Indexed OCR Text
Pages 1-20
مْ الصََّالـ الوَارِدَة في مَتْحِ البَاري صَنعَة أيّ عُبَيّدة مَشْهُورٌ بنٌ حَسَنّ بن سَلمَان وَإِنّ حُذِيّقَة رَائِدبن صَبِّي للنشر والتوزيع دار الهجرة ـشر والتوزيع مَشِهُوُر سَلمَّان ق رَائِد صَبري مُعْجَُّ المُصَنَفَك مِمُ الصَّقاته الوَارِدَة فِى مَتِ البَاري صَنعَة أبِيْ عُبَيْدة مَشْهُورٌ بِنْ حَسَنْ بن سَلمان وَأَبِي حُذِيِّفَة رائِدِينِ صَبْري دَارُ الهجرة للنّشر وَالتوزيع ◌ِلَّهِ الرَّحمَنِالرَّحِيمِ نــ جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٢هـ - ١٩٩١م دَارُ الهجرة للنشروَالتوزيع هاتف: ٨٩٨٣٠٠٤ (٠٣) الثقبة - ٤٧٩٢٠٥٥ (٠١) الرياض فاكس ٨٩٥٢٤٩٦ (٠٣) ص . ب: ٢٠٥٩٧ - الثقبة ٣١٩٥٢ المملكة العربية السعودية المقدمة إِنَّ الحمدَ للهِ؛ نحمده، ونستعينُه، ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يَهْدِه اللهُ؛ فلا مُضِلَّ له، ومَن یضلِلْ؛ فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له . وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. ﴿يا أَيُّها الَّذينَ آمنوا أنَّقوا الله حقَّ تُقاتِه ولا تَموتُنَّ إِلَّ وأَنْتُم مُسلِمونَ﴾(١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقوا ربَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ واحِدةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رجالاً كثيراً ونساءً واتَّقوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ والأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُم رَقِيباً﴾(٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُم (١) آل عمران: ١٠٢. (٢) النساء: ١. أَعْمَالَكم ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنوبكم ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسولَهُ فقدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١). أما بعد : * تعريف موجز بـ ((فتح الباري)): فإن «فتح الباري) من أجل شروح «صحيح البخاري))، وهو من أجل مصنَّفات ابن حجر، وأكثرها نفعاً وشهرة. قال الحافظ ابن حجر عن مصنفه هذا: ((لولا خشية الإِعجاب؛ لشرحتُ ما يستحق أن يوصف به هذا الكتاب، لكن لله الحمد على ما أولى، وإياه أسأل أن يعين على إكماله منّاً وطَوْلا))(٢). وكان الابتداء به في أوائل سنة سبع عشرة وثماني مئة على الإِملاء (٣)، ثم صار يكتب بخطّه، فداوله بين الطلبة شيئاً فشيئاً، وكان الاجتماع في يوم من الأسبوع للمقابلة والمباحثة، وكان الانتهاء منه في رجب سنة اثنتين وأربعين وثماني مئة، ثم ألحق به بعد ذلك أشياء، ولم يكمل إلا قبيل وفاته بيسير، وجاء بخط مؤلفه في ثلاثة عشر سفراً، وبيّض في عشرة، وعشرين، وثلاثين، وأزيد، وأقل(٤). وقد ظل هذا الشرح متميِّزاً بين سائر شروح ((صحيح البخاري))، (١) الأحزاب: ٧٠ و٧١ . (٢) ((الجواهر والدرر)) (ق ١٥٥ / أ). (٣) ((الجواهر والدرر)) (ق ١٥٥ / أ)، و((انتقاض الاعتراض)) (ق ١ - ٢). (٤) راجع: ((الجواهر والدرر)) (ق ١٥٥ / أ)، و((إرشاد الساري)) (١ / ٤٢)، و ((كشف الظنون)» (٢ / ٥٤٧). ٦ ومفضَّلاً عند العلماء عليها، وقد تميَّز بمقدمة علمية له، هي ((هدي الساري)). * «هدي الساري)»: هي مقدمة ((فتح الباري))، وتقع في مجلد ضخم، في عشرة فصول وخاتمة، كملت سنة (٨١٣هـ)، وتشمل على جميع مقاصد الشرح سوى الاستنباط (١)، انفردت بذكر فوائد حديثية، ونكات أدبية، وفوائد فقهية، وقد بَيَّن فيها بحوثاً عديدة حول ((الجامع الصحيح)) وأهميته بين كتب الحديث. وهي مصنَّف كامل في حدّ ذاته، وشرح جامع ومهم جدّاً، بحيث لو قيل: إنه لا يمكن معرفة حقيقة ((صحيح البخاري)) بدون هذه المقدمة؛ فلا يكون بعيداً عن الحقيقة. وهذه المقدمة تشتمل على عشرة فصول، وتحت كل فصل فصول. وقد بيَّن ابن حجر في الخطبة غرضه من وضعها، فقال: ((وأقدِّم بين يدي ذلك كله مقدمة في تبيين قواعده، وتزيين فوائده، جامعة وجيزة، دون الإِسهاب، وفوق القصور، سهلة المأخذ، تفتح المستغلق، وتذلِّل الصِّعاب، وتشرح الصدور، وينحصر القول فيها - إن شاء الله تعالى - في عشرة فصول : الأول: في بيان السبب الباعث له على تصنيف هذا الكتاب (٢). (١) ((الجواهر والدرر)) (ق ١٥٥ / أ). (٢) وتعرض فيه إلى أمور أخرى مهمة، مثل عدم تدوين الحديث في أول الأمر، ثم ابتداؤه، ومراحله التي مرت بها حركة التدوين. وانظر مناقشته في ذلك عند الدكتور محمد = ٧ الثاني: في بيان موضوعه، والكشف عن مغزاه فيه، والكلام على تحقيق شرطه، وتقرير كونه من أصح الكتب المصنّفة في الحديث النبوي، ويلتحق به الكلام على تراجمه البديعة المنهال، المنيعة المثال، التي انفرد بتدقیقه فیها عن نظرائه، واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه. الثالث: في بيان الحكمة في تقطيعه للحديث، واختصاره، وفائدة إعادته للحدیث وتكراره. الرابع: في بيان السبب في إيراده الأحاديث المعلّقة، والآثار الموقوفة، مع أنها تُباين أصل موضوع الكتاب، وألحقت في سياق الأحاديث المرفوعة المعلقة، والإِشارة لمن وصلها على سبيل الاختصار. الخامس: في ضبط الغريب الواقع في متونه، مرتّباً له على حروف المعجم(١)، بألخص عبارة، وأخلص إشارة، لتسهل مراجعته، ويخف تكراره. السادس: في ضبط الأسماء المشكلة التي فيه، وكذا الكنى والأنساب، وهي على قسمين: الأول: المؤتلفة والمختلفة الواقعة فيه، حيث تدخل تحت ضابط كلي؛ لتسهل مراجعتها، ويخف تكرارها، وما عدا ذلك فيذكر في الأصل. والثاني : المفردات من ذلك. السابع: في تعريف شيوخه الذين أهمل نسبهم إذا كانت يكثر = مصطفى الأعظمي في ((دراسات في الحديث النبوي)) (١ / ٧١ - وما بعدها). (١) وهذا الفصل كأنه قاموس من أنفع القواميس. ٨ اشتراكها؛ كـ (محمد)، لا من يقل اشتراكه؛ کـ (مسدَّد)، وفيه الكلام على جميع ما فيه من مهمل ومبهم على سياق الكتاب مختصراً. الثامن: في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني وغيرُه من النقّاد، والجواب عنها حديثاً حديثاً، وإيضاح أنه ليس فيها ما يخلُّ بشرطه الذي حقَّقناه. التاسع: في سياق أسماء جميع من طعن فيه من رجاله على ترتيب الحروف، والجواب عن ذلك الطعن بطريق الإِنصاف والعدل، والاعتذار عن المصنف في التخريج لبعضهم، مما يقوِّي جانب القدح فيه، إما لكونه تجنّب ما طعن فيه بسببه، وإما لكونه أخرج ما وافقه عليه من هو أقوى منه، وإما لغير ذلك من الأسباب. العاشر: في سياق فهرسة كتابه المذكور باباً باباً، وعدّه ما في كل باب من الحديث(١)»(٢). والمقدمة مطبوعة عدّة طبعات مع ((فتح الباري))، وقد أحال عليها كثيراً فيه(٣)، ودلَّت هذه المقدمة على مكانة الشرح العلمية، وصار الشرح يعرف من خلالها، ومن نظر في فصولها؛ تشوَّق إليه (٤). (١) وفي نهاية المقدمة ذكر سيرة الإِمام البخاري وترجمته ومؤلفاته وتلاميذه. (٢) ((هدي الساري)) (٣ و٤). (٣) انظر (رقم ١٣١٤) من هذا الكتاب. (٤) قدم الأستاذ محمد الناصر الزعايري أطروحة دكتوراه تحت إشراف الشيخ محمد الحبيب بالخوجة بعنوان ((ابن حجر ومقدمته هدي الساري))، وقد نوقشت بالكلية الزيتونية سنة ١٤٠٥ هـ، مرقومة على الآلة الكاتبة. * وصف عمل الحافظ في ((الهدي)) و ((الفتح)) وسبب تخفيف العناء عنه فیهما : والحق أن عمل الحافظ في هذين الكتابين ((الهدي)) و ((الفتح)) كان شاقّاً ومضنياً، لكن مما خفَّف عنه الكثير من العناء اعتقاده بجدوى العمل الذي يقوم به، وهو خدمة الحديث النبوي الشريف، کما أنه ھیا لهما کل مستلزماتهما قبل الشروع فيهما، ومنها كتابه ((تغليق التعليق)) الذي تم سنة (٨٠٤هـ)، والذي استعان به كثيراً في ((الفتح))، وقال: ((إنه أغنى عن تعب كثير))(١)، وذلك لأنه شرح غريب الألفاظ، وضبطها، وإعرابها، وبيَّن صفة أحاديثه، وتناسب أبوابها، ثم وصل الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة المعلَّقة، فكان فريداً في بابه . * طريقة ابن حجر في ((فتح الباري)) أول تصنيفه، ورجوعه عنها: وابتدأ ابن حجر بالشرح، فكتب منه قطعة مسرفة في الأسلوب البلاغي المسهب، لكنه خشي أن يعيق الاستمرارُ بمثل ذلك الأسلوب عن تكملته على تلك الصفة، فابتدأ في شرح متوسط(٢) هو ((فتح الباري)). * طريقته الجديدة في تأليفه والزمن الذي ألفه فيه: وبعد خمس سنين أو نحوها بيَّض منه قدر الربع على طريقة مثلى، بسبب اجتماع جماعة من طلبة العلم المهرة عنده، فكان يواصل العمل (١) ((الجواهر والدرر)) (ق ١٥٢ / ب). (٢) وساق قبل البدء بالشرح أسانيده إلى الأصل بالسماع أو بالإجازة على نمطٍ مخترع؛ لأنه سمع بعض الفضلاء يقول: ((الأسانيد أنساب الكتب))، فساقها على مساق الأنساب. راجع: ((فتح الباري)) (١ / ٥ -٩). ١٠ إملاءً، ثم تبيَّن له أن يكتب الكراس ثم يحصِّله كلٌّ منهم نَسْخاً، ثم يقرؤه أحدهم، ويعارض معه رفقته، مع البحث والتحرير، حتى كمل في أوَّل رجب سنة (٨٤٢هـ)(١) سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينته إلا قبيل وفاة المؤلف بیسیر. * بعض ما امتاز به هذا الشرح: وامتاز هذا المصنّف بأنه صحَّح بعض الأوهام التي وقعت للكرماني في ((شرحه)) والزركشي في ((تنقيحه))، ولو التقطت؛ لكانت قدر مجلد أو أكثر(٢)، وبيَّن صواب المصيب، ووهم الواهم، ومن أين جاء الغلط (٣). * أسلوبه : وقد وصف البقاعي أسلوب المصنف، فقال: ((ولقد حرص في هذا الشرح على رشاقة العبارة، وإيجازها، مع الإِيضاح والبيان، وتتُع اختلاف العلماء، فربما وصل الأقوال في المسألة الواحدة إلى ستة وأربعين قولاً ، ويذكر الإعراب، واللغة، والبديع، وغير ذلك، وله مسلك بديع في عدم التكرار)) (٤). * رغبة الناس في تحصيله وتقريظ العلماء له : وكثرت الرغبات في تحصيل ((الفتح)) في أثناء العمل ولما ينجز بعد، ويرجع المصنّف السبب في ذلك إلى طريقته في تأليفه، واشتهار (١) مقدمة ((انتقاض الاعتراض)) (ق ١ - ٢). (٢) ((الجواهر والدرر)) (ق ١٦٣ / ب). (٣) ((عنوان الزمان)) (١٢ / ق٣٩ - ٤٠). (٤) ((عنوان الزمان)) (م١ / ق٣٩ - ٤٠). ١١ مقدمته(١) . قال الحافظ: ((حتى خطبه جماعة من ملوك الأطراف بسؤال علمائهم لهم في ذلك، فاستنسخت لصاحب المغرب الأدنى نسخة مما كمل منه، وكان ملك المغرب يومئذ عبدالعزيز الحفصي، المعروف بابن فارس، وكان الذي کمل من الكتاب حينئذ قدر ثلثه، واستنسخت لصاحب المشرق شاه رخ بن تيمورلنك نسخة بعد ذلك، وجهزت له من قبل الملك الأشرف، ولم يكن الكتاب كمل، ثم في سلطنة الملك الظاهر جهز له نسخة كاملة، وكان سبب رغبتهم فيه اشتهار المقدمة، فصار من يعرف فصولها يتشوَّق إلى الأصل)»(٢). وذكر صاحب «تاريخ قرَّة العيون في يمن الميمون)» في ضمن ذكر حوادث بعض السنين بأنه في هذه السنة اشتري کتاب «فتح الباري)» بآلاف الدنانير وأدخل في مكتبة ملك اليمن(٣). لقد قرظ علماء الحديث واللغة ((فتح الباري))، ومع الثناء الكبير الذي أسبغوه على مؤلفات ابن حجر بصورة إجمالية؛ إلا أنهم خصُّوا ((فتح الباري)) بنصيب عظيم، وكان مما قيل عنه: ((لم يسبق إلى نظيره ... (١) مقدمة ((انتقاض الاعتراض)) (ق ١). (٢) مقدمة ((انتقاض الاعتراض)) (ق ١ - ٢)، ونحوه في: ((عنوان الزمان)) (م١ / ق٤٠)، و((الجواهر والدرر)) (ق١٦٠ - ١٦١)، و((الذيل على رفع الإصر)) (٨٠)، و((كشف الظنون)) (٢ / ٥٥١)، و((البدر الطالع)) (١ / ٩٠)، و((بدائع الزهور)) (٢ / ١٢٧). (٣) راجع: ((الضوء اللامع)) (٢ / ٣٦ - ٤٠)، و((شذرات الذهب)) (٧ / ٢٧٠ - ٢٧٣)، و((البدر الطالع)) (١ / ٨٧ - ٩٢). ١٢ بحيث استدعى طلبه ملوك الأطراف بسؤال علمائهم))(١). * وليمة المصنف عند إكماله : ولما كمل؛ أولم مصنّفه وليمة في يوم السبت، ثاني شعبان، سنة (٨٤٣هـ)، وقرىء المجلس الأخير هناك، وحضره وجوه العلماء والأئمة (٢) ومشايخ وطلبة العلم قاطبة وجمع من المسلمين، وكان يوماً مشهوداً، لم يعهد أهل العصر مثله، وبيع ((الفتح)) بثلاث مئة دينار، وأنشد الشعراء كثيراً بهذه المناسبة(٣). وقد أوضح البقاعي أن أهل الأسواق خرجوا رجالاً ونساءً للفرجة، وقال: ((حتى إني لأظن أنه لم يتخلف ذلك اليوم في القاهرة كبير أحد)) (٤). * شهرته وسببها وطريقته فيه : إن شهرة ((الفتح)) وانفراده بين شروح ((الجامع الصحيح)) ترجع إلى ما يشتمل عليه من الفوائد الحديثيَّة والفقهيَّة، وما يمتاز به من جمع طرق (١) ((الضوء اللامع)) (٢ / ٣٨)، و((الذيل على رفع الإصر)) (٨٠)، وقد أثبت في آخره (١٣ / ٥٤٩ - ٥٦٤) مجموعة من تقاريظ العلماء، فارجع إليها إن أردت الاستزادة، وانظر أيضاً: ((إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري)) (٧٤ - ٧٥). (٢) وقد ذكر السخاوي في ((الجواهر والدرر)) (ق ١٦٢ / أ) أسماء قسم من الحاضرين، ووصف الوليمة، وما صرف عليها، وبعض الملابسات التي حدثت خلالها . وانظر: ((إرشاد الساري)) (١ / ٤٣)، و((بدائع الزهور)) (٢ / ٢٠٧)، و ((البدر الطالع» (١ / ٩٠)، و((كشف الظنون)) (٢ / ٥٤٨). (٣) انظر: ((عنوان الزمان)) (١٢ / ق٤٠ - ٤٥). (٤) انظر: ((عنوان الزمان)) (١٢ / ق٤٠ - ٤٥). ١٣ الحديث، التي ربَّما يتبيَّن في بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحاً وإعراباً، وطريقته في الأحاديث المكررة هي أنه يشرح في كل موضع ما يتعلَّق بمقصد البخاري بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه إلى المكان المشروح فيه، وربما يقع له ترجيح أحد الأوجه في الإِعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضع وفي موضع آخر غيره(١) ... إلى غير ذلك مما لا طعن عليه بسببه، بل هذا أمر لا ينفكّ عنه أحد من الأئمة (٢)، ولذلك كان كثيراً ما يقول: ((أودُّ لو تتبّعتُ الحوالات التي تقع لي فيه، أو ترجيح أحد أوجه الإعراب)»(٣). قال حاجي خليفة: ((وشهرته وانفراده بما يشتمل عليه من الفوائد الحديثية والنكات الأدبية والفوائد الفقهية تغني عن وصفه)) (٤). وهذا الكتاب من أجلّ كتب ابن حجر وأنفعها، وهو شرح لا مثيل له من حيث الدقائق الفنية والتحقيقات العلمية، ومنزلته عند المحدِّثين تتبيَّن من كلمة ((لا هجرة بعد الفتح)). وإن هذه المنزلة جعلته ينتشر بسرعة البرق في جميع أنحاء العالم؛ لأنه لم يترك شيئاً ذا بال للشراح المتأخرين، وكل من جاء بعده فهو عيال عليه . وقد اعتنى الحافظ ابن حجر فيه بالمبهمات، وفسرها، ولم يتقدمه (١) انظر على سبيل المثال: ((فتح الباري)) (٤ / ٨٠، ٩ / ٤٢٧). (٢) راجع: ((هدي الساري)) (٣)، و((كشف الظنون)) (١ / ٥٤٧ - ٥٤٨). (٣) راجع: ((الجواهر والدرر)) (ق ١٦٣ / أ)، و((إرشاد الساري)) (١ / ٤٢). (٤) ((كشف الظنون)) (١ / ٣٦٧). ١٤ فيها غيره، ولم يحصل له الوقوف عليها إلا بالعناء الطويل، والسهر الكثير، والاعتناء البالغ. قال رحمه الله تعالى: (( ... وكل ذلك بعون الله، وقلَّة الشواغل، وطالما طالعت المجلد بتمامه في اليوم واليومين، فلم أظفر بشيء، وربما ظفرتُ بموضع واحد))(١). قال الشيخ عبدالغني عبدالخالق عنه: ((وهو أجل شروح البخاري كافّة بلا مراء، فكل الصيد في جوف الفراء))(٢). وفي ((التحفة القادرية)) أن الشيخ القصار كان يقول عن ((فتح الباري)): ((ما ألّف في ملة الإِسلام شرح على جميع المصنّفات في علم الحديث مثل هذا الشرح)) (٣). * زال به دَيْن على أمة محمد وَطِّ : قال ابن خلدون: «سمعتُ كثيراً من شيوخنا رحمهم الله يقولون: شرح كتاب البخاري دَيْن على الأمة)) (٤). ولعلهم كانوا يقصدون أن النكات الفنية التي تتعلَّق بعلم الرجال (١) راجع: ((هدي الساري)) (٣)، و((الأجوبة الواردة عن الأسئلة الوافدة)) (ق ٩٩ - ١٠١)، و((الجواهر والدرر)) (ق ١٦٤ / أ)، و((تدريب الراوي)) (٢ / ٣٤٢). (٢) ((الإِمام البخاري وصحيحه)) (٢٣٩). (٣) ((فهرس الفهارس)) (١ / ٢٣٨). (٤) (مقدمة ابن خلدون)) (٤٤٣)، وفسر ذلك بقوله: ((يعنون أنّ أحداً من علماء الأمة لم يوفِّ ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار)). ١٥ وغيرها، أو الدقائق الفقهية التي يشتمل عليها ((صحيح البخاري))؛ لم يبحثها أحد بحثاً علمياً كما كان ينبغي قبل هذا الشرح. قال حاجي خليفة: ((لعلَّ ذلك الدَّيْن قُضي بشرح المحقق ابن حجر))(١). وقال العلماء عن شرح ابن حجر: ((لم يشرح البخاري بنظيره)) (٢). وقالوا: ((ولو رآه ابن خلدون؛ لأقرَّ عيناً)) (٣). ولما طلب إلى العلامة محمد بن علي الشوكاني أن يشرح ((صحيح البخاري))؛ قال: ((لا هجرة بعد الفتح)) (٤)، وهذا يعكس أهمية ((فتح الباري))، واحتفاظه بقيمة ثابتة حتى هذا اليوم(٥). * جهود العلماء واعتمادهم وعنايتهم بـ ((فتح الباري)): تمثّلت جهود العلماء واعتدادهم وعنايتهم بهذا الكتاب في نواحٍ عديدة؛ منها : أولاً: نسخ هذا الكتاب، ويدلل على هذا كثرة نسخه الخطيّة (١) ((كشف الظنون)) (٢ / ٦٤٠). (٢) راجع: ((التبر المسبوك)) (٢٣١)، و((الجواهر والدرر)» (ق ١٦٣ / أ). (٣) راجع: ((التبر المسبوك)) (٢٣١)، و((الجواهر والدرر)» (ق ١٦٣ / أ). (٤) ((فهرس الفهارس)) (١ / ٢٣٨). (٥) راجع: ((ابن حجر العسقلاني ودراسة مصنفاته)) (١ / ٣٠٦ وما بعدها)، و(«سيرة الإمام البخاري)) لعبدالسلام المباركفوري (١٩٣ و١٩٧)، و((الإِمام البخاري وصحيحه)) (٢٣٩). ١٦ الموجودة في المكتبات في أرجاء الأرض(١)، وهذا يدلُّ على عظم الانتفاع به في سائر الأنحاء؛ إلا أن السخاوي قال: ((غير أن بعض النسخ التي سارت في الآفاق فيها سقم كثير، مع كونها خالية مما ألحق به فيما بعد))(٢)، واستثنى السخاوي نسخة في مكة عند الحافظ ابن فهد، ونسخة عند الفخر ابن أبي بكر بمكة أيضاً، ونسخة في المغرب (٣). ثانياً: استفادة العلماء الذين شرحوا ((صحيح البخاري)) منه؛ مثل: العيني (ت ٨٥٥هـ) في ((عمدة القاري))؛ فإنه أنهى شرحه بعد إنجاز ((فتح الباري)) بخمس سنوات، والإِجماع منعقد على أنه استمد منه. قال السخاوي في ترجمة العيني: ((إنه شرح البخاري في أحد وعشرين مجلداً، سماه ((عمدة القاري))، انتقى فيه شرح شيخنا - أي: ابن حجر - بحيث ينقل منه الورقة بكمالها، وربما اعترض عليه، لكن تعقبه شيخنا بمجلد حافل .... )) (٤). وقال حاجي خليفة عند كلامه على ((عمدة القاري)) ما نصّه: ((واستمد فيه من ((فتح الباري)) بحيث ينقل منه الورقة بكمالها، وكان (١) انظرها في: ((تاريخ الأدب العربي)) لبروكلمان (٣ / ١٦٩)، و(«إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري» لمحمد عصام عرار الحسني (ص ٧٤ - ٧٥). (٢) ((الجواهر والدرر)) (ق ١٦٣ / أ). (٣) ((الجواهر والدرر)) (ق ١٦٣ / أ). (٤) راجع: ((الضوء اللامع)) (١٠ / ١٣٣ - ١٣٤)، و((الذيل على رفع الإصر)) (٤٣٦)، و((التبر المسبوك)) (٣٧٩). ١٧ يستعيره من البرهان ابن خضر بإذن مصنفه له، وتعقبه في مواضع))(١). وحكي أن بعض الفضلاء ذكر لابن حجر ترجيح ((شرح العيني)) بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهة: ((هذا شيء نقله من ((شرح ركن الدين))(٢)، وقد كنت وقفت عليه قبله، ولكن تركتُ النقل منه لكونه لم يتم، إنما كتب منه قطعة، وخشيت من تعبي بعد فراغها في الإِرسال، ولذا لم يتكلم العيني بعد تلك القطعة بشيء من ذلك؛ لأن مرجعه قد نفذ))(٣). وقال بعد ذلك: ((وبالجملة؛ فإن شرحه حافل كامل في معناه، لكن لم ينتشر كانتشار ((فتح الباري)) في حياة مؤلفه)) (٤). وما أصدق قول بعض المهرة: ((الأول (أي: فتح الباري) مفيد (١) ((كشف الظنون)) (١ / ٣٦٧)، وانظر: ((الحطة)) (٢١٧)، و((مقدمة القسطلاني)) (١ / ٣٦ ,٤٢ - ٤٣)، و((الفارق بين المصنف والسارق)) (٢٥). وذكر الأستاذ السيد أحمد صقر في ((المدخل إلى فتح الباري)) (٥٤ وما بعدها) نصوصاً بيَّن أنها موجودة بنصِّها في الكتابين؛ دون إشارة إلى نقلها من ((الفتح))، وهذا يؤكد ما قررناه. (٢) هو العلامة ركن الدين أحمد بن محمد بن عبدالمؤمن القريمي الحنفي المتوفى سنة (٧٨٣هـ)، جمع شرحاً على البخاري، استمد فيه من ((شرح ابن الملقن)). انظر: ((شذرات الذهب)) (٦ / ٢٧٨)، و((الحطة)) (٢١٧)، و((كشف الظنون)) (١ / ٣٦٨)، و((معجم المؤلفين)) (٢ / ١٢٥). (٣) ((كشف الظنون)) (١ / ٣٦٨)، وراجع: ((الحطة)) (٢١٧)، ومقدمة القسطلاني (١ / ٣٦ ,٤٢ - ٤٣). (٤) ((كشف الظنون)) (١ / ٣٦٨)، وراجع: ((الحطة)) (٢١٧)، ومقدمة القسطلاني (١ / ٣٦). ١٨ للكملة، والثاني (أي: عمدة القاري) مفيد للطلبة)) (١)! ويقاربه ما حكم به اللكنوي حيث قال: ((ويفضل الأول (أي: فتح الباري) على الثاني (أي: عمدة القاري) تحقيقاً وتنقيداً، والثاني على الأول توضيحاً وتفصيلاً))(٢). وكذا ما قاله الكشميري: ((ثم شرح الحافظ أفضل الشروح باعتبار صنعة الحديث، والاعتبار، وحسن التقرير، واتِّساق النظم، وبيان المراد، وأما ((شرح العيني)) فأحسنها للألفاظ شرحاً، وأتمها تفسيراً، وأكثرها لنقول الكبار جمعاً، لكنه منتشر، ليس في اتّساق النظم كالحافظ رضي الله عنه)) (٣). ولا يهولنَّك أخي القارىء ما أفاض به الشيخ محمد زاهد الكوثري في تقديم ((العمدة)) على ((الفتح)) (٤) !! فإن مثل هذه القضية يجب أن تعالج بروح علمية بعيدة عن التعصُّب والطّعن. وأختم هذه الإِشارات في المفاضلة بين هذين الشرحين بما قاله الأستاذ السيد صقر: ((وأيّاً ما كان الأمر بينهما؛ فقد أفضيا بعملهما إلى ربهما، وبقي علمهما ينتفع به، رحمهما الله رحمة واسعة، كفاء ما بذلا في شرح البخاري من وقتٍ وجهد))(٥). (١) ((سيرة الإِمام البخاري)) (٢٠٢). (٢) ((سيرة الإِمام البخاري)) (٢٠٢). (٣) ((فيض الباري)) (١ / ٣٨). (٤) راجع: مقدمة ((عمدة القاري)) (٩). (٥) المدخل إلى ((فتح الباري)) (ص ٥٦)، وهو مقدمة الجزء الأول من («فتح = ١٩ = الباري)) طبع الأهرام. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن العيني قد كشف في ((عمدته)) جملة أخطاء للحافظ ابن حجر، انظر على سبيل المثال من «العمدة)» (٥ / ٨٧)، وقارن بـ ((الفتح)) (٢ / ٦٦) و(٥ / ٩٤)، وقارن بـ ((الفتح)) (٢ / ٧٢) و(٢٠ / ٢٣٧)، وقارن بـ ((الفتح)) (٩ / ٣٦٧ - ٣٦٨) و(١٩ / ٦٦)، وقارن بـ ((الفتح)) (٨ / ٤٣٩). إلا أن ابن حجر قد ناقشه في ذلك في مؤلَّفه ((انتقاض الاعتراض))، فقد جمع فيه اعتراضات العيني، وحاول الإجابة عليها، وأجاب على كثير منها، وترك لجواب بعضها بياضاً، وهذا يدل على قوّة اعتراضاته في بعض الأحايين، وعلى تحيّر ابن حجر في ردها، واخترمته المنية دون أن يجيب عليها جميعاً. ثم إن في بعض هذه الاعتراضات وهن زائف متهافت، وبعضها مبني على بتر نقل ابن حجر ثم الرد عليه مع أن تمام العبارة ینقض الرد! وألّف في عصرنا هذا الشيخ عبدالرحمن البوصيري (ت ١٩٣٥ م) كتاباً أورد فيه اعتراضات العيني، وأجاب عليها، أو صوَّبها، وسمّاه: ((مبتكرات اللآلىء والدرر في المحاكمة بين العيني وابن حجر))، طبع بتحقيق : سليمان الزوبي والهادي عرفة بإشراف وزارة المعارف الليبية سنة ١٩٥٩م، أورد فيه (٣٤٣) محاكمة، انتصر في معظمها لابن حجر. وكذا فعل صديقنا أبو إسحاق الحويني في كتابه «صفو الكدر في المحاكمة بين العيني وابن حجر)). هذا؛ وقد اعترض العيني على البخاري في عدة مواطن من شرحه ((عمدة القاري))، وهو المراد بقوله: ((بعض الناس)) على الغالب، وقد جمعها بعضهم في رسالة مستقلة، وسماها بـ ((دفع الوسواس عن بعض الناس)). ولقد أجاب العلامة أبو الطيب على هذه الرسالة باسم ((رفع الالتباس))، ولم يذكر فيها اسمه، وهي جديرة بالنظر والقراءة، وقد بيَّن فيها بتحقيق عجيب أوهام العلامة العيني التي يعتمد عليها في تخطئة البخاري، وقد طبعت مرات. وأخيراً؛ أكتفي بهذه اللمحات الكاشفة، والمقام لا يتسع للمزيد، وإنما أحيل = ٢٠