Indexed OCR Text

Pages 141-160

وحَكَى ابنُ عبدِ البِّ (١) عَنْ جُمْهُورِ أهلِ العلمِ: أنَ (عَنْ) و ((أنّ) سواءٌ، وأَنَّهُ لا
اعتبارَ بالحروف والألفاظ، وإنَّما هوَ باللّقاءِ والمجالَسَةِ والسَّماعِ والمشاهدةِ
- يعني : معَ السلامةِ مِنَ التدليسِ - فإذا كانَ سماعُ بعضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ صحيحاً ، كانَ
حديثُ بعضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ بأيّ لفظٍ وَرَدَ : محمولاً على الاتِّصالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ الانقطاعُ .
وحَكَّى ابنُ عبدِ البِّ (٢) عَنْ أبي بكرِ البِرْدِيْجِيِّ (٣): أنّ حرفَ ((أنّ)) محمولٌ على
الانقطاعِ حَتَّى يتبيّنَ السَّماعُ في ذلكَ الخبرِ بعينِهِ مِنْ جِهَةٍ أخرى (٤) . وقالَ: عِندي لا
معنّى لهذا؛ لإجماعِهِم عَلَى أنّ الإِسنادَ المتَّصِلَ بالصحابِيِّ سواءٌ فيهِ، قالَ: ((قالَ رسولُ الله
﴿))، أو ((أنّ رسولَ اللهِ﴿ّقالَ:))، أو: ((عَنْ رسولِ اللهِ﴿ أَنَّهُ قالَ))، أو:
(سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَ﴿ يقولُ: ))، والله أعلمُ.
قُلتُ (٥): ووَجدْتُ مِثلَ ما حكاهُ عَنِ البِرْدِيجِيِّ أبي بكرِ الحافظِ ، للحافظِ
(١) في التمهيد ١ / ١٢.
(٢) التمهيد ١ / ٢٦ .
(٣) بَرْدِيج : على وزن ( فَعْليل ) - بفتح أوله - بُليدة بينها وبين برذعة نحو أربعة عشر فرسخاً ، ولهذا يقال
له : البرديجي والبرذعي ، فمن نحا بها نحو أوزان العرب كسر أولها ؛ نظراً إلى أنَّهُ لَيْسَ في كلامهم
( فعليل ) - بفتح الفاء - كما أشار إليه الصاغاني ، فقال: برديج - بكسر أوله - بليدة بأقصى
أذربيجان ، والعامة يفتحون باءها. فالمراد أن مَن نطق بها على مقتضى تسميتها العجمية فتح الباء على
الحكاية ، ومن سلك بها مسلك أهل العربية كسر الباء )) .
وانظر: الأنساب ١ / ٣٢٨، ومراصد الاطلاع ١ / ١٨١، ونكت الزركشي ٢ / ٣٣، ومحاسن
الاصطلاح ١٥٤، ونكت ابن حجر ٢ / ٥٩٤، وتاج العروس ٥ / ٤٢٠ .
وجاءت حاشية للمصنّف بنحو هذا في حاشية ( ب) و (جـ )، ونقلها كل من الزركشي، وابن
حجر ، ومحققة ( م ) .
(٤) وإلى نحو قول البرديجي ذهب الطحاوي في شرح المشكل ٤٦٣/١٥ (٦١٥٨) فقال: ((الفرق فيما بين
((عن)) و((أنّ )) في الحديث: أنّ معنى ((عن )) على السماع حتّى يُعلم سواه ، وأنّ معنى (( أنّ)) على
الانقطاع حتى يعلم ما سواه )) .
(٥) سقطت من (ب) و (جـ).
١٤١

الفَحْلِ (١) يعقوبَ بِنِ شيبَةً (٢) في " مسندِهِ " الفحلِ ، فإِنَّهُ ذكرَ ما رواهُ أبو الزبيرِ عَنِ
ابنِ الحنفيَّةِ عَنْ عَمٍَّ ، قالَ: ((أتيتُ النِيَّمَ﴿ وهوَ يُصَلّي فَسَلَّمْتُ عليهِ، فردٌ عليَّ
السلامَ)) (٣) وجعلَهُ مسنداً موصولاً. وذكرَ : روايةً قيسِ بنِ سَعْدٍ لذلكَ، عنْ عطاءِ بنِ
أبِي رَباحٍ ، عنِ ابنِ الحنفيَّةِ: ((أنْ عَمَّاراً مرَّ بِالنِّ وَ﴿ّ وهوَ (٤) يُصَلِّي))، فجعلَهُ مُرسلاً
مِنْ حيثُ كوّنُّهُ قَالَ: ((أنَّ عمَّاراً فَعَلَ))، ولَمْ يقُلْ: ((عَنْ عمَّارِ)) (٥) ، واللهُ أعلمُ .
ثُمَّ إِنّ الخطيبَ (٦) مَثْلَ هذهِ المسألَةَ بحديثِ نافعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ: ((أَنَّهُ
سألَ رسولَ اللهِوَ﴿ أَيَنَامُ أحدٌنا وهوَ جُنُبٌ ؟ ... الحديثَ)) (٧) . وفي روايةٍ أخرى عَنْ
نافِعٍ ، عَنِ ابنِ عمرَ : أنّ عمرَ قالَ: ((يا رسولَ اللهِ ... الحديثَ) (٨). ثُمَّ قَالَ: ((ظاهرُ
الرواية الأولى يوجبُ (٩) أنْ يكونَ مِنْ مسندٍ عُمَرَ، عَنْ النسيِّ ◌َ﴿، والثانيةُ ظاهرُها
يُوجِبُ أنْ يكونَ مِنْ مُسندِ ابنِ عُمَرَ ، عَنِ النِيِّ ◌َ )).
(١) قال البقاعي : (( ابن الصلاح يصف هذا الرجل بأنه فحل، إشارة إلى أنه قد بلغ العناية من معرفة هذا
الفن، ويصف مسنده بالفحولة أيضاً ، إشارة إلى أنه في غاية التحرير)). النكت الوفية ١٣٢ / أ.
(٢) هو الحافظ أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي البصري ، نزيل بغداد، ت (٢٦٢ هـ) .
تاريخ بغداد ١٤ / ٢٨١، والمنتظم ٥ / ٤٣، وتذكرة الحفاظ ٢ / ٥٧٧ .
(٣) أخرجه أحمد ٤ / ٤٦٣ من طريق أبي الزبير عن محمد بن علي بن الحنفية ، عن عمار ، قال : أتيت ....
(٤) ((وهو )): ليس في ( جـ ).
(٥) أخرجه من هذه الطريق النسائي في الكبرى (١١١١ ) عن عمار: أنه سلم ... .
وانظر: نكت الزركشي ٢ / ٣٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٦.
(٦) الكفاية : ( ٥٧٤ ت، ٤٠٦ - ٤٠٧ هـ ) .
(٧) أخرجه من هَذَا الطريق بهذا اللفظ: عَبْد الرزاق (١٠٧٤) و (١٠٧٥) و (١٠٧٧)، وأحمد ١٦/١
و ٣٥ و ٤٤، والترمذي (١٢٠)، والنسائي في الكبرى (٩٠٥٩) و(٩٠٦٣)، وابن حبان (١٢١٦).
(٨) أخرجه من هذا الطريق بهذا اللفظ: البخاري ٨٠/١ (٢٨٧)، ومسلم ١ / ١٧٠ (٣٠٦)، وابن
حبان (١٢١٥)، والبيهقي ١ / ٢٠٠ و٢٠١، والبغوي (٢٦٤ ).
(٩) في ( ب ): (( توجب)) .
١٤٢

قلتُ : ليسَ هذا المثالُ مماثلاً لِمَا نحنُ بصدَده ؛ لأنّ الاعتمادَ فيهِ في الحكمِ بالاتِّصالِ
على مذهب الجمهورِ ، إِنَّما هوَ على اللَّقِيِّ (١) والإدراك ، وذلكَ في هذا الحديثِ مُشْتركٌ
متردّدٌ لتَعَلُّقِهِ بِالنِّ ◌َ﴿، وبِعُمَرَ ضْلُه، وصُحْبة الراوي ابنِ عمرَ لهما؛ فاقتضى ذلكَ مِنْ
جِهَةٍ: كونَّهُ رواهُ عَنِ النِّ ◌َ﴿ه، ومِنْ جهةٍ أخرى، كونَّهُ رواهُ عَنْ عمرَ ، عنْ رسولِ اللهِ
*، والله أعلمُ (٢).
الثالثُ : قَدْ ذكرْنا ما حكاهُ ابنُ عبدِ البِرِّ مِنْ تعميمِ الْحُكْمِ بالاتِّصالِ فيما يذكرُهُ
الراوي عَمَّنْ لَقِيَّهُ بأيّ لفظٍ كانَ. وهكذا أطلقَ أبو بكرِ الشافعيُّ الصَّيْرَفِيُّ (٣) ذلكَ فقالَ:
(« كُلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ سماعٌ مِنْ إنسانٍ فَحدَّثَ عنهُ فهوَ على السماعِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ
منهُ ما حكاهُ؛ وكلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ لقاءُ إنسانٍ فحدَّثَ عنهُ فحُكمُهُ هذا الحكمُ)) (٤). وإنَّما
قالَ هذا فيمَنْ لَمْ يَظهَرْ تدليسُهُ (٥) .
(١) في (جـ) و (م) : ((اللقاء)).
(٢) قَالَ الزركشي ٣٧/٢: (( قَدْ يقال: بَلْ للتمثيل وجه صَحِيْح، وَهُوَ أَنَّهُ إذا كَانَ من مسند ابن عمر اقتضى
أن عمر لَمْ يسند في المسند بلفظة ((أن))، وكذلك لَمْ يدخل عماراً في المسند في رِوَايَة ((أن)) ، فجعله
ابن شيبة مرسلاً بخلاف عمار، والراوي لهما واحد وَهُوَ ابن الحنفية)). وانظر: التقييد والإيضاح: ٨٩ .
(٣) هو الإمام الأصولي أبو بكر محمد عبد الله الصيرفي. (ت٣٣٠ هـ). تاريخ بغداد ٥ / ٤٤٩، وطبقات
الفقهاء: ١٢٠، وطبقات الشافعية الكبرى ٣ / ١٨٦.
(٤) قال الزركشي ٣٨/٢: ((رأيته مصرّحاً به في كتابه المسمى بـ"الدلائل والأعلام في أصول الأحكام")).
(٥) قَالَ الزركشي ٣٨/٢: ((وقول ابن الصَّلاَح: ((إنما قال هذا فيمن لم يظهر تدليسه))، يعني: لأنه قال
قبل هذا الكلام : (( ومن ظهر تدليسه عن غير الثقات لم يقبل خبره حتى يقول: (( حدّثني وسمعت)).
وقال في موضع آخر: (( متى قال المحدّث: حدَّثْنا فلان عن فلان. قُبِلَ خبرُهُ ؛ لأن الظاهر أنه حكى عنه ،
وإنما توقفنا في المدلّس ؛ لعيب ظهر لنا منه ، فإن لم يظهر فهو على سلامته ، ولو توقفنا في هذا لتوقفنا في
((حدّثنا)) لإمكان أن يكون حدّث قبيلته وأصحابه، كقول الحسن: (( خَطَبَنا فلانٌ بالبصرة))، ولم
يكن حاضراً ؛ لأنه احتمال لاغ فكذلك من علم سماعه إذا كان غير مدّس ، وكذلك إذا قال الصحابي
أبو بكر أو عمر: قال رسول الله ﴿ فهو محمول على السماع، والقائل بخلاف ذلك مغفّل)).
١٤٣

ومِنَّ الحجَّةُ في ذلكَ وفي سائرِ البابِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهُ منهُ لكانَ بإطلاقِهٍ
الروايةَ عنهُ مِنْ غيرِ ذِكْرِ الواسطةِ بينَهُ وبِينَهُ: مُدلِّساً، والظاهرُ السلامةُ مِنْ وَصْمَةٍ
التدليسِ ، والكلامُ فيمَنْ لَمْ يُعرَفْ بالتدليسِ .
ومِنْ أمثلةِ ذلكَ قولُهُ : ((قالَ فلانٌ كذا وكذا ))؛ مثلُ أنْ يقولَ نافِعٌ: ((قالَ ابنُ
عُمَرَ )). وكذلكَ لو قالَ عنهُ: (( ذَكَرَ ، أو فَعَلَ، أو حَدَّثَ، أو كانَ يقولُ: كذا
وكذا ))، وما جانسَ ذلكَ فَكُلُّ ذلكَ محمولٌ ظاهراً على الاتّصالِ، وأَنَّهُ تَلقّى ذلكَ مِنهُ
مِنْ غيرِ واسطةٍ بينهُما مَهْمَا ثَبَتَ لقاؤُهُ لهُ على الجمْلَةِ .
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ في هذا الشرطِ المشروطِ في ذلكَ ونحوِهِ على مطلقِ اللّقاءِ أو
السَّماعِ كما حكيناهُ آنفاً. وقالَ فيهِ أبو عمرو المقرئُ (١): ((إذا كانَ معروفاً بالروايةِ
عنهُ)). وقالَ فيهِ أبو الحسنِ القابسيُّ (٢): ((إذا أدرَكَ المنقولَ عنهُ إدراكاً بيِّناً)).
وذكرَ أبو المظفّرِ السَّمْعائيُّ في العنعَنةِ: أنَّهُ يُشْتَرطُ طولُ الصُّحبةِ بِينَهُمْ (٣) . وأنكَرَ
مسلمُ بنُ الحجَّاجِ في خُطْبَةٍ " صحيحِهِ " (٤) على بعضِ أهلِ عصرِهِ (٥) حيثُ اشترطَ في
العنعنةِ ثبوتَ اللّقاءِ والاجتماعِ، وادِّعَى أَنَّهُ قولٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يُسْبَقْ قائلُهُ إليهِ ، وأنَّ القولَ
(١) هو الداني - كما في المحاسن: ١٥٧ - أبو عثمان بن سعيد بن عثمان الأموي الأندلسي. ت (٤٤٤هـ).
معجم الأدباء ١٢ / ١٢٤، وسير أعلام النبلاء ١٨ / ٧٧ .
والداني : نسبة إلى دانية ، مدينة بالأندلس من أعمال بلنسية. انظر: مراصد الاطلاع ٥١٠/٢ .
(٢) هو أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري الأندلسي. ت (٤٠٣ هـ). وفيات الأعيان ٣٢٠/٣،
تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٧٩ .
والقابسي : نسبة إلى بلدة قابس، مدينة بإفريقية. انظر: اللباب ٣ / ٥، ومراصد الاطلاع ١٠٥٤/٣،
وتاج العروس ١٦ / ٣٥٠ .
وحكى ابن خلكان عنه أنه قال : (( سمّوني بالقابسي ، وما أنا بالقابسي ، وإنما السبب في ذلك أن عمي
كان يشد عمامته شدة قابسية، فقيل لعمي: ((قابسي))، واشتهرنا بذلك، وإلا فأنا قروي)).
وانظر : سير أعلام النبلاء ١٧ / ١٦١ .
(٣) قواطع الأدلة ١ / ٣٧٤ .
(٤) مقدمة صحيح مسلم ١ / ٢٣ - ٢٤.
(٥) انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير ١ / ١٦٩، ونكت الزركشي ٢ / ٣٩، ومحاسن الاصطلاح:
١٥٨، ونكت ابن حجر ٢ / ٥٩٥ .
١٤٤

الشائعَ المَّفَقَ عليهِ بينَ أهلِ العلمِ بالأخبارِ قديماً وحديثاً أنَّهُ يَكْفي في ذلكَ أنْ يَثُبتَ
كونُهما في عصرٍ واحدٍ ، وإِنْ لَمْ يأتٍ في خبرٍ قَطُ أنَّهُما اجْتَمَعا أو تَشَافَها .
وفيمَا قالَةُ مسلمٌ نظرٌ ، وقدْ قيلَ : إنّ القولَ الذي ردّهُ مسلمٌ هو الذي عليهِ أئمَّةُ
هذا العِلْمِ : عليُّ بنُ المدينيِّ، والبخاريّ، وغيرُهُما، والله أعلمُ (١).
قلتُ : وهذا الحكمُ لا أراهُ يستَمرُّ بعدَ المتقدِّمِينَ فيما وُجدَ (٢) مِنَ المصنِّفينَ في
تصانيفِهِم، ثما ذكروهُ عَنْ مشائِهِم قائلينَ فيهِ: ((ذَكَرَ فلانٌ، قالَ فلانٌ )) ونحوُ ذلكَ،
فافهمْ كلِّ ذلكَ فإِنَّهُ مُهِمٌّ عزيزٌ ، والله أعلمُ (٣).
الرابعُ : التعليقُ الذي يَذكرُهُ أبو عبدِ اللهِ الْحُميديُّ صاحبُ "الجمعِ بينَ الصحيحينِ"
وغيرُهُ مِنَ المغاربةِ في أحاديثَ مِنْ " صحيحِ البخاريّ " قَطَعَ إِسنادَها، وقدٍ استعملَهُ
الدارَ قطيُّ (٤) مِنْ قبلُ: صُورتُهُ صورةُ الانقطاعِ وليسَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ ، ولا خارجاً ما
وُجِدَ ذلكَ فيهِ منهُ ، منْ قبيلِ الصحيحِ إلى قبيلِ الضعيفِ ، وذلكَ لما عُرِفَ مِنْ شرطِهِ
وحُكْمِهِ (٥) على ما نَبَّهنا عليهِ في الفائدة السادسةِ مِنَ النوعِ الأوَّلِ (٦).
(١) انظر: نكت ابن حجر ٢ / ٥٩٥.
(٢) في نسخة (ب ) إشارة إلى أن في نسخة: ((مما وجدنا)).
(٣) قال ابن حجر ٢ / ٥٩٩: (( يعني بالمصنفين غير المحدّثين ، فتبين أن ما وجد في عبارات المتقدمين من
هذه الصيغ ، فهو محمول على السماع بشرطه إلا من عرف من عادته استعمال اصطلاح حادث فلا )) .
(٤) انظر: الإلزامات ١٥١، ٢٨٣.
(٥) اعترض عليه: بأنا نمنع أن يكون ذلك من شرط البخاري ، فإنه سمّى كتابه المسند ، فما لم يسنده لم يلتزم
تصحيحه .
ويؤيده أن ابن القطان الفاسي قال : إن البخاري فيما يعلق من الأحاديث في الأبواب غير مبال بضعف
رواتها ، فإنها غير معدودة فيما انتخب ، وإنما يعد من ذلك ما وصل الأسانيد به فاعلم ذلك .
والجواب : أن هذا من ابن الصلاح مبني على قاعدته السابقة في تعاليق البخاري المجزوم بها أنها في حكم
المتصلة ، وقد سبق بما فيه ، ولا ينافيه تسميته بالمسند بل إدخاله لها بصيغة الجزم في الصحيح يدل على
أنها مسندة ، ولكن حذفه اختصاراً ، ولا يظن بالبخاري أن يجزم القول فيما ليس بصحيح عمّن جزم به
عنه ، فأما إذا ذكر فيما أبرز من السند ضعيفاً ، فإنه ليس صحيحاً عند البخاري .
قلنا : هذا حاصل كلام الزركشي والعراقي ، فانظر: النكت ٢ / ٤٤، والتقييد والإيضاح ٩٠ .
(٦) قال الزركشي ٤٥/٢: ((الذي ذكره هناك تفصيل لا يوافق ما أطلقه هنا، فليتأمل)). قلنا: ما أحال
عليه ابن الصلاح سبق في : ص وقد أجاد الزركشي بتعقبه هذا ، إذ ما سبق كلام على حكم التعليق =
١٤٥
د

ولا التفاتَ إلى أبي مُحَمَّدٍ بنِ حزمِ الظاهرِيِّ الحافظِ في ردّه (١) ما أخرجَهُ
البخاريُ (٢) مِنْ حديث أبي عامرٍ أو أبي مالكٍ الأشعريّ، عَنْ رسولِ اللهِعَ ◌ّ: «لَيَكُونَنَّ
في أُمَّتِي أقوامٌ يَسْتَحِلُونَ الحريرَ (٣) والْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ ... الحديثَ)) مِنْ جهةِ أنّ
البخاريّ أوردَهُ قائلاً فيهِ: قالَ هِشَامُ بنُ عمَّارٍ ، وساقَهُ بإسنادِهِ ، فَزَعَمَ ابنُ حَزْمٍ أَنَّهُ
منقطِعٌ فيما بينَ البخاريّ وهِشامٍ (٤)، وجَعَلَهُ جواباً عَنِ الاحتجاجِ بهِ على تحريمِ المعازفِ .
وأخطأً في ذلكَ مِنْ وجوهِ (٥) ، والحديثُ صحيحٌ معروفُ الاتّصالِ بشرطِ الصحيحِ (٦) .
= وما ينزّل منه منزلة المسند ، وهو التعليق المجزوم به ، وما هنا كلام في جواز تسمية ما كانت صورته
هذه تعليقاً أو لا ؟
(١) انظر: المحلى ٩ / ٥٩.
(٢) صحيح البخاري ٧ / ١٣٨ (٥٥٩٠).
(٣) في (أ) هنا: ((الحر))، وكتب الناسخ في الحاشية: ((الحِرَ والحِرِّ - بالتخفيف والتشديد - الزنى)).
قلنا : على الرغم من أن هذه الزيادة موافقة للمتن المروي في صحيح البخاري ، إلا أنها لم ترد في شيء من
النسخ الأخرى المعتمدة في التحقيق ، فآثرنا عدم إثباتها ، رعاية للأمانة العلمية ، إذ إجماع النسخ على عدم
ذكرها أورث ظناً قوياً عندنا أن ابن الصلاح روى الحديث على معناه ، ولم يذكرها ، والله أعلم .
(٤) قال العراقي في التقييد: ٩٠ : (( إنما قال ابن حزم في المحلى: هذا حديث منقطع لم يتصل فيما بين
البخاري وصدقة بن خالد . انتهى . وصدقة بن خالد هو شيخ هشام بن عمار في هذا الحديث ، وهذا
قريب إلا أن المصنف لا يُحوِّز تغيير الألفاظ في التصانيف وان اتفق المعنى)).
(٥) قال النووي في شرح صحيح مسلم ١ / ١٤: ((وهذا خطأ من ابن حزم من وجوه :
أحدها : أنه لا انقطاع في هذا أصلاً من جهة أن البخاري لقي هشاماً وسمع منه ، وقد قررنا في كتابنا
" علوم الحديث" : أنه إذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من التدليس حمل ما يرويه عنه على السماع
بأي لفظ كان، كما يحمل قول الصحابي قال رسول الله ﴿ّ على سماعه منه إذا لم يظهر خلافه، وكذا
غير (( قال )) من الألفاظ .
الثاني : أن هذا الحديث بعينه معروف الاتّصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري .
الثالث : أنه وإن كان ذلك انقطاعاً فمثل ذلك في الكتابين غير ملحق بالانقطاع القادح لما عرف من
عادتهما وشرطهما )) .
(٦) فقد وصله من طريق هشام بن عمار كل من :
ابن حبان (٦٧١٩) قال: (( أخبرنا الحسين بن عبد الله القطان، قال: حدّثنا هشام بن عمار)) . =
١٤٦

والبخاريُّ - رَحِمَهُ اللهُ - قَدْ يفعلُ مِثْلَ ذلكَ ؛ لكون ذلكَ الحديثِ معروفاً مِنْ
جهةِ الثّقَاتِ عَنْ ذلكَ الشخصِ الذي عَلَّقَهُ عنهُ ، وقدْ يَفعلُ ذلكَ ؛ لكونِهِ قدْ ذكرَ ذلكَ
الحديثَ في موضعٍ آخرَ مِنْ كِتَابِهِ مُسْندًاً مُتَّصِلاً، وقدْ يفعلُ ذلكَ لغيرِ ذلكَ منَ الأسبابِ
التي لا يصحبُها خللُ الانقطاعِ، والله أعلمُ (١) .
= والطبراني في الكبير (٣٤١٧) فقال: ((حدّثنا موسى بن سهل الجوني البصري، قال: حدّثنا هشام بن
عمار )) .
وفي مسند الشاميين ( ٥٨٨) فقال: ((حدّثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، قال: حدثنا هشام بن
عمار )) .
وذكر ابن حجر في الفتح ١٠ / ٥٢ - ٥٣ أن أبا ذر الهروي وصله فقال: حدّثنا أبو منصور الفضل بن
العباس النقروي ، قال : حدثنا الحسين بن إدريس ، قال: حدّثنا هشام بن عمّار .
والإسماعيلي في مستخرجه قال : حدّثنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا هشام بن عمار. ومن طريق
الحسن بن سفيان أخرجه البيهقي في الكبرى ١٠ / ٢٢١ .
وأبو نعيم في مستخرجه من رواية عبدان بن محمد المروزي ، وأبي بكر الباغندي ، كلاهما عن هشام بن
عمار. وقد استوفى الكلام عليه طرقاً وبحثاً وعملاً ابن حجر في تغليق التعليق ٢٠/٥ - ٢٢، ووصله من
طريق هشام وغيره .
(١) اعترض العلامة مغلطاي على المصنّف بأن كلامه هذا يحتاج إلى تثبت ، فإنه ما رآه لغيره . قال ابن حجو
٢ / ٥٩٩ - ٦٠٠: ((قلت: قد سبقه إلى ذلك الإسماعيلي، ومنه نقل ابن الصلاح كلامه ، فإنه قال
- في المدخل إلى المستخرج الذي صنّفه على صحيح البخاري - ما نصّه: كثيراً ما يقول البخاري :
(( قال فلان وقال فلان عن فلان )) فيحتمل أن يكون إعراضه عن التصريح بالتحديث لأوجه :
أحدها : أن لا يكون قد سمعه عالياً وهو معروف من جهة الثقات عن ذلك المروي عنه فيقول : قال فلان
مقتصراً على صحته وشهرته من غير جهته .
والثاني : أن يكون قد ذكره في موضع آخر بالتحديث ، فاكتفى عن إعادته ثانياً .
الثالث : أن يكون سمعه ممن ليس هو على شرط كتابه فنّه على الخبر المقصود بذكر من رواه لا على وجه
التحديث به عنه )) .
تم ذكر ابن حجر الأسباب الحاملة للبخاري على إيراد ما ليس على شرطه في كتابه وقصرها على ثلاثة :
أحدها : أن يكون كرره .
والثاني : أن يكون أوردها في معرض المتابعة والاستشهاد .
والثالث : أن يكون إيراده لذلك منبهاً على موضع يوهم تعليل الرواية التي على شرطه .
١٤٧

وما ذكرناهُ مِنَ الحكمِ في التعليقِ المذكورِ ، فذلكَ فيما أورَدَهُ منهُ أصلاً ومقصوداً ،
لا فيما أورَدَهُ فِي مَعْرِضِ الاستشهادِ ، فإنّ الشواهدَ يُحتَملُ فيها ما ليسَ مِنْ شرط
الصحيحِ مُعَلِّقاً كانَ أو موصولاً .
ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ التعليقِ وجدتُهُ مستعملاً فيما حُذِفَ مِنْ مبتدٍ إِسناده واحدٌ فأكثرُ (١)،
حَتَّى إِنَّ بَعضَهُمُ استعملَهُ في حذفٍ كُلِّ الإسناد ، مثالُ ذلكَ: قولُهُ: ((قالَ رسول الله
﴿وّ: كذا وكذا، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: كذا وكذا، روى أبو هريرةَ: كذا وكذا، قالَ
سعيدُ بنُ المسيِّبِ عَنْ أبي هريرةً : كذا وكذا ، قالَ الزهريُّ ، عَنْ أبي سلمةَ ، عَنْ أبي
هريرةَ، عَنِ النبيِّ ◌َ﴿: كذا وكذا)) (٢)، وهكذا إلى شيوخٍ شيوخِهِ. وأمَّا ما أورَدَهُ
كذلكَ عَنْ شيوخِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيْلِ ما ذكرناهُ قريباً في الثالثِ مِنْ هذهِ التفريعاتٍ (٣).
وبَلَغَنْ عَنْ بعضِ المتأخِّرِينَ مِنْ أهلِ المغربِ أَنَّهُ جعلَهُ قسماً مِنَ التعليقِ ثانياً ،
وأضافَ (٤) إليهِ قولَ البخاريّ - في غيرِ موضعٍ مِنْ كتابِهِ -: (( وقالَ لي فلانٌ، وزادَنَا(٥)
فلانٌ )) فوسمَ كلّ ذلكَ بالتعليقِ المتَّصِلِ مِنْ حيثُ الظاهِرُ ، المنفصِلِ مِنْ حيثُ المعنى،
وقالَ: مَتَى رأيتَ البخاريِّ يقولُ: ((وقالَ لي، وقالَ لنا ))؛ فاعلَمْ أَنَّهُ إسنادٌ لَمْ يَذكرُهُ
للاحتجاجِ بهِ ، وإنَّما ذكرَهُ للاستشهادِ بهِ. وكثيراً ما يُعبِّرُ (٦) المحدِّثُونَ بهذا اللفظِ عَمَّا
جَرَى (٧) في المذاكراتِ والمناظراتِ ، وأحاديثُ المذاكرةِ قَلْمَا يَحْتَجُّونَ بها (٨).
(١) في (جـ ): ((وأكثر)) .
(٢) من قوله : ((قال الزهري ... إلى هنا))، ساقط من (م).
(٣) قال الزركشي ٢ / ٥٣: ((يعني: أنه ليس له حكم التعليق، بل حكمه حكم الإسناد المعنعن لسلامة
البخاري من التدليس ، وسبق أن المصنف خالف هذا في النوع الأول )).
(٤) في (أ): ((ومضاف)) .
(٥) في ( م): ((وروانا)).
(٦) في ( أ): ((يعتبر)) .
(٧) في (ع) و (جـ): ((مِنْهُمْ)).
(٨) قَالَ ابن حجر ٢ / ٦٠١: ((لَمْ يصب هَذَا المغربي في التسوية بَيْنَ قوله: قَالَ فُلاَن ، وبين قوله: قَالَ لي
فُلاَن ، فإن الفرق بَيْنَهُمَا ظاهر لا يحتاج إلى دليل فإن ((قَالَ لي)) مثل التصريح في السَّمَاعِ، و ((قَالَ))
المجردة ليست صريحة أصلاً . =
١٤٨

قلتُ: وما ادِّعاهُ على البخاريّ مخالِفٌ لِمَا قالَهُ مَنْ هُوَ أقدمُ منهُ وأعرفُ بالبخاريّ
وهوَ العبدُ الصالِحُ أبو جَعفرِ بنِ حَمْدَانَ النَّيْسابوريُ (١)، فقدْ رُوِّيْنَا عنهُ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما
قالَ البخاريُّ: ((قالَ لي فلانٌ)) فهوَ عَرْضٌ ومُناولَةٌ (٢) .
قلتُ : وَلَمْ أجدْ لَفظَ التعليقِ مُستعملاً فيما سَقَطَ فيهِ بعضُ رِجالِ الإسنادِ مِنْ
وَسَطِهِ أو مِنْ آخرِهِ ، ولا في مثلٍ قولِهِ: ((يُروى عَنْ فلانٍ، وَيُذكَرُ عَنْ فلانٍ )) ، وما
أَشَبَهَهُ ثَمّا ليسَ فيهِ حزمٌ على مَنْ ذكرَ ذلكَ عنهُ بأنَّهُ قالَهُ و(٣) ذكرَهُ (٤) .
وكأنّ هذا التعليقَ مأخوذٌ مِنْ تعليقِ الجدارِ وتعليقِ الطلاقِ ونحوِهِ ، لِما يشتركُ
الجميعُ فيهِ مِنْ قطعِ الأِّصالِ (٥) ، والله أعلمُ .
- وأما ما حكاه عن أبي جعفر بن حمدان وأقره: ((أن البخاري إنما يقول: ((قال لي)) في العرض والمناولة،
ففيه نظر فقد رأيت في الصحيح عدة أحاديث قال فيها : ((قال لنا فلان)) ، وأوردها في تصانيفه خارج
الجامع بلفظ: ((حدّثنا)). ووجدت في الصحيح عكس ذلك، وفيه دليل على أنهما مترادفان.
والذي تبيّن لي بالاستقراء من صنيعه أنه لا يعبر في الصحيح بذلك إلا في الأحاديث الموقوفة أو المستشهد
بها ، فيخرّج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الكتاب . ومَن تأمل ذلك في كتابه وجده كذلك،
والله الموفق )). وانظر : نكت الزركشي ٢ / ٥٤ - ٥٥ .
(١) هو أبو جعفر أحمد بن حمدان الحيري النيسابوري الإمام. ت (٣١١ هـ). تاريخ بغداد ١١٥/٤، وسير
أعلام النبلاء ١٤ / ٢٩٩ ، والوافي بالوفيات ٦ / ٣٦٠.
(٢) حكاه الذهبي عن الحاكم، عن ابنه أبي عمرو عنه. سير أعلام النبلاء ١٤ / ٣٠٠ .
(٣) في ( ب ): (( أو)).
(٤) قال العراقي في التقييد: ٩٣: ((وقد سمّى غير واحد من المتأخرين ما ليس بمجزوم تعليقاً، منهم الحافظ
أبو الحجاج المزي ، كقول البخاري في باب مسِّ الحرير من غير لبس: (( ويروى فيه عن الزبيدي ، عن
الزهري، عن أنس، عن النبي ونَ ﴿، فذكره المزي في الأطراف ، وعلّم عليه علامة التعليق للبخاري ،
وكذا فعل غير واحد من الحفاظ يقولون ذكره البخاري تعليقاً مجزوماً أو تعليقاً غير مجزوم به ، إلا أنه يجوز
أن هذا الاصطلاح متجدد ، فلا لوم على المصنف في قوله: ((إنه لم يجده)). وانظر: تحفة الأشراف
٣٩٠/١ (١٥٣٣).
(٥) اعترض على المصنف في كون تعليق الطلاق فيه قطع للاتصال. انظر: نكت الزركشي ٥٥/٢ ، ومحاسن
الاصطلاح ١٦٢، ونكت ابن حجر ٢ / ٦٠٣ .
١٤٩

الخامسُ: الحديثُ الذي رواهُ بعضُ الثقاتِ مُرسلاً وبعضُهُم مَتَّصِلاً (١)، اختلفَ أهلُ
الحديثِ في أنَّهُ ملحقٌ بقبيلِ الموصولِ أو بقبيلِ المرسلِ. مثالُهُ: حديثُ: (( لا نِكَاحَ إلاّ
بوليٍ)) (٢)، رواهُ إسرائيلُ بنُ يونسَ في آخرينَ عَنْ جَدِّهِ أبي إسحاقَ السَّبِيعِيِّ (٣)، عَنْ أَبِي
بُرْدَةَ، عَنْ أبيهِ (٤) أبي موسى الأشعريّ، عَنْ رسولِ اللهِ وَ﴿ مُسْنَداً هكذا مَّصِلاً، ورواهُ
سفيانُ الثوريُّ وشعبةُ، عَنْ أبي إسحاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنِ النِّ ◌َّ مُرسلاً هكذا (٥).
(١) قال ابن حجر ٢ / ٦٠٥: (( ما أدري ما وجه إيراد هذا في تفاريع المعضل، بل هذا قسم مستقل،
وهو : تعارض الإرسال والاتصال والرفع والوقف .
نعم ... لو ذكره في تفاريع الحديث المعلل لكان حسناً ، وإلّ فمحلّ الكلام فيه في زيادة الثقات كما
أشار إليه .
وقد أجبت عنه بأنه لما قال : تفريعات ، أراد أنها تنعطف على جميع الأنواع المتقدّمة ، ومن جملتها :
الموصول والمرسل والمرفوع والموقوف ، فعلى هذا فالتعارض بين أمرين فرع عن أصلهما ، والله أعلم )).
(٢) اعترض على المصنف في تمثيله بهذا الحديث ؛ لأن الرواة - كما سيأتي في تخريجه مفصلاً - لم يتفقوا على
إرساله من طريق شعبة وسفيان ، بل منهم من وصله من طريقهما ، ومنهم من أرسله من طريقهما .
فانظر : نكت الزركشي ٢ / ٥٦، ونكت ابن حجر ٢ /٦٠٥.
(٣) بفتح السين وكسر الباء. انظر: تقريب التهذيب ( ٥٠٦٥ ).
(٤) سقطت من ( ب) و ( م) .
(٥) هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله ، والراجح وصله - كما يأتي - :
أولاً : تفرّد بإرساله شعبة وسفيان الثوري ، واختلف عليهما فيه : فقد رواه عن شعبة موصولاً :
النعمان بن عبد السلام ، عند الحاكم في المستدرك ٢ / ١٦٩ عنه وعن سفيان الثوري مقرونين ، والبيهقي
في الكبرى ٧ / ١٠٩، ويزيد بن زريع ، عند البزار في مسنده ٩٤/٢، والدارقطني في سننه ٣ / ٢٢٠،
والبيهقي في سننه الكبرى ٧ / ١٠٩ ، ومالك بن سليمان ، عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد
٢١٤/٢، عنه وعن إسرائيل، وكذلك رواه عن شعبة موصولاً: محمد بن موسى الحرشي، ومحمد بن
حصين كما ذكر الدارقطني في العلل ٧ / ٢٠٦ ، فهؤلاء خمستهم ( النعمان بن عبد السلام ، ويزيد بن
زريع ، ومالك بن سليمان ، ومحمد بن موسى ، ومحمد بن حصين ) رووه عن شعبة ، عن أبي إسحاق ،
عن أبي بردة عن أبي موسى ، مرفوعاً .
ورواه عن شعبة مرسلاً : =
١٥٠

= يزيد بن زريع ، عند البزار في مسنده ٢ / ٩٤، ووهب بن جرير ، عند الطحاوي في شرح معاني الآثار
٣ / ٩، ومحمد بن جعفر - غندر - ، عند الخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٨٠ ت، ٤١١ هـ)،
ومحمد بن المنهال ، والحسين المروزي - كما ذكر الدارقطني في العلل ٧ / ٢٠٨ .
فهؤلاء خمستهم ( يزيد بن زريع ، ووهب بن جرير ، ومحمد بن جعفر ، ومحمد بن المنهال ، والحسين
المروزي ) رووه عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، مرسلاً .
أما سفيان الثوري فقد اختلف عليه أيضاً : فرواه عنه موصولاً :
النعمان بن عبد السلام ، عند الحاكم في المستدرك ٢ / ١٦٩ - ١٧٠ ، وبشر بن منصور ، عند البزار في
مسنده ٩٤/٢، وابن الجارود في المنتقى ٢٣٥، (٧٠٤ )، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٩/٣،
وجعفر بن عون، عند البزار ٩٤/٢، ومؤمل بن إسماعيل، عند الروياني في مسنده ٣٠٣/١، والبيهقي في
السنن الكبرى ١٠٩/٧، وخالد بن عمرو الأموي ، عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢٧٩/٦ .
فهؤلاء خمستهم ( النعمان بن عبد السلام ، وبشر بن منصور ، وجعفر بن عون ، ومؤمل بن إسماعيل ،
وخالد بن عمر ) رووه عن سفيان، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى الأشعري ، موصولاً.
ورواه عنه مرسلاً :
عبد الرحمن بن مهدي ، عند البزار في مسنده ٩٤/٢ ، وأبو عامر العقدي عند الطحاوي في شرح معاني
الآثار ٣ / ٩، والحسين بن حفص، عند الخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٧٩ ت، ٤١١ هـ) ،
والفضل بن دکین ، ووكيع بن الجراح كما ذكر الدارقطني في العلل ٧ / ٢٠٨ .
فهذان الإمامان : شعبة وسفيان قد اختلف عليهما فيه كما ترى . وربّما طرق الذين رووه عن سفيان
وشعبة موصولاً ، لا تصحّ إليهم . وكلام الترمذي يؤيده ، فقد قال الإمام الترمذي : ((وقد ذكر بعض
أصحاب سفيان، عن سفيان ، عن أبي إسحاق عن أبي بردة ، عن أبي موسى، ولا يصحّ)). (جامع
الترمذي عقيب حديث : ١١٠٣ ) .
ثانياً : سفيان الثوري وشعبة - وإن كانا اثنين - إلا أنّ اجتماعهما في هذا الحديث كواحد ؛ لأنّ
سماعهما هذا الحديث كان في مجلس واحد عرضاً ، فقد قال الترمذي : (( ومما يدلّ على ذلك ما حدّثنا
محمود بن غيلان . قال : حدثنا أبو داود ، قال : أنبأنا شعبة ، قال : سمعت سفيان الثوري يسأل أبا
إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله و ◌َ ◌ّ: لا نكاح إلا بولي؟ فقال: نعم)). (جامع
الترمذي عقيب حديث ١١٠٢ ).
ثالثاً : إن الذين رووه عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى موصولاً ، أكثر عدداً ، وهم :
١ - إسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق ، عند أحمد في المسند ٣٩٤/٤، ٤١٣ والدارمي في سننه
(٢١٨٨)، وأبي داود في سننه (٢٠٨٥)، والترمذي في جامعه (١١٠١)، وابن حبّان في
صحيحه (٤٠٧١)، والدارقطني في سننه ٢١٨/٣ - ٢١٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٧/٧ ،
والخطيب البغدادي في الكفاية ( ص ٥٧٨ ) . =
١٥١

= ٢ - يونس ابن أبي إسحاق، عند الترمذي في جامعه (١١٠١)، والبيهقى ٧ / ١٠٩، والخطيب
البغدادي في الكفاية ( ص ٥٧٨ ت، ٤٠٩ هـ )، وكذلك أخرجه أبو داود في سننه (٢٠٨٥ ) من
طريق أبي عبيدة الحداد ، عن يونس وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، ثم
قال أبو داود عقبه : (( هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة)). وسيأتي
الكلام عن رواية أبي داود هذه .
٣ - شريك بن عبد الله النخعي، عند الدارمي في سننه (٢١٨٩)، والترمذي في جامعه (١١٠١)،
وابن حبان (٤٠٦٦) و (٤٠٧٨)، والبيهقي ١٠٨/٧ .
٤ - أبو عوانة - الوضاح بن يزيد اليشكري - ، رواه من طريقه الطيالسي في مسنده (٥٢٣)،
والترمذي في جامعه (١١٠١)، وابن ماجه في سننه (١٨٨١) والطحاوي في شرح معاني الآثار ٩/٣،
والحاكم في المستدرك ٢ / ١٧١ .
٥ - زهير بن معاوية الجعفي ، عند ابن الجارود في المنتقى (٧٠٣) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٩/٣، وابن حبان في صحيحه (٤٠٦٥)، والحاكم ١٧١/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٨/٧.
٦ - قيس بن الربيع ، عند الحاكم في المستدرك ٢ / ١٧٠، والبيهقي ٧ / ١٠٨، والخطيب البغدادي في
الكفاية ( ٥٧٨ ) .
رابعاً : كان سماع هؤلاء من أبي إسحاق في مجالس متعددة ، قال الترمذي في جامعه ٤٠٩/٣ عقب
(١١٠٢): (( ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي
*: ((لا نكاح إلا بولي)) عندي أصحّ؛ لأنّ سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة)).
وينظر : العلل الكبير : ١٥٦ .
خامساً : كانت طريقة تحمل سفيان الثوري وشعبة للحديث عرضاً على أبي إسحاق في حين أنّ الباقين
تحملوه سماعاً من لفظ أبي إسحاق ، ولاشكّ في ترجيح ما تُحمل سماعاً على ما تحمل عرضاً عند
جمهور المحدثين .
سادساً : إن من الذين رووه متصلاً :
إسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق ، وهو أثبت الناس وأتقنهم لحديث جدّه ، ولم يختلف عليه فيه ،
أما سفيان وشعبة وإن كان إليهما المنتهى في الحفظ والإتقان . فطريقة تحملهما للحديث قد عرفتها
، أضف إليها أنّه قد اختلف عليهما فيه . قال عبد الرحمن بن مهدي: (( إسرائيل يحفظ حديث أبي
إسحاق كما يحفظ سورة الحمد ))، رواه عنه الدارقطني في سننه ٣ / ٢٢٠، والحاكم في المستدرك
١٧٠/٢. وقال صالح جزرة: ((إسرائيل أتقن في أبي إسحاق خاصّة)). سنن الدار قطني ٢٢٠/٣.
وقال عبد الرحمن بن مهدي : (( ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني ، إلا لما
اتكلت به على إسرائيل لأنّه كان يأتي به أتم)). جامع الترمذي عقب (١١٠٢ )، وسنن
الدار قطني ٣ / ٢٢٠ . وقال محمد بن مخلد: قيل لعبد الرحمان - يعني ابن مهدي - : إن شعبة=
١٥٢

-وسفيان يوقفانه على أبي بردة ، فقال : إسرائيل عن أبي إسحاق أحب إليّ من سفيان وشعبة)).
سنن الدارقطني ٣ / ٢٢٠ . وقال الإمام الترمذي: (( إسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق)).
جامع الترمذي عقيب ( ١١٠٢ ).
سابعاً : في هذا الإسناد علّة أخرى هي عنعنة أبي إسحاق السبيعي فهو مدلس. جامع التحصيل: ١٠٨،
وطبقات المدلسين: ٤٢، وأسماء المدلسين: ١٠٣). ولكن تابعه عليه جماعة فزالت تلك العلّة، قال
الحاكم في المستدرك ٢ / ١٧١: ((وقد وصله عن أبي بردة جماعة غير أبي إسحاق)).
وممن تابعه : ابنه يونس ، عن أبي بردة ، أخرجه أحمد في المسند ٤ / ٤١٣، ٤١٨ وقد سبق أن أبا داود
أخرجه عن أبي عبيدة الحداد ، عن يونس وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ،
قال أبو داود في سننه ٢ / ٢٢٩ عقب (٢٠٨٥): ((هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل، عن أبي
إسحاق عن أبي بردة )) . يعني أنّ يونسَ يرويه بإسقاط أبي إسحاق ، وإسرائيل يذكره ، فجمع أبي عبيدة
لهما على أسناد واحد خطأ .
ورواية أبي عبيدة علّقها الترمذي في جامعه عقب (١١٠٢) على نحو ما ذكره أبو داود .
قلنا : يونس معروف بالسماع والرواية عن أبيه أبي إسحاق وعن أبي بردة ، فيكون قد سمعه منهما
كليهما، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا . ينظر : العلل الكبير للترمذي ١٥٦، وصحيح ابن حبّان .
الإحسان ١٥٤/٦ عقب (٤٠٧١) قال الحاكم في المستدرك ٢ / ١٧١ - ١٧٢: ((ولست أعلم بين
أئمة هذا العلم خلافاً على عدالة يونس ابن أبي إسحاق ، عن أبي بردة )) .
ثم إنه جاء من حديث عدة من الصحابة قال الحاكم في المستدرك ٢ / ١٧٢: (( قد صحت الروايات فيه
عن أزواج النبي ﴿ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش)) ثم قال: (( وفي الباب عن علي ابن أبي
طالب وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر ... )) .
والحديث صحّحه البخاري كما رواه عنه الخطيب فيما سبق ، وروى الحاكم أيضاً تصحيحه عن علي بن
المديني ومحمد بن يحيى الذهلي . المستدرك ٢ / ١٧٠ .
قلنا : مما سبق تبين أنّ رواية من وصل الحديث أصحّ وأرجح من رواية من أرسله ، وأما زعم من زعم أنْ
الإمام العلم الجهبذ البخاري صحّحه لأنّه زيادة ثقة ، فهو كلام بعيد بجانبٌ لمنهج هذا الإمام وغيره من
أئمة الحديث القائم على أساس اعتبار المرجحات والقرائن في قبول الزيادة وردها . والقول بقبولها مطلقاً
هو رأي ضعيف ظهر عند المتأخّرين ، قال به الخطيب وشهره ولهذا قال الحافظ ابن حجر : (( ومن تأمل
ما ذكرته عرف أنّ الذين صحّحوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط ، بل للقرائن
المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل - الذي وصله - على غيره)). فتح الباري ٩ / ٢٢٩ (طبعة
الكتب العلمية ) . فالذي ينظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هذا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقاً
ولا يردونها مطلقاً بل مرجع ذلك إلى القرائن والترجيح : فتقبل تارة ، وترد أخرى ، ويتوقف فيها أحياناً ،
قال الحافظ ابن حجر: ((والمنقول عن أئمة الحديث المتقدّمين - كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان=
١٥٣

فحَكَى الخطيبُ الحافِظُ (١): أنَّ أكثرَ أصحاب الحديثِ يَرَوْنَ الْحُكْمَ في هذا وأشباهِهِ
للمرسَلِ (٢) .
وعَنْ بَعضِهِمْ : أنّ الحكمَ للأكثرِ (٣) .
وعَنْ بَعْضِهِمْ : أنَّ الحكمَ للأحفظِ (٤)، فإذا كانَ مَنْ أرسَلَهُ أحفظُ ثَمّنْ وَصَلَهُ
فالحكمُ لِمَنْ أرسَلَهُ، ثُمَّ لا يَقْدَحُ ذلكَ في عدالةِ مَنْ وصَلَهُ وأهلَّتِهِ. ومنهمْ مَنْ قالَ: ((مَنْ
أسندَ حديثاً قدْ أرسَلَهُ الحفّاظُ فإرسالُهُم لهُ يَقْدِحُ فِي مُسْئِدِهِ، وفي عدالتِهِ وأهلِِّهِ))(٥).
-وأحمد بن حنبلٍ ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، والبخاري ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، والنسائي ،
والدارقطني ، وغيرهم - اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ، ولا يعرف عن أحد منهم قبول
إطلاق الزيادة )) . نزهة النظر : ٩٦ ، وانظر : شرح السيوطي : ١٦٩ - ١٧٢.
والحكم على الزيادة بحسب القرائن هو الرأي المختار المتوسط الذي هو بين القبول والرد ، فيكون حكم
الزيادة حسب القرائن المحيطة بها حسب ما يبدو للناقد العارف بعلل الحديث وأسانيده وأحوال الرواة بعد
النظر في ذلك أما الجزم بوجه من الوجوه من غير نظر إلى عمل النقاد فذلك فيه مجازفة . ( وانظر في ذلك
بحثاً نافعاً في أثر علل الحديث : ٢٥٤ - ٢٦٣ ، وفيه كلام نفيس لعلامة العراق ومحقق العصر الدكتور
هاشم جميل - حفظه الله - ) .
(١) الكفاية : ( ٥٨٠ ت، ٤١١ هـ ).
(٢) انظر: نكت الزركشي ٢ / ٥٨، ونكت ابن حجر ٢ / ٦٠٣ .
(٣) نقله الحاكم عن أئمة الحديث. انظر: المدخل إلى الإكليل : ٤٠ - ٤١ .
(٤) نسب الحافظ ابن رجب القول به إلى الإمام أحمد. انظر: شرح علل الترمذي ٦٣٥/٢ ، ومجموع هذه
الأقوال أربعة ، أضاف إليها ابن السبكي قولاً خامساً. انظر: جمع الجوامع ٢ / ١٢٤ .
لكن الأقوى والأصح هو عدم الإطلاق في قبول الزيادة من الثقة ، بل القبول والرد دائر مع القرائن التي
ترجح لدى الناقد الفهم أحد الجانبين ، وفي هذا يقول الحافظ العلائي : (( وأما أئمة الحديث فالمتقدمون
منهم كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ، ومَنْ بعدهما كعلي ابن المديني وأحمد بن حنبل
ويحيى بن معين وهذه الطبقة ، وكذلك مَنْ بعدهم كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين ومسلم
والنسائي والترمذي وأمثالهم ، ثم الدارقطني والخليلي كل هؤلاء : يقتضي تصرفهم من الزيادة - قبولاً
ورداً - الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي
يعمّ جميع الأحاديث ، وهذا هو الحق الصواب )). نظم الفرائد: ٣٧٦-٣٧٧ ، وانظر: نزهة النظر : ٩٦.
(٥) الكفاية : ( ٥٨٠ ت، ٤١١ هـ ) .
١٥٤

ومنهم مَنْ قالَ: ((الحكمُ لِمَنْ أسندَهُ، إذا كانَ عدلاً ضابطاً فُيُقْبَلُ خبرُهُ ، وإنْ
خالَفَهُ غيرُهُ سواءٌ كَانَ المخالِفُ لهُ واحداً أو جماعةً)) (١)، قالَ الخطيبُ: ((هذا القولُ هوَ
الصحيحُ)) (٢) .
قلتُ: وما صحَّحَهُ هوَ الصحيحُ في الفقهِ وأصولِهِ (٣) .
وسُئِلَ البخاريُّ عنْ حديثِ: ((لا نِكَاحَ إلّ بولِيٍّ) المذكورَ، فَحَكَمَ لِمَنْ وَصَلَهُ،
وقالَ: ((الزيادةُ مِنَ الثّقَةِ مقبولةٌ)) (٤). فقالَ البخاريُّ هذا، مَعَ أنْ مَنْ أرسلَهُ شُعبةُ
وسفيانُ ، وهما جَبَلانِ لهما مِنَ الحفظِ والإتقانِ الدرجةُ العاليةُ .
ويلتحقُ بهذا ، ما إذا كانَ الذي وصَلَهُ هو الذي أرسَلَهُ ، وصَلَهُ في وقتٍ وأرسلَهُ في
وقتٍ (٥). وهكذا إذا رفعَ بعضُهُمُ الحديثَ إلى النبيِّ لَهُ ووقَفَهُ بعضُهُم على الصحابِيِّ أو
رفَعَهُ واحدٌ في وقتٍ ، ووقَفَهُ هوَ أيضاً في وقتٍ آخرَ ، فالحكمُ على الأصحِّ(٦) في كلّ
ذلكَ لِمَا زادَهُ الثقةُ مِنَ الوَصْلِ والرفعِ ؛ لأَنَّهُ مثبتٌ وغيرُهُ ساكتٌ ، ولو كانَ نافياً ،
(١) الكفاية : ( ٥٨٠ ت، ٤١١ هـ ).
(٢) الكفاية: ( ٥٨١ ت، ٤١١ هـ).
(٣) قال ابن حجر ٢ / ٦١٢: ((الذي صحّحه الخطيب: شرطه أن يكون الراوي عدلاً ضابطاً. وأما
الفقهاء والأصوليون : فيقبلون ذلك من العدل مطلقاً ، وبين الأمرين فرق كثير .
وهنا شيء يتعين التنبيه عليه ، وهو : أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذاً، وفسروا الشاذ : بأنه ما
رواه الثقة فخالف من هو أضبط منه أو أكثر عدداً ، ثم قالوا : تقبل الزيادة من الثقة مطلقاً ، وبنوا على
ذلك : أن من وصل معه زيادة فينبغي تقديم خبره على من أرسل مطلقاً ، فلو اتفق أن يكون من أرسل
أكثر عدداً أو أضبط حفظاً أو كتاباً على من وصل أيقبلونه أم لا؟ لا بدَّ من الإتيان بالفرق أو الاعتراف
بالتناقض .
والحق في هذا أن زيادة الثقة لا تقبل دائماً ، ومن أطلق ذلك عن الفقهاء والأصوليين فلم يصب ، وإنما
يقبلون ذلك إذا استووا في الوصف ولم يتعرض بعضهم لنفيها لفظاً ولا معنى)).
(٤) سنن البيهقي الكبرى ٧ / ١٠٨، والكفاية: (٥٨٢ ت، ٤١٣ هـ). وانظر: نكت الزركشي ٢ / ٦٢.
(٥) قال الزركشي ٢ / ٦٥: ((يريد الحكم بوصله لا مجيء كل الخلاف السابق فيه)).
(٦) وبه جزم السمعاني، والرازي وأتباعه، وانظر: البحر المحيط ٤ / ٣٤٠ - ٣٤١.
١٥٥

فالْمُثْبتُ مقدَّمٌ عليهِ ؛ لأَنَّهُ عَلِمَ ما خَفِيَ عليهِ (١) ؛ ولهذا الفصلِ تَعَلَّقٌ بفَصْلِ زيادة الثقةِ في
الحديثِ وسيأتي إنْ شاءَ الله تعالى ، وهو أعلمُ .
النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ
مَعْرِفَةُ الْتَّدْلِيْسِ ، وحُكْمِ الْمُدَلَّسِ (٢)
التدليسُ (٣) قِسمان (٤):
(١) قال العراقي في التقييد: ٩٥: (( وما صحّحه المصنف هو الذي رجّحه أهل الحديث. وصحّح
الأصوليون خلافه ، وهو أن الاعتبار بما وقع منه أكثر ، فإن وقع وصله أو رفعه أكثر من إرساله أو وقفه ،
فالحكم للوصل والرفع، وإن كان الإرسال أو الوقف أكثر فالحكم له)) .
(٢) انظر في التدليس :
معرفة علوم الحديث: ١٠٣، والمدخل إلى الإكليل: ٢٠، والكفاية: (٥٠٨ ت، ٣٥٥ هـ)، والتمهيد
١٥/١، وجامع الأصول ١٦٧/١، والإرشاد ٢٠٥/١، والتقريب: ٦٣، والاقتراح: ٢٠٩، والمنهل
الروي : ٧٢، والخلاصة : ٧٤، والموقظة : ٤٧، وجامع التحصيل: ٩٧ ، واختصار علوم الحديث:
٥٣، والمقنع: ١٥٤/١، وشرح التبصرة والتذكرة ٣٠٣/١، ونزهة النظر: ١١٣، ومقدمة طبقات
المدلسين : ١٣، والمختصر: ١٣٢، وفتح المغيث ١٦٩/١، وألفية السيوطي: ٣٣، وشرح السيوطي
على ألفية العراقي: ١٧٣، وفتح الباقي ١٧٩/١، وتوضيح الأفكار ٣٤٦/١، وظفر الأماني: ٣٧٣ ،
وقواعد التحديث : ١٣٢ .
(٣) التدليس : مأخوذ من الدَّلَس - بالتحريك - وهو اختلاط الظلام الذي هو سبب لتغطية الأشياء عن
البصر . قال ابن حجر : وكأنه أظلم أمره على الناظر لتغطية وجه الصواب فيه . ومنه التدليس في البيع ،
يقال : دلّس فلان على فلان، أي: ستر عنه العيب الذي في متاعه كأنه أظلم عليه الأمر ، وأصله مما
ذكرنا - من الدَّلس - .
وهو في الاصطلاح راجع إلى ذلك من حيث إن مَن أسقط مِنَ الإسناد شيئاً فقد غطّى ذلك الذي
أسقطه ، وزاد في التغطية في إتيانه بعبارة موهمة ، وكذا تدليس الشيوخ فإن الراوي يغطّي الوصف الذي
يُعرف به الشيخ أو يغطّي الشيخ بوصفه بغير ما يشتهر به. انظر: نكت ابن حجر ٢ / ٦١٤، والنكت
الوفية ١٣٧ / أ، وتاج العروس ١٦ / ٨٤ .
(٤) ليس الأمر كما ذكر المصنف هنا ، بل هناك أقسام أُخر أغفل المصنّف ذكرها ، منها : تدليس التسوية ،
وتدليس القطع ، وتدليس العطف ، وغيرها .
انظر في هذا وفي تفصيل هذه الأنواع : نكت الزركشي ٩٨/٢ و١٠١ وما بعدها، والتقييد والإيضاح:
٩٥ ، ونكت ابن حجر ٢ / ٦١٦، وقارن بـ: النكت الوفية ١٣٧ / أ.
١٥٦

أحدُهُما : تدليسُ الإسناد : وهوَ أنْ يرويَ عَمَّنْ لَقِيَّهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ منهُ، مُوهِمَاً أنَّهُ
سَمِعَهُ منهُ (١) ، أو عَمَّنْ عاصَرَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ، مُوهِماً أَنَّهُ قَدْ لَفِيَهُ وَسَمِعَهُ منهُ. ثُمَّ قدْ يكونُ
بينَهُما واحِدٌ وقدْ يكونُ أكثرُ . ومِنْ شَأْنِهِ أنْ لا يقولَ في ذلكَ: ((أخبرنا فلانٌ)) ، ولا
(( حدَّثْنَا))، وما أشبَهَهُما. وإنَّما يقولُ: ((قالَ فلانٌ أو عَنْ فلانٍ))، ونحوَ ذلكَ (٢).
مثالُ ذلكَ : (( ما رُوِّيْنا عَنْ عليٍّ بنِ خَشْرَعٍ (٣) قَالَ: كُنَّا عندَ ابنِ عُيِينةَ ، فقالَ :
((الزهريُّ))، فقيلَ لهُ: ((حَدَّثَّكُمُ الزهريُ؟ ))، فسَكَتَ، ثُمَّ قالَ: ((الزهريُّ)) ، فقيلَ
لهُ: ((سَمِعْتَهُ مِنَ الزهريّ؟))، فقالَ: «لا، لَمْ أسمعْهُ مِنَ الزهريِّ، ولا ثَمَنْ سَمِعَهُ مِنَ
الزهريِّ ، حدَّثَني عبدُ الرَّزَاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزهريّ)) (٤).
(١) هذا ليس من التدليس في شيء ، على قول ابن حجر ، بل هو من باب المرسل الخفي ، وحاصل كلامهم
أن في هذا الباب صوراً هي :
١- الاتّصال : وهو الرواية عمّن عاصره وسمع منه ، ما قد سمعه منه .
٢ - الانقطاع : وهو الرواية عمَّن لَم يعاصره أصلاً .
٣- الإرسال الخفي: وهو الرواية عمَّن عاصره ولم يسمع منه .
٤- التدليس : هو الرواية عمّن عاصره وسمع منه ، ما لم يسمعه منه .
وانظر: نكت الزركشي ٦٨/٢، والتقييد والإيضاح ٩٧، ونكت ابن حجر ٦١٤/٢، وأثر علل
الحديث في اختلاف الفقهاء : ٦٠ وما بعدها .
(٢) قال الزركشي ٧٠/٢: ((أي: أن ((فلاناً)) ومثله، إن أسقط ذلك ويسمي الشيخ فقط ، فيقول :
(( فلان )) كما تراه في حكاية ابن عيينة )) .
(٣) معجمتين، وزن: جَعْفَر. التقريب ( ٤٧٢٩).
(٤) أسند هذه القصة الحاكم في المدخل إلى الإكليل: ٢٠-٢١، وفي معرفة علوم الحديث: ١٠٥،
والخطيب في الكفاية: ( ٥١٢ ت، ٣٥٩ هـ) .
قال الزركشي ٢ / ٧٠: ((هكذا مثّل هذا القسم، ثم حكى الخلاف فيمن عرف به هل يرد حديثه
مطلقاً ، أو ما لم يصرّح فيه بالاتصال؟ وهو يقتضي جريانه في ابن عيينة ، وهو مردود ، فإن ابن عبد البر
حكى عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل تدليس ابن عيينة ؛ لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر
ونظرائهما .
وقال الكرابيسي : دلّس ابن عيينة عن مثل معمر ومسعر بن كدام ومالك بن مغول . وقال الحاكم في
سؤالاته للدارقطني : سُئِل عن تدلیس ابن جريج ، فقال : یتجنب تدلیسه ، فإنه وحش التدليس لا یدلس
إلّ فيما سمعه من مجروح ، فأما ابن عيينة فإنه يدلّس عن الثقات . =
١٥٧
.

القسمُ الثاني: تدليسُ الشيوخِ ، وهوَ أنْ يرويَ عَنْ شيخِ حديثاً سَمِعَهُ مِنْهُ ،
فُيُسَمِّيَّهُ، أو يَكْنَهُ أو يَنْسُبَهُ، أو يَصِفَهُ بما لا يُعْرَفُ بهِ كيْ لا (١) يُعرَفُ (٢) ، مِثلُهُ: ما
رُويَ لنا عَنْ أبي بكرِ بنِ محاهِدٍ الإمامِ المقرئِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ أبي بكرٍ عبدِ اللهِ بنِ أبي داودَ
السِّحِسْتَانيّ ، فقالَ: حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي عبدِ اللهِ ، وروى عَنْ أبي بكرٍ محمدِ بنِ الحسنِ
النَّقَاشِ (٣) الْمُفَسِّرِ الْمُقرئِ فقالَ: ((حدَّثَنا محمدُ بنُ سَنَدٍ، نسبَهُ إلى حدٍّ لهُ)) (٤)،
والله أعلمُ .
أمَّا القسمُ الأوَّلُ فمكروهٌ جدًّاً، ذمَّهُ أكثَرُ العلماءِ (٥) ، وكانَ شُعبةُ مِنْ أشدِّهِم ذَمَّاً
لهُ، فَرُوِّيْنَا عَنِ الشافعيِّ الإِمامِ ، عنهُ (٦) أَنَّهُ قالَ: ((التدليسُ أخو الكَذِب)) (٧). ورُوّيْنا
= وقال ابن حبان في ديباجة كتابه الصحيح : وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة وحده ، فإنه
كان يدلّس ولا يدلّس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لابن عيينة خبر دلّس فيه إلا وجد ذلك الخبر
بعينه قد تبين سماعه عن ثقة )) .
(١) في (جـ): (( لئلاً)).
(٢) قال الزركشي ٢ / ٧٦: (( أي: لكونه ضعيفاً أو متأخر الوفاة قد شارك الراوي عنه جماعة دونه في
السماع منه ، أو يكون أصغر من الراوي سنّاً ، أو تكون أحاديثه التي عنده كثيرة فلا يحب تكرار الرواية
عنه )) . وانظر: محاسن الاصطلاح ١٦٧، ونكت ابن حجر ٢ / ٦١٥ .
(٣) بفتح النون والقاف المشدّدة ، هذه النسبة إلى من ينقش السقوف والحيطان وغيرهما، وكان أبو بكر
المذكور في مبدأ أمره يتعاطى هذه الصنعة فعرف بها، ت (٣٥١ هـ ) .
ترجمته في: تاريخ بغداد ٢ / ٢٠١، وتاريخ دمشق ٣٢٠/٥٢، ووفيات الأعيان ٢٩٨/٤، وسير أعلام
النبلاء ١٥ / ٥٧٣ .
(٤) قال الزركشي ٨١/٢: ((يقتضي كراهة ذلك، ولهذا جعله تدليساً، وحكى ابن الموّاق في " بغية النقاد "
خلافاً في نسبة الرجل إلى جده ، واختار التفصيل بين المشهور به فيجوز ذلك ، وإلاّ فلا ؛ لِما فيه من إبهام
أمرهم وتعمية طريق معرفتهم )) .
(٥) قال الزركشي ٨١/٢: ((أي: ومنهم من سهله، قال أبو بكر البزار في مسنده: التدليس ليس بكذب ،
وإنما هو تحسين لظاهر الإسناد )) .
(٦) الضمير في قوله : ((عنه )) يعود على شعبة .
(٧) رواه ابن عدي في كامله ١ / ١٠٧، والبيهقي في مناقب الشافعي ٢ / ٣٥، والخطيب في الكفاية:
( ٥٠٨ ت ، ٣٥٥ هـ ) .
١٥٨

عنهُ أَنَّهُ قالَ: ((لأنْ أزنيَ أحبُّ إليٍّ مِنْ أنْ أُدَلْسَ)) (١) ، وهذا مِنْ شُعَبَةَ إفراطٌ محمولٌ
على المبالغةِ في الزَّجْرِ عنهُ والتَّْغِيرِ (٢) .
ثُمَّ اختلفُوا فِي قَبولِ روايةٍ مَنْ عُرِفَ بهذا التدليسِ فجعلَهُ فريقٌ مِنْ أهلِ الحديثِ
والفقهاء مجروحاً بذلكَ، وقالوا: لا تُقبَلُ روايتُهُ بحالٍ، بَّنَ السَّمَاعَ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ (٣).
والصحيحُ التفصيلُ: وأنَّ ما رواهُ المدلّسُ بلغظٍ مُحتَمَلٍ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السماعَ
والأِّصالَ، حُكْمُهُ حُكْمُ المرسَلِ وأنواعِهِ (٤) ، وما رواهُ بلفظٍ مُبِيِّنِ للأِّصالِ (٥) ، نحوُ
((سَمِعْتُ، وحدَّثَنَا، وأخبَرَنَا)) وأشباهِها ، فهو مقبولٌ محتجٌ بهِ .
وفي " الصحيحينِ " وغيرِهِما مِنَ الكُتُبِ المعتمدةِ مِنْ حديثِ هذا الضَّرْب كثيرٌ
جدّاً، كقتادةَ ، والأعمشِ ، والسُّفِيَانَيْنِ ، وهُشَيْمٍ (٦) بِنِ بَشِيْرٍ، وغيرِهِمْ (٧).
(١) رواه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل ١ / ١٧٣، وابن عدي في الكامل ١ / ١٠٧، والخطيب في
الكفاية : ( ٥٠٨ ت ، ٣٥٦ هـ ) .
(٢) قال البلقيني: ((وهذا الذي قاله شعبة ظاهر، فإن آفة التدليس لها ضرر كبير في الدين، وهي أضر من
أكل الربا ، وقد جاءت أحاديث محتجّ بها تدلّ على أن أكل درهم من رباً أشد من الزنا ... إلى آخر
كلامه . محاسن الاصطلاح : ١٧٠، وانظر: النكت الوفية ١٤٢ / أ .
(٣) انظر تعليقاً طويلاً مفيداً للزركشي في نكته ٢ / ٨٦ .
(٤) قال الزركشي ٢ / ٩٢: (( يستثنى من هذا ما إذا كان المدلِّس لا يدلّس إلا عن ثقة، فإنه تقبل روايته
وإن لم يُبيِّن السماع ، كسفيان بن عيينة )) .
قال ابن حجر ٦٢٤/٢: ((وبذلك صرّح أبو الفتح الأزدي، وأشار إليه الفقيه أبو بكر الصيرفي في " شرح
الرسالة " . وجزم بذلك أبو حاتم بن حبان وأبو عمر بن عبد البر وغيرهما في حق سفيان بن عيينة )).
(٥) في (ب) و(ع): ((الاتصال)).
(٦) بالتَّصغير، والده بَشِيْر: بوزن (عَظِيْم ). تقريب التهذيب (٧٣١٢).
(٧) قال الزركشي ٢ / ٩٢ : (( هكذا ذكره محتجاً به على قبول رواية المدلس إذا صرّح بالاتصال، وليس
هذا من موضع النزاع ، قال النووي في مختصره : (( ما كان في الصحيحين وغيرهما من الكتب
الصحيحة عن المدلسين بـ ((عن)) فمحمول عَلَى ثبوت سماعه من جهة أخرى )) .
وكذا قَالَ الْحَافِظ الحلي في القِدْحِ المُعَلَّى: ((إن المعنعنات الَّتِي في الصحيحين منزَّة مَنْزِلة السماع)).
وتوقف في ذلك من المتأخرين الشيخ صدر الدين بن الوكيل ، وقال في كتابه الإنصاف: ((لعمر الله إن -
١٥٩

- في النفس لغصة من استثناء أبي عمرو بن الصلاح وغيره من المتأخرين عنعنة المدلسين في الصحيحين من .
بين سائر معنعنات المدلسين))، ورد مقالة النووي ، وقال: (( وهي دعوى لا تقبل إلا بدليل لا سيما مع
أن كثيراً من الحفّاظ يعلّلون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها، كما فعلوا في
حديث الوليد بن مسلم في نفي قراءة البسملة في الصلاة وغيره )).
قلت -القائل: الزركشي -: قد أزال الغصة الشيخ الإمام تقي الدين بن دقيق العيد، فأشار في كلام له إلى
استشكال حول رواية المدلس في الصحيحين وردّ روايته في غيرهما ، قال: (( ولابدّ من الثبات على طريقة
واحدة إما القبول أو الردّ ، الممكن هنا من الأحوال الثلاثة : إما أن تردّ الأحاديث من المدلس مطلقاً في
الصحيحين وغيرهما ، وإما أن يفرق بين ما في الصحيح من ذلك وما خرج عنه، فأما الأول فلا سبيل إليه؛
للاستقرار على ترك التعرض لما في الصحيحين ، وإن خالف في ذلك الظاهرية من المغاربة ، فإني رأيتهم
يجسرون على أشياء من أحاديث الصحيحين بسبب كلام قيل : في بعض الرواة ، ولا يجعلون راويها في
حمى من تخريج صاحب الصحيح لهم .
وأما الثاني : ففيه خروج عن المذهب المشهور في أن رواية المدلس محكوم عليها بالانقطاع حتّى يتبيّن
السماع .
وأما الثالث : وهو التفصيل بين ما في الصحيحين من ذلك وبين غيره فلا يظهر فيه وجه صحيح في
الفرق ، وغاية ما يوجه به أحد أمرين :
أحدهما : أن يُدّعى أن تلك الأحاديث عرف صاحبا الصحيح صحة السماع فيها ، وهذا إحالة على
جهالة وإثبات للأمر بمجرد الاحتمال ، وحكم على صاحب الصحيح بأنه يرى هذا المذهب أعني : أن
رواية المدلس محمولة على الانقطاع ، وإلّ فيجوز أن يرى أنها محمولة على السماع حتّى يظهر الانقطاع ،
وإذا جاز وجاز فليس لنا الحكم عليه بأحد الجائزين مع الاحتمال .
والثاني : أن يدعى أن الإجماع على صحة ما في الكتابين دليل على وقوع السماع في هذه الأحاديث وإلا
لكانت الأمة مجمعة على الخطأ ، وهو ممتنع ، وهذا يحتاج إلى إثبات الإجماع الذي يمتنع أن يقع في نفس
الأمر خلاف مقتضاه ، وهذا فيه عسر ، ونحن ما ادّعيناه وإنما ادّعينا أن الظنّ الثابت سبب الإطباق على
التصحيح لما في الكتابين أقوى من الظن المقابل له ، ويلزم مَن سلك هذه الطريق ألا يستدل بما جاء في
رواية المدلّس من غير الصحيح ، ولا يقول: ((هذا شرط مسلم))، فلنحتج به ؛ لأن الإجماع الذي
يُدّعى ليس موجوداً فيما لم خرّج في غير هذا الطريق ، أعني: طريق القدح بسبب التدليس )) .
قال ابن حجر ٢/ ٦٣٦ : (( وفي أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ أبي الحجاج المزي: ((وسألته
عن ما وقع في الصحيحين من حديث المدلّس معنعناً هل تقول: أنهما اطلعا على اتصالها ؟ فقال: كذا
يقولون وما فيه إلا تحسين الظن بهما ، وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين ما توجد من غير تلك
الطريق التي في الصحيح )) .
قلت : - القائل ابن حجر - : وليست الأحاديث التي في الصحيحين بالعنعنة عن المدلّسين كلها في
الاحتجاج ، فيحمل كلامهم هنا على ما كان منها في الاحتجاج فقط. أما ما كان في المتابعات =
١٦٠