Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث
وأما [٧٠/و] السن الذى إذا بلغه المحدِّثُ انبغى له الإمساكُ عن التحديث، فهو (١)
السنُّ الذى يُخْشَى عليه فيه من الهرَم والخرَفِ، ويُخاف عليه فيه أن يُخَلِّط ويروىَ ما ليس
من حديثه. والناسُ فى بلوغ هذا السنِّ يتفاوتون بحسب اختلاف أحوالهم. وهكذا إذا
عَمِىَ وخاف أن يُدخّل عليه ما ليس من حديثه، فليُمسِكْ عن الرواية.
وقال ((ابن خلاد)): "أعجبُ إلىَّ أن يمسكَ فى الثمانينَ، لأنه حَدُّ الهرم، فإن كان
عقلهُ ثابتًا ورأيُه مجتمعًا يَعرفُ حديثَه ويقوم به، وتحرَّى أن يُحدِّثَ احتسابًا، رجوت له
خيرًاً،،(٢).
ووَجْهُ ما قاله، أن من بلغ الثمانينَ ضعُفَ حالهُ فى الغالب، وخيف عليه الاختلال
ءُ
والإِخلالُ، وألا يُفطَنَ له إلا بعد أن يخلط، كما اتفق لغير واحد من الثقات، منهم:
((عبد الرزاق، وسعيد بن أبى عروبة(٣)) وقد حدَّث خلقٌ بعد مجاوزة هذا السن
فساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة، منهم: ((أنسُ بن مالك، وسهل بن سعد،
وعبد الله بن أبى أوفى)) من الصحابة، و ((مالك، والليث، وابن عيينة، وعلى بن الجعد))
فى عدد جَّ من المتقدمين والمتأخرين، وفيهم غيرُ واحد حدثوا بعد استيفاء مائة سنة،
منهم: ((الحسنُ بن عرفة، وأبو القاسم البغوى، وأبو إسحاق المُجَيمى، والقاضى
أبو الطيب الطبرى))(٤) رضى الله عنهم أجمعين؛ والله أعلم.
ثم إنه لا ينبغى للمحدَّث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك. وكان ((إبراهيم،
والشعبى)) إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشىء. وزاد بعضهم فكره الرواية ببلد فيه من
(١) فى ص: [وهو] ولا يطمئن به السياق.
(٢) من المحدث الفاصل: ٣٥٤ ف ٢٨٩ بتصرف يسير. وقابل على (الإلماع: ٢٠٤).
وعلى هامش (غ): [قال الشاعر:
قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
إن الثمانين - وبُلِّغتَها -
وكنت كالصعدة تحت السنان
وبدلتنى بالشطاط انحنا
إلا لسانى وبحسبى لسان]
ولم تدع في لمستمتع
وهى فى (الإِلماع: ١٢٠)
والأبيات من قصيدة مطولة، لأبى المحلم ((عوف بن المحلم، الخُراعى)) شاعر عباسى مجيد، كان
منقطعًا لآل طاهر بن الحسين. ت سنة ٢١٤ هـ فى عهد المأمون. انظرها فى (الأغانى ١٤٥/٤) و(رسالة
الغفران: ٥٧٦) ط الذخائر. مع تخريجها على هامش الإلماع: ٢١٠.
(٣) معهما غيرهما فى (الكفاية: باب ما جاء فى ترك السماع ممن اختلط وتغير) ١٣٥ - ١٣٧.
(٤) الإِلماع: ٢٠٧.

٤٢٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
المحدثين مَن هو أولى منه لسِنَّه أو لغير ذلك. روينا عن «يحيى بن معين)) قال(١): "إذا
حدثتُ فى بلدٍ فيه مثلُ ((أبى مسهر)) فَيجب للحيتى أن تُحلَق" وعنه أيضًا: "إن الذى
يُحدث بالبلدة وفيها من هو أولى بالتحديث منه، أحمق)،(٢).
وینبغی للمحدث إذا التُّمِس منه ما يعلمه عند غيره فى بلده أو غيره بإسنادٍ أعلى من
إسناده أو أرجحَ من وجهٍ آخر، أن يُعلم الطالب به [٧٠/ظ] ويرشده إليه، فإن الدين
النصيحة. ولا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النّيَّةِ فيه، فإنه يُرجى له حصولُ
النية من بعد. روينا عن ((معمر)) قال: كان يقال: "إن الرجل ليطلب العلم لغير الله،
فيأبى عليه العلمُ حتى يكونَ اللّه عز وجل)»(٣). وليكن حريصًا على نشره مبتغيًا جزيلَ
أجره. وقد كان فى السلف رضى الله عنهم، من يتألف الناسَ على حديثه، منهم ((عروةُ بن
الزبير)) رضى الله عنهما؛ والله أعلم.
وليقتدٍ بمالكٍ رضى الله عنه فيما أخبرناه ((أبو القاسم الفراوى)) بنيسابور قال:
"نا أبو المعالى الفارسى، قال: أنا أبو بكر البيهقى الحافظ، قال: أنا أبو عبد الله الحافظ،
(١) على هامش ص :
سيُسأل عنها والمليك شهيدُ
ولابن معين فى الرجال مقالة
وإن كان زورًا فالعقاب شديد
فإن تك حقا فهى لا شك غيبة
أنشدهما كمال الدين بن العقيمى]. ولا يبدو لهما فى المتن ههنا محل شاهد.
وهما فى (الجامع لابن عبد البر) لبكر بن حماد، ومعهما فيه معارضات للشعراء فى الرد عليهم)
(١٢٥/٢ - ١٢٧ وأسندهما الخطيب فى الكفاية إلى بكر بن حماد، فى أربعة أبيات نظمها فى أقوال يحيى
بن معين فى الجرح، مع خلاف يسير فى الألفاظ، فى روايات البيتين، وبكر بن حماد، ذكره أبوالوليد ابن
الفرضى فى ترجمة أبى جعفر المليلى، قاضيها للناصر، (تاريخ علماء الأندلس ٢٠٢/٦١/١) ط المصرية
١٩٦٦ م.
(٢) ابن أبى حاتم، بإسناده عن يحيى بن معين، فى ترجمة أبى مسهر الغسانى عبد الأعلى بن مسهر
الدمشقى عالمها (مقدمة الجرح والتعديل ٢٨٥/١).
(٣) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى: [قال شيخنا أبو بكر: فيما قاله نظر مما حكى عن معمر.
فقد منع الغزالى ذلك وحمل قول معمر وغيره من العلماء على تأويل. والذى قاله - ابن الصلاح - أيضًا
لابد فيه من تفصيل: فإنه ينبغى أن يكون ذلك عند الاستواء فيما عدا الصفة المرجحة، على الإِسناد،
فأما مع التفاوت بأن يكون الأعلى إسنادا عاميا لا معرفة له بالصنعة، والأنزل إسنادا عارف ضابط، فهذا
ينظر فيه بالنسبة إلى الإِرشاد المذكور لأنه قد يكون فى الرواية عن هذا الشخص العامى ما يوجب
خللا.]

٤٢٣
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث
قال: أخبرنى إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعرانى(١) قال: نا جَدِّى قال: نا"
· إسماعيل بن أبى أويس، قال: كان مالك بن أنس إذا أراد أن يحدِّث توضأ، وجلس على
صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن فى جلوسه بوقارٍ وهيبة، وحدَّث، فقيل له فى ذلك فقال:
أحب أن أعظم حديث رسول اللّه وَّةٍ، ولا أحدِّث إلا على طهارة متمكنًا)، وكان يكره أن
يُحدث فى الطريق أو وهو قائم، أو يستعجل، وقال: «أحب أن أتفهم ما أحدث به عن
رسول اللّه وَ﴾﴾(٢) ورُوِىَ أيضًا عنه أنه كان يغتسل لذلك ويتبخّر ويتطيب، فإن رفع أحد
صوته فى مجلسه زجره قال: "قال الله تعالى: ﴿يأيها الذَّينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أصْواتَكُمْ
فَوْقَ صوتِ النبىِّ﴾، فمن رفع صوتَه عند حديثٍ رسول اللّه ◌َّر، فكأنما رفع صوته فوق
صوتٍ رسول الله يلين)،(٣).
وروينا، أو بلغنا عن ((محمد بن أحمد بن عبدالله الفقيه)) (٤) أنه قال: ((القارئ لحديث
رسول اللّه وَ﴿ إذا قام لأحد فإنه تُكتب عليه خطيئة)).
ويستحب له مع أهل مجلسه، ما ورد عن ((حبيب بن أبى ثابت)) أنه قال: ((إن من
السُّنةِ إذا حدث الرجلُ القومَ أن يُقبِل عليهم جميعًا)). والله أعلم.
ولا يسرد الحديث سَردًا يمنع السامَعَ من إدراك بعضه. (6) وليفتتح مجلسَه وليختتمه بذكر
(١) على هامش (ص، غ): [الشعرانى، بفتح الشين، نسبة إلى الشعر: والمراد به ((الفضل)) جده، كان
يرسل شعره]. قاله فى (اللباب ٢١/٢) وإسماعيل بن محمد بن الفضل، أبو الحسن الشعرانى - ٣١٧ هـ -
حدث عن جده أبى محمد الفضل بن محمد الشعرانى (٢٥٢ هـ)
(٢) المحدث الفاصل: من كره أن يحدث حتى يتطهر. بإسناد ابن خلاد عن أبى سلمة الخزاعى،
منصور بن سلمة البغدادى، من أصحاب الإِمام مالك (٨٥ هـ) وترتيب المدارك: ١٤/٢-١٦، وأدب الإملاء،
بإسناد السمعانى عن أبى مصعب الزهرى (٤٦-٤٨).
(٣) سورة الحجرات، من الآية ٢. وانظر ترتيب المدارك ٢٦/٢ وأدب الإِملاء للسمعانى، وتذكرة
السامع للبدر ابن جماعة، فصل ٣١/٢
(٤) أبو زيد المروزى - ٣٧١ هـ (تقييد ابن نقطة ١٨، وتهذيب النووى ٣٥٠/٢٣٤/٢)
(٥) هذه الجملة والتى بعدها، نقلتا فى (ص) من موضعها هنا، إلى آخر صيغة الدعاء، بعد قوله: [أن يسأله
"السائلون].

٤٢٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ودعاء يليق بالحال. ومن أبلغ ما يفتتح به أن يقول: ((الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد
على كل حال، والصلاة والسلام الأتّمَّانِ على سيد المرسلين كلما ذكره الذاكرون،
وكلما غفل عن ذكره الغافلون؛ اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسائر النبيين، وآلِ كلّ،
وسائر الصالحين، نهاية ما ينبغى أن يسأله السائلون» .*
ويُستحب للمحدِّث العارف، عقدُ مجلسٍ لإملاء الحديث، فإنه من أعلى مراتب
الراوين، والسماعُ فيه من أحسن وجوه التحمل وأقواها. وليتخذْ مستمليًا يبلغ عنه إذا
كثر الجمعُ(١)، فذلك دأبُ أكابر المحدِّثين المتصدِّين لمثل ذلك. وممن رُوِى عنه ذلك:
((مالك(٢)، وشعبة، ووكيع، وأبو عاصم، ويزيد بن هارون)) فى عدد كثير من الأعلام
(١) فى أدب الإملاء للسمعانى: ((فإن تكاثر الجمع بحيث لا يُكتفى بمستملٍ واحد، اتخذ مستمليين فأكثر.))
وذكر من ذلك أن مجلس أبى مسلم الكجى، وكان فيه سبعة مستملين، وحُزِر من كتبوا عنه، بمحابرهم، نيفًا
وأربعين ألف محبرة. ومثله فى ترجمة أبى مسلم الكجى، أسنده ابن نقطة عن الخطيب ( ٦٨)
وروى السمعانى من ذلك أيضًا. أن مجلس عاصم بن على - أبى الحسن الواسطى بمسجد الرصافة، كان يحزر
بأكثر من مائة ألف. وانظره فى (تهذيب التهذيب ٥ (٨١/٤٩)
(٢) الذى فى ترجمة الإمام مالك بترتيب المدارك (٢٦/٢) أنه لما كثر الناس عليه فى مجلسه بالروضة
الشريفة، قيل له: لو جعلت مستمليا يسمع الناس؟ فتلا الآية (يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق
صوت النبى﴾ وقال: وحرمته حيا كحرمته ميتا" ومثله فى أدب الإملاء السمعانى ٤٥-٤٦.
* المحاسن:
((فائدة: وفى التحميد سنن مشهورة ينبغى اتباعها، وكذلك يتبع السنة الصحيحة فى
الصلاة على النبى ( 38، قد نبه على هذا ((النووى)) وغيره، انتهت)) ٨١/و
- قال النووى فى التقريب: ((ويستنصت المستملى الناس بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئًا فى القرآن،
ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلى على رسول الله (*، ويتحرى الأبلغ فيه.)) ١٣٤/٢
ونقل السيوطى من (الروضة) قول النووى عن جماعة من علماء خراسان: إن أبلغ ألفاظ الحمد، "الحمد لله
حمدًا يوافى نعمه ويكافى مزيده". قال: ليس لذلك دليل يعتمد.)) وعقب السيوطى: قال البلقيني: بل الحمد لله
رب العالمين، لأنه فاتحة الكتاب وآخر دعوى أهل الجنة، ينبغى الجمع بينهما (تدريب الراوى ١٣٥/٢)

٤٢٥
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث
السالفين. وليكن مستمليه محصِّلا متيقظًا كيلا يقع فى مثل ما روينا أن يزيدبن هارون
سئل عن حديث فقال: حدثنا به عِدَّةً. فصاح به مستمليه: يا أبا خالد، عِدَّةُ ابنُ من؟
فقال له: عدةُ ابنُ فقدتُكَ(١)!
وليستملِ على موضع مرتفع من كرسى أو نحوه، فإن لم يجد استملى قائماً. وعليه أن
يتبع لفظً المحدِّث فيؤديه على وجهه من غير خلاف. والفائدة فى استملاء المستملى، توصُّلُ
من يسمع لفظً المملى على بُعدٍ منه، إلى تفهمه وتحققه، بإبلاغ المستملى. وأما من لم يسمع
إلا لفظً المستملى، فليس يستفيد بذلك جوازَ روايته لذلك عن المملى مطلقًا [٧١/ظ] من
غير بيانٍ للحال فيه. وفى هذا كلام قد تقدم فى النوع الرابع والعشرين.
ويُستحب افتتاحُ المجلس بقراءة قارئٍ لشىء من القرآن العظيم. فإذا فرغ
استنصت المستملى أهلَ المجلس إن كان فيه لَغْطٌ (٢)، ثم يبسمل ويحمد الله تبارك وتعالى،
ويصلى على رسول الله وَّه، ويتحرى الأبلغَ فى ذلك؛ ثم يقبل على المحدِّث ويقول: من
ذكرتَ أو ما ذكرتَ، رحمك الله، أو: غفر الله لك. أو نحو ذلك؛ والله أعلم.
وكل ما (٣) انتهى إلى ذكر النبى وَلَهه صلى عليه (٤). وذكر ((الخطيبُ)) أنه يرفع
صوته بذلك. وإذا انتهى إلى ذكر الصحابى قال: رضى الله عنه(٥).
ويحسن بالمحدِّث الثناءُ على شيخِه فى حالة الرواية عنه بما هو أهل له، فقد فعل ذلك
غيرُ واحد من السلف والعلماء، كما رُوِى عن ((عطاء بن أبى رباح)) أنه كان إذا حدث
عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((حدثنى البحر))، وعن ((وكيع)) أنه قال: ((حدثنا
(١) أسنده السمعانى فى أدب الإملاء، عن إسحاق بن وهب، أبى يعقوب الواسطى. من أصحاب يزيد بن
هارون، الواسطى، أبى خالد السلمى.
(٢) ضبطه فى (غ) بالفتح والسكون، قلما. وعلى هامشه: [قال المصنف: لغط، بالسكون أفصح وبالفتح
أشهر.]
(٣) [وكل ما] كذا رسمُه فى النسخ (غ، ص، ع) وليس الأولى.
(٤) على هامش (غ): [قال: من أحسن ما يقصد فى هذا العلم، التعبد بكثرة الصلاة على النبى وَلّ
كلما تكرر ذكره. ويحتاج ذلك أن يكون مقصودًا عند اللفظ به، ولا يخرج على وجه العادة].
(٥) أضاف على هامش (غ): [زاد ((النواوى)) فى (مختصره): فإن كان ابنَ صحابى قال: رضى الله
عنها] - (متن التقريب، مع تدريب الراوى ١٣٦/٢)

٤٢٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
سفيان، أمير المؤمنين فى الحديث)). وأهم من ذلك الدعاءُ له عند ذكره، فلا يغفلن عنه (١).
ولا بأسَ بذكرٍ من يروى عنه، بما يعرف به من لقب كـ ((غُندر)) لقب محمد بن جعفر
صاحب شعبة، ((وَلُّوَيْن)) لقب محمد بن سليمان المصيصى؛ أو نسبةٍ إلى أمّ ◌ُرِف بها،
كـ ((يعلى بن مُنْبةَ)) الصحابى، وهو ابن أمية - و «مُنيةُ)) أمُّه، وقيل جدته أم أَبيه (٢) -
أو وصفٍ بصفةٍ نقصٍ فى جسَدِه ◌ُرف به كـ ((سليمان الأعمش))، ((وعاصم الأحول))
إلا ما يكرهه من ذلك، كما فى ((إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن عُلَية)) وهى أمُّه وقيل
أم أمه. روينا عن ((يحيى بن معين)) أنه كان يقول: ((حدثنا إسماعيل بن عُلَيّة)) فنهاه
((أحمدُ بن حنبل)) وقال: قلْ: إسماعيل بن إبراهيم، فإنه بلغنى أنه كان [٧٢/و] يكره أن
يُنسب إلى أمه، فقال: قد قبلنا منك يا معلم الخير.
٠٠
وقد استُحِبَّ للمُعلى أن يجمع فى إملائه بين الرواية عن جماعةٍ من شيوخه مقدمًا
للأعلى إسنادًا، أو الأوْلَى من وجهٍ آخر، وعلى عن كل شيخ منهم حديثًا واحدًا ويختار
ما علا سندُه وقصُر متنُه، فإنه أحسنُ وأليق، وينتقى ما يمليه ويتحرى المستفادَ منه، وينبه
على ما فيه من فائدة وعلوٍّ وفضيلة، ويتجنب ما لا تحتمله عقولُ الحاضرين، وما يخشى
فيه من دخول الوهم عليهم فى فهمه.
٠
وكان من عادة غير واحد من المذكورين، ختمُ الإِملاء بشيءٍ من الحكايات والنوادر
(١) نقل فيه السمعانى: ((ويُكره أن يدعو للشيخ بطول البقاء، فإن السلف كرهوا ذلك)) وأسند عن أبى
زرعة الدمشقى قال: سمعت أبا مسهر يقول: قال رجل لسعيد بن عبد العزيز، بن أبى يحيى: أطال الله بقاءك.
فغضب وقال: بل عجل بى إلى رحمته. وعن عبد الله بن أحمد، قال: كان أبى إذا دُعى له بالبقاء يكرهه ويقول:
هذا شىء قد فرغ منه. ثم أسند عن الأعمش عن إبراهيم النخعى قال: ((كانوا يقولون: رحمنا الله وإياكم
وغفر لنا ولكم.)) أدب الإِملاء ١٠٠- ١٠١.
(٢) قال العراقى: ((رجح المصنف هنا أن منية أم يعلى، واقتصر فى النوع السابع والخمسين على كونها
جدته، وحكاه عن الزبير بن بكار، وأنها جدته أم أبيه. وما قاله الزبير هو الذى جزم به أبو نصر ابن ماكولا.
ولكن قال ابن عبد البر: لم يُصب الزبير.)) التقييد والإيضاح ٢٤٩
وقوبل على: الإِكمال لابن ماكولا: ٢٩٦/٧، والاستيعاب: ١٥٨٦/٤ ت ٢٨١٥، ومشارق الأنوار للقاضى
عياض: ٣٩٦/١)

٤٢٧
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث
والإنشادات بأسانيدها؛ وذلك حسن" .
وإذا قصِّرِ المحدثُ عن تخريج ما يمليه فاستعان ببعض حُفَّاظ وقتِهِ فخرَّج له
فلا بأس بذلك. قال ((الخطيبُ)): كان جماعة من شيوخنا يفعلون ذلك(١).
وإذا نجِز (٢) الإملاءُ، فلا غنى عن مقابلته وإتقانه وإصلاحٍ ما فسد منه بزيغ القلم
وطغيانه.
هذه عيونٌ من آداب المحدِّث اجتزأنا بها، معرضين عن التطويل بما ليس من
مهماتها، أو هو ظاهر ليس من مشتبهاتها. والله الموفق؛ وهو أعلم (٣).
*
(١) الكفاية: (فى جواز استنبات الحافظ ما شك فيه) ويليه (باب ذكر الروايات عمن قال: ثنا فلان،
وثبتنی فلان) ٢١٦-٢١٧
(٢) ضبطه على هامش (ص، غ): [قال المؤلف: نجز، بكسر الجيم: معناه انقضى، وأما بالفتح
كما تقول العامة فمعناه حضر. وليس هذا موضعه، والله أعلم]. وأضاف فى (غ): [قال ((الجوهرى)): نجز
الشىء، بالكسر، ينجز نجزا: أى انقضى وفنى. ونجز حاجته، بالفتح، ينجز بالضم: قضاها. زاد ((ابن القطاع))
فى (الأفعال): نجز الشىء نجازا: حضر، وأيضا ذهب - نقلته من خط شيخنا أبى بكر.]
قال العراقى: قوله: نجِز، هو بكسر الجيم على المشهور، وبه جزم الجوهرى فقال: نجز الشىء بالكسر ينجز
نجزًا، انقضى وفنى. انتهى. وهذا هو الذى قَيِّد عن المصنف فى حاشية علوم الحديث حين قرىُ عليه. والذى
صدر به صاحب المحكم كلامه، بالفتح. فقال: نجز الكلام بالفتح انقطع ونجز الوعد ينجز نجزا حضر. قال:
وقد يقال: نَجِز. قال ابن السكيت: كأن نَجِزّ فنى، وكأن نَجْزّ قضى حاجته. انتهى.)) التقييد والإيضاح ٢٥٠.
(٣) من (غ، ز، ع) وفى (ص): [واقه أعلم] وعلى هامش (غ) بخط ابن الفاسى: بلغ السماع بقراءتى
على شيخنا أبى محمد ابن المنير. وسمعه شرف الدين بن المرحل وزين الدين بن رستم، وأخى
أبو البركات محمد وذلك فى المجلس الرابع، يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شوال سنة ... وسبعماية،
بمنزله بثغر الإسكندرية. قاله وكتبه محمد بن محمد الفاسى.]
· المحاسن:
((زيادة: وأولاها، ما فى الزهد ومكارم الأخلاق. انتهت) ٨١/ ظ
- قال السمعانى: ومما تختم به المجالس للترويح الأناشيد والأشعار. وأسند عن عروة بن الزبير عن أبيه
رضى الله عنه أن رسول الله# قال: ((الشعر كلام، حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه)) وعن عمر
رضى الله عنه، قال: ((تعلموا الشعر فإن فيه محاسن تبتغى ومساوئ تتقى.، وحكمة للحكماء ويدل على مكارم
الأخلاق.)) وعن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((إذا قرأتم شيئًا - من القرآن - فلم تدروا
ما تفسيره فالتمسوه فى الشعر فإنه ديوان العرب)) أدب الإملاء ٧٠-٧١.

النوع الثامن والعشرون
معرفة آدابٍ(١) طالبٍ الحديث
وقد اندرج طرفُ منه فى ضمن ما تقدم.
فأول ما عليه: تحقيقُ الإِخلاص والحَذَرُ من أن يتخذه وُصْلَةً إلى شىء من الأغراض
الدنيوية. روينا عن ((حمادٍ بنِ سلمةَ)) رضى الله عنه أنه قال: ((من طلب الحديثَ لغير
الله، مُكِرَ به(٢) وروينا عن ((سفيان الثورى)) رضى الله عنه قال: ((ما أعلم عملا هو
أفضلُ من طلبِ الحديثِ لمن أراد الله به)) وروينا نحوَه عن ((ابن المبارك)) رضى الله عنه.
ومن أقرب الوجوه فى إصلاح النّيةِ فيه، ما روينا عن («أبى عمرو إسماعيلَ بن نجيد))
أنه سأل أبا جعفر أحمد بن حمدانَ، وكانا عبدين صالحين، [٧٢/ظ] فقال له: بأى نية
أكتب الحديث؟ فقال: ألستم تروون أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ قال: نعم. قال:
فرسول اللّه وَله رأسُ الصالحين(٣).
وليسأل الله تبارك وتعالى التيسيرَ والتأييد والتوفيق والتسديد؛ وليأخذ نفسه بالأخلاقِ
الزكية والآداب الرضية. فقد روينا عن ((أبى عاصم النبيل)) قال: ((من طلب هذا
الحديثَ فقد طلب أعلى أمورِ الدين، فيجب أن يكون خيرَ الناس)).
وفى السِّنِّ التى يُستَحبُّ فيها الابتداءُ بسماع الحديث وبِكَتْبِهِ اختلافٌ سبق بيانُه فى
أول النوع الرابع والعشرين.
(١) فى متن (ص، غ، ع) [أدب] وبها مش (غ): [آداب/صح ش] أصل الشيخ شمس الدين ابن جميل.
وهو ما فى فهرسة ابن الصلاح، بالمدخل، وتقريب النووى، وتقييد العراقى.
(٢) أسنده ابن عبد البر عن يعقوب بن إسماعيل الحضرمى، قال: سمعت حماد بن سلمة يقول / فذكره
(جامع بيان العلم ١٩١/١)
(٣) وانظر فى المحدث الفاصل (باب النية فيه): ١٨٢
٤٢٨

٤٢٩
النوع الثامن والعشرون: آداب طالب الحديث
وإذا أخَذ فيه فليشمِّرْ [عن(١)] ساق جهده (٢) واجتهاده، ويبدأ بالسماع من أسندٍ
شيوخ مِصره، ومن الأوْلى فالأولى من حيث العلم أو الشهرةُ أو الشرفُ أو غير ذلك.
وإذا فرغ من سماع العوالى والمهماتِ التى ببلده، فليرحَلْ إلى غيره، روينا عن
((يحيى بن معين)) أنه قال: ((أربعة لا تُؤنِسُ منهم رشدًا: حارس الدرب، ومنادى القاضى،
وابن المحدِّث، ورجل يكتب فى بلدِه ولا يرحلُ فى طلب الحديث))(٣)
وروينا عن ((أحمدَ بنِ حنبل)) رضى الله عنه أنه قيل له: أيرحل الرجلُ فى طلب
العلو؟ فقال: ((بلى والله شديدًا. لقد كان علقمة والأسودُ يبلغهما الحديثُ عن عمر
رضى الله عنه فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمرَ فيسمعانه منه)) (٤) والله أعلم.
وعن ((إبراهيم بن أدهم)) رضى اللّه عنه قال: ((إن الله تعالى يدفع(٥) البلاءَ عن هذه
الأمة برحلة أصحابٍ الحديث)).
ولا يحملنه الحرصُ والشرهُ على التساهل فى السماع والتحمُّلِ، والإِخلالِ بما يُشترط
عليه فى ذلك، على ما تقدم شرحُه.
وليستعملْ ما يسمعُه من الأحاديثِ الواردة بالصلاة والتسبيح وغيرهما من الأعمال
الصالحة، فذلك زكاةُ الحديث على ما روينا (٦) عن العبد الصالح ((بشر بن الحارث الحافى))
رضى الله عنه. وروينا عنه أيضًا أنه قال: ((يا أصحابَ الحديث أدُّوا زكاةَ هذا الحديث،
اعملوا من كل مائتى حديثٍ بخمسة أحاديث)). وروينا عن ((عمرو بن قيس الملائى))
! رضى الله عنه قال: ((إذا بلغك شىء من الخير فاعمل به ولو مرةً، تكن من أهله)).
(١) فى (غ): [علی ساق] وما هنا من (ص، ز، ع)
(٢) ضبطه بالضم والفتح معًا فى متن (غ) ضبط قلم ونقل على هامشه:
[الجهد، بفتح الجيم: المشقة، وقيل: بالضم. والجهد، بالضم: الطاقة - كذا وجدته بخط شيخنا.]
والذى فى (القاموس): الجهد - بالفتح: الطاقة، ويضم: المشقة.
(٣) أسنده الحاكم عن يحيى فى (علوم الحديث: ٩) والخطيب فى (الرحلة فى طلب الحديث: ٨٩)
(٤) [فيسمعانه]: (غ، ص، ز، ع) وفوقها فى (غ): كذا.
(٥) فى (غ، ص، ع): [یدفع].
وأسند الخطيب عن ابن أبى حاتم، قال: بلغنى أن إبراهيم بن أدهم، قال: ((إن الله يرفع البلاء)) بالراء، فى
- مطبوعة (الرحلة: ٨٩ - ٩٠)
(٦) من (ص، ع) وفى (غ): رويناه.
:

.
٤٣٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وروينا عن ((وكيع)) قال: ((إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به)).
وليعظم شيخَه ومن يسمع منه، فذلك من إجلال الحديث والعلم. ولا يثقل عليه
ولا يُطَوِّلْ بحيث يُضْجِرُهُ(١)، فإنه يُخْشَى على فاعل ذلك أن يُحرَمَ الانتفاعَ. وقد روينا عن
((الزهرى)) أنه قال: ((إذا طال المجلس، كان للشيطان فيه نصيب))(٢).
ومن ظفر من الطلبة بسماع شيخ فكتمه غيَرَه لينفرد به عنهم، كان جديرًا بألا ينتفع
به، وذلك من اللؤم الذى يقع فيه جَهَلَةُ الطلبة الوضعاء. ومن أول فائدة طلبِ الحديث
الإِفادةُ. روينا عن ((مالك)) رضى الله عنه أنه قال: ((من بركة الحديثِ إفادةَ بعضِهم
بعضًا)). وروينا عن ((إسحاق بن إبراهيم بن راهويه) (٣) أنه قال لبعض من سمع منه فى
جماعة: ((انسخْ من كتابهم ما قد قرأت. فقال: إنهم لا يمكنونى. قال: إذَّا واللّهِ
لا يفلحون، قد رأينا أقوامًا منعوا هذا السماعَ فواللهِ ما أفلحوا ولا أنجحوا)».
قلتُ: وقد رأينا نحن أقوامًا منعوا السماعَ فما أفلحوا ولا أنجحوا، ونسأل الله .
العافيةَ؛ والله أعلم(٤).
(١) الضبط من (ص) وضبطه فى (غ) ثلاثيًّا متعديًا. والذى فى (القاموس): ضجر منه، وبه - كفرح -
وتضجر: تبرم. وأضجرته فأنا مضجر. وانظر معه فى جامع بيان العلم (باب حمد السؤال والإلحاح فى طلب العلم)
(٨٧/١)
(٢) قال العراقى: روينا عن محمد بن سيرين أنه سأله رجل عن حديث وقد أراد أن يقوم، فقال:
ساءك ما سرك من خلقى
إنك إن كلفتَنى ما لم أَطِقٍ
(التبصرة: ٢٢٩/٢)
(٣) على هامش (غ): [أبو يعقوب إسحاق بن راهويه: ولد سنة إحدى وستين - وقيل ست وستين -
ومائة. سكن نيسابور وبها مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. قاله الشيرازى.].
تمام اسمه: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم الحنظلى. حديثه عند الستة.
(٤) على هامش (غ): [قال الشيخ تقى الدين: من أحسن ما يقصد فى هذا العلم قصد الانتفاع والنفع
للغير كما قال ((ابن المبارك)) وقد استكثر كثرة الكتابة منه: "لعل الكلمة التى منها نجاتى لم أسمعها إلى الآن".
- أو كما قال. ولا خفاء بما فى تبليغ العلم من الأجر، لاسيما وبراوية الحديث يدخل الراوى فى دعوة النبى وَالله
حيث قال: نضر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها] الطرة بنصَّها من (الاقتراح ٢٦٣)
والحديث أخرجه ابن عبد البر من عدة طرق فى (الجامع ٤٠/١، ١٢٤/٢) وانظر معه باب قول النبى وصله:
"رب مبلغ أوعى من سامع" فى كتاب العلم من صحيح البخارى (فتح البارى ١١٦/١) والجامع. وانظر ترجمة
عبدالله بن المبارك بسير أعلام النبلاء (٣٦٠/٨).
٧٠

٤٣١
النوع الثامن والعشرون: آداب طالب الحديث
ولا يكنْ ممن يمنعه الحياءُ أو الكِبْرُ عن كثير من الطلب، وقد روينا عن ((مجاهد))
رضى الله عنه أنه قال: "لا يتعلمُ العلَ مستحىٍ ولا مستكبر)(١). وروينا عن ((عمر
بن الخطاب وابنه)) رضى الله عنهما، أنهما قالا: ("من رقُّ وجهُهُ رقَّ علمه".
ولا يأنف من أن يكتب عمن دونه ما يستفيده منه. روينا عن ((وكيع بن الجراح))
رضى الله عنه أنه قال: "لا ينبل الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقَه
وعَمَّن هو مثلُه، وعمن هو دونهَ".
وليس بموفقٍ من ضيَّع [٧٣/ظ] شيئًا من وقته فى الاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم
الكثرة وصيتها. وليس من ذلك قولُ ((أبى حاتم الرازى)): "إذا كتبتَ فقِّش، وإذا
حدثتَ فقَتِّشْ،»(٢).
وليكتبْ وليسمع ما يقع إليه من كتاب أو جزء على التمام، ولا ينتخبْ، فقد قال «ابنُ
المبارك)) رضى الله عنه: "ما انتخبتُ على عالم قط إلا ندمت(٣)). وروينا عنه أنه قال:
لا يُنتخَب على عالم إلا بذنب. وروينا(٤) أوبلغنا عن ((يحيى بن معين)) أنه قال: "سيندم
المنتخِبُ فى الحديث حين لا تنفعه الندامة".
فإن ضاقت به الحالُ عن الاستيعاب، وأُحوِجَ إلى الانتقاء والانتخاب، تولى ذلك
بنفسِه إن كان أهلا مميزًا عارفًا بما يصلح للانتقاءِ والاختيار. وإن كان قاصرًا عن ذلك،
استعان ببعض الحفاظ لينتخب له. وقد كان جماعةٌ من الحفاظِ مُتصدين للانتقاء على
الشيوخ، والطلبةُ تسمع وتكتب بانتخابهم. منهم: ((إبراهيمُ بن أرمةَ الأصبهانى،
وأبو عبد الله الحسين بن محمد المعروف بُعُبيدِ العِجلِ، وأبو الحسن الدارقطنى، وأبو بكر
الجعائِيِّ)) فى آخرين. وكانت العادة جاريةً برسم الحافظِ علامةً فى أصلِ الشيخ على
(١) ذكره البخارى تعليقًا فى (باب الحياء فى العلم) من كتاب العلم. قال ابن حجر: «و"لا" نافية لا ناهية.
ولهذا كانت ميم "يتعلم" مضمومة .. وقول مجاهد هذا، وصله أبو نعيم فى الحلية من طريق على ابن المدينى عن
ابن عيينة عن منصور، عنه. وهو إسناد صحيح على شرط المصنف (فتح البارى ١٦٢/١).
(٢) التقميش، والقمش أيضًا: جمع الشىء من هنا وههنا (التبصرة ٢٣٢/٢).
(٣) أسند القاضى عياض عن عبد الله بن المبارك، قال: ((ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت. ومن بخل
بالعلم ابتلى بثلاث: إما أن يموت فيذهب علمه، أو ينساه، أو يتبع سلطانًا)). الإلماع: ٢١٨.
(٤) من هنا، إلى قوله: [الندامة]، فى آخر الفقرة، سقط من متن (ص) وقد ألحق منه بهامشه، من قوله:
[وروينا أو بلغنا] إلى آخر السقط.

٤٣٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ما ينتخبه، فكان ((النُّعَيمى أبو الحسن)) يُعلِّمُ بِصَادٍ ممدودة، و«أبو محمد الخلال)» بطاء
ممدودة، ((وأبو الفضل الفلكى)) بصورةٍ همزتين. وكلّهم يُعلم بحبر فى الحاشية اليمنى من
الورقة. وعلَّم ((الدارقطنى)) فى الحاشية اليسرى بخطٍ عريضٍ بالحُمرة. وكان
((أبو القاسم اللالكائى الحافظ)) يعلم بخط صغير بالحُمرة على أولِ إسناد الحديث.
ولا حَجْرَ فى ذلك، ولِكلِّ الخيارُ.
ثم لا ينبغى لطالبِ الحديث، أن يقتصرَ على سماع الحديث وكَتْبِه دون معرفتِه وفهمه،
فيكون قد أتعب نفسَه من غير أن يظفر بطائل، وبغير أن يحصلَ فى عِدادِ أهلِ الحديث،
بل لم يزد على أن صار من المتشبهين [٧٤/و] المنقوصينَ المتحلين بما هم منه عاطلون(١).
أنشدنى ((أبو المظفر بنُ الحافظِ أبى سعد السمعانى)) رحمه الله، لَفْظًا بمدينة ((مَرْوَ)) قال:
أنشدنا والدى لفظًا أو قراءةً عليه، قال أنشدنا محمد بن ناصر السلامى من لفظه، قال:
أنشدنى الأديبُ الفاضل فارسُ بن الحسين لنفسِه:
ذهبتْ بُمُدَّتِه الروايه
يا طالبَ العلمِ الذى
ية بالروايةٍ والدرايه
كنْ فى الرواية ذا العنا
فالعلمُ ليس له نهايه .
وأرْوِ القليل وراعِهِ
وليقدْ العناية بالصحيحين، ثم بسنن أبى داودَ، وسننِ النسائى، وكتابٍ الترمذى:
ضبطًا لمشكلها وفهما لخفىٌّ معانيها. ولا يُخْدَعَنَّ عن كتابٍ (السنن الكبير للبيهقى) فإنا
لا نعلم مثلَه فى بابِهِ. ثم بسائرٍ ما تمس حاجةُ صاحبِ الحديث إليه من كتبِ المساندِ (٢)
(كمسند أحمد) ومن كتب الجوامع المصنفة فى الأحكام المشتملة على المسانيد وغيرها،
و (موطأ مالكٍ) هو المقدَّمُ منها (٣)؛ ومن كتبٍ علل الحديث، ومن أجْوَدِها: (كتابُ العلل)
عن أحمد بن حنبل، و (كتاب العلل) عن الدارقطنى؛ ومن كتب معرفة الرجال وتواريخ
(١) أسند ابن خلاد إلى أبى عاصم النبيل، قال: ((الرياسة فى الحديث بلا دراية، رياسة نذلة)) (المحدث
الفاضل ٢٥٣ ف ١٦١).
(٢) فى (ص): [المسانيد] وما هنا من (غ، ع).
(٣) فى التبصرة، عن الخطيب البغدادى: ((ثم الكتب المصنفة ككتاب ابن جريج وابن أبى عروبة وابن
المبارك وابن عيينة وهشيم وابن وهب والوليد بن مسلم ووكيع وعبدالوهاب بن عطاء وعبد الرزاق وسعيد بن
منصور وغيرهم. قال: وأما موطأ مالك فهو المقدم فى هذا النوع ويجب أن يبتدأ بذكره على كل كتاب غيره))
٢٤٠/٢.

٤٣٣
النوع الثامن والعشرون: آداب طالب الحديث
المحدِّثين، ومن أفضلها: (تاريخُ البخارى الكبير) وكتابُ (الجرح والتعديل لابن
أبى حاتم)؛ ومن كتب الضبط لُشكِلِ الأسماء، ومن أكملها (كتابُ الإِكمال، لأبى نصر
بن ماكولا)(١).
وليكنْ كلما مرَّ به اسمُ مشكل، أو كلمةُ حديثٍ مشكلةٌ، بحث عنها وأودعها قلبَه، فإنه
يجتمع له بذلك علم كثير فى يُسْرٍ.
وليكن تحفظه(٢) للحديثِ على التدريج قليلا قليلا مع الأيام والليالى، فذلك أحْرى
بأن يُمتّع بمحفوظه. وممن ورد ذلك عنه من حُفاظ الحديث المتقدمين: ((شعبةُ، وابنُ عُلِيَّةَ،
ومَعْمَر)) وروينا عن ((معمر)) قال: "سمعتُ الزهرىَّ يقول: من طلب [٧٤/ظ] العلم
جملةً، فاتَه ◌ُملّةً. وإنما يُدْرَكُ العلم حديثًا وحديثين)، (٣).
وليكن الإتقانُ من شأنِهِ، فقد (٤) قال ((عبدُ الرحمن بنُ مهدى)): "الحفظُ، الإِتقانُ".
ثم إن المذاكرةَ بما يتحفظه من أقوى أسبابِ الإِمتاع به. روينا عن ((علقمةَ النخعى)»
قال: "تذاكروا الحديثَ، فإن حياته ذِكره". وعن ((إبراهيم النخعى)) قال: "مَن سَرَّه أن
يحفظ الحديثَ فليُحدثْ به، ولو أن يحدث به من لا يشتهيه"(٥).
وليشتغلْ بالتخريج والتأليفِ والتصنيف إذا استعد لذلك وتأهَّل له، فإنه كما قال
(الخطيبُ الحافظ)): يُثَبِّتُ الحفظَ(٦) ويُذَكى القلبَ ويَشْحَذُ الطِبَعَ، ويجيد البيانَ ويكشف
الملتبس، ويُكسِبُ جميلَ الذكر، ويخلده إلى آخر الدهر. وقلّ ما يَمْهَرُ فى علم الحديثِ
ويقفُ على غوامضه ويستبين الخفىَّ من فوائده، إلا من فعل ذلك.
(١) زاد فى التبصرة:
فى العلل: كتب ابن المدينى وأبى على النيسابورى، والتمييز لمسلم. وفى التاريخ: كتاب ابن معين، وتاريخ
خليفة بن خياط، وأبى حسان الزيادى - الحسن بن عثمان - ويعقوب الفسوى وابن أبى خيثمة وأبى زرعة
الدمشقى وحنبل بن إسحاق والسراج (٢٤٠/٢ - ٢٤١).
(٢) من (غ، ز، والعراقية) وفى (ص): [حفظه].
(٣) بعده فى (ص): [واللّه أعلم].
(٤) فى ص: [فقال].
(٥) وانظر فى كتاب العلم من صحيح البخارى، باب فضل من علم وعلّم، يليه باب رفع العلم وظهور
الجهل (فتح البارى ١٢٨/١ - ١٣٠) وباب الحث على طلب العلم وتعليمه من (الجامع لابن عبد البر ٥٨/١).
(٦) من (غ، ع، ز) وسقط من (ص).
:

٤٣٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وحدَّث ((الصُّورُّ الحافظُ، مُحمد بن على)) قال: "رأيتُ أبا محمد عبد الغنى بن سعيد
الحافظ فى المنام فقال لى: يا أبا عبد اللّه، خَرِّجْ وصنَّفْ قبل أن يُحَالَ بينك وبينه، هذا أنا
ترانى قد حِيل بينى وبين ذلك".
وللعلماء بالحديثِ فى تصنيفه طريقتان:
إحداهما: التصنيفُ على الأبواب، وهو تخريجُه على أحكام الفقه وغيرها، وتنويعه
أنواعًا، وجمعُ ما ورد فى كلِّ حُكم وكلُّ نوع، فى بابٍ فبابٍ.
الثانية: تصنيفُه على المسانيد، وجمعُ حديثٍ كلِّ صحابىٌّ وحدَه، وإن اختلفت أنواعه.
ولمن اختار ذلك أن يرتبهم على حروف المعجم فى أسمائهم، وله أن يرتبهم على القبائل،
فيبدأ ببنى هاشم، ثم بالأقربِ فالأقرب نسبًا من رسول اللّه وَّةٍ. وله أن يُرتَّبَ على
سوابق الصحابةِ، فيبدأ بالعشرة، ثم بأهلِ بدر، ثم أهلِ الحديبية، ثم بمن أسلم وهاجر بين
الحديبية [٧٥/و] وفتح مكة، ويختم بأصاغر الصحابة كأبى الطفيل ونُظَرائه، ثم بالنساء؛
وهذا أحسنُ، والأولُ أسهلُ. وفى ذلك من وجوه الترتيبِ غيرُ ذلك.
ثم إن من أعلى المراتب فى تصنيفه، تصنيفَه معللا، بأن يجمعَ فى كلِّ حديثٍ طرقَه
واختلافَ الرواةِ فيه، كما فعل ((يعقوبُ بنُ شيبةً)) فى (مُسنِدِه)(١).
ومما يعتنون به فى التأليف جمعُ الشيوخ، أى جمع حديثٍ شيوخ مخصوصين، كل واحد
منهم على انفراده. قال ((عثمان بن سعيد الدارمى)): "يقال: من لم يجمع حديثَ هؤلاء
الخمسة فهو مُفْلِسٌ فى الحديث: سفيان، وشعبة، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عُيينة؛ وهم
أصول الدين،(٢).
(١) قال الخطيب فى ترجمة يعقوب: وصنف مسندًا معللا إلا أنه لم يتممه، قال الأزهرى: ولم يصنف يعقوب
المسند كله، وسمعت الشيوخ يقولون: لم يتم مسند معلل قط. وبلغنى أن يعقوب كان فى منزله أربعون لحافًّا
أعدها لمن كان يبيت عنده من الوراقين لتبييض المسند ونقله، ولزمه على ما خرَّج من المسند عشرة آلاف
دينار، قال: وقيل لى إن نسخة بمسند أبى هريرة شوهدت بمصر فكانت مائتى جزء. قلت: والذى ظهر ليعقوب:
مسند العشرة، وابن مسعود وعمار وعتبة بن غزوان والعباس، وبعض الموالى، هذا الذى رأينا من مسنده
فحسب)).
(تاريخ بغداد: ١٤/ ٢٨١ ت ٧٥٧٥، وتقييد ابن نقطة ل ١٦٧ من طريق الخطيب).
(٢) ترتيب المدارك (١٥٧/١) وانظر معه مقدمة ابن أبى حاتم لكتابه (الجرح والتعديل ١٠/١ - ١١). ٤
i

٤٣٥
النوع الثامن والعشرون: آداب طالب الحديث
وأصحابُ الحديث يجمعون حديثَ خلقِ كثير، غير الذين ذكرهم ((الدارِمىُّ)) منهم:
((أيوبُ السختيانى، والزهرى، والأوزاعى)). ويجمعون أيضًا التراجم، وهى أسانيد يخصون
ما جاء بها بالجمع والتأليف، مثل: ترجمة مالك عن نافع عن ابنِ عمر؛ وترجمة سهيل بن
أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة؛ وترجمة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ فى أشباهٍ
لذلك كثيرةٍ. ويجمعون أيضًا أبوابًا من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام، فيفردونها
بالتأليف فتصير كتبًا مفردة، نحو: باب رؤية الله عز وجل، وباب رفع اليدين، وباب
القراءة خلف الإِمام؛ وغير ذلك. ويفردون أحاديثَ، فيجمعون طُرقَها فى كتب مفردة،
نحو: طرق حديثٍ قبض العلم، وحديثِ الغُسل يومَ الجمعة، وغير ذلك.
وكثيرٌ من أنواع كتابنا هذا، قد أفردوا أحاديثَه بالجمع والتصنيف.
وعليه فى كلِّ ذلك، تصحيحُ القَصْدِ والحذرُ من قصدِ المكاثرة ونحوه. بلغنا عن «حمزةَ
بن محمد الكِنانى)) أنه خرَّج حديثًا واحدًا من نحو مائتى طريق، فأعجبه ذلك، فرأى
((يحيى بنَ معينٍ)) فى منامِه فذكر له ذلك [٧٥/ظ] فقال له: أخشى أن يدخل هذا تحت
﴿ألهاكم التكاثر﴾(١).
ثم ليحذرْ أن يُخرِجَ إلى الناس ما يصنفه، إلا بعد تهذيبه وتحريره وإعادة النظر فيه
وتكريرِهِ. وليتَّقِ أن يجمع ما لم يتأهلْ بعدُ لاجتناءٍ ثمرته واقتناص فائدةِ جمعِهِ، كيلا يكون
حُكْمُهُ ما رويناه عن ((على ابن المدينى)) قال: "إذا رأيتَ الحدَثَ(٢) أولَ ما يكتب
الحديثَ يجمع حديثَ الغُسْلِ وحديثَ: مَنْ كَذب؛ فاكتبْ على قَفَاه: لا يُفلِح".
(١) أسنده ابن عبد البر عن حمزة، فى باب ذم الإكثار من الحديث دون التفهم له والتفقه فيه (الجامع
١٣٢/٢) ونقله الذهبى عن ابن عبد البر بمثل إسناده فى الجامع، فى ترجمة حمزة بن محمد بن على الكتانى (تذكرة
الحفاظ ٩٣٣/٣).
(٢) فى (ص): [الحديث] ولا يصح به السياق. ويعنى بحديث: من كذب، الحديث المتواتر عن رسول
اللّهِ وَّ: "من كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
١

٤٣٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ثم إن هذا الكتابَ مَدخلٌ إلى هذا الشأن، مُفصِحٌ عن أصوله وفروعهِ، شارع
المصطلحاتِ أهلِه ومقاصدهم ومهاتهم التى ينقص المحدِّثُ بالجهل بها نقصًا فاحشًا، فهو
إن شاء اللّه جدير بأن تقدمَ العنايةُ به، ونسأل الله سبحانه فضلَه العظيم"؛ وهو أعلم (١).
(١) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى: بلغت سماعًا بقراءتى فى المجلس السابع عشر.
-...- -
* فى تضمين المحاسن، قال البلقيني:
((وأنواع علوم الحديث ينبغى أن تقدم العناية بمعرفتها. والمدخل فى ذلك كتاب ابن
الصلاح الذى ضمناه محاسن الاصطلاح)) ٨٤/ و
:

النوع التاسع والعشرون
معرفةُ الإِسنادِ العالى والنازلِ
أصلُ الإِسناد أولا خصيصةٌ فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسُنَّةٌ بالِغَةٌ من السنَنِ
المؤكدة. روينا من غير وجهٍ عن ((عبد الله بن المبارك)) رضى الله عنه أنه قال(١):
"الإِسنادُ من الدِّين، لولا الإِسنادُ لقال من شاء ما شاء"".
(١) أسنده مسلم فى مقدمة الصحيح (١٥/١) والترمذى فى العلل (الجامع ٣٠٧/١٣) عن عبدان بن عثمان
عن ابن المبارك. وأسنده الحاكم أيضًا عن عبدان، عنه (معرفة علوم الحديث ٦) والسمعانى فى أدب الإملاء ٧)
عن عبدان عنه أيضًا.
· المحاسن :
*
((زيادة: فى (علّوم الحاكم) بسنده إلى ◌ُتبةَ بن أبى حكيم، أنه كان عند إسحاق بن أبى
فروةَ وعنده الزهرىُّ، فجعل ابنُ أبى فروةً يقول: قال رسول الله وَّل، [قال رسول الله:
وَ﴿] فقال له الزهرى: قاتلك الله يا ابنَ أبى فروة، ما أجرأكَ على الله! ألا تُسنِد
حديثَك؟ تُحدِّثنا بأحاديثَ ليس لها خُطُمٌ ولا أزِمَّة؟(١)
وفى (مقدمة مسلم) أن أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقانى قال: [قلت] لعبد الله بن
المبارك: يا أبا عبدالرحمن، الحديث الذى جاء "إن من البِرِ بعد البرِّ أن تصلىَ لأبويكَ مع
صلاتك، وتصومَ لهما مع صيامك.، فقال عبدالله: يا أبا إسحاق، عمن هذا؟ قلت: هذا من
حديثٍ شهابٍ بن خِراش. قال: ثقة، قال عمن؟ قلت: عن الحجاج بن دينار .=
(١) المقابلة على (علوم الحاكم: النوع الأول: معرفة عالى الإسناد، وفى طلب الإِسناد العالى سنة صحيحة)
وأخرجه الترمذى فى العلل، من طريق على بن حجر عن بقية بن الوليد عن عقبة بن أبى حكيم (الجامع، العلل
٣٢٨/١٣) وعلته إرساله. ومعه (أدب الإملاء للسمعانى: ٧).
٤٣٧

٤٣٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وطلَبُ الْعُلُوِّ فيه، سُنَّةٌ أيضًا (١). ولذلك استُحِبَّت الرحلة فيه، على ما سبق ذكره".
قال ((أحمدُ بن حنبل)) رضى الله عنه: طلبُ الإِسنادِ العالى سُنَّةٌ عمن سلف (٢). وقد
(١) الحاكم: وفى طلب الإِسناد العالى سنة صحيحة (علوم: ٦).
(٢) أسند الخطيب عن عبد الله بن أحمد، قال: سمعت أبى يقول: "طلب علو الإِسناد من السنن".
(الرحلة: ٩٨).
= قال: ثقة، عمن؟ قلت: عن رسول اللّهِ وَ له. قال: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج ابن
دينار] وبين النبى وَل﴿ مفاوزَ تنقطع فيها أعناقُ المطِىِّ. ولكن ليس فى الصدقة اختلافٌ"(١).
وكلام السلفِ فى ذلك كثير - انتهت.)) ٨٤/ظ
* المحاسن :
((فائدة: احتج له ((الحاكم)) بحديث أنس، فى حديث الرجل الذى أتى النبى وَله
الذى فيه: ((زعم رسولك)) قال ((الحاكم)): ((هذا حديث مخرج فى (مسلم) وفيه دليل على
علو الإِسناد(٢). قال: ((وقد رحل فى طلب الإِسناد، غيرُ واحدٍ من الصحابة)) وساق
حديثَ خروج ((أبى أيوب)) إلى ((عُقبة بن عامر)) يسأله عن حديث سمعه من رسول الله
بَّ - لم يبقَ أحد سمعه من النبى مج ل غيره وغير عقبةَ - فى ستر المؤمن. وساق القصة.
وفيه قال ((عقبة)): نعم، سمعت رسول اللّه وَل يقول: "من ستر مؤمنًا على خزية ستره
الله يوم القيامة". فقال له ((أبو أيوب)): صدقتَ. ثم انصرف أبو أيوبَ إلى راحلتهِ
فركبها راجعًا إلى ((المدينة فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر))(٣) .=.
(١) المقابلة على مقدمة مسلم للصحيح (١٦/١) وفى علل الترمذى عن ابن المدينى، قال: ((سألت يحيى بن
سعيد عن حكيم بن جُبير، فقال: تركه شعبة من أجل حديث الصدقة)). وذكره (الجامع: ٧٥٧/٥).
(٢) علوم الحاكم: ٥، وحديث أنس رضى الله عنه فى ك الإِيمان من صحيح مسلم، باب السؤال عن أركان
الإِسلام. وانظر (فتح البارى ١١٠/١) على باب القراءة والعرض على المحدث، من ك الإِيمان من صحيح
البخارى.
(٣) المقابلة على (علوم الحاكم: ٧) وأخرجه ابن عبد البر فى (الجامع ٩٤/١) والخطيب فى (الرحلة ١١٨)
بلفظ: "من ستر على مؤمن خزية" وانظر تخريج حديث الستر فى (فتح البارى ١٢٨/١)

٤٣٩
النوع التاسع والعشرون: الإِسناد العالى والنازل
روينا ((أن يحيى بن معين)) رضى الله عنه، قيل له فى مرضِه الذى مات فيه: ما تشتهى؟
قال: بيت خالى وإسنادٌ عالى(١).
(١) كذا رسمه فى الأصول، بإثبات ياء المنقوص من [خالى .. عالى]
= وأسند إلى ((عَمْرِو بن أبى سلمة)) قال: قلت للأوزاعى: يا أبا عمرو، أنا ألزمك منذ
أربعة أيام ولم أسمع منك إلا ثلاثين حديثًا. قال: وتستقِلُّ ثلاثين حديثًا فى أربعة أيام؟ لقد
سار ((جابر بن عبد الله)) إلى مصر، واشترى راحلةً فركبها، حتى سأل ((عقبة بن عامرٍ))
عن حديث واحدٍ، ثم انصرف إلى المدينة [وأنت مستقل ثلاثين حديثًا فى أربعة أيام) (١).
وأسند عن ((ابن عمر)): قُلْ لطالبِ الحديث يتخذ نَعْلَين من حديد))(٢) وأسند عن
((سعيد بن المسيّب)): إنْ كنتُ لأسافرُ مسيرةَ الأيامِ والليالى فى الحديثِ الواحد))(٣).
وذكر حديثَ الشعبى عن أبى بُردةً عن أبى موسى عن النبى وَّهِ: «مَن كانت له وليدة
فأدَّبها .. " وساقه. ثم قال الشعبى [لمن سأله فيها]: ((إنى أعطيتكها بغير أجر، فلقد كان
الراكب يركب فيما هو أدنى من هذا، إلى المدينة))(٤) والحديث فى (الصحيحين)(٥) ولذلك
شواهدُ يطولُ ذكرُها. انتهت)) ٨٤ ظ- ٨٥ و
(١) المقابلة على (علوم الحاكم: ٨) وأخرجه ابن خلاد بسنده إلى جابر رضى الله عنه فى (المحدث الفاصل
٢٢٣ ف ١١٤) والخطيب فى (الرحلة ١٢٥) ورحلة جابر رضى الله عنه إلى مصر كانت فى طلب حديث فى
القصاص بلغه أن صاحبه فى مصر. انظر تخريجه فى (فتح البارى ١٢٧/١) مع حديث جابر فى رحلته إلى عبد الله
بن أنيس مسيرة شهر، فى قوله وَله: ((يحشر الله الناس يوم القيامة عراة)) الحديث: ك العلم باب الخروج فى
طلب العلم، بالبخارى. مع ترجمة عبدالله بن أنيس، رضى الله عنه، فى (الإِصابة، وتهذيب التهذيب)
(٢) علوم الحاكم: ٩
(٣) علوم الحاكم: ٨ بسنده إلى يحيى بن سعيد عن ابن المسيب. وأسنده ابن خلاد عن الزهرى عن سعيد
فى (المحدث الفاصل: ٢٢٣ ف ١١١) وابن عبد البر فى الجامع ٩٤/١ بلفظ: إن كنت لأسير، وخرّجه. وبهذا
اللفظ أيضًا فى رواية الخطيب (الرحلة ١٢٣) وفى رواية عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب،
بلفظ: ((إن كنت لأرحل)) فى (فتح البارى ١٢٨/١)
(٤) علوم الحاكم (٧). وابن عبد البر فى (الجامع ٩٣/١) والخطيب فى (الرحلة فى طلب الحديث: ١٤٠).
(٥) الحديث أخرجه البخارى، من رواية الشعبى عن أبى بردة بن أبى موسى عن أبيه، يرفعه، فى ثلاثة
مواضع من الصحيح: ك العلم، باب تعليم الرجل جاريته وأمته (مع فتح البارى ١٣٨/١): ك العتق =

٤٤٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
قلت: العُلوُّ يبعد الإِسنادَ من الخلل، لأن كلِّ رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخللُ من
جهتِه سهوا أو عمدا. ففى قِلَّتِهم قلة جهاتِ الخلل، وفى كثرتهم كثرة جهاتِ الخلل؛ وهذا
جلیُّ واضح(١).
ثم إن العُلو المطلوبَ فى رواية الحديث على أقسام خمسة:
أولها: القربُ [٧٦/ و] من رسولِ الله وَّل بإسنادٍ نظيف غير ضعيف، وذلك من أجلِّ
أنواع العلو، وقد روينا عن ((محمد بن أسلم الطوسى)) الزاهد العالم رضى الله عنه، أنه
--
(١) حاشية ملصقة على (غ): {قال عياض: النزول فى الرواية، كالرواية عن الأقران وطبقة المحدث، أو
بسند يوجد أعلى منه وأقل رجالا. والصعود: الرواية بالسند العالى والقرب فيه من رسول اللّه وص له بقلة عدد
رجاله، أو من إمام مشهور حدث به. هذا هو طريق أهل الصنعة ومذهبهم، وهو غاية جهدهم ... وبمقدار علو
حديث الواحد منهم تكثر الرحلة إليه والأخذ عنه. مع أن له فى طريق التحقيق والنظر وجهًا وهو أن أخبار
الآحاد ورواية الأفراد لا توجب كما قدمنا علًا ولا يُقطَع على مغيب صدقها، لجواز الغفلات والأوهام والكذب،
على آحاد الرواة. لكن لمعرفتهم بالصدق ظاهرًا وشهرتهم بالعدالة والستر، غلب على الظن صحة حديثهم
وصدق خبرهم، فكلفنا العمل به، وقامت الحجة بذلك بظاهر الأوامر الشرعية، ومعلوم إجماع سلف هذه الأمة،
ومغيب أمر ذلك كله لله تعالى. وتجويز الوهم والغلط، غير مستحيل فى كل راو ممن سمى فى الخبر، فإذا كثروا
وطال السند كثرت مظان التجويز، وكلما قل العدد قلت، حتى أن من سمع الحديث من التابعى المشهور عن
الصحابى عن النبى و له، كان أقوى طمأنينة بصحة حديثه، ثم من سمعه من الصحابى كان أعلى درجة فى قوة
الطمأنينة وإن كان الوهم والنسيان جائزًا على البشر، حتى إذا سمعه من النبى وَله ارتفعت أسباب التجويز،
وانسدت أبواب احتمالات الوهم وغير ذلك، للقطع أنه عليه السلام، لا يجوز عليه شىء من ذلك فى باب التبليغ
والخبر، وأن جميع ما يخبر به حق وصدق. والله أعلم.].
= باب فضل من أدب جاريته وعلمها. ثم فى: ك الجهاد، باب فضل من أسلم من أهل الكتابين (فتح ٨٨/٦).
وأخرجه مسلم مع خبر الخراسانى فى ك الإِيمان باب وجوب الإِيمان برسالة نبينا وَّه إلى جميع الناس ونسخ
الملل بملته. وفيه أن رجلا من أهل خراسان سأل الشعبى: يا أبا عمرو، إن من قِبَلنا من أهل خراسان يقولون
فى الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها فهو كالراكب بَدَنتَه؟ فقال الشعبى: حدثنى أبو بردة بن أبى موسى عن أبيه
أن رسول الله و الله قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبى و ◌َلّ فآمن
به واتبعه وصدقه، فله أجران. وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أَمَّة
فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران".
ثم قال الشعبى: ((خذ هذا الحديث بغير شىء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة))
ثم أخرج مسلم طرف هذا الحديث، عن الشعبى عن أبى بردة عن أبيه، فى كتاب النكاح باب فضيلة عتاقه
أمته ثم يتزوجها (١٠٤٣/٢ ح ١٤٢٨)