Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته ومن تُردروايته
لقبولِه بتوبة تظهرُ. وَمَنْ ضعَّفنا نقلَه لم نجعله قويًّا بعد ذلك"؛ وذكر أن ذلك مما افترقتْ
فيه الرواية والشهادةُ(١).
وذكر الإِمام ((أبو المظفر السمعانى المروزى)): "أن من كذب فى خبرٍ واحدٍ وجب
(١) طرّة فى ورقة ملصقة بنسخة (غ) بخط ابن الفاسى:
[قال ((القاضى عياض)) فى (الإِكمال): اعلم أن الشهادة والخبر يجتمعان عندنا فى خمسة أحوال، ويفترقان فى
خمسة أحوال. فالخمسة الجامعة لهما: العقل، والبلوغ، والإِسلام، والعدالة، وضبط الخبر أو الشهادة حين السماع
والأداء. فمتى اختل وصف من هذه الأوصاف فى أحد، لم يقبل خبره ولا شهادته. وأما الخمسة التى يفترقان
فيها: فالحرية، والذكورية، والعدد، ومراعاة الأهلية، والعداوة. فخبر العبد مقبول، وإن لم تقبل شهادته عندنا،
وكذلك خبر الواحد والمرأة مقبول، ولا تقبل شهادتهما مجردة، إلا فى مواضع مستثناة، وبشرائط معلومة. وخبر
الرجل وروايته فيما ينفع به خاص أهله أو يضرّ به عدوه مقبول. ولهذا لا يعذر فى مكشفى القضاة ومجرحى
السر. وكذلك تجوز رواية الابن عن أبيه وأمه، وروايتهما عنه، وإن لم يجزه بعض العلماء فى نقل الشهادة. وفى
مذهبنا فيها وجهان، لأن الرواية والخبر يعم ولا يخص شخصًّا دون شخص، والشهادة خاصة، ولهذا نعمل
الشهادة العامة كيف كانت ولا نردها بظنة منفعة ولا عداوة، كالشهادة على العدو من أهل الكفر، وعلى الأمور
العامة للمسلمين فى سككهم ومرافقهم، وإن كان الشاهد واحدًا منهم. وشرط (الشافعى)): البصر فى الشهادة
دون الخبر؛ ولا حجة له فى ذلك قائمة. وشرط بعض الأصوليين: البلوغ حين السماع، والإجماع يخالفه. وشرط
((الجبائى)) وبعض القدرية: العدد، فلابد عنده من اثنين عن اثنين فى الخبر كالشهادة. وعند الآخرين: أربع عن
أربع فى كل خبر؛ وهذا مما يتعذر ولا يفيد معنى فى باب الفعل. وأسقط ((أبو حنيفة)) شرط العدالة ورأى أن مجرد
- الإِسلام عدالة فى الشهادة والخبر لمن لم يُعلَم فسقه وُجُهِلَ أمره. ورأى بعض أهل الحديث أن رواية رجلين عمن
· روى عنه يخرجه عن حد الجهالة، وإن لم تعرف حاله. والصواب أن الجهالة لا ترتفع عنه بروايتهما، حتى يعرف
حاله وتتحقق عدالته، وإن جهل نسبه، والله أعلم." ذكر هذه الفوائد فى أول شرح خطبة مسلم قبل تفسيره :
"من كذب على متعمدًا ... " الحديث. قال ((القرافى)) فى (قواعده): قال الإِمام المازرى فى (شرح البرهان):
الشهادة والرواية خبران، على أن المخبر عنه إن كان أمرًا عامًّا لا يختص بمعين فهو الرواية، كقوله عليه
السلام: "الأعمال بالنيات" أو "الشفعة فيما لم يقسم" لا يختص بشخص معين بل ذلك على جميع الخلق فى جميع
الأعصار والأمصار، بخلاف قول العدل عند الحاكم: "لهذا عند هذا دينار" إلزام لمعين لا يتعداه لغيره، فهذا هو
الشهادة المحضة، والأول هو الرواية المحضة]. ومعها، على هامش (غ) أيضًا:
[قال النووى: ((كل هذا مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا، ولا يقوى الفرق بينه وبين الشهادة)) [ووجدت
بخط شيخنا: قد قال ((مالك)) فى شاهد الزور: إذا ثبتت عليه شهادة الزور لا تسمع له شهادة بعد ذلك، تاب أم
لا. وعند الشافعى والحنفى: لو ردت شهادته لفسق، ثم حسنت حالته، لا تسمع إعادتها لما يلحقه من التهمة فى
تصديق نفسه. ولا يبعد أن يخفى مثله هنا، لأن الرواية كلها كنوع من الشهادة. وقال ((أبو حنيفة)): إذا ردت
شهادة أحد الزوجين للآخر ثم بانت، لا نسمعها، للتهمة].
وانظر تقريب النووى ٣٣٠/١ وكفاية الخطيب باب ما جاء فى الأخذ عن أهل البدع (١٢٠- ١٣٢).

٣٠٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
إسقاط ما تقدم من حديثه*، وهذا يُضاهى من حيث المعنى ما ذكره ((الصيرفى)) والله.
أعلم.
الحادية عشرة: إذا روى ثقةٌ حديثًا وروجع المروِىُّ عنه فَنَفاه، فالمختارُ أنه إن كان
جازمًا بنفيه بأن قال: ما رَوَّيته، أو: كذب علىَّ، أو نحو ذلك؛ فقد تعارض الجَزْمان،
والجاحد هو الأصلُ فوجبَ ردُّ حدیثٍ فرعه ذلك ** ؛ ثم لا یکونُ ذلك جرحًا له یوجبُ
ردَّ باقى حديثه، لأنه مكذُّبٌ لشيخِه أيضًا فى ذلك، وليس قبولُ جرحٍ شیخِه له، بأوْلى من
قبولٍ جرحِه لشيخه، فتساقطا.
أما إذا قال المروىُّ عنه: لا أعرفه أو: لا أذكره، أو نحو ذلك، فذلك لا يوجِبُ ردًّ
رواية الراوى عنه. ومن روَى حديثًا ثم نسيه، لم يكن ذلك مسقِطًا للعمل به عند جمهور
أهلِ الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين، خلافًا لقوم من أصحاب ((أبى حنيفة)) صاروا
* المحاسن:
((فائدة: وما نَقَل عن ((الصيرفى)) يقرب منه ما قال ((ابنُ حزم)): "من أسقطنا حديثه
لم نعد لقبوله أبدًا، ومن احتججنا به لم نُسقِط روايته أبدا". وكذا قاله ((ابن حبان)) فى
أخرين. قال النووى: وكل هذا مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا. ولا يقوى الفرق
بينه وبين الشهادة. انتهت)) ٤٤/ظ.
انظر تقريب النووى (٣٣٠/١) والأحكام لابن حزم (١٣١/١).
** المحاسن:
((فائدة: وقد يعارض هذا أن المثبتَ مُقدَّمُ على النافى، ولما كان النافى هنا نَفَى ما يتعلق
به فى أمرٍ يقرُب من المحصور بمقتضى الغالب، اقتضى أن يرجح النافى. وكذلك فى
الشهادة، وفى القاضى إذا شهد عليه الشهودُ بحكم فأنكر حُكمَه، خلافًا لمالك ومحمد بن
الحسن وغيرهما فى صورة القاضى، وهو الأقربُ لتعلق حقٌّ الغير، لاسيما مع الانتشار
وكثرة الأحكام. انتهت)) ٤٤/ظ ثم:
١
((فائدة: والحاكم إذا لم ينكر حكمهم بل توقف، ففى قبول شهادة الشهود لحكمه
وجهان عند ((الشافعى)): أوقفهما لقول الأكثرين قبولُ الشهادة بحكمه، وقد أجراهما
بعض المتأخرين فى الشهادة على الشهادة، إذا ظهر توقف الأصل. انتهت))

٣٠٣
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته ومن تُردروايته
إلى إسقاطِهِ بذلك، وبَنوا عليه رَدَّهم حديثَ سليمانَ بنِ موسى، عن الزُّهرِى عن عُروةً
عن عائشةً، عن رَسولِ اللهِ وَّهُ: "إذا نكحت المرأةُ بغير إذنٍ وَلِيِّها فنكاحُها باطل" ...
الحديث؛ من أجلِ أن ((ابن جُرَيج)) قال: "لقيتُ الزهرىَّ فسألتُه عن هذا الحديث فلم
يعرفْه". وكذا حديثَ ربيعة الرأى، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة:
"أن النبى (وََّ، قضىَ بشاهدٍ ويمين" فإن عبد العزيز بن محمد الدراوَرْدى قال: "لقيت
سُهَيلاً فسألتُه عنه فلم يعرفه)»(١).
والصحيحُ ما عليه الجمهورُ. لأن المروىَّ عنه بِصددِ السهوِ والنسيانِ، والراوى عنه
ثقةٌ جازم، فلا يُرَدُّ بالاحتمالِ روايتُه (٢). ولهذا كان ((سُهَيلٌ)) بعد ذلك يقولُ: "حدثنى
ربيعةُ عنى، عن أبى"؛ ويسوقُ الحديثَ. وقد رَوَى كثيرٌ من الأكابرِ أحاديثَ نسَوها بعدما
حُدِّثوا بها عن مَنْ سَمِعها منهم، فكان أحدُهم يقولُ: حدَّثنى فلانٌ عنى عن فلانٍ بكذا
وكذا. وجمع ((الحافظُ الخطيبُ)) ذلك فى كتابٍ (أخبار من حَدَّث ونَسِىَ) (٢) *.
(١) تمام الخير فى (الإِرشاد لأبى يعلى الخليلى): "فكان سهيل يقول بعد ذلك: حدثنى ربيعة، وهو ثقة، عنى،
عن أبى، عن أبى هريرة". ترجمة سهيل بن أبى صالح. ويأتى فى الحاشية، فيما يلى، تخريج ما أجمله ابن الصلاح
هنا.
-- ......
(٢) مذهب الفقهاء، من أصحاب مالك والشافعى، وجمهور المتكلمين فى العمل بحديث رواه ثقة عمن نسيه
((وزعم المتأخرون من أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجب العمل به)) بينه الخطيب فى الكفاية (باب القول فيمن
روى حديثًا ثم نسيه، هل يجب العمل به أو لا؟) وأخرج حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهرى
عن عائشة رضى الله عنها، قالت: قال رسول اللّه وَله: "إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل .. "
الحديث. وقال ابن جريج: فلقيت الزهرى فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه. (ص ٣٨٠)
ورواه الشافعى من عدة طرق، منها رواية ابن جريج عن سليمان بن موسى عن ابن شهاب عن عروة عن
عائشة مرفوعًا، بلفظ «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" - المسند٧٦ - والإِمام أحمد فى حديث
عروة عن عائشة رضى الله عنها، وأبوداود والترمذى وابن ماجه فى السنن -ك النكاح، باب لا نكاح=
* المحاسن:
((فائدة: والدارقطنى قبله، وضع كتابًا فى ذلك. انتهت)) ٤٤/ظ
وعلى الهامش.
((حاشية: من إملاء المصنف وقت القراءة: فائدة: خرج البخارى ومسلم حديثًا وفيه
علة الإِنكار، وهو ما روياه من طريق عمرو بن دينار أن أبا معبد مولى ابن عباس =

٣٠٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
= إلا بوَلِىٌّ- وقال الترمذى: حديث حسن قد تكلم فيه بعضهم من جهة أن ابن جريج قال: ثم لقيت الزهرى
فسألته عنه فأنكره، فضعف الحديث من أجل هذا. لكن ذكر عن يحيى بن معين أنه قال: لم يذكر هذا
- القول - عن ابن جريج غير ابن علية، وضعف يحيى رواية ابن علية عن ابن جريج. وكذلك قال الحاكم فى
المستدرك، عن ابن علية عن ابن جريج: فلقيت الزهرى فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه ... وقال ابن معين:
سماع ابن علية من ابن جريج ليس بذاك، قال: وليس أحد يقول فيه هذه الزيادة غير ابن علية. وأخرجه
الدارقطنى فى سننه من حديث أبى بردة عن أبيه، والزهرى عن أبى سعيد الخدرى، وسعيد بن جبير عن
ابن عباس، يرفعونه. ومن رواية ابن جريج عن سليمان بن موسى عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة،
مرفوعًا. ولم يذكر فيه هذه الزيادة. وسئل فى (العلل)(٨٠/٣) عن حديث سعيد بن المسيب عن أبى هريرة،
فقال: ((يرويه الزهرى، واختلف عنه فرواه عمر بن قيس - أبو حفص المكى - عن الزهرى عن سعيد عن
أبى هريرة)) ووهمه فى إسناده ومتنه ثم قال: ((وإنما روى الزهرى هذا الحديث عن عروة عن عائشة)).
وحديث سهيل فى (الكفاية للخطيب) أخرجه من طريق عبدالعزيز بن محمد - هو الدراوردى - وسليمان بن
بلال عن ربيعة بن أبى عبدالرحمن عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة، أن النبى و18َ (قضى بشاهد ويمين) قال
عبدالعزيز: فلقيت سهيلا فسألته عنه فلم يعرفه (ص ٣٨١) وأخرجه أبو داود فى الأقضية، من رواية سليمان بن
بلال عن ربيعة وزاد فيه: قال سليمان: فلقيت سهيلا فسألته عن هذا الحديث فقال: ما أعرفه. فقلت: إن ربيعة
أخبرنى به عنك. فقال: إن كان ربيعة أخبرك به عنى فحدث به عن ربيعة عنى. قال =
= أخبره أن رفع الصوت بالذكر، الحديث(١) وقد أنكر أبو معبد ذلك وقال لعمرو: لم
أحدثك بهذا. قال عمرو: قد أخبرتنيه قبل ذلك. ذكر ذلك مسلم والشافعى قبله. قال
الشافعى: كأنه نسى (٢). ودل إخراج البخارى ومسلم لهذا الحديث على أنهما لم يؤثر
عندهما إنكار أبى معبد. واسمه نافذ)). ٤٤/ظ
(١) البخارى: ك الأذان، باب الذكر بعد الدعاء، من طريق عمرو بن دينار عن أبى معبد عن مولاه ابن
عباس رضى الله عنهما، قال: (كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله (ص8* بالتكبير) ولم يشر البخارى إلى إنكار أبى
معبد. وقال ابن حجر: الزيادة - قول عمرو أن أبا معبد أنكره - فى مسلم. ثم حرر مسألة رواية الثقة عن راوٍ
ينفى أنه حدثه (فتح البارى ٢٢١/٢) وأخرجه مسلم فى كتاب المساجد، باب الذكر بعد الصلاة
(ح ٥٨٣/١٢٠) من رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى معبد وفيه قال عمرو: فذكرت ذلك لأبى
معبد فأنكره وقال: لم أحدثك بهذا. قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك.
(٢) مسند الشافعى، من كتاب الصلاة، سماعه من ابن عيينة عن عمرو عن أبى معبد عن ابن عباس
رضى الله عنهما قال: (كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ( صل﴿ بالتكبير). قال عمرو بن دينار. ثم ذكرته لأبى
معبد بعد فقال: لم أحدثكه. قال عمرو: "قد حدثتنيه." قال: وكان من أصدق موالى ابن عباسٍ. أهـ (ص١٦).

٣٠٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ومن تُردروايته
ولأجلِ أن الإِنسانَ معرَّضٌ للنِسيانِ، كَرِهَ منْ كَرِهِ [٣١/ظ] من العلماءِ الروايةَ عن
الأحياءِ، منهم ((الشافعىُّ)) رضى الله عنه، قال لابن عبد الحكم: "إياك والروايةَ عن
الأحياء"(١) والله أعلم.
الثانية عشرة: منَ أخذ على التحديثِ أجرًا، منَعَ ذلك من قبولٍ روايتِه عند قوم من
أئمةِ الحديث. روينا عن إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهَوَيه(٢) - أنه سُئل عن المحدِّث
يُحدِّث بالأجرِ، فقال: لا يُكتَب عنه. وعن ((أحمدَ بن حنبل، وأبى حاتم الرازى)) نحو
ذلك. وترخَّصَ ((أبو نعيم الفضلُ بنُ دكين، وعلىُّ بن عبد العزيز المكى)) وآخرون، فى
أخذِ العِوَضِ على التحديثِ (٣)، وذلك شبيهٌ بأخذِ الأجرةِ على تعليم القرآنِ ونحوه. غير
أن فى هذا من حيث العرفُ خَرْمًا للمروءة، والظنُّ يُساءُ بفاعِلِهِ، إلا أن يَقترنَ ذلك بعذرٍ.
يَنْفِى ذلك عنه، كمثلِ ما حدَّثنيه الشيخُ ((أبو المظفر، عن أبيه، الحافظ أبى سعد
السمعانى)»، أن "أبا الفضل محمدَ بنَ ناصر السلامى، ذكر أن ((أبا الحسين بن النقور))
فعل ذلك، لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازى أفتاه بجواز أخذِ الأجرة على التحديث، لأن
= وكان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ونسى بعض حديثه فكان سهيل بعدُ يحدث به عن ربيعة عنه عن
أبيه (٣٠٩/٣) وأخرجه الترمذى فى الأحكام عن الدراوردى وقال: حديث حسن غريب (عارضة ١٠٦/٥)
وابن ماجه فى الشهادات (ح١٨٨٨) والدارقطنى فى السنن من حديث عدد من الصحابة، ومنها رواية
الداراوردى عن ربيعة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه (ك الأقضية والأحكام، ح٢٣).
وسئل عنه فى (العلل) فقال: يرويه سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة. حدث به عنه سليمان بن
بلال واختلف عنه ... والصحيح عن سليمان عن ربيعة، وقد بين ذلك زياد بن يونس فى روايته عن سليمان فقال
فيه: قال سليمان: فلقيت سهيلا فسألته عنه فلم يعرفه فقلت: حدثنى به عنك ربيعة. فقال: فحدث به عن ربيعة
عنى. ورواه عبد العزيز الدراوردى عن ربيعة عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة ... )) العلل (١٣٠/٣) خط.
وقبلهم أخرجه الشافعى من عدة طرق عن عدد من الصحابة، وقال فى رواية الدراوردى عن ربيعة عن
سهيل عن أبيه: ((قال عبد العزيز: فذكرت ذلك لسهيل قال: أخبر نى ربيعة، وهو عندى ثقة، أنى حدثته إياه،
ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كان أصاب سهيلا علة أذهبت بعض حفظه ونسى بعض حديثه، وكان سهيل
بعدُ يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه)) (مسند الشافعى: ٥٢).
(١) الكفاية للخطيب (ذكر من كره من العلماء التحديث عن الأحياء) ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) من (ص) وهامش (غ).
(٣) الكفاية للخطيب (باب كراهة أخذ الأجر على التحديث .. وذكر بعض أخبار من كان يأخذ العوض
عن التحديث (١٥٣-١٥٧).
٠

٣٠٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
أصحابَ الحديثِ كانوا يمنعونه عن الكسبِ لعياله" (١)* والله أعلم.(٢)
الثالثة عشرة: لا تُقبَلُ روايةُ من ◌ُرِفَ بالتساهلِ فى سماعِ الحديث أو إسماعِه(٣)،
كمن لا يُيالى بالنوم فى مجلسِ السماعِ(٤)، وكمن يُحدِّثُ لا من أصلٍ مقابَلٍ صحيحٍ
ومن هذا القبيلِ مَنْ عُرِف بقبولِ التلقين فى الحديثِ. ولا تُقبَلُ روايةٌ مِن كثُرتَ الشواذّ
والمناكيرُ فى حديثه. جاء عن ((شُعبةَ)) أنه قال: «لا يجيئك الحديثُ الشاذّ إلا من الرجلِ
الشاذِّ(٥)». ولا تُقبَلُ روايةُ مَنْ عُرِفَ بكثرةِ السهوِ فى رواياتِهِ، إذا لم يُحدِّثْ من أصلٍ
صحیح.
وكلَّ هذا يخرم الثقة بالراوى وبضبطه.
وورد عن ((ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، والحميدى)) وغيرهم، أن من غلط فى حديث
وبُيْنَ له غلطه فلم يرجع عنه وأصرَّ على رواية ذلك الحديث، سقطت رواياته، ولم یکتب
عنه. وفى هذا نظرٌ، وهو غير مستنكر إذا ظهر أن ذلك منه على جهةِ العنادِ أو نحو ذلك؛
والله أعلم.
(١) تقييد ابن نقطة، ترجمة أبى الحسين ابن النقور أحمد بن محمد بن أحمد (ل: ١٤) والعبر للذهبى
(٢٧٢/٣).
(٢) بلاغ القراءة والسماع بخط العراقى. (ص)
(٣) الكفاية للخطيب (١٥٢) وتقييد العراقى (١٥٥) والتبصرة (٣٤٣/١).
(٤) كذا فى الأصول. وقال ((الزمخشرى)) فى (الأساس): لا أباليه ... وهو أفصح من: لا أبالى به.
(٥) الخطيب فى الكفاية (باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية الغرائب والمناكير)
١٤١، و(باب ترك الاحتجاج بمن كثر غلطه وكان الوهم غالبًا على رواياته) ١٤٤، وانظر أيضًا فى الكفاية (باب
رد حديث من عرف بقبول التلقين، وباب ترك الاحتجاج بمن عرف بالتساهل فى رواية الحديث) وابن حيان فى
المجروحين (النوع ١٦ ص ٧٨/١).
المحاسن :
((فائدة: هذا قوى. وفى (صحيح البخارى)(١) أن رسول الله وَل قال: "إن أحقَّ
ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله". انتهت)) ٤٥/ظ
(١) فى كتاب الإِجارة، باب ما يعطى فى الرقية على أحياء العرب بفاتحة القرآن (وانظر معه فتح البارى
٣٠٤/٤) وأخرجه كذلك فى كتاب الطب، أبواب الرقية، باب الشرط فى الرقية. وانظر فى باب التزويج على
القرآن بغير صداق (فتح البارى ١٦١/٩).
أ

٣٠٧
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته ومن تُردروايته
[٣٢/و] الرابعة عشرة: أعرَض الناسُ فى هذه الأعصارِ المتأخرِة عن اعتبارِ مجموعٍ
: ما بَيِّنا من الشروطِ فى رواة الحديثِ ومشايخه، فلم يتقيدوا بها فى رواياتهم لتعذرِ الوفاء
بذلك على نحوٍ ما تقدم، وكان عليه مَنْ تَقَدَّم؛ ووجهُ ذلك ما قدمناه فى أولِ كتابنا هذا
من كونِ المقصودِ آل آخِرًّا إلى المحافظةِ على خصيصةِ هذه الأمةِ فى الأسانيدِ والمحاذرة
من انقطاع سلسلِتها، فليُعتبَرْ من الشروطِ المذكورةٍ ما يليقُ بهذا الغرض على تجرُّدِه،
ولُكتَفَ فى أهليَّةِ الشيخ: بكونِه مسلمًا بالغًا عاقلا، غيرَ متظاهرِ بالفسق والسخف؛ وفى
ضبطه: بوجود سماعِه مثبتًا بخطٍ غير متّهم، وبروايتهِ من أصلٍ موافِقٍ لأصلٍ شيخِه. وقد
سبق إلى نحو ماذكر ناه ((الحافظ الفقيهُ أبو بكر البيهقى)) رحمه الله تعالى. فإنه ذكر فيما رويناه
عنه، توسُّعَ مَنْ توسَّع فى السماع من بعض محدِّتى زمانِه الذين لا يحفظون حديثَهم، ولا يحسنون
قراءته من كتبهم، ولا يعرفون مايُقرَأ عليهم بعد أن تكون القراءةُ عليهم
من أصل سماعِهم؛ ووجَّه ذلك بأن الأحاديثَ التى قد صَحَّتْ أو وقفت بين الصحةِ
والسقم، قد دُوِّنتْ وَكُتِبَتْ فى الجوامع التى جمعها أئمةُ الحديث. ولا يجوز أن يذهَب شىءٌ
منها على جميعهم وإن جاز أن يذهبَ على بعضِهم؛ لضمانِ صاحبِ الشريعة حِفظَها. قال:
فمن جاء اليومَ بحديثٍ لا يوجَّدُ عند جميعِهِمٍ لم يقبَلْ منه. ومن جاء بحديثٍ معروفٍ
عندهم فالذى يرويه لا ينفردُ بروايتِهِ، والحجةُ قائمةٌ بحديثِه بروايةِ غيرهِ. والقصدُ من
روايته والسماع منه، أن يصير الحديثُ مسلسلا بـ: حدثنا، وأخبرنا. وتبقى هذه الكرامةُ
التى خُصَّتْ بها هذه الأمةُ شرفًا لنبيِّنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ والله أعلم.
الخامسة عشرة: فى بيانِ الألفاظِ المستعملة من أهل هذا الشأن فى الجرح والتعديل.
وقد رتبها ((أبو محمد عبدالرحمن بن أبى حاتم الرازى)) فى كتابه [٣٢/ظ] فى (الجرح
والتعديل)(١) فأجاد وأحْسَنَ. ونحن نُرتبها كذلك، ونورد ما ذكره، ونضيف إليه ما بلَغنا
فى ذلك عن غيره، إن شاء الله تعالى.
أما ألفاظ التعديل فَعلى مراتب:
الأولى: قال ((ابنُ أبي حاتم)): إذا قيل للواحدِ إنه ثقةٌ أو مُتَقِنٌ؛ فهو ممن يُحْتَجّ
بحديثه.
(١) (باب بيان درجات رواة الآثار): ٣٧/٢.

٣٠٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
قال الشيخ أبقاه الله: وكذا إذا قيل: تَبْتُ"، أو: حُجة. وكذا إذا قيل فى العدل: إنه
حافظً أو ضابط، والله أعلم.
الثانية: قال ((ابنُ أبى حاتم)): إذا قيل: إنه صدوق، أو: محلُّه الصدقُ، أو: لا بأس
به؛ فهو ممن يُكتَبُ حديتُه وينظر فيه، وهى المنزلةُ الثانية.
قال الشيخ أبقاه الله: هكذا كما قال، لأن هذه العباراتِ لا تشعِرُ بشريطةِ الضبطِ،
فينظَر فى حديثه، ويُخْتَبر حتى يُعرَفَ ضبطُه؛ وقد تقدم بيانُ طريقِه فى أولِ هذا النوع. وإن
لم نستوفِ النظرَ المعرِّفَ لكونِ ذلك المحدِّثِ فى نفسِه ضابطًا مطلقًا، واحتجنا إلى حديثٍ
من حديثه، اعتبرنا ذلك الحديثَ ونظرنا: هل له أصلٌ من روايةٍ غيره؟ كما تقدم بيان
طريقِ الاعتبارِ فى (النوع الخامس عشر).
ومشهورٌ عن ((عبد الرحمن بن مهدى)) القدوةِ فى هذا الشأنٍ، أنه حدَّث فقال:
"حدثنا أبو خلدةَ" فقيل له: أكان ثقة؟ فقال: "كان صدوقًا وكان مأمونًا وكان خَيِّرًا،
- وفى روايةٍ: كان خيارًا - الثقةُ شُعبةُ وسُفيانُ . **.
* المحاسن :
((فائدة: ثبت، ذكرها ((ابن أبى حاتم)). انتهت)) ٤٦/و.
- قال العراقى، وذكر مثل هذا الاعتراض: ((وليس فى النسخ الصحيحة من كتابه - الجرح والتعديل - إلا
ما نقله المصنف عنه كما تقدم، ليس فيه ذكر (ثبت) وفى بعض النسخ: إذا قيل للواحد إنه ثقة أو متقن ثبت،
فهو ممن يحتج بحديثه؛ هكذا فى نسختى منه: أو متقن ثبت؛ لم يقل فيه: أو ثبت)). التقييد ١٥٨.
قلت: ما فى نسخة العراقى من الجرح والتعديل، هو ما فى نسختنا، ط بيروت من طبعة الهند (٣٧/٢).
* * المحاسن :
((فائدة: ذكر ((الخطيب)) الحكايةَ فقال: الثقةُ مثل شعبةَ ومِسْعرِ بن كِدَام.
انتهت)» ٤٦/و
قلت: فى نسختنا من الكفاية، ط حيدر أباد، الهند ((الثقة شعبة وسفيان)). كما ذكر ابن الصلاح.
وكذلك أسنده ابن أبى حاتم عن عبد الرحمن بن مهدى «وقيل له: أبو خلدة ثقة؟ فقال: كان صدوقًا وكان
مأمونًا، الثقة سفيان وشعبة)). الجرح والتعديل (٣٧/٢).
وابن حبان، فى مقدمات كتابه الضعفاء: ٤٩/١.
،

٣٠٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ومن تردروايته
ثم إن ذلك مخالفٌ لما ورد عن ((ابن أبى خيثمة))، قال: قلت ليحيى بن معين: إنك
تقول: فلانٌ ليس به بأس، وفلان ضعيف. قال: إذا قلتُ لك: ليس به بأس؛ فهو ثقة.
وإذا قلت لك: هو ضعيف؛ فليس هو بثقةٍ، لا تكتبْ حديثه.(١)
قال الشيخ أبقاه الله: ليس فى هذا حكايةُ ذلك عن غيره من أهلِ الحديث، فإنه نسبه
إلى نفسِهِ خاصَّةً بخلاف ما ذكره ((ابن أبى حاتم)). والله أعلم.
الثالثة: قال ((ابنُ أبى حاتم)): إذا قيل: شيخ؛ فهو بالمنزلةِ الثالثةِ، يُكتَبُ حديثُه،
وينُظَر فيه، إلا أنه دونَ الثانية.(٢)
الرابعة: قال: إذا قيل: صالح الحديث؛ فإنه يُكتَبُ حديثُه للاعتبار.
قال الشيخُ أبقاه الله: وجاء عن ((أبى جعفر أحمد بن سنان)) قال: كان ((عبد الرحمن
بن مهدى)) ربما جرَى ذكرُ حديثِ الرجل فيه ضعفٌ وهو رجل صدوق فيقول: "رجلٌ
صالحُ الحديث" والله أعلم.
وأما ألفاظهم فى الجرح فهى أيضًا على مراتبَ:
أولاها، قولهم: ليَِّ الحديثِ. قال ((ابنُ أبي حاتم)): إذا أجابوا فى الرجل بـ: لَيِّنْ
الحديثِ، فهو ممن يُكتَبُ حديثُه وينظَر فيه اعتبارًا.
قال الشيخُ أبقاه الله: وسأل ((حمزةُ بن يوسفَ السهمى)) ((أبا الحسن الدارقطنى
الإِمامَ))، فقال له: إذا قلتَ: فلان لين، أَيْش(٣) تريد به؟ قال: ((لا يكون ساقطًا متروكَ
الحديثِ، ولكن مجروحًا بشىء لا يسقِطُ عن العدالة.))
(١) الكفاية للخطيب، بإسناده (معرفة ما يستعمل أصحاب الحديث من العبارات) ص٢٢
(٢) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى: بلغ السماع بقراءتى فى المجلس الثالث عشر. وعلى هامش (ص)
بلاغ قراءة الناصر ابن العديم وسماع عمه زين الدين عبدالرحمن والشمس ابن خليل الحلبى، كتبه
عبد الرحيم بن الحسين ص (٢٤ أ).
(٣) من (غ، ز، ع) ومتن ص. وعلى هامشه: صوابه أى شىء. (٢٤ أ) وهو فى كفاية الخطيب بسنده إلى
حمزة السهمى: أيش تريد به؟ (٢٣) ومثله فى (سؤالات حمزة بن يوسف السهمى مشايخ عصره فى جرح بعض
الرواة وتعديلهم، من سؤاله لشيخه الدارقطنى: فوائد حديثية، ل ٣/أ) وقوبلت نقول ابن الصلاح فى هذا النوع
عن ابن أبى حاتم، على مقدمات كتابه (الجرح والتعديل ٣٧/٢، ٣٨).

٣١٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الثانية: قال ((ابنُ أبي حاتم)): إذا قالوا: ليس بقوىٌّ؛ فهو بمنزلةِ الأول فى كَتْبٍ
حديثه، إلا أنه دونه.
الثالثة: قال: إذا قالوا: ضعيف الحديث؛ فهو دونَ الثانى، لا يُطرح حديثُه بل
يُعتبر به.
الرابعة، قال: إذا قالوا: متروك الحديثِ أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب؛ فهو ساقطُ .
الحديثِ لا يُكتَبُ حديتُه، وهى المنزلة الرابعة.
قال ((الخطيب أبو بكر)): أرفُع العباراتِ فى أحوالِ الرواةِ أن يقال: حجة، أو: ثقة.
وأُدْوَنُها أن يُقال: كذاب ساقط(١).
أخبرنا ((أبو بكر بن عبدالمنعم الصاعدى الفراوى)) قراءةً عليه بنيسابورَ: أخبرنا
محمد بن إسماعيل الفارسى، أخبرنا أبوبكر أحمد بن الحسين البيهقى الحافظ، أخبرنا
أبو الحسين بن الفضل، أخبرنا عبدالله بن جعفر، أنبأنا يعقوب بن سفيان، قال: سمعت
أحمد بن صالح قال: لا يُتَركُ حديثُ رجلٍ حتى يجتمعَ الجميعُ على ترك حديثِهِ. قد يقال:
فلانٌ ضعيف، فأما أن يقال: فلانٌ متروك؛ فلا، إلا أن يُجمِع الجميعُ على تركِ حديثه)»(٢).
ومما لم يشرحه («ابنُ أبى حاتم)» وغيرُهُ منّ الألفاظِ المستعملة [٣٤/ظ] فى هذا الباب
قولهم: فلانٌ قد روى الناسُ عنه؛ فلانٌ وسَطُ؛ فلانٌ مقارِبُ الحديثِ * ؛ فلانٌ مضطرِبُ
(١) فى الكفاية: (معرفة ما يستعمل أصحاب الحديث من العبارات فى صفة الأخبار وأقسام الجرح
والتعديل).
(٢) رواه الخطيب أيضًا من طريق شيخه محمد بن الحسين القطان، أبى الحسين ابن الفضل، عن عبدالله بن
جعفر - هو ابن درستويه - عن يعقوب بن سفيان، الفسوى، عن أحمد بن صالح المصرى (الكفاية، باب القول
فى الجرح، هل يحتاج إلى كشف أو لا؟) ١١٠
* المحاسن:
((فائدة: مقارب الحديث، بكسر الراء، من ألفاظ التعديل. وسَوَّى ((البطليوسى)) بين
الفتح والکسر. وفيه نظر: فالفتح تجر یح، تقول: هذا تبر مقارب،أی ردىء. ذكره ثعلب)»
٤٦/ظ.

٣١١
١
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته ومن تُردروايته
الحديثِ؛ فلانٌ لا يُحَتَجُّ به؛ فلانٌ مجهولٌ؛ فلانٌ لا شىء؛ فلانٌ ليس بذاكَ - وربما قيل:
ليس بذاك القوى - فلانٌ فيه، أو: فى حديثه ضعفٌ - وهو فى الجرح أقلّ من قولهم: فلانٌ
ضعيف الحديث - فلانٌ ما أعلم به بأسًا، وهو فى التعديل دونَ قولهم: لا بأس به (١).
وما من لفظةٍ منها ومن أشباهها إلا ولها نظيرٌ شرحناه أو أصلٌ أصَّلناه، نُنبّهُ إن شاء
الله تعالى به عليها؛ والله أعلم(٢).
(١) انظر معه تقييد العراقى (١٦١، ١٦٢) والتبصرة (٦/٢-١١).
(٢) على هامش (غ) لابن الفاسى: بلغت المقابلة بأصل قوبل بأصل الشيخ رحمه الله. ثم بلغ مقابلة عليه
ثانية.
وعلى هامش ص (٢٤ أ) بلاغ قراءة ناصر الدين العديم، وسماع عمه زين الدين عبدالرحمن، والشمس
محمد بن خليل الحلبى. كتبه عبدالرحيم بن الحسين.

-
النوع الرابع والعشرون
معرفة كيفية سماع الحديثِ وتحمُّلِه وصفة ضبطه
اعلم أن طرقَ نقلِ الحديثِ وتحمُّلِهِ على أنواعٍ متعددة، ولنقدِّمْ على بيانِها بيانَ أمورٍ:
أحدها: يَصِحُ التحمُّلُ قبلَ وجودِ الأهلِيَّةِ، فتُقبلُ روايةُ من تَحمَّلَ قبلَ الإِسلام وروَى
بعدَه، وكذلك روايةٌ مَن سمع قبل البلوغ ورَوَى بعده. ومنع من ذلك قومٌ، فأخطئوا، لأن
الناسَ قَبِلوا روايةَ أحداثِ الصحابةِ كـ: ((الحسنِ بن على، وابنِ عباس، وابنِ الزُّبَيْ،
والنعمانِ بِن بَشير)» (١)، وأشباهِهم، من غير فرقٍ بين ما تحملوه قبل البلوغ وما بعده. ولم
يزالوا قديمًا وحديثًّا يُحضِرون الصبيانَ مجالسَ التحديثِ والسماعِ، ويعتدون بروايتهِم
لذلك*؛ والله أعلم.
الثانى: قال ((أبو عبد الله الزبيرى))(٢): يُستَحَبُّ كَتْبُ الحديثِ فى العشرين، لأنها
مُجتَمع العقلِ؛ وأحِبُّ أن يشتغلَ دونَها بحفظِ القرآنِ والفرائض.
(١) ذكرهم الخطيب، وآخرين غيرهم، فى الكفاية (باب ما جاء فى صحة سماع الصغير): ٥٥.
(٢) بهامش (غ): [هو أبو عبد الله الزبير بن أحمد الشافعى البصرى.]
- انظر ترجمته فى تاريخ بغداد (٤٧١/٨) وتهذيب النووى (٢٥١/٢ ف ٣٨١) وقوله هنا فى سن السماع،
حكاه ابن خلاد الرامهرمزى فى (المحدث: ١٨٧ ف ٥١) والخطيب فى الكفاية من طريقه (٥٥) والقاضى
عياض فى الإِلماع (٦٥) . - من طريق الرامهرمزى أيضا.
1
* المحاسن :
((فائدة: الاعتداد بتحملهم فى حال الصِّبا، ليرووه بعد البلوغ، هو المعروف. وشد قوم
فجوَّزوا رواية الصبى قبل بلوغه، وهو وجهٌ عند الشافعية. والمشهور الأول. ولهم وجه
آخر بالمنع من التحمل قبل البلوغ، وقد تقدمت حكايته عن قوم. انتهت)) ٤٧/و
٣١٢
٠

٣١٣
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (سن السماع)
وورد عن ((سفيان الثورى)) قال: كان الرجلُ إذا أراد أن يطلبَ الحديثَ تعبَّد قبل
ذلك عشرين سنة(١) وقيل لـ((موسى بن إسحاق))؛ كيف لم تكتب عن أبى نُعَيْم؟ فقال:
كان أهلُ الكوفة لا يُخرِجون أولادَهم فى طلبِ الحديثِ صِغارًا، حتى يستكملوا عشرين(٢)
سنة . * وقال ((مُوسى بن هارون)): أهلُ البصرة يكتبون لِعَشِر سنينَ، وأهلُ الكوفة
العشرين، وأهلُ الشام لثلاثين.(٣). والله أعلم.
قال الشيخُ أبقاه الله: [٣٥/و] وينبغى بعد أن صار الملحوظُ إبقاءَ سلسلةِ الإِسناد، أن
يُبَكَّر بإسماع الصغيرِ فى أولِ زمانٍ يصحُّ فِيه سماعهُ.
وأما الاشتغالُ بِكِتْبَةِ(٤) الحديثِ وتحصيله وضبطِه وتقييده، فمن حين يتأهلُ لذلك
ويستعد له. وذلك يختلف باختلافِ الأشخاص، وليس ينحصر فى سِنِّ مخصوص (٥) كما
سبق ذكره آنفًا عن قوم، والله أعلم.
(١) رواه الرامهرمزى فى (المحدث الفاصل: ١٨٧) والخطيب فى (الكفاية؛ ٥٤).
(٢-٣) (بسندهما إلى أبى عاصم - النبيل، الضحاك بن مخلد - عن الثورى (المحدث الفاصل: ١٨٦
ف ٤٨) والكفاية (٥٤، ٥٥) من طريق الرامهرمزى، والقاضى عياض، من طريقه كذلك، فى الإلماع (٦٥،٦٤).
(٤) الضبط من الأصول بكسر الكاف. وفى (القاموس): والكتبة: بالضم: السير يخرز به: وبالكسر:
اكتتابك كتابًا تنسخه.
(٥) كذا فى الأصول، ومتن ابن الصلاح فى مطبوعة التقييد والإيضاح ١٦٤، وتضمينه فى (تدريب الراوى
٤/٢) والذى فى القاموس: السن .. مؤنثة، وأسنَّ كبرت سنه. وانظرها فى (الأساس).
المحاسن :
((فائدة: لا ينافى ذلك ما ذُكر من أن أبا نعيم، الفضل بن دكين الكوفى، مَرَّ [بمحمد بن
عبدالله بن سليمان] الملقب بمطّين - صغيرًا، وقد تلطخ بالطين، فقال له: يا مطين، قد آن
لك أن تحضر مجلسنا للسماع(١).
لأنا نقول: لعل أبا نعيم ظهر له منه النجابةُ، فخالف به العادة. انتهت)) ٤٧ /ظ
(١) الحاكم فى علوم الحديث، بسنده إلى أبى جعفر الحضرمى، مطين (٢١٢) ووقع فى اسمه هنا بالمحاسن:
[مر بعبدالرحمن الملقب بمطين.] والصحيح: محمد بن عبد الله بن سليمان، أبو جعفر الحضرمى الكوفى الحافظ
(تذكرة الحفاظ ٦٦٢/٢، والعبر، وفيات سنة ٢٩٧ هـ، وطبقات الحفاظ ٢٨٨ ت. ٦٦٠).
وانظره فيما يلى فى النوع الثانى والخمسين (معرفة ألقاب المحدثين). واسمه فيها على صواب.

٣١٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الثالث: اختلفوا فى أولِ زمان يصحُّ فيه سماعُ الصغير. فروينا عن ((موسى بن
هارون الحمَّالِ)» أحدِ الحُفَّظ النّقَّاد؛ أنه سئل: متى يسمع الصبىُّ الحديثَ؟ فقال: إذا
فرَّق بين البقرة والدابة - وفى رواية: بين البقرة والحمار(١).
وعن ((أحمدَ بنِ حنبلٌ)) رضى الله عنه، أنه سئل: متى يجوزُ سماعُ الصبىِّ للحديث؟
فقال: إذا عَقَلَ وضبط. فذُكِرَ له عن رجل أنه قال: لا يجوز سماعهُ حتی یکون له خمس
عشرة سنة. فأنكر قولَه وقال: بئس القولُ(٢).
وأخبرنى الشيخ أبو محمد عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله الأسدى، عن أبى محمد عبدِ الله
بن محمد الأشيرى، عن القاضى الحافظ عياض بن موسى السَّبْتِى الْيَحْصُبى، قال: قد
حَدَّد أهلُ الصنعةِ فى ذلك أن أقلَّه ◌ِنُّ محمود بن الربيع. وذكر روايةَ البخارى فى
(صحيحه) بعد أن ترجم (متى يصح سماعُ الصغير) بإسناده عن ((محمود بن الربيع))
قال: "عقلتُ من النبيّ صلى الله عليه وسلم مَجَّةً مُجَّها فى وجهى وأنا ابنُ خمسٍ سنينَ، من
دَلْو". وفى رواية أخرى أنه كان ابن أربع سنين(٣).
(١) الروايتان فى الكفاية (٦٥) بسند الخطيب إلى يزيد بن هارون الحمال، أبى عمران البغدادى.
(٢) أسنده الخطيب إلى عبد الله بن أحمد عن أبيه (الكفاية: ٦٤).
(٣) القاضى عياض فى الإِلماع (باب متى يستحب سماع الطالب ومتى يصح سماع الصغير) وأخرج الحديث
من رواية الزبيدى - أبى الهذيل الحمصى محمد بن الوليد - عن الزهرى عن محمود بن الربيع. وزاد: وفى
رواية أخرى أنه كان ابن أربع سنين (٦٣) وأخرجه الخطيب فى باب ما جاء فى صحة سماع الصغير، من طريق
يعقوب بن سفيان عن عبدالرحمن بن نمر عن الزهرى عن محمود، وفيه قال: ((وأنا ابن خمس سنين)) (الكفاية).
وأخرجه البخارى فى كتاب العلم، با متى يصح سماع الصغير، من رواية الزبيدى عن الزهرى. قال ابن
حجر: ((قوله: وأنا ابن خمس سنين؛ لم أر التقيد بالسن عند تحمله فى شىء من طرقه. لا فى الصحيحين ولا فى
غيرهما من الجوامع والمسانيد، إلا فى طريق الزبيدى هذه. والزبيدى من كبار الحفاظ المتقنين عن الزهرى .. وقد
تابعه عبد الرحمن بن نمر عن الزهرى ومن لفظه، عند الطبرانى والخطيب فى الكفاية. وتوفى النبى صلى الله عليه
وسلم وهو ابن خمس سنين. وقد ذكر ابن حبان وغيره أن ابن الربيع مات سنة تسع وتسعين وهو ابن أربع
وتسعين. وهو مطابق لهذه الرواية. وذكر القاضى عياض فى الإِلماع وغيره أن فى بعض الروايات أنه كان ابن
أربع - ولم أقف على هذا النص صريحًا فى شىء من الروايات مع التتبع التام، إلا إن كان ذلك مأخوذًا من قول
صاحب الاستيعاب أنه عقل المجة وهو ابن أربع سنين أو خمس. وكان الحامل له على هذا التردد قول الواقدى
إنه كان ابن ثلاث وتسعين لما مات. والأول أولى بالاعتماد لصحة إسناده. على أن قول الواقدى يمكن حمله على
أنه ألغى الكسر، وجَبَرَه غيره. والله أعلم)) (فتح البارى ١٢٦/١) مع ترجمة محمود بن الربيع، الأنصارى
الخزرجى، رضى الله عنه، فى (الاستيعاب) والإِصابة.

٣١٥
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (سن السماع)
قال الشيخُ أبقاه الله: التحديدُ بخمسٍ هو الذى استقر عليه عملُ أهلِ الحديث
المتأخرين، فيكتبون لابنٍ خمسٍ فصاعدًا: سمع؛ ولمن لم يبلغ خَمْسًا: حضَر، أو: أحضِر.
والذی ینبغى فى ذلك أن نعتبرَ فی کلِّ صغیر حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعا عن
حالٍ مَن لا يَعقل فهمًا للخطاب وردًّا للجوَّاب ونحو ذلك، صحَّحنا سماعَه وإن كان دونَ
خمسٍ، وإن لم يكن كذلك، لم نُصححْ سماعَه وإن كان ابن خمسٍ، بل ابنَ خمسين (١).
وقد بلغنا عن ((إبراهيم بن سعيد الجوهرى)) قال: ((رأيتُ صبِيًّا ابن أربع سنين قد
مُلَ إلى ((المأمون)) قد قرأ القرآن، ونظر فى الرأى، غير أنه إذا جاع يبكى))(٢). وعن
((القاضى أبى محمد عبدالله بن محمد الإصبهانى)) قال: ((حفظتُ القرآن ولی خمس سنين،
وُلتُ ((إلى أبى بكر(٣) بن المقرئ)) لأسمع منه، ولى أربع سنين، فقال بعض الحاضرين:
لا تسمعوا له فيما قُرئ فإنه صغير. فقال لى ابن المقرئ: اقرأ (سورة الكافرون)
فقرأتها، فقال: اقرأ (سورة التكوير) فقرأتها، فقال لى غيره: اقرأ (سورة المرسلات)
فقرأتها ولم أغلط فيها. قال ابن المقرئُ: سَمِّعوا له والعُهْدَةُ علىَّ))(٤).
وأما حديث ((محمود بن الربيع)) فيدلُّ على صحة ذلك من ابن خمسٍ مثل محمود،
ولا يدلُّ على انتفاء الصحة فيمن لم يكن ابن خمسٍ، ولا على الصحة فيمن كان ابن
خمسٍ ولم يميز تمييز محمود رضى الله عنه، والله أعلم.
(١) مضمونه فى طرة على هامش (غ).
(٢) حكاها الخطيب بإسناده إلى الصاغانى عن إبراهيم بن سعيد الجوهرى. (الكفاية ٦٤).
(٣) فى (ص): إلى [أبى بكر المقرئ].
(٤) بنصه فى (الكفاية ٦٤) سماع الخطيب من شيخه القاضى أبى محمد عبد الله بن محمد الأصبهانى،
المعروف بابن اللبان. وحكاها كذلك، فى ترجمة شيخه سماعًا منه. فى (تاريخ بغداد: ١٤٤/١ ت ٥٢٩).
وما حكاه الخطيب عن الصبى الذى حمل إلى المأمون، وما سمعه من شيخه القاضى أبى محمد ابن اللبان،
من مسموعات التاج السبكى من شيخه علم الدين أبى محمد البرزالى، حدثه بها من طريق الخطيب أبى بكر
(معجم شيوخ السبكى: ٢٩٠/١) مخطوط دار الكتب بالقاهرة.

٣١٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
بيان أقسام طرق نقل الحديث وتحمله، ومجامعها ثمانية أقسام:
الأول: السماع من لفظ الشيخ. وهو ينقسم إلى إملاء، وتحديث من غير إملاء، وسواء
كان من حفظه أو من كتابه. وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير. وفيما نرويه عن
((القاضى عياض بن موسى السبتى)) أحد المتأخرين المطّلعين، قوله: لا خلاف أنه يجوز
فى هذا أن يقول السامع منه: حدثنا وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانًا يقول، وقال لنا فلان،
وذکر لنا فلان)»(١).
قال الشيخ أبقاه الله: فى هذا نظر، وينبغى فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ
مخصوصًا بما سُمع من غير لفظ الشيخ - على ما نبينه إن شاء الله تعالى - ألا يُطلق فيما
سُمِع من لفظ الشيخ لما فيه من الإِيهام والإلباس، والله أعلم.
وذكر ((الحافظ أبو بكر الخطيب)) [٣٦/و] أن أرفع العبارات فى ذلك: سمعت، ثم
حدثنا وحدثنى. فإنه لا يكاد أحدٌ يقول: سمعت، فى أحاديث الإِجازة والمكاتبة، ولا فى
تدليس ما لم يسمعه (٢).
وكان بعض أهل العلم يقول فيها أجيز له: حدثنا. وروى عن ((الحسن)) أنه كان
يقول: حدثنا أبو هريرة. ويتأول أنه حدَّث أهل المدينة. وكان ((الحسن)) إذ ذاك بها،
إلا أنه لم يسمع منه شيئًا (٣).
(١) الإِلماع للقاضى عياض: ٦٩.
(٢) كفاية الخطيب: ٢٨٤.
(٣) على هامش (غ): [قال المؤلف: قال: ((على ابن المدينى)) فيما روينا عنه: قول الحسن: خطبنا
ابن عباس بالبصرة، إنما هو كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا على.
وقال على ابن المدينى: الحسن لم يسمع من ابن عباس وما رآه قط، كان بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة،
والله أعلم)). وجدته بخطه، أعنى شيخنا، فنقلته] وانظره فى (علل ابن المدينى: ٥١).
وعبارة الخطيب فى الكفاية: ((وروى عن الحسن أنه كان يقول: ثنا أبو هريرة، ويتأول أنه حدث أهل
البصرة، والحسن منهم، وكان الحسن إذ ذاك بالمدينة فلم يسمع منه شيئًا. ولم يستعمل قول: سمعت؛ فى شىء من
ذلك)). باب ما جاء فى عبارة الرواية عما سمع من المحدث لفظاً: ص ٢٨٤.
وأسند الطبرى من طريق عمرو بن على الفلاس عن عفان بن مسلم عن وهيب، بن خالد الباهلى أبى بكر
البصرى، عن أيوب السختيانى قال: ((لم يسمع الحسن من أبى هريرة)). ومن طريق عمرو بن على أيضًا عن
أبى قتيبة، سلم بن قتيبة، عن شعبة، قال: قلت ليونس بن أبى اسحاق السبيعى: أسمع الحسن من أبى هريرة؟
قال: لا، ولا حرفا)). (المنتخب من ذيل المذيل: ٦٣٧).

٣١٧
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (السماع من الشيخ)
قلت: ومنهم من أثبت له سماعًا من أبى هريرة،* والله أعلم.
ثم يتلو ذلك قول: أخبرنا. وهو كثير فى الاستعمال، حتى إن جماعة من أهل العلم
كانوا لا يكادون يخبرون عما سمعوه من لفظ من حدثهم إلا بقولهم: أخبرنا. منهم: حماد
بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وهُشَيُمُ بن بشير، وعُبيد الله بن موسى، وعبدالرزاق
بن همام، ويزيد بن هارون، وعمروبن عون، ويحيى بن يحيى، التميمى، وإسحاق بن
راهويه، وأبو مسعود أحمد بن الفرات ومحمد بن أيوب الرازيان، وغيرهم.(١) وذكر
((الخطيب)) عن محمد بن رافع، قال: ((كان عبدالرزّاق يقول: أخبرنا. حتى قدم أحمد بن
حنبل وإسحاق بن راهويه، فقالا له: قل: حدثنا؛ فكل ما سمعت مع هؤلاء قال: حدثنا؛
وما كان قبل ذلك، قال: أخبرنا)).(٢).
وعن ((محمد بن أبى الفوارس الحافظ)) قال: هُشيم، ويزيد بن هارون، وعبدالرزاق،
لا يقولون إلا: ((أخبرنا)). فإذا رأيت ((حدثنا)) فهو من خطأ الكاتب.(٣) والله أعلم.(٤)
قال الشيخ أبقاه الله: وكان هذا كلّه قبل أن يشيع تخصيصُ ((أخبرنا)) بما قُرئ على
الشيخ.
ثم يتلو قولَ: أخبرنا، قولُ أنبأنا، ونبأنا، وهو قليلٌ فى الاستعمال.
قال الشيخ: ((حدثنا))، وأخبرنا)) أرفع من ((سمعت)) من جهة أخرى، وهى أنه ليس
فى ((سمعت)) دلالةٌ على أن الشيخ روَّاه الحديث وخاطبه به، وفى ((حدثنا، وأخبرنا)) دلالةٌ
على أنه خاطبه به، [٣٦/ ظ] ورواه له، أو هو ممن فُعِلَ به ذلك. سأل («الخطيبُ أبو بكر
الحافظ)) شيخه ((أبا بكر البرقانى، الفقية الحافظ)) رحمهما الله تعالى، عن السرِّ فى كونه
(١) قاله الخطيب فى الكفاية: ٢٨٥.
(٢) الكفاية، بسند الخطيب إلى محمد بن رافع القشيرى، مولاهم أبى عبد الله النيسابورى الحافظ الزاهد.
(٣) الكفاية، بسند الخطيب إلى ابن أبى الفوارس، محمد بن محمد بن فارس، أبى الفتح البغدادى.
(٤) على هامش ص: (٢٦أ) بلغ ناصر الدين ابن العديم قراءة بحث، وعمه زين الدين عبد الرحمن
وشمس الدين الحلبى سماعًا. كتبه عبدالرحيم بن الحسين.
* المحاسن:
((فائدة: قد كتبت جزءًا سميته (القول الحسن، فى ترجمة الحسن) بسطتُ القول فيه فى
ذلك وفى غيره، فلينظر منه. انتهت)) ٤٨/ و

٣١٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
يقولُ فيما رواه لهم عن ((أبى القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجانى الآبندونى))(١):
سمعتُ، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا. فذكر له أن ((أبا القاسم)» كان مع ثِقِتِه وصلاحِه،
عسيرًا (٢) فى الرواية، فكان ((البرقانى)) يجلسُ بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم
بحضورِه، فيسمع منه ما يُحدِّث به الشخصَ الداخلَ إليه، فلذلك يقول: سمعت،
ولا يقول: حدثنا، ولا : أخبرنا. لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده.
وأما قوله: قال لنا فلان، أو: ذكر لنا فلانٌ؛ فهو من قبيل قوله: حدثنا فلان؛ غير أنه
لائقُ بما سمعه منه فى المذاكرة، وهو به أشبه من ((حدَّثَنا)).
وقد حكينا فى فصل التعليق عقيب (النوع الحادى عشر) عن كثير من المحدِّثين
استعمال ذلك، معبرين به عما جرى بينهم فى المذاكرات والمناظرات. وأوضع(٣) العبارات فى
ذلك أن يقول: ((قال فلانٌ)) أو: ((ذكر فلانٌ)) من غير ذكر قوله: لى، ولنا؛ ونحو ذلك.
وقد قدَّمنا فى (فصل الإِسناد المعنعن) أن ذلك وما أشبهه من الألفاظ، محمولٌ عندهم على
السماع إذا عُرِفَ لقاؤه له وسماعه منه على الجملة، لا سيما إذا عُرِفَ من حاله أنه
لا يقول: ((قال فلان)) إلا فيما سمعه منه.
وقد كان ((حجاج بن محمد الأعور)) يروى عن ((ابن جريج)) كتبه، ويقول فيها:
((قال ابن جريج)) فحملها الناس عنه، واحتجوا برواياته، وكان قد عُرِفَ من حاله أنه
لا يروى إلا ما سمعه. وقد خصَّص («الخطيب أبو بكر الحافظ)» القولَ بحمل ذلك على
السماع، بمن عُرِفَ من عادته مثلُ ذلك(٤).
والمحفوظ المعروف ما قدمنا ذكره؛ والله أعلم.
القسم الثانى: من [٣٧/و] أقسام الأخذ والتحمُّل: القراءة على الشيخ. وأكثر
المحدِّثين يسمونها: عرضًا، من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كما يَعرِضُ
القرآن على المقرئ. وسواءٌ كنت أنت القارئ، أو قرأ غيرُك وأنت تسمع، وقرأت من
(١) [قال المؤلف: آبندون: قرية من قرى جرجان] من هامش (غ، ص) والضبط بفتح الألف الممدودة
والباء الموحدة، وسكون النون وضم الدال المهملة وفى آخره نون، من (اللباب: ١٧/١).
(٢) فى طبعة الهند من الكفاية: ((عسراً فى الرواية)) ٢٨٧.
(٣) من الوضع، بمعنى ما وضعوه فى مصطلحهم.
(٤) كفاية الخطيب: ٢٩٠ (باب ماجاء فى عبارة الرواية عما سمع).

النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (القراءة على الشيخ) ٣١٩
كتاب أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه، أو لا يحفظ لكن يمسك أصله،(١)
هو أو ثِقةٌ غيره.
ولا خلاف أنها روايةٌ صحيحةٌ، إلا ما حُكى عن بعض من لا يُعتدُّ بخلافه"؛ والله
أعلم.
(١) الإِلماع: ٧٠.
المحاسن :
*
((فائدة: ذكر ((الرامهرمزى)) فى كتابه (الفاصل) فى باب القراءة على المحدِّث، بإسناد
إلى ((ابن الماجشون)) قال: ((حضرت مالكًا وأتاه رجل من الصوفية، فسأله عن ثلاثة
أحاديث يحدثه بها، فقال ((مالك)): اعرضْها إن كان لك حاجة. فقال: يا أبا عبد الله، إن
العرض لا يجوز عندنا، فقال له ((مالك)): فأنت أعلم. فأتاه مرارًا، كل ذلك يقول:
اعرضها إن كانت لك حاجة، فيقول: العرض لا يجوز)). وساق الحكاية (١) وأسند فى أول
الباب(٢) عن ((أبى عاصم النبيل)) قال: "سمعت سفيان وأبا حنيفة ومالكًا وابن جريج،
كل هؤلاء سمعتهم يقولون: لا بأس بها - يعنى القراءة - وأنا لا أراه، وما حدثت
بحديث عن أحد من الفقهاء قراءة". وأسند إلى ((عبدالرحمن بن سلَّام)) قال: "دخلت
على مالك بن أنس وعلى بابه من يحجبه، فقال - وبين يديه ((ابن أبى أويس)) - وهو
يقول: حدثك نافع؟ حدثك ابن شهاب؟ حدثك فلان وفلان؟ فيقول مالك: نعم، نعم.
فلما فرغ قال: يا أبا عبد الله، عَوِّضنى عما حدثته بثلاثة أحاديث تقرؤها علىَّ. قال:
أعراقى؟ أعراقى؟ أخرجوه عنى". وما ذهب إليه العلماء إلا ما شدَّ منهم، مُستَنْدُه
حديث ((ضمام بن ثعلبة)) وهو فى الصحيح (٣).) ٤٨/ظ ٤٩/و
(١) الرامهر مزى، القاضى ابن خلاد: المحدث الفاصل ٤٢٣ فقرة ٤٦٩.
(٢) باب القراءة على المحدث، من كتاب المحدث الفاصل: ٤٢١ ف ٤٥٩.
بإسناده إلى ابن الماجشون، عبد الملك بن عبد العزيز بن يعقوب بن أبى سلمة الماجشون، أبى مروان
المدنى.
(٣) فى صحيح البخارى، كتاب العلم (باب القراءة والعرض على المحدث) عن شريك بن عبد الله بن
أبى نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينا نحن جلوس مع النبى ◌َّ فى المسجد دخل رجل على = :

٣٢٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
واختلفوا فى أنها مثل السماع من لفظ الشيخ فى المرتبة، أودونه، أو فوقه:
فَنُقِلَ عن ((أبى حنيفة وابن أبى ذئب)) وغيرهما، ترجيح القراءة على الشيخ على
السماع من لفظه، ورُوى ذلك عن ((مالك))(١) أيضًا". ورُوِى عن ((مالك))(٢) وغيره أنهما
سواءٌ. وقد قيل إن التسوية بينهما مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة، ومذهب مالك ..
وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة، ومذهب البخارى وغيرهم **.
والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ، والحكم بأن القراءة عليه مرتبةٌ ثانيةً. وقد
(١-٢) المحدث الفاصل: ف ٤٥٩ + ٤٢٠ ف ٤٥٧ وكفاية الخطيب: باب ذكر الرواية عمن أجاز أن يقال
فى أحاديث العرض: حدثنا، ولا يفرق بين: سمعت، وحدثنا وأخبرنا (٣٠٥ - ٣١٠).
والإِلماع: للقاضى عياض: ٧١ - ٧٤.
وابن رشيد، فى الرحلة: ل٢٨٨/٣ مصورة دار الكتب من أصل الاسكوريال.
* المحاسن :
((زيادة: والحسن بن عُمارة وابن جريج. انتهت)) ٤٩/ و
** ((زيادة: وممن سوى بينهما على بن أبى طالب، فقال: القراءة=
= جمل فأناخه فى المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبى صلى الله عليه وسلم متكى بين ظهرانيهم،
فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: "قد
أجبتك" فقال الرجل للنبى صلى الله عليه وسلم: إنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا تجد علىّ فى نفسك.
فقال: "سل عما بدا لك" فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "اللهم نعم"
الحديث بطوله. وفى آخره قال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول مَن ورائى مِن قومى وأنا ضمام بن ثعلبة،
. أخو بنى سعد بن بكر. (انظر: فتح البارى ١/ ١١١ - ١١٣).
وانظر معه فى حديث طلحة بن عبيد الله، رضى الله عنه: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من
أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوى صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإِسلام". رواه مالك فى
الموطأ (باب جامع الترغيب فى الصلاة (ح: ٩٤) والشيخان فى الصحيحين من طريق مالك: البخارى فى
ك الإيمان باب الزكاة من الإِيمان، ومسلم فى ك الإِيمان، باب بيان الصلوات التى هى أحد أركان الإسلام. ولم
يسم هذا الرجل. وأخرجه ابن عبدالبر فى ترجمة ضمام بن ثعلبة السعدى، رضى الله عنه (الاستيعاب:
ت ١٢٦٢) ونقل ابن حجر جزمَ ابنِ بطال بأنه ضمام وإن تعقبه القرطبى (فتح البارى ٧٩/١).
وفى (المستفاد من مبهمات المتن والإِسناد، للولى أبى زرعة العراقى، أنه ضمام بن ثعلبة، عند ابن بشكوال
وابن طاهر (٣/ خطية دار الكتب المصرية).