Indexed OCR Text
Pages 161-180
i النوع الأول: معرفة الصحيح من الحديث ١٦١٠ ((أبى على الحافظ النيسابورى أستاذ الحاكم أبى عبد الله الحافظ)) من أنه قال: "ما تحت أديم السماء كتابٌ أصحّ من كتابٍ مسلم بن الحجاج"(١) فهذا وقولُ من فضَّل من شيوخ المغرب كتابَ مسلم على كتابِ البخارى، إن كان المرادُ به أن كتابَ مسلم يترجَّحُ بأنه لم يمازجْه غيرُ الصحيح - فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيحُ مسرودًا غيرَ ممزوج بمثلِ ما فى كتابِ البخارى فى تراجم أبوابه من الأشياء التى لم يسندْها على الوصفِ المشروطِ فى الصحيح - فهذا لا بأس به(٢)؛ وليس يلزم منه أن كتابَ مسلمٍ أرجَحُ، فيما يرجع إلى نفس الصحيح، على كتابٍ البخارى. وإن كان المرادُ به أن کتاب مسلم أصُ" صحيحًا، فهذا مردودٌ على من يقوله، والله أعلم". (١) فى (غ) خرم. وما هنا من (ز، ع). وعلى هامش (غ). [لفظ أبى على الحسين بن على النيسابورى: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم فى علم الحديث" كذا ذكره عنه أبو بكر بن ثابت الخطيب. وقال الشيخ أبو مروان الطَّبْنى: كان من شيوخى من يفضّل كتاب مسلم على كتاب البخارى. وقال مسلمة بن قاسم القرطبى فى تاريخه: "مسلم جليل القدر ثقة من أئمة المحدثين" وذكر كتابه فى الصحيح فقال: "لم يضع أحد مثله" طرة: عياضٍ] فى خطبة الإِكمال. وقول أبى على النيسابورى / الحسين بن على بن يزيد، حافظ الوقت: (٢٧٧ -٣٤٩ هـ) ذكره الخطيب . بإسناده إلى أبى على فى ترجمة مسلم بتاريخ بغداد (١٠١/١٢) وأبو بكر ابن نقطة، من طريق الخطيب، فى ترجمة مسلم بالتقييد (ل ١٥٢) مصورة معهد المخطوطات. والحافظ السلفى بسنده إلى أبى عبد الله ابن منده، قال: سمعت أبا على الحسين بن على النيسابورى - وما رأيت أحفظ منه - يقول : - ما تحت أديم السماء)) .. فذكره. (فوائد حديثية ١٩/ب) (٢) فى برنامج التجيبى ٩٣: كان أبو محمد ابن حزم يفضل كتاب مسلم على كتاب البخارى، لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السرد.)) نقله ابن حجر فى هدى السارى ١٣، مع أقوال من فضلوا كتاب مسلم، وتعقبه لها فى المفاضلة بين الصحيحين، بالفصل الثانى من هدى السارى (٩ - ١٤) وقابل عليه: (فتح المغيث ٢٨/١ وتدريب الراوى ٩٥/١). * المحاسن: ((فائدة: توضّح الردُّ أن البخارى اشترط فى إخراجه الحديث فى كتابه هذا: أن يكون الراوى ثبت عنده سماعُه من شيخه، ومسلم يكتفى بمجرد المعاصرة. واختص مسلم بجمع طرق الحديث فى مكان. انتهت)) ٤/و. ١٦٢ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح الرابعة: لم يستوعبا الصحيحَ فى صحيحيهما، ولا التزما ذلك. فقد رُوِّينا عن ((البخارى)) أنه قال: "ما أدخلتُ فى كتاب الجامع إلا ما صحَّ، وتركتُ من الصِّحاحِ الحالِ الطول (١))). وروينا عن ((مسلم)) أنه قال: "ليس كلّ شىء عندى صحيحٍ، وضعته هاهنا - يعنى فى كتابه الصحيح - إنما وضعتُ هاهنا ما أجمعوا عليه،،*(٢) قال الشيخُ رضى الله عنه(٣): أراد، والله أعلم، أنه لم يضع فى كتابه إلا الأحاديث التى وجد عنده فيها شرائطَ الصحيح المجمَعِ عليه، وإن لم يظهر اجتماعُها فى بعضِها عند بعضهم، ثم إن ((أبا عبد الله بن الأخرم الحافظ)) قال: "قلما يفوتُ البخارىَّ ومسلمًا مما يثبت من الحديث" - يعنى فى كتابيهما (٤). ولقائلٍ أن يقولَ: ليس ذلك بالقليل، فإن (المستدرك على الصحيحين: للحاكم (١) شروط الأئمة لابن طاهر ٦٣ /أ ومقدمة النووى لشرح مسلم ١٤/١ وهدى السارى: ١٣ وما بعدها. (٢) قاله مسلم فى كتاب الصلاة من صحيحه، باب التشهد ح ٦٣: ((وسئل عن حديث أبى هريرة، رضى الله عنه، فى صفة الصلاة فقال: هو صحيح. فسئل: لَمَ لْ تضعه ههنا؟ فقال: ليس كل شىء عندى صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه)). ونقله ابن طاهر فى (شروط الأئمة: ٦٤/أ). (٣) فى (ز، ع): [قلت]. (٤) قال النووى: ((والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير. أعنى: الصحيحين وسنن أبي داود والترمذى والنسائى)). التقريب ٩٩/١. * المحاسن: ((فائدة؛ نقل الحازمى لفظ البخارى، وفيه: "ما تركتُ من الصحاح أكثرُ))(١) وقيل: أراد مسلم بقوله: "ما أجمعوا عليه" أربعة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبى شيبة، وسعيد بن منصور الخراسانى. انتهت)) ٤/و. (١) الحازمى، أبو بكر، (شروط الأئمة) وانظر توضيح التنقيح (١٠١/١) وقال الحافظ ابن حجر: ((وأما ما نقل عن أبى على النيسابورى .. فلم يصرح بكون كتاب مسلم أصح من صحيح البخارى، لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم، إذ المنفى إنما هو ما تقتضيه صيغة أفعل من زيادة صحة، ولم ينف المساواة. فإن قيل: العرف يقتضى فى قولنا: ما فى البلد أعلم من زيد؛ بنفى من يساويه أيضًا. قلنا: لا نسلم ... )) (النخبة: ٦١) وانظر معها (فتح المغيث للشمس السخاوى ٢٧/١ - ٢٩). ١٦٣ النوع الأول : معرفة الصحيح من الحديث أبى عبدالله) كتابٌ كبير يشتمل مما فاتهما على شىءٍ كثير، وإن يكن عليه فى بعضِه مقالٌ فإنه يصفو له منه صحيحٌ كثير. وقد قال ((البخارى)): «أحفظُ مائَةَ ألفِ حديثٍ صحيح، ومائتى ألفِ حديثٍ غير صحيح. (١) وجملةُ ما فى كتابه الصحيح، سبعة آلافٍ ومائتانِ وخمسةٌ وسبعون حديثاً، بالأحاديث المكررة.(٢) وقد قيل إنها بإسقاط المكررة: أربعةٌ آلاف حديث(٣). إلا أن هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم، آثارُ الصحابة والتابعين. وربما ◌ُدَّ الحديثُ الواحدُ المروىُّ بإسنادين، حديثينٌ. ثم إن الزيادة فى الصحيح على ما فى الكتابين، يتلقاها طالبُها مما اشتمل عليه أحدُ المصنفاتِ المعتمدة المشتهرة لأئمة الحديث: ((كأبى داود السجستانى، وأبى عيسى الترمذى، وأبى عبد الرحمن النسائى، وأبى بكر بن خُزَيمة، وأبى الحسنِ الدارقطنى)» وغيرهم، منصوصًا على صحتِه فيها. ولا يكفى فى ذلك مجردُ كونِه موجودًا فى كتابٍ أبى داود وكتاب الترمذى وكتاب النسائى، وسائر مَن جمع فى كتابه بين الصحيح وغيره؛ ويكفى مجردُ كونِهِ موجودًا فى كتبٍ من اشترط منهم الصحيحَ فيما جمعه، ككتابٍ (١) ذكره محمد بن طاهر المقدسى فى (شروط الأئمة) ل ٦٣/ أ بمجموع فوائد حديثية، خطية دار الكتب بالقاهرة. (٢) قيد العراقى: ((المراد بهذا العدد، الرواية المشهورة وهى رواية الفربرى. فأما رواية حماد بن شاكر فهى دونها بمائتى حديث. وأنقص الروايات رواية إبراهيم بن معقل - النسفى - فإنها تنقص عن رواية الفربرى بثلثمائة حديث)). التقييد والإِيضاح ٢٧، والتبصرة ٢٧/١. (٣) فى تقييد العراقى: لم يذكر الشيخ عدد أحاديث مسلم. فقال النووى: هى بإسقاط المكررة، نحو أربعة آلاف]. مقدمة النووى لشرح مسلم: ٢١/١ والتقريب ١٠٤/١. قال العراقى: ولم يذكر عدته بالمكرر، وهو يزيد على عدة كتاب البخارى لكثرة طرقه. وقد رأيت عن أبى الفضل أحمد بن سلمة، أنه اثنا عشر ألف حديث)) (التقييد: ٢٧). وعلى هامش (ز) [قال المؤلف: وهكذا صحيح مسلم، نحو أربعة آلاف حديث بإسقاط المكرر، فقد روينا عن أبى موسى الحافظ قال: كنت عند أبى زرعة الرازى، فجاء مسلم بن الحجاج فسلم عليه، فلما أن قام قلت: هذا جمع أربعة آلاف حديث فى الصحيح. فقال: لمن ترك الباقى؟ والله أعلم.] * المحاسن : ((زيادة: ومسلم بإسقاط المكرر، نحو من أربعة آلاف. انتهت)) ٤/ظ. ١٦٤ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح : ابن خزيمة. وكذلك ما يوجد فى الكتبِ المخرجة على كتابِ البخارى وكتاب مسلم، ككتاب أبى عَوَانَةَ الإِسفرايينى، وكتابٍ أبى بكر الإسماعيلى، وكتابٍ أبى بكر البَرقانى وغيرها، من تتمةٍ لمحذوفٍ أو زيادة شرح فى كثير من أحاديثِ الصحيحين. وكثيرٌ من هذا موجود فى (الجمع بين الصحيحين، لأبى عبد الله الحُمَيْدى). واعتنى ((الحاكم أبو عبد الله الحافظُ)) بالزيادة فى عددِ الحديث الصحيح، على ما فى الصحيحين، وجمع ذلك فى كتابٍ سماه (المستدرَك) أودعه ما ليس فى واحدٍ من (الصحيحين)(١) مما رآه على شرط الشيخين، قد أخرجا عن رواته فى كتابيهما، أو على شرِط البخارى وحده أو على شرطٍ مسلمٍ وحده(٢)، وما أدى اجتهادُه إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرطٍ واحدٍ منهما. وهو واسعُ الخَطْوِ فى شرط الصحيح، متساهلٌ فى القضاء به. فالأوْلَى أن نتوسطَ فى أمرِه، فنقول: ما حكم بصحتِه ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيلِ الصحيح، فهو من قبيلِ الحَسنِ يُحَتَّج به ويُعْمَلُ به، إلا أن تظهر فيه عِلَةٌ توجب ضعفه(٣). ويقاربه فى حُكْمِه (صحيحُ أبى حاتم بنِ حِبأَنَ البُستى) رحمهم .الله أجمعين". والله أعلم. (١، ٢) انظر تقييد العراقى وإيضاحه: (٢٩ - ٣٠) والتبصرة له: (٦٦/١). (٣) على هامش (غ): [قال القاضى بدر الدين: قول ابن الصلاح: "هو من قبيل الحسن" فيه نظر، بل ينبغى أن ينظر فى أصله وسنده وسلامته، ثم يحكم عليه بحاله] من الحسن أو الصحة أو الضعف. قال العراقى: ((وهذا هو الصواب، إلا أن الشيخ أبا عمرو، رحمه الله، رأيه أنه قد انقطع التصحيح فى هذه الأعصار، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه: والله أعلم)). (التقييد والإيضاح: ٣٠). وقوبل على (المنهل الروى، للبدر ابن جماعة) مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة، عدد مايو ١٩٧٥م. * المحاسن: ((فائدة وزيادة: ما صحَّحه ((الحاكم)) ولم يوجد لغيره تصحيحُه، ينبغى أن يُتوقَّفَ فيه، فإن فيه الضعيف والموضوعَ أيضًا. وقد بيَّن ذلك ((الحافظُ الذهبى)) وجمع جزءًا من الموضوعاتِ تقارب مائةَ حديثٍ. ومع ذلك، ففيه صحيحٌ قد خرَّجه البخارى ومسلم أو أحدُهما، لم يعلم به الحاكم. و((ابن حِبَّانَ)) ليس يقاربه، بل هو أصح منه بكثير. وكذلك صحيحُ ابْنِ خزيمة .= ١٦٥ النوع الأول : معرفة الصحيح من الحديث الخامسة: الكتب المخرجة على كتاب البخارى أو كتاب مسلم، رضى الله عنهما، لم يلتزم مصنفوها فيها موافقتها فى ألفاظِ الأحاديث بعينها من غير زيادة ونقصان(١)، لكونِهِم رَوَوا تلك الأحاديثَ من غير جهةِ ((البخارى، ومسلم)»، طلبًا لُعُلُوِّ الإِسنادِ، (١) من المستخرجات عليهما بلفظهما: الجمع بين الصحيحين لعبد الحق، وشرح السنة للبغوى، ومختصر المنذرى. (توضيح التنقيح ٧٦/١). = لا يقال: "شرطُ ابن حبانَ أن يكون الراوى ثقة غير مدلِّس، سمع مَن فوقه وسمع منه الآخذُّ عنه، ولا يكون هناك إرسالٌ ولا انقطاع. وهذا دون شرط ((الحاكم)) من أن يخرج أحاديث جماعة كمن خرج لهم الشيخان" لأنا نقول: لم يوفِ بشرطِهِ. وإيرادُ كونٍ الرجل لم يخرج له من استدرك عليه، لا يُلتفت إليه. لأنه لم يلتزم العينَ بل الشّبه، ومع ذلك فلم يوجد ما شَرَطه. ويوجد فى (مسند الإمام أحمد) من الأسانيد والمتون شيء كثير ليس فى الصحيحين ولا فى السنن أيضًا، وهى أربعة: سنن أبى داود، والترمذى، والنّسائى، وابن ماجه. وكذلك يوجد فى (مسند البزار، وابن منيع، والمعاجم للطبرانى وغيره، ومسند أبى يعلى، والأجزاء) مما يتمكن العارفُ بهذا الشأنِ من الحكم بصحة كثيرٍ منه بعد النظرِ السديد، ويجوز له أن يحكم بالصحة كما تقدم. وقد كان ((الحاكم، والخطّيبُ البغدادى)) يسميان كتابَ الترمذى: الجامَعَ الصحيح. وكان ((ابنُ السَّكَن، والخطيبُ)) يقولان فى كتابٍ السنن للنسائى: "إنه صحيح، وإن له شرطًا فى الرجال أشدَّ من شرطٍ مسلم"(١). وكل ذلك فيه تساهل، والأولُ غير مُسَلَّم لما فيه منَ الرجال المجروحين والأحاديثِ الضعيفة. وكان ((الحافظ أبو موسى المدينى)) يقول عن (مسند الإمام أحمد): إنه صحيح. وذلك مردودٌ، ففيه أحاديثُ كثيرةٌ ضعيفة. وسيأتى شىءٌ من ذلك بزيادةٍ أخرى فى ترتيب الاختصار. انتهى)) ٥/و (١) قال ابن طاهر: سألت الإِمام أبا القاسم سعد بن على الزنجانى بمكة عن حال رجل من الرواة فوثقه. فقلت إن أبا عبد الرحمن النسائى ضعفه. فقال: يا بنى، إن لأبى عبد الرحمن فى الرجال شرطًا أشد من شرط البخارى ومسلم (شروط الأئمة ٦٧ /أ ب) وانظر أبا القاسم الزنجانى الحافظ القدوة، نزيل الحرم، فى تذكرة الحفاظ ١١٧٤/٣ وفى وفيات سنة ٤٧١ هـ بالعبر. وانظر تقييد العراقى (٣٠) وتبصرته (٥٥/١) وتدريب الراوى (١٠٩/١). ١٦٦ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح ٤ فحصل فيها بعضُ التفاوتِ فى الألفاظ. وهكذا ما أخرجه المؤلفون فى تصانيفهم المستقلة: كالسُّنَنِ الكبير للبيهقى، وشرح السنة لأبى محمد البغوى، وغيرهما، مما قالوا فيه: "أخرجه البخارى أو مسلم" فلا يستفاد بذلك أكثر من أن البخارى أو مسلما أخرج أصلَ ذلك الحديث، مع احتمالِ أن يكون بينهما تفاوتٌ فى اللفظ. وربما كان تفاوتًا فى بعضِ المعنى، فقد وجدتُ فى ذلك ما فيه بعضُ التفاوت من حيث المعنى. وإذا كان الأمرُ فى ذلك على هذا، فليس لك أن تنقلَ حديثًا منها وتقول: "هو على هذا الوجه فى كتابِ البخارى أو كتابٍ مسلم" إلا أن تقابِلَ لفظَه، أو يكونَ الذى خرَّجه قد قال: "أخرجه البخارى بهذا اللفظ." بخلافِ الكتب المختصرة مِن (الصحيحين) فإن مصنفيها نقلوا فيها ألفاظَ الصحيحين أو أحدِهما. غير أن (الجمع بين الصحيحين، للحميدى الأندلسى) منها، يشتمل على زيادةٍ تتماتٍ لبعض الحديثِ، كما قدمنا ذكره، فربما نَقلَ من لا يميز بعضَ ما يجدُه فيه، عن الصحيحين أو أحدِهما، وهو مخطئ لكونِه من تلك الزيادات التى لا وجودَ لها فى واحدٍ من الصحيحين(١). ثم إن التخاريجَ المذكورةَ على الكتابين يُستفاد منها فائدتان: (٢) إحداهما: عُلوُّ الإِسناد. والثانيةُ: الزيادة فى قدر الصحيح لما يقع فيها من ألفاظٍ زائدة وتتماتٍ فى بعضٍ الأحاديث تثبت صحتُها بهذه التخاريج، لأنها واردةٌ بالأسانيد الثابتة فى الصحيحين (١) نبه الصنعانى، فى (التوضيح) على أن أبا عبد الله الحميدى فى خطبة كتابه بين اصطلاحه فى هذه الزيادات، ووجه زيادتها. وأن الحافظ ابن حجر حققها فوجدها على ما بين فى مصطلحه (توضيح التنقيح ٧٩/١). (٢) على هامش (غ): [قال الشيخ محيى الدين فائدة ثالثة، وهى زيادة قوة الحديث]. وبمزيد تفصيل على هامش (ز): [وذكر النووى فى شرح مسلم: يستفاد ثلاث فوائد: علو الإسناد، وزيادة قوة الحديث بكثرة طرقه، وزيادة ألفاظ صحيحة مفيدة. قال: ثم إنهم لم يلتزموا موافقة اللفظ، لكونهم يروونها بأسانيد أخرى فيقع فى بعضها تفاوت، والله أعلم]. مقدمة النووى لشرح مسلم ٢٦/١. وقال العراقى: ((ولو قال إن هاتين الفائدتين من فائدة المستخرجات، كان أحسن. فإن فيها غير هاتين الفائدتين، فمن ذلك تكثير طرق الحديث ليرجح بها عند التعارض)) التقييد: ٣٢ والتبصرة ٦٠/١. وأضاف الصنعانى سبع فوائد للمستخرجات ((لم يتعرض أحد لذكرها)) فبلغ بها عشر فوائد (توضيح التنقيح ٧٤/١). ثم قال: ((وليست الزيادات على ما فى الصحيحين، كهما)) (٧٧/١). ١٦٧ النوع الأول : معرفة الصحيح من الحديث أو أحدِهما، وخارجةٌ من ذلك المخرج الثابت، والله أعلم (١). السادسة: ما أسنده ((البخارى ومسلم)) رحمهما الله، فى كتابيهما بالإِسنادِ المتصل، فذلك الذى حكما بصحتِه بلا إشكالٍ. وأما المعلَّق(٢) الذى حُذِف من مبتدإ إسنادِه واحدٌ أو أكثر - وأغلبُ ما وقع ذلك فى كتاب البخارى، وهو فى كتاب [٥ / و] مسلم(٣) قليل جدًّا - ففي بعضِه نظَر. وينبغى أن نقولَ: ما كان من ذلك ونحوِه بلفظ فيه جزمٌ وحكمٌ به على من علَّقه عنه، فقد حكم بصحتِه عنه. مثالُه: قال رسول اللّه وَلّو كذا وكذا؛ قال ابن عباس كذا؛ قال مجاهد كذا (٤)؛ قال عفان كذا؛ قال القعنبى كذا؛ روى أبو هريرة كذا وكذا؛ وما أشبه ذلك من العبارات، فكل ذلك حُكم منه على من ذكره عنه، بأنه قد قال ذلك ورواه، فلن يستجيز إطلاقَ ذلك إلا إذا صحَّ عنده ذلك عنه. ثم إذا كان الذى علَّق الحديثَ عنه دون الصحابةِ، فالحكمُ بصحته يتوقفُ على اتصالِ الإِسنادِ بينه وبين الصحابى. وأما ما لم يكن فى لفظه جَزْمُ وحُكم، مثل: رُوِىَ عن رسولِ اللهِ وَلِّ كذا وكذا؛ أو: رُوِىَ عن فلانٍ كذا، أو: فى البابِ عن النبىِ وَّ و كذا وكذا؛ فهذا وما أشبهه من الألفاظِ، ليس فى شىءٍ منه حكمٌ منه بصحةٍ ذلك عمن ذكره عنه، لأن مثلَ هذه العبارات تُستعمل فى الحديث الضعيفِ أيضًا. ومع ذلك، فإيرادُه له فى أثناء الصحيحِ، مُشعِرٌ بصحةِ أصلِه إشعارًا يؤنَسُ به ويُركَن إليه، والله أعلم. ثم إن ما يتقاعدُ من ذلك عن شرط الصحيح قليل، يوجد فى (كتاب البخارى) فى مواضعَ من تراجم الأبوابِ دون مقاصدِ الكتابِ وموضوعهِ الذى يُشعِرِ به اسمُه الذى سماه به وهو: (الجامع المسنَدُ الصحيح المختَصر من أمورٍ رسول الله، وَّل، وسُنَتِهِ وأيامهِ) (١) ((بلغ السماع بقراءتى عليه)) ابن الفاسى على هامش (غ). - (٢) فى (ز، ع): [وهو الذى]. (٣) يبدأ من هنا سقط فى (غ) ينتهى عند قوله [لقته الأمة بالقبول] فى المسألة السابعة. وما هنا من (ز) مقابلا على متن ابن الصلاح بالتقييد والإِيضاح. وانظر معلقات البخارى فى (هدى السارى: الفصل الرابع) وهى مرتبة على الأبواب. وانظر بيان المعلق القليل فى كتاب مسلم، فى مقدمة النووى لشرحه (١٦/١) وتقييد العراقى: ٣٢ وتوضيح التنقيح (١٣٦/١). (٤) انظر تقييد العراقى: (٣٣). ١٦٨ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح وإلى الخصوص الذى بيَّناه يرجع مطلَقُ قوله: "ما أدخلتُ فى كتاب الجامع إلا ما صحٌ*" وكذلك مطلَقُ قولِ ((الحافظ أبى نصر الوائلى السِّجِزى)): "أجمع أهلُ العلم، الفقهاء وغيرهم، أن رجلا لو حلف بالطلاقِ أن جميعَ ما فى كتابِ البخارى مما رُوِىَ عِن رسولٍ اللّهِ وَّ، قد صحَّ عنه، ورسولُ اللّهِ وَله قاله لا شكَّ فيهْ لا يحنث، والمرأةُ بحالها فى حبالته(١)). وكذلك ما ذكره ((أبو عبد الله الحميدى)) فى كتابه (الجمع بين الصحيحين) من قوله: "لم نجد من الأئمة الماضين، رضى الله عنهم أجمعين، مَن أفصح لنا فى جميع ما جمعَه بالصحةِ، إلا هذين الإِمامين". (١) على هامش (ز): [وكذا صحيح مسلم: قال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق زوجته أن ما فى كتابى البخارى ومسلم مما حكما بصحته من قول النبى وص له، لما ألزمته الطلاق ولا حنثته، لإجماع المسلمين على صحتها. ذكره النووى عنه فى (شرح مسلم). والله أعلم] . - مقدمة النووى ١٦/١-١٩. وانظر معه تخريج العلماء لقول إمام الحرمين أبى المعالى الجوينى، الفقيه الشافعى الأصولى، فى شروط الأئمة لابن طاهر (فوائد حديثية (١٩/ب) وتوضيح التنقيح ٩٩/١. * المحاسن : ((فائدة: لا يقال: فقد قال فى باب قول الله عز وجل: ﴿وَكانَ عرْشُه عَلَى المَاءِ﴾: وقال الماحِشُون عن عبد الله بن الفضل عن أبى سلمة عن أبى هريرة: "فأكون أول من بعث". وقد أخرجه فى أحاديثِ الأنبياء عن ابنِ الفضل عن الأعرج عن أبى هريرة. وكذلك رواه مسلم والنسائى، وقال أبو مسعود الدمشقى: إنما يعرف هذا عن. الأعرج - لا عن أبى سلمة -. لأنا نقول: البخارى حافظ لا يُعترض عليه بمجرد أنا لم نجد ذلك ـ انتهت)) ٦/و. - انظر (باب: وكان عرشه على الماء) فى كتاب التفسير من صحيح البخارى (فتح البارى ٢٤٤/٨) وكتاب بدء الخلق، منه (فتح البارى ١٨٧/٦) وكتاب التوحيد (فتح البارى ٣٢٣/١٣). وقابل على حديث أبى هريرة فى كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا وَّل على جميع الخلائق، من صحيح مسلم (ح ٢٢٧٨/٣). وقول أبى مسعود الدمشقى - الحافظ إبراهيم بن محمد بن عبيد، ت ٤٠٠ هــ فى كتاب (أطراف الصحيحين): ابن حجر فى فتح البارى ٣٢٣/١٣. ١٦٩ النوع الأول : معرفة الصحيح من الحديث فإنما المرادُ بكلِّ ذلك مقاصدُ الكتاب وموضوعهُ وفنون الأبواب، دون التراجم ونحوها، لأن فى بعضها ما ليس من ذلك قطعًا، مثل قولِ ((البخارى)): باب ما يذكر فى الفخذ: ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش(١)، عن النبى وَّهِ: "الفخِذُ عورة (٢))). وقولِهِ فى أول بابٍ من أبوابِ الغسل: وقالَ بَهْزُ بنُ حكيم عن أبيه عن جده عن النبى وَله: "اللّه أحقُّ أن يُستحيا منه(٣)، فهذا قطعًا ليس من شرطهِ، ولذلك لم يورده "الحميدىُّ" فى جمعهِ بين الصحيحين، فاعلم ذلك فإنه مهمٌّ خافٍ. والله أعلم *. السابعة: وإذ انتهى الأمرُ فى معرفة الصحيح إلى ما خرَّجه الأئمةُ فى تصانيفهم الكافلة ببيان ذلك كما سبق ذكرُه، فالحاجةٌ ماسَّةٌ إلى التنبيهِ على أقسامه باعتبارِ ذلك: فأولها : صحيحٌ أخرجه البخارى ومسلم جميعًا(٤). : صحيحٌ انفرد به البخارى، أى: عن مسلم (٥). الثانى (١) على هامش (ز) تراجم موجزة عن ابن عبد البر، لجرهد الأسلمى: (أفراد الجيم ٢٧٠/١ - ٣٥٥) ومحمد بن عبد الله، بن جحش الأسدى (الاستيعاب) باب محمد. (٢) كتاب الصلاة، باب ما جاء فى الفخذ (مع فتح البارى ٢٣٥/١) وانظر تقييد العراقى: ٤٠. (٣) صحيح البخارى، ك الطهارة، باب من اغتسل عريانًا وحده ومن تستر، والتستر أولى (مع فتح البارى ٢٦٦/١). وبهز بن حكيم، بن ((معاوية بن حيدة القشيرى، الصاحب». (٥،٤) ((انضمام مسلم إلى البخارى، لم يأت بزيادة تُقَوِّى رواية البخارى، بل من حيث صار له راويان فيما اتفقًا على إخراجه، إسناده ومتنه معًا ... ((وليس ما اتفقا عليه سواء، بل مراتب، منه متواتر ومشهور ... وقد ينفرد البخارى بحديث له مخرج واحد، توضيح التنقيح (٨٧/١ - ٨٨) وينفرد مسلم بما تواتر. وإذنْ فليُحمَل ذلك على الأغلب)). * المحاسن : فائدة، لا يقال: فقد ذكر أشياء بصيغة: (ويُذكَر) ثم يخرجها فى موضع آخر صححه. وفى موضع: (وُرُوِىُ) مع أن بعضه يكون صحيحًا؛ لأنا نقول: لا يلزم من قولنا: إنه لا يكون صحيحًا، أن يكون حُكمًا بالضعف، بل المراد: لا دلالة له على الصحة بمجرد هذا اللفظ، وقد يكون صحيحًا. انتهت)) ٥/ظ. - وانظر فى (الفخذ عورة) سنن الدارقطنى ٢٢٤/١، ومشكل الآثار للطحاوى ٢٨٣/٢، وشرح معانى الآثار، له (١/ ٤٧٣). ١٧٠ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح الثالث : صحيح انفرد به مسلم، أى: عن البخارى. الرابع: صحيح على شرطِهما، لم يُخرجاه. الخامس : صحيح على شرطِ البخارى، لم يُخرجه. السادس: صحيح على شرط مسلم، لم يخرجه(١). السابع : صحيحٌ عند غيرهما، وليس على شرِط واحدٍ منهما. هذه أمهاتُ أقسامِه، وأعلاها الأولُ، وهو الذى يقول فيه أهلُ الحديث كثيرًا: "صحيحٌ متّفَقٌ عليه". يطلقون ذلك ويعنون به اتفاقَ البخارى ومسلم، لا اتفاقَ الأمة عليه. لكن اتفاقَ الأمة عليه لازمٌ من ذلك وحاصل معه، باتفاقِ الأمة على تلقى ما اتفقا عليه بالقبول. وهذا القسمُ جميعُه مقطوع بصحته، والعلم اليقينى النظرىُّ واقع به، خلافًا لقولٍ من نفى ذلك محتجًا بأنه لا يفيد فى أصله إلا الظن وإنما تلقته (٢) الأمة بالقبول، لأنه يجبُ عليهم العملُ بالظن(٣) والظنُّ قد يخطىء. وقد كنت أميلُ إلى هذا وأحسبه قويًّا، ثم بان لى أن المذهبَ الذى اخترناه أولا هو الصحيح، لأن ظنَّ من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمةُ فى إجماعِها معصومةٌ من الخطأ(٤). ولهذا كان الإِجماعُ المُبْتَنَى على الاجتهاد حُجةً مقطوعًا بها. وأكثر إجماعات (١) بيان شرط البخارى وشرط مسلم، فى تبصرة العراقى (٦٥/١) نقلا عن (شروط الأئمة) للحازمى، ولابن طاهر المقدسى. وانظر فى الأقسام الثلاثة الأولى، شروط الأئمة لابن طاهر (فوائد حديثية ٦٣ /أ، ٦٥/ب). (٢) انتهى السقط من (غ). (٣) على هامش (ز): [قال فى (البرهان لإمام الحرمين) ما لفظه: "ثم أطلق الفقهاء القول بأن خبر الآحاد لا يوجب العلم ويوجب العمل، وهذا تساهل منهم. والمقطوع به أنه لا يوجب العلم ولا العمل، فإنه لو ثبت وجوب العمل مقطوعا به، لثبت العلم بوجوب العمل، وهذا يؤدى إلى إفضائه إلى نوع من العلم، وذلك بعيد؛ فإن ما هو مظنون فى نفسه يستحيل أن يقتضى علما مبتوتًا. فالعمل بخبر الواحد، مستند إلى الأدلة التى سنقيمها على وجوب العمل عند خبر الواحد، وهذا تناقُش فى اللفظ، ولسنا نشك فى أن أحدا من المحققين " لا ينكر ما ذكرناه"]. قوبل على (البرهان: جـ١ المسألة ٥٣٨) ط الدوحة ١٤٠٠ هـ. (٤) فى (توضيح التنقيح ١٢٣،١٢١/١): الأمة معصومة من الضلالة، والخطأ ليس بضلالة ... = ١٧١ النوع الأول : معرفة الصحيح من الحديث العلماء كذلك. وهذه نُكتَةٌ نفيسةٌ نافعة. ومن فوائدها: القولُ بأن ما انفرد به ((البخارى أو مسلمٌ)) مندرج فى قبيل ما يُقطّعُ بصحتِه لتلقى الأمةِ كلّ واحدٍ من كتابيهما بالقبولِ، على الوجهِ الذى فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرفٍ يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحُفّاظِ كـ(الدارقطنى)) وغيره، وهى معروفة عند أهلِ هذا الشأن(١)»، والله أعلم. = ولا نكير فى الخلافيات. وانظر مذهب ابن حزم فى الإجماع، فى (المحلى جـ١ الفقرات ٩٦-٩٨) ومذهب الزيدية فى الإجماع السكوتى: صورته وحجيته، وهل المعصوم الأمة أو مجتهدوها؟ (التوضيح ٩٤/١) وبيان الإِمام الجوينى للإجماع وتصور وقوعه، وحجيته، وكيفية ثبوته، فى (البرهان: المسائل ٦١٨-٦٧٥) من المجلد الأول. (١) أوردها الحافظ ابن حجر فى (المفصل الثامن، من هدى السارى: فى سياق الأحاديث التى انتقدها على الصحيح، حافظ عصره أبو الحسن الدارقطنى، وغيره من النقاد، وإيرادها حديثًا حديثًا على سياق الكتاب، وسياق ما حضر من الجواب عن ذلك). · وجملتها فى هذا الفصل، عشرة أحاديث ومائة، مع ما على مسلم منها. وقال بعد (الحديث العاشر بعد المائة): ((هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد المطلعون على خفايا الطرق. وليس كلها أفراد البخارى بل شاركه مسلم فى كثير منها كما تراه واضحًا ومرقومًا عليه رقم مسلم (م) وعدة ذلك اثنان وثلاثون حديثًا. فأفراده - أى البخارى - منها ثمانية وسبعون فقط. وليست كلها قادحة، بل أكثرها الجوابُ عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجوابُ عنه محتمل، واليسيرُ منه فى الجواب عنه تعسف كما شرحته مجملا فى أول الفصل وأوضحته مُبَيِّنًا فى أثر كل حديث منها)) ... (هدى السارى ٣٤٦ - ٣٨٣.) ومجمل العدد مما خولف فيه البخارى ومسلم، فى شروط الأئمة لابن طاهر (٦٣/أ فوائد حديثية) وقابل على العدد فى هدى السارى، ما نقله السيوطى فى (تدريب الراوى ١٤٣/١) عن ابن حجر. المحاسن : ((فائدة وزيادة: قول النووى: وخالف فى ذلك المحققون والأكثرون عند عدم التواتر(١). يؤيده أنه نقل عن ((الشيخ أبى محمد بن عبد السلام)) أنه عاب هذا = (١) عبارة النووى: ((وخالفه المحققون والأكثرون فقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر)). التقريب ١٣١/١ وقال ابن حجر فى النخبة: ((والخبر المُحْتَفُّ بالقرائن أنواع: منها ما أخرجه الشيخان فى صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر، فإنه احتف به قرائن، منها: جلالتهما فى هذا الشأن وتقدمهما فى تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقى العلماء لكتابيهما بالقبول. وهذا التلقى وحده أقوى فى إفادة العلم النظرى، من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر)): ص٤١ ١٧٢ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح = القول على ابن الصلاح، وقال إن المعتزلة يرون أن الأمةَ إذا عملتْ بحديثٍ اقتضى ذلك القطعَ بصحتِهِ، وهو مذهب ردىء. وما قاله ابنُ عبد السلام والنووى ومَن تبعهما ممنوعٌ، فقد نقل بعضُ الحُفَّاظ المتأخرين، رحمهم الله، عن جماعة من الشافعية كالاسفرائينى أبى إسحاق وأبى حامد والقاضى أبى الطيب وتلميذه أبى إسحاق الشيرازى؛ والسرخسى: من الحنفية؛ والقاضى عبد الوهاب من المالكية؛ وجماعةٍ من الحنابلة كأبى يعلى، وأبى الخطاب، وابن حامد، وابن الزاغونى؛ وأكثرِ أهلِ الكلام من الأشعرية وغيرهم، منهم ابن فورك، وأهل الحديث قاطبة. ومذهب السلف عامةً، أنهم يقطعون بالحديث الذى تلقته الأمة بالقبول. وفى (صفوة التصوف لابن طاهر المقدسى)، وذَكَر الصحيحين: أجمع المسلمون على ما أخرج فيهما أو ما كان على شرطهما". وما سبق من الأقسام فى الصحيح، ذكر ((الحاكم)) (١) تقسيًا غيره فقال: الصحيح من الحديث ينقسم إلى عشرة أقسام: خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها. فالأول : اختيار البخارى ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح الذى يرويه عن الصحابى المشهور راويان، ثم عن التابعى ثم تابع التابعى، كذلك إلى أحد الشيخين، والأحاديث المروية بهذا الشرط لا تبلغ عشرة آلاف. الثانى من الصحيح المتفق عليه: الحديث الصحيح بنقل العدول الضابطين، لكن ليس عن الصحابى فيه إلا راوٍ واحد. الثالث: الذى ليس عن التابعى فيه إلا راوٍ واحد. الرابع: الأفراد الغرائب التى يرويها الثقات العدولُ ينفرد بها ثقةٌ من الثقات وليس لها طرقٌ مخرجة فى الكتب. الخامس: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الروايةُ عن آبائهم عن أجدادهم إلا عنهم. "وأما الخمسةُ المختلف فيها: فالمرسَل صحيحٌ عند جماعة أهل الكوفة. والمدلَّس إذا لم يذكر سماعه، صحيح عند جماعة من الكوفيين. والخبرُ الذى يرويه ثقة من الثقات عن إمام فيسنده ويرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه، وروايةُ محدّث = (١) فى (المدخل): شروط الأئمة (٦٤ ب). ١٧٣ 7 النوع الأول : معرفة الصحيح من الحديث الثامنة: إذا ظهر بما قدمناه انحصارُ طريقِ معرفة الصحيح والحسَنِ، الآنَ، فى مراجعة الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة، فسبيلُ من أراد العمل أو الاحتجاج بذلك، إذا كان ممن يسوغ له العملُ بالحديث أو الاحتجاجُ به لذى مذهب، أن يرجعَ إلى أصل قد قابله هو أو ثقةٌ غيرُهُ بأصولٍ صحيحة متعددةٍ مروية بروايات متنوعة، ليحصلَ له بذلك - مع اشتهارِ هذه الكتب وبُعدِها عن أن تُقصدَ(١) بالتبديل والتحريف - الثقةُ بصحة ما اتفقتْ عليه تلك الأصولُ. والله أعلم بالصواب(٢). (١) هنا ينتهى المسقط من (ص) ويبدأ ما بعده من صفحة ٢/ب. (٢) بالصواب: من (غ، ز، ع) وليست فى (ص). وعلى هامش (غ)، بلغ السماع، فى المجلس السادس. وانظر النووى فى مقدمة شرحه لمسلم (١٣/١ - ١٤) والعراقى فى التقييد ٤٣، والتبصرة (٨٢/١). وقال الصنعانى فى (توضيح التنقيح) إن المقابلة على الأصول وجادة. والكلام هنا فى النقل لا العمل، فلهم فى العمل شرائط غير شرائط الرواية (١٥٢/١). = صحيح السماع صحيح الكتاب معروف السماع ظاهر العدالة، غير أنه لا يعرف ما يحدث به ولا يحفظه، وهذا صحيح عند أكثر أهل الحديث، ولا يحتج به أبو حنيفة ولا مالك. وروايةُ المبتدعة وأهل الأهواء مع الصدق فى الرواية، مقبولة عند أكثر المحدثين. انتهت)) ٦/و، ظ. النوع الثانى معرفة الحسَنِ من الحديث روينا عن ((أبى سليمانَ الخَطَّابِى)) رحمه اللّه، أنه قال، بعد حكايته أن الحديث عند أهله ينقسم إلى الأقسام الثلاثة التى قدمنا ذكرها: "الحسن، ما ◌ُرِفَ مخرجُه(١) واشتهر رجاله، قال: وعليه مدارُ أكثرِ الحديث وهو الذى يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامةُ الفقهاء*)،(٢). وروينا عن ((أبى عيسى الترمذى)) رضى الله عنه، أنه يريد بالحسن: "أن لا يكون فى إسنادِه [٥/ظ] مَن يُتّهم بالكذبِ، ولا يكون حديثًا شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، (٣) ** (١) على هامش (ص): [قال المؤلف: المدلس قبل بيانه، والمنقطع ما لم يعرف مخرجه. ففى قوله: ما عرف مخرجه؛ احتراز من ذلك ] ٢/ب. (٢) الخطابى (مقدمة معالم السنن: ٦). قال العراقى: وعامة الشىء تطلق بإزاء معظم الشىء، وبإزاء جميعه. والظاهر أن الخطابى أراد الكل. ولو أراد الأكثر ما فرق بين العلماء والفقهاء». التبصرة ٩٠/١ (٣) الترمذى، فى آخر الجامع (٣٣٤/١٣ مع العارضة) وبه رد العراقى، ثم السيوطى، على العماد ابن كثير، حيث قال فى اختصاره علوم الحديث - ص ٣٨ ط ٢ - ((وهذا إن كان روى عن الترمذى ففى أى كتاب قاله وأين إسناده عنه؟)). - التقييد ٤٥، وتدريب الراوى ١٥٦/١. * المحاسن: ((فائدة: معرفة المخرج، يخرج المدلسَ قبل ثباته، والمنقطعَ. لايقال: إن تم التعريف عند قوله: "رجاله" فالصحيحُ والضعيف كذلك. وإن كان آخرُ الكلام من جملة التعريف والمراد بقولنا: "عليه مدار أكثر الحديث" بالنسبة إلى الأخبار والآثار وتعداد الطرق؛ فإن غالب ذلك لا يبلغ رتبةَ الصحيح المتفق عليه. انتهت)). ٧/و ** ((فائدة: هذا قد ذكره الترمذى فى (جامعه) فى أواخر كتاب العلل منه (١). انتهت)» ٧/و. (١) الجامع: العلل (٣٣٤/١٣) ونقل العراقى فى شرحه للألفية قول ابن الموَّاق، أبى عبد الله محمد بن أبى بكر المراكشى: أن الترمذى= ١٧٤ ١٧٥ النوع الثانى : معرفة الحسن من الحديث وقال بعضُ المتأخرين: الحديثُ الذى فيه ضعفٌ قريب محتمل، هو الحديث الحسن، ويصلحُ للعمل به (١). قال الشيخ رضى الله عنه(٢): كل ذلك مستبهم لا يشفى الغليلَ، وليس فيما ذكره ((الترمذى، والخطابى)) ما يفصل الحسنَ من الصحيح. وقد أمعنتُ النظر فى ذلك والبحثَ، جامعًا بين أطراف كلامهم، ملاحظًا مواقعَ استعمالهم، فتتقح لى واتضح أن الحديث الحسن قسمان : أحدهما: الحديثُ الذى لا يخلو رجالُ إسناده من مستورٍ لم تحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثيرَ الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذبِ فى الحديث، أى لم يظهر منه تعمُّدُ الكذبٍ فى الحديث، ولا سبب آخرُ مُفسق؛ ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرِفَ، بأن رُوِىَ مثلُه أو نحوُه من وجهٍ آخَرَ أو أكثرَ، حتى اعتضد بمتابعةِ مَن تابع راويه على مثله. أو بما له من شاهدٍ، وهو ورودُ حديثٍ آخر بنحوه، فخرج بذلك عن أن يكون شاذًا ومنكرًا. وكلام ((الترمذى)) على هذا القسم يتنزَّل. (١) ((وأراد المصنف ببعض المتأخرين هنا: أبا الفرج ابن الجوزى، فإنه قال هكذا فى كتابيه الموضوعات والعلل المتناهية)) تقييد العراقى ٤٥. وقوبل على ابن الجوزى فى الموضوعات، المقدمة ٣٥/١. - وعلى هامش (غ) بخط الفاسى؛ طرة من ش / أصل الشيخ شمس الدين ابن جميل /. [قوله: (فيه ضعف قريب محتمل؛ ليس مضبوطًا بضابط يتميز به القدر المحتمل من غيره. وإذا اضطرب هذا الوصف لم يحصل التعريف المميز للحقيقة]. (٢) فى (ص): [قال الشيخ المؤلف رضى الله عنه ونفع به المسلمين] ٢/ب وفى العراقية: [قلت]. وحيث يعلق ابن الصلاح على ما يورده فى المتن من أقوال غيره، يأتى التعليق غالبًا فى نسخة (غ) بصيغة: قال الشيخ، أبقاه الله؛ وفيما يلى من (ص): قال المملى رحمه الله. وفى (ز) والعراقية: قلت. والضمير فيه لابن الصلاح. وقد اكتفينا فى المتن بعبارة (غ). ونستغنى بهذا التنبيه، عن ذكر اختلاف النسخ فى صيغة هذه العبارة. = لم يخص الحسَنَ بصفة تميزه عن الصحيح، فلا يكون صحيحًا إلا وهو غير شاذ، ويكون رواته غير متهمين بل ثقات، قال: فظهر من هذا أن الحسَنَ عند أبى عيسى صفة لا تخص هذا القسم بل قد يشركه فيها الصحيح .. فكل صحيح عنده حسن وليس كل حسن عنده صحيحًا)). وعقب العراقى: ((قال أبو الفتح اليعمرى: بقى أنه اشترط فى الحسن أن يروى من وجه آخر، ولم يشترط ذلك فى الصحيح». (التبصرة ٨٥/١) وقوبل على أبى الفتح اليعمرى فى (شرح الترمذى: ل ٧/ب مخطوط تركيا). ١٧٦ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح القسم الثانى: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجةً رجال الصحيح، لكونِهِ يقصُر عنهم فى الحفظ والإِتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حالٍ مَنْ يُعَدُّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا، ويُعتَبر فى كل هذا، مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًّا ومنكرًا. سلامته من أن يكون مُعَلَّلا. وعلى القسم الثانى يتنزل كلام ((الخطابى)).(١) فهذا الذى ذكرناه، جامعٌ لما تفرق فى كلام مَن بلغنا كلامُه فى ذلك. وكأن ((الترمذى)) ذكرَ أحد نوعى الحسن، وذكر ((الخطابى)) النوع الآخر، مقتصِرًّا كلّ واحدٍ منهما على ما رأى أنه يُشكِل، مُعْرِضًا عما رأى أنه لا يشكل، أو أنه غفل عن البعض وذهل، والله ٠ أعلم .* (١) نقل العراقى قول الشيخ تقى الدين - ابن دقيق العيد - فى (الاقتراح) بعد أن حكى تعريف ابن الصلاح للحسن: ((وعليه فيه [مباحثات] ومناقشات)) ونقل بعده عمن لم يسمه من المتأخرين، قال: يَرِدُ على القسم الأول المنقطع والمرسل الذى فى رجاله مستور وروى مثله أو نحوه. ويرد على الثانى المرسلُ الذى اشتهر رجاله بما ذكر. قال: فالأحسن أن يقال: الحسن ما فى إسناده المتصل مستور، له به شاهد أو مشهود، قاصر عن درجة الإِتقان، وخلا من العلة والشذوذ، والله أعلم. (التقييد: ٤٧) قابل على (الاقتراح: ١٦٩ - ١٧٠) ط بغداد ١٤٠٢ - ١٩٨٢ م. * المحاسن : ((فائدة وزيادة: نوع الحسن لما توسط بين الصحيح والضعيف عند الناظر، كأن شيئًا ينقدح فى نفس الحافظ قد تقصر عبارتُه عنه، كما قيل فى الاستحسان، فلذلك صعب تعزيفه. ولا يقال: ما نسب إلى الخطابى والترمذى واحد، من جهة أن قول الخطابى: ما عرف مخرجُه، كقول الترمذى: ورُوِى نحوُه من غير وجه. وقول الخطابى: "اشتهر رجاله" يعنى بالسلامة من وصمة الكذب، هو كقول الترمذى: "ولا يكون فى إسناده من یُتهم بالكذب". لأنا نقول: اشتهار الرجال أخصُّ من قول الترمذى: "ولا يكون فى إسناده من يتهم بالكذب" الشموله المستور، ولمّا تَبَاينا تنزَّلا على القسمين السابقين. وبعض المتأخرين - فيما سبق - يُشبه أن يكون ابن الجوزى قد ذكره فى كتاب (الموضوعات). وما نسب إلى الترمذى لا يُفَهم من اصطلاحه فى (جامعه)، لقوله في كثير = ١٧٧ النوع الثانى: معرفة الحسن من الحديث هذا تأصيلُ ذلك، ونوضحه بتنبيهاتٍ وتفريعات: أحدُها: الحَسَنُ يتقاصَرُ عن الصحيح، فى أن الصحيح من شرطه أن يكون جميعُ [٦/وآرواته قد ثبتت عدالتّهم وضبطُهم وإتقانهم، إما بالنقل الصريح أو بطريق الاستفاضة، على ما سنبنيه إن شاء الله تعالى. وذلك غير مُشتَرطٍ فى الحَسن، فإنه يُكتَفى فيه بما سبق ذكره من مجىء الحديث من وجوه، وغير ذلك مما تقدم شرحه. وإذا استبعد ذلك من الفقهاء الشافعية مستبعدٌ، ذكرنا له نصَّ ((الشافعى)) رضى الله عنه فى مراسيل التابعين: أنه يقبل منها "المرسلَ الذى جاء نحوُهُ مسنَدًا، وكذلك لو وافقه مرسَلٌ آخرُ، أرسله مَن أخذ العلم عن غيرِ رجالِ التابعى الأول" فى كلامٍ له ذكر فيه وجوها من الاستدلالِ على صحة مخرج المرسَلِ، بمجيئه من وجهٍ آخَر (١). وذكرنا له أيضًا ما حكاه الإِمامُ ((أبو المظفر السمعانى))(٢) وغيره عن بعض أصحابٍ (١) الرسالة للإِمام الشافعى: ١٩٨ وما بعدها. وقال: ((وأما من بعد كبار التابعين، فلا)) - ٢٠٠. (٢) منصور بن محمد بن عبد الجبار، جد أبى سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور، والد عبدالرحيم بن عبدالكريم. ويقع لبس، فى الكنية والنسب بين أبى المظفر السمعانى منصور (ت ٤٨٩ هـ) وأبى المظفر السمعانى عبد الرحيم بن أبى سعد، المولود سنة ٥٣٧ هـ وتوفى بعد ٦١٧ هـ. وهو شيخ ابن الصلاح الذى ينقل فى المقدمة عن: السمعانى، وعن أبى المظفر السمعانى، فيتميز المراد منهما بصيغة التحمل: رواية وسماعًا من شيخه أبى المظفر عبد الكريم، وحكاية وبلاغًا عن الإمام أبى المظفر منصور، من فحول أهل النظر. ناظر على مذهب ... أبى حنيفة ثلاثين سنة ثم تحول شافعيًا فاستحكم فى المذهب وطار صيته، وله تصانيف فى الخلاف والحديث والرجال (فوائد حديثية ٦٩أ). = من الأحاديث: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وإن كان ذكره صريحًا فهو مخالف لما فى (جامعه) إلا أن ينزل قولُه: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه" على اللفظ دون اعتبارِ الشاهد للمعنى. ويُطلَق الأحسنُ على الغريب أيضًا، فقد قال النخعى: "كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يُخرِجَ الرجلُ أحسنَ ما عنده"، قال السمعانى: عنى بالأحسن الغريبَ. وربما يطلق الحسَن على المنكر. قيل لشعبة: لأى شىء لا تَروى عن عبد الملك بن أبى سليمان، وهو حَسن الحديث؟ قال: من حسنه فررتُ(١) - انتھی)» ٧/و، ظ. (١) رواه ابن أبى حاتم عن أبيه بسنده إلى أمية - بن خالد القيسى أبى عبد الله البصرى - قال: ((قلت لشعبة: تحدث عن فلان وفلان، وتدع عبد الملك بن أبى سليمان؟ قال: تركته. قلت: إنه كان حسن الحديث. فقال: من حسنه فررت)). الجرح والتعديل ١٤٦/١، أقوال شعبة فى الرجال. ١٧٨ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح الشافعى من أنه: تُقبَلُ روايةُ المستور وإن لم تقبل شهادةُ المستور". ولذلك وجهٌ متَّجِهِ، كيف وأنا لم نكتف فى الحديث الحسن بمجردٍ رواية المستور، على ما سبق آنفًا؟ والله أعلم. الثانى: لعل الباحثَ الفَهِمَ يقول: إنا نجد أحاديثَ محكومًا بضعفها مع كونها قد رُوِيتْ بأسانيدَ كثيرةٍ من وجوهٍ عديدة، مثل حديث: "الأذنان من الرأس" ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثالَه من نوع الحسنِ لأن بعض ذلك عضد بعضًا، كما قلتم فى نوع الحسَن على ما سبق آنفًّا؟ وجواب ذلك، أنه ليس كلُّ ضعفٍ فى الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يُزيله ذلك، بأن يكون ضعفُه ناشئًا من ضعفٍ حفظ راويه مع كونه من أهلِ الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجهٍ آخر، عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطُه له. وكذلك إذا كان ضعفُه من حيث الإِرسال، زال بنحو ذلك، كما فى المرسَل الذى يُرِسلُه إمامٌ حافظ، إذ فيه ضعفٌ قليل، يزول بروايته من وجه آخر. ومن ذلك ضعفٌ لا يزول بنحوٍ ذلك لقوة الضعف، وتقاعُدِ هذا الجابر عن جَبره ومقاومتِهِ، وذلك كالضعفِ الذى ينشأ [٦/ظ] من كونِ الراوى متّهًا بالكذب أو كون الحديثِ شاذا **. * المحاسن : ((زيادة: وقد اكتفَى بالمستور فى عقد النكاح، مع اعتبارِ العدالة فى شاهدين. وهو ما يؤكد ما سبق. انتهت)) ٨/و * * المحاسن : ((فائدة: لا يقال: ينجبر بأن يروى من وجه صحيح؛ لأن الكلامَ فيما إذا رُوِى بطرقٍ كلٍّ منها مثلُ الأخرى فى ذلك الضعف، والتمثيلُ بحديثٍ "الأذنان من الرأسِ" يعنى به: فى تعدد طرقه التى لو انفرد كلَّ واحدة منها لكانت ضعيفة. وقد قال ((البيهقى)) عن الطرق المذكورة: رُوِىَ حديثُ "الأذنان من الرأس" بأسانيدَ ضعافٍ، أجودُها حديثُ شَهْرٍ عن أبى أمامةَ وهو معلِّل. ويدخل تحت = ١٧٩ النوع الثانى : معرفة الحسن من الحديث = كلامِ ((البيهقى)) حديثُ أبى هريرة، وأبى موسى، وأنَسٍ، وابنِ عمر، وابنِ عباس، وعائشةَ، وسلمة بن قيس الأشجعى. وزاد ((ابنُ مَنده)) فى كتاب (المستخرج): عثمانَ بن عفان، وسمرة بن جندب، وعبدَ عمرو ... ولا يقال: يَرِدُ على ((البيهقى، وابن الصلاح)) أنه صحَّ من رواية عبد الله بن زيد، التى خرَّجها ((ابنُ ماجه)) عن سُوَيد بن سعيد - وهو ممن خرَّج له ((مسلم)) - عن يحيى بن زكريا بن أبى زائدةً وهو متّفقٌ عليه، عن شعبةَ عن حبيب بن زيد، وقد وثقه جماعةٌ، عن عباد بن تميم، وهو متفق عليه، عن عبدِ الله بن زيد. ولذلك صححه ((ابنُ حباَن))؛ لأنا نقول: وقع التمثيلُ بطرقٍ متعددة لم يصح شىءٌ منها. وأما حديث ابن عباس "الأذنان من الرأس" فقد رواه ((الدارقطنى)) مع كثير من الطرق السابقة، وقال: كلَّها ضعيفة. ولم يروه من حديث عبد الله بن زيد، لكن قال ((ابن القطان)): حديثُ ابن عباس الذى فيه "الأذنان من الرأس" إما صحيح، أو حسن. انتهت)) ٨/ظ. - ما هنا عن البيهقى، فى سننه الكبرى ٦٦/١ وابن ماجه: ك الطهارة، باب الأذنان من الرأس. ح (٤٤٣) وفى الزوائد: هذا إسناد حسن إن كان سويد حفظه. ثم من رواية حماد بن زيد عن سنان عن شهر عن أبى أمامة (ح ٤٤٤) ويأتى ما فيها لأبي داود. ثم من حديث عن أبى هريرة (ح ٤٤٥) بإسناد قال فى الزوائد: ضعيف بضعف اثنين من رجاله. وحديث الباب فى الترمذى، عن شهر عن أبى أمامة، ومعه فى الباب من عدة طرق (٥٤/١ مع العارضة) وأخرجه أبو داود فى صفة وضوئه وسيلة، من طريق سليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر عن أبى أمامة، فذكر وضوء النبى وَّل، وفيه ((الأذنان من الرأس)) قال قتيبة: قال حماد: لا أدرى، هو من قول النبى وَلجر أو من قول أبى أمامة؟ (ح ١٣٤). وجمع الدارقطنى فى كتاب الطهارة من (سننه: ما روى من قول النبى واصل: "الأذنان من الرأس" من مختلف طرقه، مرفوعًا وموقوفًا ومرسلا (ح ١ - ٤٧) ما أعله منها وما صححه. وهو فى مسند أحمد من حديث شهر عن أبى أمامة مرفوعًا. وفى: (العلل للدارقطنى) سئل عن حديث عائشة رضى الله عنها، فيه. فذكر رواية عصام بن يوسف عن ابن المبارك عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهرى عن عائشة، ورواية الفضل بن موسى عن ابن جريج. قال: ((وكلتا الروايتين وهم فى المتن والإِسناد. والصحيح: عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهرى مرسلا عن النبى وهو أنه قال: "مضمضوا واستنشقوا، والأذنان من الرأس". وكذلك رواه الثورى وهمام ووكيع وعبد الرزاق وابن عيينة وأصحاب ابن جريج. وهو الصواب)) ٢٨/٥ خط. ١٨٠ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح وهذه جملةٌ تفاصيلُها تُدرَك بالمباشرة والبحثِ، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة، والله أعلم (١). الثالث: إذا كان راوى الحديث متأخرًا عن درجة أهل الحفظ والإِتقان، غير أنه من المشهورين بالصدقِ والسَّتْر، ورُوِىّ مع ذلك حديثُه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة و من الجهتين، وذلك يرقى حديثه من درجةِ الحسَنِ إلى درجة الصحيح. مثالُه: حديثُ محمد بن عمرو، عن أبى سلمةً عن أبى هريرةً أن رسولَ الله ◌ِوَ لّ قال: "لولا أن أُشُق على أمتى لأمرتُهم بالسوَاكِ عند كلَّ صلاةٍ(٢)،". فمحمد بن عمروبن علقمة من المشهورين بالصدقِ والصيانة، لكنه لم يكن من أهلِ الإتقان، حتى ضعفه بعضهم من ءُ جهة سوءٍ حفظه، ووتّقَه بعضهم لصدقِه وجلالتِه، فحديتُه من هذه الجهة حَسَنُ، فلما انضم إلى ذلك كونه رُوِىَ من أوجُهٍ أَخَرَ، زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهةٍ سوءٍ حفظه، وانجبر به ذلك النقصُ اليسيرُ فصحَّ هذا الإِسنادُ والتحق بدرجةِ الصحيح، والله أعلم. الرابع: ((كتابُ أبى عيسى الترمذى)) رحمه الله، أصلٌ فى معرفة الحديث الحسن، وهو الذى نَوَّه باسمهِ وأكثر من ذكره فى (جامعِه) ويوجدُ فى متفرقات من كلام بعض مشايخِهِ والطبقةِ التى قبله كأحمد بن حنبلَ والبخارى وغيرهما .* . (١) على هامش (غ) بخط الفاسى: بلغ السماع بقراءتى عليه فى المجلس السابع. (٢) رواية محمد بن عمرو بن علقمة، بن أبى وقاص الليثى، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. الزهرى، عن أبى هريرة: فى جامع الترمذى، ك الطهارة، باب ما جاء فى السواك. وانظر الأقوال فى محمد بن عمرو، بالجرح والتعديل (٣٠/٨ ت ١٣٨) وتهذيب التهذيب (٣٧٥/٩ ت ٦١٧) وحديث السواك، رواه مالك فى الموطأ (طهارة، ما جاء فى السواك ح ١١٥) من حديث الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة. (مع التمهيد (١٩٤/٧) والبخارى فى كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، من حديث مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مرفوعًا (مع فتح البارى ٢٥٥/٢) وأخرجه مسلم فى باب السواك من كتاب الطهارة، من حديث سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة (ح ٢٥٢/٤٢). * المحاسن : ((فائدة: لا يقال: ((يعقوب بن شيبة))، تلميذُ ابنِ المدينى، أكثَرَ من تحسين الأحاديثِ، وفى مواضعَ كثيرة يجمع بين الحُسْنِ والصحة. و((أبو على الطوسى)) شيخ أبى حاتم الرازى، جمع فى كتابه (الأحكام) بين الحسْنِ والصحةِ والغرابةِ إثرَ كلّ حديث. وكان=