Indexed OCR Text

Pages 701-720

٫٠٠.
٧٠١
النوع التاسع والستون: معرفة أسباب الحديث
عنهما قال: قدمنا المدينة فباء لنا وبأ من وعك المدينة شديد، وكان الناس يكثرون أن
يصلوا فى سُبَحِهم جلوسًا، فخرج النبى وَ له عند الهاجرة وهم يصلون فى سُبَحِهم جلوسًا،
فقال: "صلاة الجالس نصف صلاة القائم" قال: فطفق الناس حينئذ يتجشمون
القيام(١). قال ((عبد الرزاق)) عقيب هذا: أخبرنا ابن جُريج قال: قال ابن شهاب:
أخبرنى أنس بن مالك قال: قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة وهى مُحِمَّة فَحُمَّ
الناسُ، فدخل النبى وَ ل﴿ والناس يصلون - قعودًا - فقال: "صلاة القاعد نصفُ صلاةٍ
القائم" فتجشم الناس الصلاةَ قيامًا)،(٢).
والطريق الثانى أجودُ: فإن الزهرى لم يسمع عبد الله بن عمرو، وأيضًا فقد صح عن
عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما ما قد يخالف ظاهر ذلك، وهو ما رواه ((مسلم)) وغيره
من حديث هلال بن يَسَافٍ عن أبى يحيى عن عبدالله بن عمرو قال: حُدِّثتُ أن رسول
اللّه وَلي قال: "صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة". قال: فأتيته فوجدتُه يصلى جالسًا،
فوضعتُ يدى على رأسى فقال: ما لكَ يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حُدِّثتُ يا رسول
اللّه أنك قلت: "صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة" وأنت تصلى قاعدًا؟ [١٥٧/ظ]
قال: "أجل ولكنى لستُ كأحدِكم)،(٣).
فظهر من هذا الحديث أن ((عبد الله بن عمرو)) لم يسمع ذلك من النبى وصّل# قبل هذا،
بخلاف ما يُشعر به ظاهرُ حديث عبد الرزاق، ولعله سمعه من بعض الصحابة أولا، فلا
تنافى. وقد روى ((عبد الرزاق)) فى (مصنفه) عن ابن جريج: أخبرنى عمرو بن دينار عن
عبد الله بن عمرو بن العاص، رضى الله عنهما، عن النبى وَ* قال: "إن للقاعد فى
الصلاة نصفَ أجرِ القائم" ولم يتعرض فى هذا الحديث لذكر السبب. وما سبق من السبب
يستفاد منه أن هذا النصف لمن صلى وبه بعضُ مرضٍ لا يلحقه حَرجُ بالقيام، ويظهر من
هذا السبب أن الصلاة كانت فى المسجد، وذلك لأحد أمرين: إما لأن الظاهر من حال
(١) مصنف عبد الرزاق: ٤٧١/٢ ح (٤١٢٠) وفى طبعته: ((قدمنا بالمدينة فنالنا وباء)» وعلى هامشه:
الكلمة مشتبهة فى الأصل. وفيها: ((وهم يصلون فى سبحتهم)»
السبحة، بالضم، واحدة السبح: صلاة التطوع والذكر والنافلة (النهاية) ومنه سبحة الضحى صلاتها ونافلتها
.(المشارق).
(٢) المصنف: ٤٧١/٢، ح (٤١٢١) وفيه: ((فتجشموا الناس قيامًا)).
.
(٣) صحيح مسلم، ك صلاة المسافرين وقَصْرها. ولفظه فيه: ((فوضعت يدى على رأسه)) .... "ولكنى لست
كأحد منكم" (ح ٧٣٥/١٢٠).

٧٠٢
زيادات محاسن الاصطلاح
المهاجرين إذ ذاك أنهم لا بيوت لهم بالمدينة، وهذا إنما يستفاد بذكر السبب المذكور؛
والثانى أن تقريرهم على ذلك لبيان الجواز. وحديث ((عبد الله بن سعد)) السابق، نصٌّ فى
تفضيل صلاة النافلة فى بيوت المدينة، على صلاة النفل بمسجد المدينة.
ومن ذلك حديثُ: "لا تصومُ المرأةُ وبعلُها شاهدٌ إلا بإذنه" - وفى رواية: غيرَ
رمضانَ - رواه ((أبو هريرة)) وحديثه فى (الصحيحين(١)، والسنن) ولهذا سببٌ رواه
((أبوسعيد الخُدْرى)) رضى الله عنه، قال: جاءت امرأة إلى النبى وَلّه، ونحن عنده،
فقالت: يا رسول الله، إن زوجى صفوان بن المعطل السلمى يضربنى إذا صليتُ،
ويُفطر نى إذا صُمت، ولا يصلى صلاة الفجر حتى تطلع الشمس - قال: وصفوانُ عنده -
فسأله عما قالت، قال: يا رسول الله، أما قولها: يضربنى إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين
وقد نهيتها. قال [١٥٨/و] فقال: "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس." قال: وأما
قولها: يفطرنى فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر. فقال رسول اللّه وله
يومئذ: "لا تصم امرأة إلا بإذن زوجها" وأما قولها: إنى لا أصلى حتى تطلع الشمس، فإنا
أهلُ بيت ◌ُرِفَ لنا ذاك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال: "فإذا استيقظتَ
فصلٌّ". أخرجه أبو داود فى (سننه) (٢)، والحاكم فى (مستدركه) وقال: هذا حديث صحيح
على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.(٣)
وفى اللفظ المخرج فى (سنن أبى داود، والحاكم) وغيرهما: "فقال رسول اللّه وَله
يومئذ" وفيه دلالة تشعر بأن مبدأ هذا الحكم وسماعهم له، كان ذلك اليوم على هذا
السبب، وإلا فلا فائدة فى قوله: "يومئذ".
ومن ذلك حديث: "إذا أتيتم الصلاةَ فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وعليكم
(١) صحيح: البخارى ك النكاح، باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعًا - فتح البارى ٢٣٦/٩ - ومسلم:
ك الزكاة، باب أجر الخازن الأمين والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها غير مفسدة، بإذنه الصريح أو العرفى. (ح
١٠٢٦/٨٤) بلفظ: ((لا تَصُمْ)).
(٢) ك الصوم، باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها (٢٤٥٩). واللفظ منه.
(٣) المستدرك: ك الصيام: "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها" (٤٣٦/١).
أ
٠

٧٠٣
النوع التاسع والستون: معرفة أسباب الحديث
السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا - وفى رواية: فاقضوا»(١) تدل على أن
المسبوق يدخل مع الإِمام على أى حالهِ وجده، ثم إذا سلم الإِمام، أتى المسبوق بما بقى.
وقد جاء ذلك مصرحًا به فى حديث ((على، ومعاذ)) رضى الله عنهما، عن النبى وَّ، قال:
"إذا أتى أحدُكم الصلاةَ والإِمام على حالٍ، فليصنع كما صنع" رواه ((الترمذى))
واستغربه(٢) ورواه غيره أيضا.
ولهذا الحديث سبب وهو ما رواه ((أبو نعيم)) قال: ثنا سليمانُ بن أحمد قال: أنا
أبو زُرعة، أنا يحيى بن صالح الوُحَاظى، أنا فليح بن سليمان عن زيدبن أبى أنيسة عن
عمروبن مرة عن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن معاذبن جبل رضى الله عنه قال: كنا نأتى
الصلاةَ فإذا جاء رجل وقد سُبِقٍ بشىءٍ من الصلاة أشار [١٥٨/ظ] إليه الذى يليه: قد
سَبِقِتَ بكذا، فيقضى. قال: وكنا بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فجئتُ يومًا وقد سُبِقتُ
ببعضِ الصلاة، وأَشِير إلىَّ بالذى سُبِقتُ به. فقلت: لا أجده على حالٍ إلا كنت عليها.
فكنتُ بحالهم التى وجدتهم عليها. فلما فرغ رسول اللّه وَّ، قمت فصليت، واستقبل
رسولُ اللهِ وَ﴿ الناسَ وقال: "من القائل كذا وكذا؟" قالوا: معاذ بن جبل. فقال: "قد
سَنَّ لكم معاذ فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم وقد سُبِقَ بشىء من الصلاة فليُصَلُّ مع الإِمام
بصلاته، فإذا فرغ الإِمامُ فليقضِ ما سبقه به».(٣).
وروى ((أبو نعيم عن سليمان بن أحمد قال: أنا محمد بن محمد بن النَّار البصرى، ثنا
حرمى بن حفص العتكى، أنا عبدالعزيزبن مسلم، عن حصين، عن عبدالرحمن بن
أبى ليلى، عن معاذبن جبل، قال: "كان الناس على عهد رسول اللّه وَ ل إذا سُبق أحدهم
بشىء من الصلاة سألهم فأشاروا إليه بالذى سُبِقَ به فيصلى ما سُبِقَ به، ثم يدخل معهم
(١) انظر ألفاظ الروايات فيه، فى: صحيح البخارى، الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأتها بوقار.
وكتاب الجمعة، باب المشى إلى الجمعة (فتح الباري: ٢٦٥٧٩/٢) وصحيح مسلم، ك المساجد، باب استحباب
إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهى عن إتيانها سعيًا (ح: ١٥٥،١٥٣،١٥١).
(٢) الترمذى: أبواب الصلاة، ما ذكر فى الرجل يدرك الإِمام وهو ساجد، كيف يصنع (٧٣/٣) مع
العارضة.
(٣) مجمع الزوائد للهيثمى: ٨١/٢ (باب فى الكلام والإشارة فى الصلاة) وانظره فى (الاعتبار فى الناسخ
والمنسوخ من الآثار) للحازمى: باب ما نسخ من الكلام فى الصلاة، وذكر حديثٍ يدل على أن جواز ذلك كان
قبل الهجرة (١٤٢ - ١٤٤).
٠
:

٧٠٤
زيادات محاسن الاصطلاح
:
فى صلاتهم، فجاء معاذٌ والقومُ قعود فى صلاتهم فقعد معهم، فلما سلم رسول اللّه مَثّ، قام
فقضى ما سبق به، فقال رسول الله (َله:" اصنعوا ما صنع معاذ)،(١).
ويستفاد من ذكر هذا السبب أن المسبوق كان يبتدئ بعد أن يكون منفردًا. وقد أجاز
ذلك جمع من أهل العلم ومنهم ((الشافعى)) فى أرجح قوليه، وقال فى موضع آخر: ولا يجوز
أن يبتدئ الصلاةَ لنفسه ثم يأتم بغيره. وهذا منسوخ(٢)، وقد كان المسلمون يصنعون ذلك
حتى جاء عبدالله بن مسعود - أو معاذ بن جبل - وقد سبقه النبى وَّر بشىء من الصلاة،
فدخل معه ثم قام يقضى. فقال النبى وَله: "إن ابن مسعود - أو معاذًا - قد سَنَّ لكم
سُنَةً فاتبعوها" قال المزنى: [١٥٩/و] قوله عليه الصلاة والسلام: "إن معاذًا قد سن
لكم" يحتمل أن يكون النبى وَّل أمر أن يُسْتَنَّ بهذه السنة فوافق ذلك فعل معاذ، وذلك
أن بالناس حاجة إلى النبى وَّل فى كل مايُسَنُّ، وليس بها حاجة إلى غيره.
وما قاله ((المزنى)) يشير به إلى أن معاذا أقدم على ذلك بأمرٍ ظهر له من شريعة
النبى ێ.
ومن ذلك حديثُ: "ما حدثكم أهلُ الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا:
آمنا بالله وكتبه ورسله". هذا الحديث بهذا اللفظ مشهور. وله سبب، وهو ما رواه الإمام
أحمد فى (مسنده) وأبو داود فى (سننه) من حديث ((أبى نملة الأنصارى)) رضى الله عنه أنه
قال: بينما هو جالس عند رسول اللّه ◌َ ل﴿ه وعنده رجل من اليهود، مُرَّ بجنازة فقال:
يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبى وَله: "الله أعلم" فقال اليهودى: إنها
تتكلم. فقال رسول الله وَل: "ما حدثكم أهلُ الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم،
وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوه، وإن كان حقًّا لم تكذبوه" أخرجه
أبو داود فى كتاب العلم، فى الباب الثانى منه(٣).
(١) أخبار أصبهان، وانظر رواية سليمان بن أحمد، الطبرانى لحديث معاذ- رضى الله عنه فى (مجمع الزوائد
٨٢/٢) باب فى الكلام فى الصلاة والإِشارة.
(٢) الاعتبار للحازمى، باب فى المسبوق يصلى ما فاته ثم يدخل مع الإِمام فى الصلاة: (٢٠٤).
(٣) من السنن: باب رواية حديث أهل الكتاب (ح ٣٦٤٤).
أ

٧٠٥
النوع التاسع والستون: معرفة أسباب الحديث
ومن ذلك حديث: "الخراج بالضمان" رواه ((الإِمامان الشافعى وأحمد)) رضى الله
ءُ
عنهما وأصحابُ السنن الأربعة، من حديث عائشة رضى الله عنها (١)؛ وحَسَّنه
((الترمذى)) من طريق مخلد بن خُفاف، عن عروة عن عائشة؛ وصححه ((ابنُ حبان))
من هذا الطريق. ورواه ((الترمذى)) من حديث عُمَرَ بنِ على المُقَدَّمى عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من
حديث هشام؛"(٢) واستغربه ((البخارى)) من حديث عُمَرَ بن على(٣). وللحديث طرق
أخرى، وفى بعضها ذكر السبب، ذكره الإمام الشافعى)» من رواية مسلم بن خالد
الزنجى فقال: ولا أحسب، بل لا أشك إن شاء الله، أن مسلما(٤) نصَّ الحديثَ، فذكر
أن رجلا ابتاع عبدا فاستعمله، ثم ظهر منه على عيب. فقضى رسول اللهصل * بالعيب،
فقال المقضىُّ عليه: قد استعمله؛ فقال رسول اللّه وَله: "الخراج بالضمان".
وما ذكره ((الشافعى)) قد أسنده ((أبو داود)) من حديث مسلم بن خالد، على الجزم،
فقال: ثنا إبراهيم بن مروان قال: ثنا أبى، ثنا مسلم بن خالد الزنجى، ثنا هشام بن
عروة، عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها، أن رجلا ابتاع عبدًا، فأقام عنده ما شاء الله
أن يقيم، ثم وجد به عيبًا فخاصمه إلى النبى ول﴿ فردَّه عليه، فقال الرجل: يا رسول الله
قد استغل غلامى، فقال رسول اللّه ◌َله: "الخراج بالضمان"(٥).
ورواه ((ابن ماجه)) من حديث شيخه هشام بن عمار، قال: "ثنا مسلم بن خالد، ثنا
هشام" فذكره(٦).
(١) مسند الشافعى: (بيوع: ٨٤،٦٥).
من طريق مخلد بن خفاف عن عروة، والإِمام أحمد فى مسند عائشة: حديث عروة عنها رضى الله عنها.
والنسائى فى البيوع، باب الخراج بالضمان (٢٥٤/٧) وتأتى رواية أبى داود والترمذى وابن ماجه.
(٢) جامع الترمذى: بيوع، الخراج بالضمان (٢٧/٦) مع العارضة.
(٣) تاريخ البخارى الكبير: عمر بن على بن عطاء بن مُقدم - كمحمد - أبو حفص البصرى - ١٩٢ هـ:
٢٦٠/٧ (١٠٩٧).
(٤) مسلم، - شيخ الإِمام الشافعى - هو ابن خالد الزنجى - الفقيه المكى. ونص الحديث رفعه. والخراج
ما يخرج من غَلَة العين المبتاعة، وهو مستحق بالضمان (النهاية).
وقابل على الرواية فى (مسند الشافعى: ٨٤) بيوع.
(٥) سنن أبى داود: البيوع، باب الخراج بالضمان/ ح (٣٥١٠).
(٦) سنن ابن ماجه: التجارات/ ح (٢٢٤٣).
.... . . . .

٧٠٦
زيادات محاسن الاصطلاح
قال ((أبو داود)) عقب روايته الحديث: هذا إسناد ليس بذاك (١).
وإنما قال ((أبو داود)) هذا من أجل ((مسلم بن خالد الزنجى)). ومسلم بن خالد قد
وثقه يحيى بن معين فى رواية عباس الدورى والدارمى(٢)، ولم ينفرد برواية الحديث عن
هشام، فقد رواه عمر بن على المقدمى عن هشام - كما سبق - وتابعه على ذلك جريرٌ،
وإن كان جرير قد نْسِبَ فيه إلى التدليس. ولم ينفرد ((مسلم بن خالد)) بذكر السبب، فقد
جاء ذكر السبب من غير رواية مسلم بن خالد، قال الشافعى رضى الله عنه: أخبرنى
من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبى ذئب عن مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلامًا .
فاستغللتُه ثم ظهرتُ فيه على عيب، فخاصمته فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضَى له بردِّه
وقضى علىَّ بردِّ غلَّتِهِ. فأتيتُ [١٦٠/وأ عروة بن الزبير فأخبرته، فقال: أروحُ إليه
العشيةَ فأخبره أن عائشة أخبرتْنى "أن رسول الله وسل﴿ قضى فى مثل هذا أن الخراج
بالضمان" فعجلتُ إلى عمر رحمه الله، فأخبرتُهُ ما أخبرنى عروةُ عن عائشة عن النبى
وَلَّه، فقال عمرُ بن عبد العزيز: فما أيسر علىَّ من قضاء قضيتُه - والله يعلم أنى لم أرِدْ فيه
إلا الحقَّ - فبلغنى سنةُ النبىِ وَلَ فأردَّ قضاءَ عمر، وأنفذ سنةَ رسول اللّهِ وََّ؟ فراح إليه
عروةُ فقضى لى أن آخذ الخراج من الذى قضى به له،(٣).
وقد رواه ((أبو داود الطيالسى)) عن ابن أبى ذئب بمعنى رواية ((الشافعى))(٤) ورواية
الشافعى أنَّمُ. وذكر السبب يتبين به الفقهُ فى المسألة.
وقد جاء فى (سنن أبى داود) أمرٌ آخرُ يفهم منه تعدى ذلك إلى الغاصب. قال
((أبو داود)): ثنا محمود بن خالد، ثنا الفريابي، عن سفيان عن محمد بن عبدالرحمن عن
مخلد الغفارى قال: كان بينى وبين أناسٍ شركةٌ فى عبد فاقتويته وبعضنا غائب، فأغلّ
علىَّ غَلَّ خاصمنى فى نصيبه إلى بعض القضاة، فأمرنى أن أرد الغلة، فأتيتُ عروة بن
(١) سنن أبى داود: البيوع، باب الخراج بالضمان/ح (٣٥١٠).
(٢) الجرح والتعديل لابن أبى حاتم: ١٨٣/٨ (٨٠٠).
(٣) مسند الشافعى: ٨٤ ط ١٣٢٧ هـ.
(٤) مسند أبى داود الطيالسى: ٢٠٦/ ح (٦٤).

٧٠٧
النوع التاسع والستون: معرفة أسباب الحديث
الزبير فحدثتهُ، فأتاه عروةٌ فحدثه عن عائشة رضى الله عنها، عن رسول الله وَ لاه قال:
"الخراج بالضمان)"(١).
وقد أخذ بهذا العموم جماعةٌ من العلماء من المدنيين والكوفيين، والأخذُّ بالسبب
المرفوع أقوى، لأمورٍ ليس هذا موضع بَسْطِها.
ومن ذلك الإِرخاصُ فى العَرايا، رواه ((البخارى، ومسلم)) من حديث ابن عمر عن
زيد بن ثابت رضى الله عنهم، ومن حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما(٢). وفى
الصحيحين من حديث أبى هريرة، تقييدُ الرخصة بما دون خمسة أوْسُق، أو خمسة أوسُق.
شَكّ داودُ [١٦٠/ظ] بن الحصين أحد رواة الحديث(٣).
ولذلك سببٌ ذكره ((الشافعى)) وغيره. قال الشافعى رضى الله عنه فى (كتابٍ
البيوع)(٤): "وقال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب النبى وَلاير - إما زيد بن ثابت،
وإما غيره - ما عَراياكم هذه؟ قال: فلان وفلان - وسمى رجالا محتاجين من الأنصار -
شکوا إلی النبی پټ ان الرطب یأتی ولا نقد بأيديهم یبتاعون به رطبًا يأكلونه مع الناس،
(١) سنن أبى داود، بيوع، باب فيمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد فيه عيبا ح (٣٥٠٩) ووقع فى طبعة
دار صادر ببيروت: [حدثنا محمود بن خالد الفريابى] فاختل السند. وإنما يروى أبو داود عن محمود بن خالد بن
يزيد الدمشقى السلمى إمام مسجد سلمية، توفى سنة ٢٤٩ هـ. ومحمود بن خالد يروى عن الفريابى، أبى عبدالله
محمد بن يوسف بن واقد، نزيل قيسارية الشام (ع) توفى سنة ٢١٢ هـ.
(٢) حديث ابن عمر عن زيد بن ثابت، وحديث جابر بن عبد الله، رضى الله عنهم، فى الإِرخاص فى بيع
العرايا، فى (اللؤلؤ والمرجان، بيوع/ ح (٩٨٢، ٩٨٥، ٩٨٣) وروجع على الصحيحين.
(٣) أخرجه الشيخان من طريق مالك عن داود بن الحصين عن أبى سفيان - مولى ابن أبى أحمد بن
جحش. عن أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول اللّه وَليل أرخص فى بيع العرايا بِخُرْصها، فى خمسة أوسق أو
دون خمسة أوسق. ولم يذكر البخارى فى باب بيع الثمر على رءوس النخل ممن الشك. وأخرجه فى (كتاب.
المساقاة) من طريق مالك عن داود، وفى آخره: ((شك داود فى ذلك)) (فتح البارى ٣٣/٥) وذكره مسلم، آخر
الحديث: "يشك داود، قال: خمسة، أو دون خمسة". بيوع، باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا فى العرايا:
ح (١٥٤١/٧١).
ورواه مالك فى الموطأ (بيوع: ح ١٤) وفى التقصى لابن عبد البر (ح: ٥١) وبسط القول فى شرحه وفقهياته
فى (التمهيد ٣٢٣/٣) وانظر معه (فتح البارى: ٢٦٥/٤).
(٤) من كتاب الأم، وانظر مسند الشافعى: بيوع (٥٠).

٧٠٨٠
زيادات محاسن الاصطلاح
وعندهم فضول من قوتهم من التمر؛ فرخَّص لهم أن يبتاعوا العرايا بِخُرْصها، من التمر
الذى فى أيديهم يأكلونها رطبًا".
وقال الشافعى رضى الله عنه فى (كتاب اختلاف الحديث): ((والعرايا التى أرخص
رسولُ اللهِ وَله فيها، ما ذكره محمود بن لبيد قال: سألت زيد بن ثابت فقلت:
ما عراياكم هذه التى تحلونها؟)) فذكر معنى ما ذكره فى البيوع، قال الشافعى رحمه الله:
وحديث سفيان يدل على مثل هذا الحديث: وهو ما رواه الشافعى رحمه الله عن سفيان
عن يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار، قال: سمعت سهلَ بن أبى حَثْمَة يقول: "نهى
النبى وَّر عن بيع الثمر بالتمر، إلا أنه رخص فى العرايا أن تباع بخرصها تمرًا يأكلها
أهلها رطبًا،»(١).
وأراد الشافعى بذلك قوله: "يأكلها أهلها رطبًا" وليس يدل على تتمة السبب.
*
ومن ذلك حديثُ النهى عن كراء الأرض - وفى لفظٍ: كراء المزارع، وهو المراد
بالأول - رواه عن النبى ﴿ جماعة من الصحابة، منهم ((رافع بن خَدِيج)) ولحديثه طرق،
منها ما رواه نافع: أن ابن عمر كان يكرى مزارعه على عهد النبى وَعليه، وفى إمارة
أبى بكر وعمر وعثمان، وصدرًا من خلافة معاوية، حتى بلغه [١٦١/و] فى آخر خلافته أن
رافع بن خَدِيج يحدث فيها بِتَهْىٍ عن رسول اللّه وَلَ. فدخل عليه وأنا معه، وسأله فقال:
"كان رسول الله صله ينهى عن كراء المزارع" فتركها ابن عمر بعد ذلك، فكان إذا سُئِلَ
عنها بعدُ، قال: "زعم ابنُ خديج أن رسول الله: ﴿ نهى عنها" رواه ((مسلم)) بهذا
اللفظ(٢)، وفى (البخارى) نحوُه إلى قوله: ثم إن النبى ول﴿ نهى عن كراء المزارع؛ فقال
ابن عمر: قد علمتُ أنا كنا نكرى مزارعنا على عهد رسول اللهصله بما على الأربعاء
بشىء من التبن"(٣).
(١) مسند الشافعى، بيوع (٥٠) وفيه: ((رخّص فى العرِيَّة)) واحد العرايا. وهى رواية حديث سهل بن
أبى حثمة الأنصارى، رضى الله عنه، فى الصحيحين. وانظره فى اللؤلؤ والمرجان: ١٥٨/٢ (٩٨٦) ومع (فتح
البارى ٢٦٦/٤).
(٢) صحيح مسلم. بيوع، باب كراء الأرض / ح (١٥٤٧/١٠٩) ..
(٣) كتاب المزارعة من صحيح البخارى باب من كان من أصحاب النبى ولي﴿ يواسى بعضهم بعضا فى
الزراعة والثمرة: (فتح البارى ١٦/٥) قال ((القسطلانى)) على هامشه: ((قوله: الأربعاء، بفتح الهمزة=
5

٧٠٩
النوع التاسع والستون: معرفة أسباب الحديث
وفى روايةٍ لنافع أن ابن عمر كان يؤجر الأرض قال: "فُنُبِىِّ حديثًا عن رافع، قال:
فانطلق بى معه إليه. قال فذكر عن بعض عمومته ذكر عن النبى و لل أنه نهى عن كراء
الأرض، قال: فتركه ابن عمر فلم يأجُرْه". رواه («مسلم» بهذا اللفظ (١).
ومنها روايةُ سالم بن عبد الله: "أن عبد الله بن عمر كان يكرى أرضه، حتى بلغه أن
رافع بن خديج الأنصارى كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد الله فقال: يا ابن
خديج، ماذا تحدث عن النبى وَل﴿ فى كراء الأرض؟ قال رافع بن خديج لعبد الله:
"سمعت عمَّىَّ - وكانا قد شهدا بدرًا - يحدثان أهلَ الدار أن رسول اللّهِوَ لآ نهى عن
كراء الأرض. قال عبد الله: لقد كنت أعلم فى عهد رسول اللّه وَّل أن الأرض تُکری. ثم
خشى عبد الله أن يكون رسول الله وقليل أحدث فى ذلك شيئًا لم يكن يعلمه، فترك كراء
الأرض" رواه ((مسلم))(٢). وأخرج ((البخارى)) قولَ عبدالله بن عمر الذى فى آخره(٢).
ومنها رواية أبى النجاشى مولى رافع بن خديج، عن رافع، أن ظهير [٦١/ظ] بن
رافع - وهو عمه - قال ظهير: لقد نهى رسول الله وَلقول عن أمرٍ كان بنا رافقًا، فقلت:
وما ذاك؟ ما قال رسول اللّه وَل فهو حق. قال: سألنى: كيف تصنعون بمحاقلكم؟
فقلت: نؤاجرِها يا رسول اللّه على الرُّبع والأوسُقِ من التمر والشعير، قال: "فلا تفعلوا،
ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها".
رواه البخارى وفى روايته: قال رافع: قلت سمعًا وطاعة(٤). ورواه ((مسلم)) وهذا
لفظه(٥).
1 --- --.....
=وسكون الراء وكسر الموحدة، ممدودًا: جمع ربيع وهو النهر الصغير. وقوله: من التبن؛ بالموحدة الساكنة.
وحاصل حديث ابن عمر هذا، أنه ينكر على رافع إطلاقه فى النهى عن كراء الأراضى، ويقول: الذى نهى
عنه *، هو الذى كانوا يدخلون فيه الشرط الفاسد، وهو أنهم يشترطون ما على الأربعاء، وطائفة من التبن،
وهو مجهول)) اهـ ٣٢/٢ - ٣٥.
(١) فى البيوع، باب كراء الأرض: ح (١١١).
(٢) فى البيوع، باب كراء الأرض: ح (١١٢).
(٣) المزارعة، باب ما كان من أصحاب النبى * يواسى بعضهم بعضا فى الزراعة والثمرة (فتح البارى
١٦/٥).
(٤) المزارعة، باب ما كان من أصحاب النبى ﴿ يواسى بعضهم بعضًا (فتح البارى ١٥/٥).
(٥) صحيح مسلم، بيوع، باب كراء الأرض بالطعام: ح (١١٤، ١١٣).

٧١٠
زيادات محاسن الاصطلاح
ومنها رواية سليمان بن يسار عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول
اللّه ◌َله فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمَّى، فجاءنا ذاتَ يوم رجل من عمومتى فقال:
"نهانا رسول اللّهِ وَ﴿ه عن أمرٍ كان لنا نافعًا، وطواعيةُ اللّه ورسوله أنفعُ لنا: نهانا أن نحاقل
الأرض فنكر بها على الثلث والربع والطعام المسمَّى، وأمرَ رَبَّ الأرضِ أن يَزْرَعها
[أو يُزرعَها] وكره كراءها وما سوى ذلك" رواه ((مسلم)) بهذا اللفظ(١)، وله
طرق. وممن رواه من الصحابة: ((جابر بن عبد اللّه)) وله ألفاظ كلها فى (الصحيح) منها
عن جابر قال: "نهى رسول اللّه وَلل عن كراء الأرض" ومنها، عنه، قال: قال رسول الله
وَ﴾: " من كانت له أرض فليَزْرَعها، فإن لم يزرعها فلْيُزْرِعها أخاه". ومنها، قال [جابر]:
كان لرجالٍ فضولُ أرضِين من أصحاب رسول الله و الله، فقال رسول اللّه وَليقول: "من
كانت [١٦٢/و] له فضلُ أرضٍ فليَزْرِعْها أو ليمنحْها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضَه".
ومنها، قال: قال رسول اللّه وَله: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليُزْرِعْها أخاه،
ولا یگرِها".
والكلُّ من رواية ((عطاء)) عنه(٢).
ومنها رواية ((سعيد بن ميناء)) عنه، أن رسول اللّه وسلإليه قال: "من كان له فضل أرضٍ
فلَيَزْرَعْها أو ليُزْرِعْها أخاه. وقال: ولا تبيعوها" قال الراوى عن ابن ميناء: ما ((ولا
تبيعوها))؟ يعنى الكراء؟ قال: نعم (٣).
وممن روى ذلك من الصحابة ((أبو هريرة) رضى الله عنه، عن النبى وَال أنه قال: "من
كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليُمسْ أرضه" رواه ((مسلم)) مسندًا (٤)،
(١) فى صحيحيه: بيوع، باب كراء الأرض بالطعام: ١١٣.
(٢) عطاء بن يسار، عن جابر رضى الله عنه. والأحاديث الأربعة، له، هنا فى صحيح مسلم: ك البيوع،
ياب كراء الأرض بالطعام: ح (٨٧، ٨٨، ٨٩، ٩٢) والثالث فى البخارى أيضًا، ك المزارعة باب ما كان من
أصحاب النبى وَ﴿ يواسى بعضهم بعضا (فتح البارى ١٥/٥) وفى كتاب الهبة: فضل المنيحة.
(٣) عن جابر رضى الله عنه. أخرجه مسلم فى البيوع، باب كراء الأرض، من رواية سليم بن حيان عن
سعيد بن ميناء عنه، قال: سمعت رسول الله وَ ل98 يقول: / فذكره. قال سليم، فقلت لسعيد: ما قوله: لا
تبيعوها؟ يعنى الكراء؟ قال نعم. ح (٩٤).
(٤) أسنده مسلم عن شيخه حسن بن على الحلوانى: حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية - هو ابن سلام - عن
يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبدالرحمن، عن أبى هريرة، يرفعه (باب كراء الأرض ح: ١٥٤٤/١٠٢).
أ
أ

٧١١
النوع التاسع والستون: معرفة أسباب الحديث
وذكره ((البخارى)) تعليقًا.(١)
ولذلك سبب، وهو ما جاء عن ((رافع بن خَدِيج)) قال: "كنا أكثر أهلِ المدينة
مزرعًا، كنا نكرى الأرض بالناحية منها على مسمى، فممّا يصاب ذلك وتسلم الأرض، ومما
تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا. فأما الذهب والورِق فلم يكن يومئذ" رواه
البخارى(٢).
وعن رافع بن خَدِيج قال: "كنا أكثر الأنصار حقلا، كنا نكرى الأرض على أن لنا
هذه ولهم هذه، قال: فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك. فأما الورق فلم
يَنْهَنَا" رواه ((مسلم)) وهذا لفظه (٣) وروى ((البخارى)) عنه قال: "كنا أكثر أهل المدينة
حقلا، وكان أحدُنا يكرى أرضه فيقول: هذه القطعة لى وهذه لك، فربما أخرجت ذه ولم
تخرج ذه. فنهاهم النبى وَّر وفى لفظ له أيضًا: فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهينا -
عن ذلك، ولم نُنْه عن الورق)،»(٤).
ولـ ((مسلم)) عن حنظلة بن قيس الأنصارى، أنه سأل رافع بن خَدِيج عن كراء
الأرض فقال: "نهى رسول اللّه وَّل عن كراء الأرض، قال، فقلت: أبِالذهب والوَرِق؟
قال: [١٦٢/ظ] أما الذهب والورق فلا بأس به»(٥). وفى رواية لمسلم عن حنظلة، قال:
"سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به، إنما كان
الناس يؤاجرون على عهد النبى هلجر على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع،
فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا وبهلك هذا. فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك
زجر الناس عنه، فأما شىء معلوم مضمون، فلا بأس به)،(٦).
(١) فى كتاب المزارعة، تعليقا: ((وقال الربيع بن نافع أبو توبة: حدثنا معاوية عن يحيى عن أبى سلمة عن
أبى هريرة)) فذكره. قال الحافظ ابن حجر: ((وأبو توبة ثقة، ليس له فى البخارى سوى هذا الحديث، وآخر فى
الطلاق. وقد وصل مسلم حديث الباب عن الحسن الحلوانى عن أبى توبة .. وقد أطنب النسائى فى جمع طرقه
(فتح البارى ١٦/٥) مع سنن النسائي، بيوع. والدارقطنى كذلك فى (كتاب البيوع من سننه).
(٢) فى المزارعة .. فتح البارى ٧/٥.
(٣) البيوع، باب كراء الأرض بالذهب والورق) الفضة/ح ١٥٤٧/١١٧.
(٤) البخارى المزارعة، باب ما يكره من الشروط (فتح البارى ١٠/٥).
(٥-٦) ح ١١٥، ١١٦ من (باب كراء الأرض بالذهب والورق، كتاب البيوع، صحيح مسلم) الماذيانات:
بذال معجمة مكسورة ثم ياء مثناة ثم ألف ثم نون ثم ألف ثم تاء مثناة - وحكى عن بعضهم فتح الذال المعجمة
- وهى مسايل المياه، جمع مسيل، وقيل: هى ما ينبت على حافتى مسيل الماء، وقيل: ماينبت حول=

٧١٢
زيادات محاسن الاصطلاح
فقد صرحت هذه الرواياتُ بالسبب المقتضى للنهى. وأما ما سبق من رواية سليمان بن
يسار عن رافع عن رجل من عمومته التى فيها النهى عن كراء الأرض بالطعام المسمَّى -
وقد رواها ((مسلم)) من طريق أبى الطاهر عن رافع، من غير ذكر: بعض عمومته(١) -
فهو محمول على الطعام المسمَّى من تلك الأرض، لا على المضمون فى الذمة. ولهذا السبب
طرق أخرى من رواية رافع.
وأما رواية جابر، يرفعه، قال: كنا نخابر على عهد رسول اللّه وَ ل فنصيب من
القِصْرَى ومن كذا، فقال رسول اللّه وَله: "من كانت له أرض فليزرعها أو فَلْيُحْرَتْها
أخاه، وإلا فليدْها" رواه ((مسلم))(٢) وله عنه، قال: كنا فى زمان رسول اللّهِ وَاللَ نأَخذ
الأرض بالثلث أو الربع، بالماذيانات؛ فقام رسول اللّه وَ لقر فقال: "من كانت له أرض
فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها،،(٣).
فظهر بذلك أن النهى عن كراء الأرض فى حديث جابر، إنما كان لهذا السبب، لا أنه
نهى عن الإِجارة مطلقًا. ويكون نهى عن كراء الأرض بما كان يُعتاد من الأمور التى فيها
[١٦٢/ و] الغَرَرُ والجهل، ويؤدى إلى النزاع. ويشهد له ما جاء عن ((سعد بن
أبى وقاص)): أن أصحاب المزارع فى زمان رسول الله پلے، كانوا يُگرون مزارعهم بما
يكون على السواقى من الزروع، وما سُقى بالماء مما حول البئر، فجاءوا رسولَ اللّهِ وَلـ
فاختصموا فى ذلك، فنهاهم رسول اللّه وَيه أن يُكْرُوا بذلك، وقال: "اكروا بالذهب
والفضة" رواه الإِمام أحمد - وهذا لفظُه - وأبو داود، والنسائى(٤).
= السواقى، وهى لفظة معربة، وقال الخطابى: هى الأنهار وهى من كلام العجم صارت دخيلا فى كلامهم
(القاموس: مذى، ومشارق الأنوار ٣٧٦/١).
وأقبال الجداول: أى أوائلها ورءوسها، جمع جدول، المجرى الصغير من الماء.
(١) ح: ١١٤ من الباب: عن شيخه أبى الطاهر المصرى أحمد بن عمرو بن السرح الحافظ.
(٢) بيوع، باب كراء الأرض (ح: ٩٥) والقصرى، ما يصاب من بقايا السنبل. انظر الخلاف فى ضبطها فى
فصل الاختلاف والوهم من حرف القاف، فى (مشارق الأنوار ١٨٩/٢).
(٣) الحديث رقم ٩٥ من (باب كراء الأرض: كتاب البيوع، فى صحيح مسلم) والمخابرة: المزارعة على
نصيب معين، كالثلث والربع وغيرهما (النهاية: الخاء مع الباء).
(٤) المسند: حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، وأبو داود فى البيوع، باب فى المزارعة، بلفظ مقارب.
ح (٣٣٩١) والنسائى فى البيوع.
والغرر، ما كان له ظاهر يغر المشترى وباطن مجهول (النهاية) ونهى عن بيع الغرر وهو الجهل بالمبيع أو ثمنه
أو سلامته أو أجْلِه (المشارق ١٣١/٢).

٧١٣
النوع التاسع والستون: معرفة أسباب الحديث
وللعلماء فى هذه الأحاديث مقالات ليس هذا موضع بسطها، وما ذكر فى هذا النوع من
الأسباب: قد يكون ما ذكر عقبَ ذلك السبب من لفظ النبى صلى الله عليه وسلم أوَّلَ ما
تكلم به النبى ◌َله فى ذلك الوقت؛ وقد يكون تكلم به قبلَ ذلك لنحو ذلك السبب أوْ لا
السبب، وقد يتعين أن يكون أول ما تكلم به فى ذلك الوقت لأمورٍ تظهر للعارفِ بهذا
الشأنَّ.
وفى أبواب الشريعة والقَصَصِ وغيرها، أحاديثُ لها أسباب يطول شرحُها. وما ذكرنا
أنموذج لمن يريد تَعَرُّفَ ذلك، ومَدخّل لمن يريد أن يضيف مبسوطًا فى ذلك، والمرجو من
الله سبحانه وتعالى الإعانة على مبسوطٍ فيه، بفضله وكرمه.
١

النوع الموفى سبعين
التاريخ المتعلّق بالمتون(*)
هذا النوع فوائدهُ كثيرة، وله نفع كبير فى معرفة الناسخ والمنسوخ، ويُعرف به ابتداءُ
مشروعية ذلك الشىء، فيظهر بذلك خلوُّ الزمان الذى قبلَه عن مشروعية ذلك الشىء،
إما لأن الحكم إلى ذلك الوقت لم يكن محتاجًا إليه، أو لم يُطلَبْ إلا ذلك الوقتَ؛ وإما لأنه
كان قبله حكم [١٦٣ /ظ] آخرُ ارتفع بهذا، فيكون من قسم الناسخ والمنسوخ؛ أو لم
يرتفع بالكلية بل اقتضى الحالُ التخييرَ؛ وفى عَدِّ ذلك من النسخ بحث ليس هذا موضعه.
والتاريخ قد يكون بمجرد: أولَ ما كان كذا، وبالقَبْلية، والبَعْدِيَّة، وبآخِرِ الأمريْنِ.
ويكون: بذكرٍ السنة أو بذكر الشهر، أو بغير ذلك مما يُعرف به التاريخ. وهذا نظيرُ ما
تكلم عليه جمع من العلماء فى النازل من القرآن قبلُ، وما نزل بعدُ. والمكىُّ والمدنىُّ فيه
تبيين لذلك. وربما تكلموا على صيفيِّه وشتائيه، وليليِّه ونهاريه، وإن لم يكن من هذا القبيل
إلا بتبيّنْ التاريخ.
فمن الأوائل:
«أول ما بدىُّ به رسولُ اللهِ وَله من الوحى الرؤيا الصادقةُ، فكان لا يرى رؤيا إلا
جاءت كفلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاءُ" الحديث بطوله ثابت فى (الصحيحين)(١).
وقد صَنف العلماء فى (الأوائل)، وفى (مصنف ابن أبى شيبة)(٢) فى أواخره (کتابُ
* ذكره للسراج البلقيني: الشمس السخاوى فى (تواريخ الرواة والوفيات من فتح المغيث ٢٨٤/٣).
والجلال السيوطى فى النوع التسعين من تدريب الراوى ٣٩٥/٢).
(١) البخارى فى كتاب بدء الوحى، مفتتح الصحيح، ومسلم فى كتاب الإيمان، باب بدء الوحى، من حديث
السيدة عائشة رضى الله عنها.
(٢) الطبعة الأولى الكاملة: الدار السلفية، بومباى ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م فى خمسة عشر مجلدا. وكتاب
الأوائل فى المجلد الرابع عشر: ص ٦٨ - ١٤٩ الأحاديث (١٧٥٨٢ - ١٧٨٩٧) ومنها أرقام الأحاديث فيما
ننقل هنا من (المصنف) والمقابلة عليها. وهو بتحقيق السيد، مختار أحمد الندوى.
٧١٤

٧١٥
النوع الموفى سبعين: التاريخ المتعلّق بالمتون
الأوائل) وتكلم الناس فى أول ما خلق الله جل جلاله، وقد تعرض لذلك المؤرخون
وغيرُهم. ولسنا بصدد البسط لذلك وإنما نذكر أمورًا تتعلق بالأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، وبشريعتنا، وقد يكون ذلك مما صح عن النبى و﴿، أو جاء بإسنادٍ حسن أو
ضعيف، أو لم يكن مرفوعًا بل كان موقوفًا أو مقطوعًا. فمن ذلك:
"أول الأنبياء آدم" رواه أبو ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم. وأسنده ابن أبى شيبة
فى (مصنفه) فقال: حدثنا يزيد عن المسعودى، عن أبى عمرو، عن عبيد بن الحسحاس،
عن أبى ذر قال: دخلت على رسول اللّه وَله وهو فى المسجد، قلت: أى الأنبياء أول؟
قال: "آدم" [١٦٤/و] قلت: وهل كان نبيًّا؟ قال: نبى مُكَلَّم"
إسنادُ الحديث حسن، وعبيد بن الحسحاس روى له النسائى - ويقال بالحاء والسين
المهملتين المكررتين، وبالخاء والشين المعجمتين المكررتين، وهو أشهر (١).
ولـ ((آدَمَ)) صلى الله عليه وسلم أوائلُ مخصوص بها معلومة؛ ولمن بعده أوائلُ: فمن
ذلك ما ثبت عن النبى وَله من قوله: "لا تُقْتَل نفس [ظلًا] إلا كان على ابنِ آدمَ الأولِ
منها كِفْلٌ، فإنه أولُ من سَنَّ القتلَ،»(٢).
ولـ ((نوحٍ)) صلى الله عليه وسلم أوائلُ، وثابت فى (حديثِ الشفاعة) أنه أول رسولٍ بُعِثَ
إلى أهل الأرض (٣). وله أوائلُ معروفة فى اتخاذِ السفينة وركو بها، وغير ذلك. ومن
(١) المصنف: ك الأوائل ح (١٧٧٨٢) وإسناده فى الأصل: ((حدثنا يزيد عن المسعودى عن أبى عمرو)) -
عدل عنها المحقق إلى [أبى عمر] كما فى طبقات ابن سعد - رجال الإسناد: يزيد بن هارون، أبو خالد الواسطى
الحافظ (ع) عن المسعودى عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الكوفى (خت ٤) عن أبى عمر، ويقال
أبو عمرو أيضًا، الشامى الدمشقى (س) عن عبيد بن الحسحاس، بمهملات وبمعجمات، التابعى (س).
وهو السند فى سنن النسائى لحديث أبى ذر، رضى الله عنه، مرفوعًا.
(٢) المصنف (١٧٨٢٥) بلفظ "إلا كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها" وهى الرواية لحديث ابن مسعود
فى الصحيحين: البخارى فى كتاب الأنبياء، ومسلم فى القسامة باب إثم من سَنَّ القتل. وانظره فى (اللؤلؤ
والمرجان ٢٠٩/٢).
(٣) اقتصر فى المصنف فى أولية نوح عليه السلام، نبيًّا، على حديث الشفاعة عن أنس رضى الله عنه
مرفوعًا (١٧٧٨٨) ومن حديث أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعًا (١٧٧٨٩) وحديثهما كاملا فى الصحيحين:
عن أنس رضى الله عنه فى البخارى، ك التوحيد، ومسلم ك الإيمان. وحديث أبى هريرة رضى الله عنه فى.
البخارى، ك التفسير سورة الإسراء. ومسلم فى الإِيمان، وبلفظ مسلم فى (اللؤلؤ ٥٢/١، ٥٤ ح ١١٩، ١٢٠).

٧١٦
زيادات محاسن الاصطلاح
أغربها أنه أولُ من اتخذ الكلبَ للحراسة. روى ((القاسمُ بن مسلمة)) بإسناده عن علقمة
عن عبد الله رضى الله عنه أنه قال: "أول من اتخذ الكلب نوح صلى الله عليه وسلم،
قال: ياربِّ، أمرتَنى أن أصنع الفُلْك(١) فأنا فى صناعته أصنع أيامًا، فيجيئوننى بالليل
فيفسدون، كل ما عملت أفسدوه، فمتى يلتئم لى ما أمرتنى به فقد طال علىَّ أمرى؟
فأوحى الله تعالى إليه: ((يانوعُ اتخذْ كلبًا يحرسك)) فاتخذ نوح كلبًّا، فكان يعمل بالنهار
وينام بالليل فإذا جاء قومهُ ليفسدوا ما عمل بالليل نبحهم الكلب، فيتنبه نوح فيأخذ
الهراوة لهم ويثب إليهم فيهربون منه، فالتأم له ما أراد،، (٢).
و لـ ((إبراهيم)) صلى الله عليه وسلم أوائلُ: فمن ذلك أنه "أولُ من شابَ، وأول من
· خطبَ على المنابر، وأولُ النَاس أضاف الضيفَ، وأول الناسِ اختتنَ، وأول الناس قلّم
أظفاره وجزَّ شاربه واستحدَّ، وأولُ من عقد الألويةَ، وأولُ من يُكسى يومَ القيامة". يُروَى
بعضُ ذلك مرفوعا، وبعض [١٦٤/ظ] ذلك موقوفا (٣).
(١) لم أقف فى طبعة المصنف على أولية نوح عليه السلام فى اتخاذ السفينة وركوبها. وحديثه فى صحيح
البخارى، ك التفسير، باب ((ذرية من حملنا مع نوح)) فتح البارى ٢٣٤/٦.
(٢) المصنف: ح (١٧٨٩٥) وسنده فى المطبوعة: أخبرنا مسلمة، حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن
يوسف المكى البغدادى بالقلزم، قال: حدثنى أبى رحمه اللّه قال حدثنا أبى محمد بن يوسف قال حدثنا أبو داود
سليمان بن عمرو النخعى، حدثنا سعيد بن إياس - هو الجريرى - ١٤٤ هـ - عن علقمة عن عبد الله بن
عباس.
وهذا الحديث يقع فى سبعة عشر حديثًا أواخر كتاب الأوائل (١٧٨٨١ - ١٧٨٩٧) تالية لقوله: بعد الحديث
١٧٨٨٠، آخر كتاب الأوائل والحمد لله. قال المحقق على هامشه: إنه مما يدل على انتهاء أوائل ابن أبى شيبة هنا،
وأما بعده فهو إضافة، استمرارا لما هنا (ص ١٣٩/١٤).
وتبدأ هذه المجموعة المضافة بهذا الإسناد: حدثنا أبو القاسم مسلمة بن القاسم حدثنا أبو الحسن
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد بن حجر القرشى العسقلانى بعسقلان، حدثنا أبو الفضل صالح بن
أحمد بن محمد بن حنبل ... )) وصالح من طبقة تلاميذ أبى بكر بن أبى شيبة المتوفى سنة ٢٣٤ هـ - ثم يتكرر
الإسناد عن مسلمة فى عشرة أحاديث من هذه المجموعة المزيدة. ومسلمة بن القاسم من أعلام القرن الرابع
وهو راوى الحديث الأول من كتاب الأوائل فى المصنف (١٧٥٨٢) قراءة على محمد بن أحمد بن الجهم، ابن
الوراق المالكى ببغداد سنة ٢٣٤ هـ قال: قرى على أبى أحمد محمد بن عبدوس بن كامل السراج وأنا أسمع
سنة تسعين، ومائتين، قال: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة الكوفى.
(٣) موزعة فى المصنف: أول من شاب (١٧٥٨٨-١٧٧٨٤) وأول من خطب على المنابر، (١٧٥٨٦)=
1

٧١٧
النوع الموفى سبعين: التاريخ المتعلّق بالمتون
جـ
ومن الأوائل لِـ («إسماعيل بن إبراهيم)) صلى الله عليهما وسلم: ما رواه الواقدى عن
عبد الله بن يزيد الهلالى عن مسلم بن جندب، قال: "أول من ركب الخيلَ إسماعيلُ بن
إبراهيم صلى الله عليهما وسلم، وإنما كان وحشًا لا يطاق حتى سُخّرتْ له" وروى
((الزُّبَير بن بَكَّار)) فى أول كتابه فى (أنساب قريش) من حديث داود بن الحصين عن
عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "كانت الخيل وحوشا لا تركب، فأولُ من
ركبها إسماعيلُ، وبذلك سُميِّت العِراب".
ولتقتصر على ذكر بعض أوائلَ تتعلق بآبائنا الأربعة صلى الله عليهم وسلم:
فإن ((آدم)) أبو البشر.
و ((نوح)) أبو مَن بقى بعد الطوفان، قال الله تعالى: ﴿وَجَعْنَا ذِّيتَه هُمُ البَاقِين﴾(١).
وقال تعالى فى حق إبراهيم: ﴿مِلَّة أُبيكم إبْرَاهِيمَ﴾(٢).
و ((إسماعيل)) أبو العرب قال النبى وَ له: "ارموا بنى إسماعيل فإن أباكم كان راميًا"
رواه البخارى(٣).
ولنبيِّنا محمد وَّه سيد الأولين والآخرين أوائلُ فى الدنيا والآخرة ليست لغيره. فمن
ذلك: أن رؤيةَ اللّه لم تحصل لأحدٍ من البشر فى الدنيا إلا لسيدنا رسول اللّه وَله، والأنبياء
يرون الله تعالى فى الدار الآخرة، وكذلك المؤمنون من أتباعهم، فيحسن أن يقالَ إن نبينا
﴿﴿ أول من رأى اللّهَ من البشر(٤).
=وأول من أضاف واختتن وقلم أظافره وجز شاربه واستحد(١٧٥٨٧)- أحاديث منها موقوف، ومرسل،
ومنقطع - وأول من يُكسى يوم القيامة: من رواية عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن على رضى الله عنه، موقوفا
(١٧٧٨٥) وعن ابن عباس رضى الله عنها مرفوعًا (١٧٧٨٦، ١٧٧٩٧) وعن مجاهد مرسلا (١٧٨٤٨).
سئل الدارقطنى عن حديث عبد الله بن الحارث بن نوفل عن على رضى الله عنه، فذكر من رواه عن ابن
الحارث مرفوعًا، ومن رواه عنه موقوفا وقال: وهو الصواب (العلل ١٠٩/١) فى حديث على رضى الله عنه.
(١) الآية رقم ٧٧ من سورة الصافات. وسياقها: ﴿وَلَقَدْ نادَانا نوحٌ فَلِنْم المجيبُون * ونَجَّيناه وأهله مِنَ
الكَرَبِ العَظِيمِ * وجَعلنا ذُرِّيَتَه همُ البَاقِينَ﴾.
(٢) من الآية ٧٨ سورة الحج، والخطاب فيها للذين آمنوا.
(٣) فى الجهاد، باب التحريض على الرمى، وفى المناقب: باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، عليه السلام.
(٤) أحاديث الرؤية، فى البخارى: التفسير، الإسراء، والنجم، والرحمن. وفى التوحيد: باب ﴿وُجوهُ يَوْمئذٍ
ناضِرةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٍ﴾ والأذان: باب فضل السجود. وصحيح مسلم: ك الإِيمان، أبواب: معنى قوله عز
وجل: ﴿وَلَقَد رَآهُ نَزْلَةُ أَخْرَى﴾، وإثبات رؤية المؤمنين ربهم فى الآخرة، ومعرفة طريق الرؤية.

٧١٨
زيادات محاسن الاصطلاح
وفى الآخرة: "أول شافع، وأولُ مُشَفَّع، وأولُ من تنشق عنه الأرضُ، وأول من يقرع
باب الجنة" وفى ذلك أحاديثُ معروفة (١).
وأما ما يتعلق بأوائل الشريعة، فمن ذلك:
أولُ ما نهاه اللّه عنه: ما أسنده ((ابن أبى شيبة)) فقال [١٦٥/ و]: ثنا ابن المبارك عن
الأوزاعى عن عروة بن رُوَيم قال: قال رسول الله وَله: "أول ما نهانى ربى عن عبادة
الأوثان، وعن شرب الخمر، وعن ملاحاة الرجال»(٢)، ثم أسند من حديث أمِّ سلمة رضى الله
عنها أنها قالت: قال النبى وَ له: "إنْ كان أول ما نهانى اللّه عنه إلىّ وعهد، بعد عبادة الأوثان،
شرب الخمر وملاحاة الرجال،(٣).
وأولُ أمر خاطب به جبريلُ النبيَّ ◌َغِ: ﴿اقْرأْ﴾، كما يقتضيه الحديثُ الثابت فى بدء
الوحى. وكان سِنَّه إذ ذاك أربعين سنةً، وقيل: أربعين ويومًا.
ثم أُمِرَ بعد ذلك بالقيام والإِنذار فى: ﴿يأيها المدَّتِّر * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ولذلك قال بعضُ
العلماء: أولُ ما وجب، الإنذارُ والدعاء إلى التوحيد.
ثم فرض الله تعالى من قيام الليل ما ذكره فى أول (سورة المزمل) ثم نسخه فى
آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلواتِ الخمسِ ليلةَ الإِسراء بمكة (٤)، بعد البعثة بعشر سنين
وثلاثة أشهر، ليلةً سبعٍ وعشرين من شهر رجب - وقيل قبل الهجرة بعام، وقيل بعد
البعثة بتسعة أعوام، وقيل بخمسة. وقد قيل فى الشهر إنه ربيع الأول وقيل شهر ربيع
--
(١) المصنف (١٧٦٥٩، ١٧٦٩٤، ١٧٦٩٨) وانظر معه: صحيح البخارى. التفسير ﴿ذرية من حملنا مع
نوح﴾ الإِسراء. وصحيح مسلم: الإِيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلةً، وباب إثبات الشفاعة. وجامع الترمذى فى
. التفسير والمناقب، وابن ماجه فى الزهد: باب ذكر الشفاعة.
(٢) المصنف: أوائل (١٧٧٣٠) وفى الأشربة ١٩٢/٨ - ٤١١٨ بلفظ مقارب.
(٣) المصنف: ح (١٧٨١٠).
(٤) البخارى: ك الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة فى الإِسراء. ومسلم فى ك الإِيمان، باب الإِسراء
وفرض الصلوات الخمس. مع ابن إسحاق فى الهشامية (٤٦،٣٧/٢) وابن سعد (٢١٣/١).
:
أ
i
١

٧١٩
النوع الموفى سبعين: التاريخ المتعلّق بالمتون
الآخر، وقيل شهر رمضان - والمحقَّقُ أن ذلك كان بعد شقِّ الصحيفة وقبل بيعة العقبة(١).
ووقع لشّريك بن أبى ◌َرٍ فى روايته فى (الصحيح) أن ذلك كان قبل أن يوحى إليه. وهو
وهم من شريك عند المحدثين. وليلة المعراج هى ليلة الإسراء، وقيل غيرها(٢).
وكانت إقامته وَ لا بمكة بعد البعثة ثلاثَ عشرةَ سنة على المشهور، وقيل خمسَ عشرة،
وقيل عشرا. ثم هاجر إلى المدينة.
ومن الهجرة ابتدءوا التاريخ الإِسلامى. وإقامته [صلى الله عليه وسلم] بالمدينة: عشر
سنين اتفاقًا.
وفى السنة الأولى: بنى [١٦٥/ظ] وَ ل مسجده ومساكنه. وآخى بين المهاجرين
والأنصار؛ وشرع الأذان(٣).
وتتعلق بالمساجد أوليةٌ حسنةٌ رواها ((ابن أبى شيبة)) فى (مصنفه) (٤) فقال: "ثنا
أبو معاوية عن عاصم عن عباس بن عبد الله الهاشمى قال: أول ما خُلَّقت المساجدُ أن
رسول الله وَلل رأى فى القبلة نخامة فحكّها، ثم أمر بالخلوق فلطخ به مكانها، فخلُّق
الناسُ المساجد".
وفى السنة الثانية من الهجرة: حُولت القبلةُ إلى الكعبة. قال ((محمد بن حبيب
الهاشمى)): "حُوِّلت فى الظهر يومَ الثلاثاء نصفَ شعبان، كان ◌َّ فى أصحابه فحانت
صلاة الظهر فى منازل بنى سلمة فصلى بهم ركعتين من الظهر فى مسجدهم إلى المقدس، ثم
(١-٢) الحصار وشق صحيفته، فى: الهشامية (٣٧٥/١، ١٤/٢) وابن سعد ٢٠٨/١ والدرر ٥٧.
والعقبة الأولى فى (الهشامية ٧٠/٢، وابن سعد والدرر ٧٠)
وتقصى مختلف الأقوال فى وقت ليلة الإسراء، والمعراج أبوالفتح اليعمرى فى (عيون الأثر ١٤٨/١) وابن
حجر فى (فتح البارى ١٣٦/٧ - ١٤٠) والسمهودى فى (وفاء الوفا ١٧٠/١).
(٣) قابل على: صحيح البخارى: المغازى: باب هجرة النبى ◌َه وأصحابه إلى المدينة، وباب مرضه وَّل
ووفاته. ومعه (فتح البارى ١٦٣/٧) ومسلم فى الفضائل باب كم أقام النبى صل* بمكة والمدينة.
- فيما يلى من تأريخ للأحداث بعد الهجرة، ما فيه خلاف يرجع فيه إلى كتب السيرة والحديث والتاريخ،
. الأمهات.
(٤) المصنف: ح (١٧٨١٤) ورجال إسناده: أبو معاوية، هو الضرير محمد بن خازم، وعاصم هو الأحول،
عن عباس بن عبد الله بن معبد بن عباس بن عبد المطلب، الهاشمى. والحديث فى (المصنف) أيضًا: ك
الصلوات، باب تخليق المساجد (٣٦٢/٢).

٧٢٠
زيادات محاسن الاصطلاح
أمِرَ فى الصلاة باستقبال الكعبة، وهو راكع فى الركعة الثانية، فاستدار واستدارت الصفوفُ
خلفَهِ وَ﴿، فأتم الصلاةَ، فسُمِّ مسجد القبلتين".
وأما ما جاء فى حديث ((البراءٍ)) ما يقتضى أن أول صلاةٍ صلاها النبى وَلَه إلى الكعبة
صلاةُ العصر(١)، فمحمول على الصلاة من أولها إلى آخرها. وكان قبل ذلك مأمورًا
بالصلاة إلى بيت المقدس مدةً مقامه بمكة، وبعد الهجرة ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ.
هذا هو الصحيح، وقيل غيره، وقيل: كان بمكة يستقبل الكعبة أولا، ثم أمِرَ ببيت المقدس.
وفى شعبان من السنة الثانية، فُرِضَ صومُ رمضان.
وفيها: فُرِضَتْ صدقةُ الفِطْرِ، وشُرعت الأضحية، وفيها غزوةُ بدر الكبرى فى
رمضان (٢).
وفى السنة الثالثة: غزواتٌ منها: ((غزاة أحُدٍ)) يوم السبت [١٦٦/ و] السابع من
شوال. ثم ((غزاة بدر الصغرى)) فى هلال ذى القعدة. وفيها ((غزاة بنى النضير)) وحُرمت
الخمر بعد غزاة أَحُد، هذا هو المعروف. وقد سبق فى حديث ((أم سلمة)) وغيرها فى أول
ما نُّهِىَ عنه، ما قد يخالف هذا(٣).
وفى السنة الرابعة: ((غزاة الخندق)) على الصحيح، وذكرها جماعة فى الخامسة، ويقال
(١) حديث البراء، رضى الله عنه، فى الصحيحين (اللؤلؤ ١١٦/١ ح ٣٠٢) ومعه (فتح البارى ٣٤٠/١)
وانظر الموطأ من حديث ابن عمر رضى الله عنهما، (ك القبلة، ح٦) ومسند الشافعى، من طريق الإِمام مالك ...
(صلاة؛ ٨ والرسالة فقرة ٣٦٥) ومجمع الزوائد (١٩٨/٢) وانظر تحويل القبلة فى (الهشامية ١٩٨/٢، وابن سعد
٢٤١/١) والاعتبار للحازمى (١٢٥ - ١٢٨) وسنن الدارقطنى ٢٧٣/١).
(٢) صدقة الفطر، وتشريع الأضحية، فيها، فى طبقات ابن سعد ٢٤٨/١) وعيون الأثر، من طريقه
(٢٣٨/١) وبدر الكبرى فى (الهشامية ٢٦٣/٢) وعيون الأثر من طريق ابن إسحاق ٢٤٩/١، وابن سعد
١٢/٢، والدرر ١١٠).
(٣) ((أحد)): فى الهشامية ١٠٦/٣، وابن سعد ٣٦/٢ والدرر ١٥٣.
وبدر الصغرى: بدر الموعد، لميعاد أبى سفيان، فى طبقات ابن سعد ٥٩/٢، وبدر الأخيرة فى عيون الأثر
٥٢/٢. وتحريم الخمر فى غزاة بنى النضير فى الهشامية ٢٠٠/٣، وابن سعد ٥٧/٢، والدرر ١٧٤، وعيون الأثر
٤٨/٢ عن ابن إسحاق وابن سعد.