد قبل الشيوخ والناس من الحاكم هذا القول وتابعوه عليه ،
ويشهد لما قاله الحاكم والبيهقي رحمهما الله تعالى ما قاله ابن سفيان "
صاحب مسلم ، أن مسلماً أَخرج ثلاثة كتب من المسندات ، أَحدها :
هذا الذي قرأه على الناس ، والثاني : يدخل فيه عكرمة وابن إِسحق
- صاحب المغازي - وأمثالهما، والثالث يدخل فيه من الضعفاءِ)) (١).
وخالف بعض أهل العلم ما قاله الحاكم وغيره . وبينوا أَن مسلماً
رحمه الله وفَّى بما وعد ، وذلك أنه إن انتهى من القسم الأول - وهو
حديث الحفاظ - أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان مع
كونهم من أَهل الستر والصدق وتعاطي العلم ، وعلى رأس هؤلاءِ القاضي
عياض رحمه الله تعالى .
لكن الذي قاله القاضى عياض ، لا يستقيم مع ما قاله ابن سفيان
صاحب مسلم ، وما هو منصوص عليه في شرطه - كما ذكره ابن الصلاح.
وعلى أي حال ، إِنما يختار مسلم من الطبقة الثانية في المتابعات
وليست في الأُصول . والله أعلم .
بقيت هناك بعض شروط مختلف فيها ، لابد من ذكرها .
فمنها : ما ذكره الحاكم في علوم الحديث من كون الراوي مشهوراً
بالطلب ، وليس مراده الشهرة المخرجة عن الجهالة ، بل قدر زائد
على ذلك .
قال عبد الله بن عون : لا يؤخذ العلم إلا عمن شهد له بالطلب .
(١) انظر شرح صحيح مسلم (١: ٢٣ - ٢٤).

- ٧٣ - .
وعن مالك نحوه .
وفي مقدمة صحيح مسلم : عن أبي الزناد قال : أدركت بالمدينة مائة
كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث ، يقال : ليس من أَهلِه .
قال الحافظ ابن حجر : والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار
ذلك ، إلا إذا كثرت مخارج الحديث ، فيستغنيان عن اعتبار ذلك ،
كما يستغنى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام .
قال : ويمكن أن يقال : اشتراط الضبط يغني عن ذلك . إِذ المقصود
بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناءٍ بالرواية لتركن النفس إِلى
كونه ضبط ما روى(١) .
ومنها : هل يشترط التلاقي بين كل راو ومن روى عنه أم يكتفي
بالمعاصرة ؟
اشترط اللُّقي البخاري رحمه الله تعالى واختاره أَتَّة هذا الفن ،
ودليلهم : أَن المعنعن عند ثبوت التلاقي إنما حمل على الاتصال ، لأَن
الظاهر ممن ليس بمدلس ، أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع ، ثم الاستقراءُ
يدل عليه ، فإِن عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك إلا فيما سمعوه إِلا المدلس ،
ولهذا رددنا المدلس ، فإِذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال (٢).
وخالف في المسألة الإِمام مسلم رحمه الله تعالى فاكتفى بإِمكان اللّقي
والاكتفاءِ بالمعاصرة (٣) وعلى هذا رجح أَثمة هذا الفن ما اشترطه البخاري
رحمه الله ورأوا أن شرطه أَدق ، وأَضيق .
(١) تدريب الراوى (١ : ٦٩ - ٧٠ ) وتوجيه النظر (٧٣ ) لكن وقع فيه
عبد الرحمن بن عون وهو خطأ .
(٢) شرح صحيح مسلم (١: ١٢٨) وانظر توضيح الأفكار (١: ١١٠) وما بعد .
(٣) انظر مقدمة صحيح مسلم حيث ذكر هذا الشرط (١: ١٢٩) وما بعد .

- ٧٤ -
قلت : وكلا المذهبين يخرج عنهما المدلس ، إذ المدلس لا يُقبل
حديثه إِلا إِذا صَرّح بالسماع ، وما وجد فيهما فهو محمول على السماع
واطلاعهما على تصريحه بالرواية . والله أعلم .
وبعد ما قدمته يتضح مدى الشروط التى فهمها أهل العلم بالحديث
من الصحيحين سواء ما صرحا به أَو فهم من كلامهما ، وهي أَعلى شروط
الصحة - ضبطاً ودقة وتحريا ، والله أعلم .

الفَضَّلَ الحَامِسْ
مَا بِ الصَّحِ يحِينَ
لقد امتاز الصحيحان على غيرهما من كتب الحديث - مجتمعة
أَو متفرقة - بمزايا عديدة ، واختصا دونها بخصائص جليلة ، وانفردا
بميزات قلما توجد في غيرهما ، مما جعلهما في المرتبة الأولى من كتب
الحديث ، بلا منازع ، ومكنت لهما الحظوة الرفيعة ، في نفوس أَهل
العلم بالحديث وغيره ، ثم في نفوس عامة المسلمين من بعدهم ، وارتبطت
بهما القلوب بعد كتاب الله عز وجل ، بما لم ترتبط بكتاب آخر مثلهما ،
واحتلا في النفوس الاحترام والتقديس والتقدير والتجلة ، بما ليس
لغيرهما ، وازدادا على مر الزمان حظوة على حظوة ، وارتفعا مكانة على
مكانة، وسَمَوا منزلةً فوق منزلة ، فكثرت الكتب المتعلقة بهما . من شروح
ومستخرجات ومختصرات ، وتعليقات ، ومستدركات ، وتراجم رجال ...
وهكذا إلى يومنا هذا، والأمر مستمر على ذلك، والفضل الله أولاً وآخراً .
وإِذا كانت الحظوة مرتبطة بشيءٍ فإنها لا شك مرتبطة بتوفيق الله
تعالى وفضله ، ثم لما كان عليه المصنف من حسن قصد ، وإخلاص نية ،
وارتباط بالله تعالى ، وإِخلاص له .
قيل للإمام مالك بن أنس - إمام دار الهجرة - رحمه الله تعالى وهو
يكتب موطأه : لم تكتب هذا وفلان كتب موطأَه وهو أَكبر من هذا
عشر مرات ؟ فقال : ما كان لله سيبقى .

- ٧٦ -
وصدق رحمه الله ، فإِن موطأً فلان لم يعرفه الناس ولم يُرو عنه ، بل
بقى حبيس أوراقه، أَما موطأ الإمام مالك فقد انتشر شرقاً وغرباً ، ورجل
إليه مئات العلماء والحفاظ ليأخذوه عنه مباشرة ، ومن ثم انتشر في
مختلف كتب الحديث بعده .
والشأن كذلك بالنسبة للصحيحين . وهذا كله فضل من الله تعالى
ونعمة منه ، وإلا فقد كان في عصر الشيخين وقبلهما وبعدهما من ألف
ما هو أكبر من الصحيحين . ولكن الفضل بيد الله .
وإِذا كان الصحيحان قد امتازا على غيرهما بميزات جمة - فإِنه مما
لا شك فيه أن كل واحد منهما قد امتاز هو الآخر عن صاحبه ، عرف ذلك
أهل العلم ، وبحثوها واستنبطوها من خلال قراءاتهم للصحيحين وسبرهم
لشروطهما ، واستخلصوا من ثناياهما وصنيعهما فيهما، وتتبعا لحال الشيخين
رحمهما الله تعالى .
لذا فإني سأذكر - بإذن الله تعالى - بعضاً مما امتاز به الصحيحان
عن غيرهما ، ثم ما امتاز به أحدهما عن الآخر . وذلك من خلال مطالعاتي
لهذين الكتابين الجليلين ، ومما كتب عنهما .
(١) مزاياهما على غير هما :
إِن من أهم الميزات التى امتاز بها الصحيحان - معاً - على غيرهما من
کتب الحديث هي :
أولا : كونهما احتويا على أرقى شروط الصحة :
إن تعريف الحديث الصحيح هو: (( ما رواه عدل تام الضبط متصل
السند من غير شذوذ ولا علة)) فشروط الحديث الصحيح أَن يحوي هذه

- ٧٧ -
الأمور الخمسة : العدالة ، الضبط، اتصال السند، غير شاذ، ولا معلل)).
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى - كما مر -: ((اعلم أن درجات
الصحيح تتفاوت بحسب تمكن الحديث من شروط الصحة ، وعدم تمكنه ،
وإِن أَصح كتب الحديث : البخاري ، ثم مسلم - كما تقدم - أَنه
الصحيح .... )) (١).
والذي قاله الحافظ العراقي رحمه الله تعالى أمر متفق عليه بين أهل
العلم بالحديث .
ثانياً : كونهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى :
لقد اتفقت كلمة الحفاظ من أهل الحديث ، وغيرهم على أَن أَصح
الكتب بعد كتاب الله تعالى : كتابا البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى .
وقد ذكرت نقول بعضهم - والإِجماع على ذلك - في بحث (( عُلُوّ مكانة
الصحيحين)) فانظره .
قال الإِمام ابن الصلاح رحمه الله: ((وعلى كل حال : فكتاباهما أَصح
كتب الحديث (٣)).
وقال الإمام النووي رحمه الله: ((وهما أصح الكتب بعد القرآن ... )) (٣).
وقال أيضاً: ((واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة : صحيحا
البخاري ومسلم ... )) (٤).
٠
(١) فتح المغيث (١ : ٢٣).
(٢) علوم الحديث (١٥).
(٣) التقريب (١: ٨٨).
(٤) تهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (١: ٠٠٧٣).

- ٧٨ -
وقال ابن تيمية رحمه الله: ((إِن الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس
(١)
· بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري ومسلم ... )) .
إلى غير ذلك من الأقوال التي اتفقت في مضمونها .
ثالثاً : الحكم بصحة كل أحاديثهما المسندة :
لقد اتفقت كلمة أهل العلم بالحديث على أن جميع ما في هذين
الكتابين مما روياه بالإِسناد المتصل المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم فهو صحيح ، والجزم بذلك واقع ومقطوع به عندهم .
قال الإمام النووي رحمه الله: (( وأَجمعت الأُمة على صحة هذين
الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما))(٢).
وقال إمام الحرمين رحمه الله: ((لو حلف إِنسان بطلاق امرأته أن
ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما
أَلزمته الطلاق، لإِجماع المسلمين على صحته)) (٣).
ومثله قول الحافظ أبي نصر الوايلي السجزي رحمه الله تعالى - بالنسبة
لصحيح البخاري . وانظر ما مر ففيه زيادة بيان .
رابعاً : هما أول من صنف الصحيح المجرد :
لقد اتفقت كلمة أهل العلم بالحديث وغيرهم على أن أول من جرد
الحديث الصحيح هو الإِمام البخاري ثم مسلم رحمهما الله تعالى .
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: ((أَول من صنف الصحيح :
(١) مجموع الفتاوى (٢٠ : ٣٢١).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (١ : ٧٣):
(٣) التدريب (١ : ١٣١ - ١٣٢).

- ٧٩ -
البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم ، وتلاه : أبو الحسين
مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري - من أنفسهم -)) (١).
وقال الحافظ السيوطي - رحمه الله - ناظماً كلام أهل الحديث
واتفاقهم :
على الصحيح فقط البخاري
وأول الجامع باقتصار
على الصواب فى الصحيح أَفضل
ومسلم من بعده والأَول
ثم قال :
وليس في الكتب أَصح منهما بعد القرآن ولهذا قدما
مروى ذين ، فالبخاري فما لمسلم ، فما حوى شرطهما
خامساً : يحويان أصح الصحيح : .
لقد اتفق أهل العلم بالحديث على أَن أَصح الحديث ما اتفق عليه
الشيخان ثم ما رواه البخاري ، ثم ما انفرد به مسلم ، ثم ما كان على
شرطهما ، ثم ما كان على شرط البخاري فقط ، ثم ما كان على شرط
مسلم فقط .....
كما اتفقوا على أن أَصح الصحيح ما رواه الشيخان - ما لم ينتقد .
قال الإِمام ابن الصلاح رحمه الله: (( وأَعلاها - أَى أَقسام الحديث
الصحيح - الأول ، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيراً : صحيح
متفق عليه ، يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم ... )) .
(١) علوم الحديث (١٣ .٠٠٠).

- ٨٠ -
وقد لخص الحافظ العراقي رحمه الله أقوال أهل العلم بالحديث ،
فقال ناظماً :
ثم البخاري ، فمسلم فما
وأرفع الصحيح مروبهما
فمسلم ، فشرط غير يكفي
شرطهما حوى ، فشرط الجعفي
سادساً : كون أحاديثهما لا يحتاج إلى الكشف عنها :
لما كان الصحيحان أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. وأَن ما اتفقا
عليه أَصح الصحيح من الحديث - وهو الذي يعبر عنه : بالمتفق عليه ،
والجزم بصحته متفق عليه ، ثم ما رواه البخاري ، ثم ما رواه مسلم هو
أُصح مما رواه غيرهما ، لذا فإِن أَحاديث الصحيحين يعمل بهما من غير
كشف عن حالتها ، وذلك لأن كلا من البخاري ومسلم قد جزم بصحة
أحاديث ما فى كتابه ، ثم تَلَقِّي الأُمة لهذين الكتابين يغني عن البحث .
قال أبو عبدالله الحميدي في كتابه (الجمع بين الصحيحين): (( لم
نجد من الأئمة الماضين - رضي الله عنهم - من أَفصح لنا فى جميع ماجمعه
بالصحة إلا هذين الإِمامين ... )) (١) .
وصحة أحاديث الكتابين - والعمل بهما من غير البحث عنها - يعود
إلى أربعة عوامل :
أولا : تواتر كثير من أحاديث الكتابين .
ثانياً : أَغلب أحاديث الكتابين متفق عليه بين الشيخين ، حيث ذكر
الحافظان ابن حجر والسيوطي رحمهما الله أَن مسلماً وافق البخاري على
تخريج ما فيه إلا ثمانمائة وعشرين حديثاً .
(١) علوم الحديث (٢٢).