Indexed OCR Text

Pages 81-100

من أبواب الإِيمان
جلوس النبى ◌َّم على عرش الرحمن :
قال الحافظ الذهبى - رحمه الله - فى ((العلو للعلى الغفار))
(ص: ١٢٤):
((أما قضية قعود نبينا على العرش فلم يثبت فى ذلك نص، بل
فی الباب حديث واه)) .
قلت: فى الباب مرفوعات، وموقوفات، ومقطوع .
فأما المرفوعات :
فالأول: عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: سئل رسول الله
عَّه عن المقام المحمود، قال:
((وعدنى ربى بالقعود على العرش)).
ذكره ابن الجوزی فی کتابه: (دفع شبه التشبيه»(ص: ٢٤٤) دون
سند أو تخريج، وقال: ((هذا حديث مكذوب لا يصح عن رسول الله
مَّاللّ))
.
والثانى: عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: قال رسول
الله عَّ: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ قال:
((يجلسنى معه على السرير)).
عزاه السيوطى فى ((الدر المنثور)) (١٩٨/٤) إلى الديلمى وابن
مردويه .
٢١

وأما الموقوف :
فأخرجه ابن أبى عاصم فى ((السنة)) (٧٨٦)، وابن جرير فى
(التفسير)) (٩٨/١٥)، والخلال فى ((السنة)) (٢٣٦ و٢٣٧ و٢٣٨)، من
طريق: يحيى بن كثير العنبرى، حدثنا سلم بن جعفر، عن سعيد
الجريرى، حدثنا سيف السدوسى، عن عبد الله بن سلام، قال:
إذا كان يوم القيامة جىء بنبيكم ◌َّ فأُقعد بين يدى الله تبارك
وتعالى على كرسيه .
فقال لأبى مسعود -يعنى الجريرى - : إذا كان على كرسيه فهو
معه، قال: ويلكم هذا أقر حديث فى الدنيا لعينى.
قلت: وهذا السند منکر .
فسيف السدوسى هذا فى عداد المجهولين، قال العلامة الألبانى
فى تخريج السنة: ((لم أجده))، وجوَّز أن يكون تصحف عن السعدى،
وليس كذلك، لثبوت نسبته على هذا الوجه عند الطبرى والخلال .
والجريرى اختلط فى آخر أمره، وراوى هذا الخبر عنه لا يُعرف
متى سماعه منه ، وكذلك فالمتن فيه نكارة .
يدل على ذلك ما أخرجه الحاكم فى ((المستدرك)) (٥٦٨):
حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا محمد بن
غالب، حدثنا عفان ومحمد بن كثير، قالا: حدثنا مهدى بن ميمون،
حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن
عبد الله بن سلام قال : .... فذكر له حديثاً موقوفاً طويلاً، وفيه:
وينجو النبى ◌ّ والصالحون معه، فتتلقاهم الملائكة، فتوريهم
منازلهم من الجنة على يمينك، على يسارك، حتى ينتهى إلى ربه عز
٢٢

وجل فَيُلقى له كرسى عن يمين الله عز وجل ...
قال الحاكم: ((صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبى.
قلت: شيخ الحاكم مستور الحال، ترجمه الذهبى فى ((السير))
(٤١٩/١٥)، وقال: ((الإمام المفيد، الرئيس، .... ، من كبراء
بلده))، ولم يورد فيه جرحاً ولا تعديلاً ، ومحمد بن غالب هو تَمْتَام
الحافظ الثقة، وقعت له هفوة فى رواية حديث، فروجع فلم يرجع
عما فى أصله، وهو حجة ولا ريب ، وباقى رجال السند ثقات .
فهذا السند أصلح من سابقه، وفيه أنه يلقى للنبى عليه السلام
كرسى عن يمين الله عز وجل، لا أنه يجلس على كرسى الرب تبارك
وتعالى.
وأما المقطوع:
فأخرجه ابن جرير (٩٨/١٥)، والخلال (٢٤١) من طريق:
محمد بن فضيل، عن ليث، عن مجاهد فى قوله عز وجل :
﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ قال:
يجلسه معه على عرشه.
قلت: وهذا سند ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم .
والعجيب أن من ذهب هذا المذهب من أهل السنة والجماعة
احتجوا بهذا الخبر الضعيف، وهو مع ضعفه مقطوع، ومسائل الاعتقاد
لا تُثبت بالمقطوعات.
ثم اعلم أن هذه المسألة لم يختلف فيها إلا بعد موت المرَّوذى
تلميذ الإمام أحمد، فإنما كان تفسير المقام المحمود عند أئمة أهل السنة
والجماعة ممن تقدّم ما وافق الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبى عمّة ،
وهو: الشفاعة يوم القيامة .
٢٣

وفى حوادث سنة عشرة وثلاث مائة من ((البداية والنهاية)) لابن
كثير - رحمه الله - (١١ / ١٦٢) قال:
ءِ
((وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبى بكر المرَّوزى الحنبلى،
وبين طائفة من العامة، اختلفوا فى تفسير قوله تعالى: ﴿عسى أن
يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ فقالت الحنابلة: يجلسه معه على العرش،
وقال الآخرون: المراد بذلك الشفاعة العظمى، فاقتتلوا بسبب ذلك،
وقتل بينهم قتلى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ثبت فى صحيح البخارى أن المراد بذلك مقام الشفاعة
العظمى)) .
ومن قبل ابن كثير الإمام ابن جرير، فرجح أن المقصود بالمقام
المحمود هو الشفاعة، ولكنه جوّز جلوس النبى عليه السلام على
العرش، وأن ذلك ليس بمحال ولا بقادح فى صفات الرب عز وجل
التى تقتضى الكمال المطلق، فإجلاسه عليه السلام على العرش لا
يقتضى المماسة، ولا ينفى المباينة .
قلت: وهذا من حيث النظر صحيح، ولكن إثبات هذه الفضيلة
لا يكون إلا بدليل صحيح حجة في الباب، فإنما هو نص من الكتاب
أو السنة الصحيحة .
أما إخبار أحد التابعين بذلك مع وهاء السند إليه فليس بدليل
ألبتة ، وأما من ذهب هذا المذهب من أئمة أهل السنة فرداً على
الجهمية فى إنكارهم أن الله عز وجل على عرشه .
وفى ذلك يقول أبو داود السجستانى: (( من أنكر هذا فهو عندنا
متهم، قال: وما زال الناس يحدثون بهذا يريدون مغايظة الجهمية،
٢٤

وذلك أن الجهمية ينكرون أن على العرش شىء)).
أخرجه الخلال (٢٤٤ ) بسند صحيح.
قلت: إِثبات أن الله على العرش مسلَّم به تبعاً للأحاديث
الصحيحة، أما هذا الخبر فلا يصح مرفوعاً ولا موقوفاً ولا مقطوعاً .
لکل نبی حوض :
قال الحافظ بن حجر فى ((الفتح)) (١١ /٤٧٥):
((اشتهر اختصاص نبينا ◌َّه بالحوض لكن.
. (( .
ثم أورد ما فى الباب من أخبار، وبيّن عللها ، فكأنه لا يصح
عنده فى الباب حديث.
قلت: وأحاديث الباب أربعة، وهى :
١- حدیث سمرة بن جندب ـرضی الله عنه -مرفوعاً:
((إِن لكل نبى حوضاً، وإِنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإِنى
أرجو أن أكون أكثرهم واردة)).
أخرجه ابن أبى عاصم فى ((السنة)) (٧٣٤)، والترمذى
(٢٤٤٣) من طريق:
سعيد بن بشر، عن قتادة ، عن الحسن، عن سمرة.
وأورده البخارى فى ((التاريخ الكبير)) (٤٤/١/١).
قال الترمذى: ((هذا حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد
الملك هذا الحديث عن الحسن، عن النبى ◌َّه ولم يذكر فيه: عن
سمرة، وهو أصح)).
قلت: يشير بذلك إِلى نكارة سنده، وكيف لا وسعيد بن بشير
هذا ضعيف، لا سيما فى روايته عن قتادة، فإِنه منكر الحديث عنه
٢٥

جداً، وقد خولف، والأصح المرسل.
وقد توبع قتادة على روايته عن الحسن مرسلاً.
تابعه حزم بن أبى حزم، سمعت الحسن بنحوه .
أخرجه ابن أبى الدنيا - كما ((النهاية فى الفتن والملاحم)) لابن
كثير (١ /٤١٢) -: حدثنا خالد بن خراش، حدثنا حزم به ..
قال ابن كثير: (( وهذا مرسل عن الحسن، وهو حسن، صححه
يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقد أفتى شيخنا المزى بصحته من هذه
الطرق )) .
قلت: المرسل ضعيف عند أهل الحديث وأهل العلم بالأخبار،
وقد نقل الإِمام مسلم الاتفاق على ذلك كما مر، بل مراسيل الحسن من
أوهى المراسيل، لأن غالبها عن تابعى كبير، عن صحابى، فهي على
هذه الصورة معضلة
قال الذهبى - رحمه الله - فى ((الموقظة)) (ص: ٢٨):
((ومن أوهى المرسيل عندهم مراسيل الحسن ، .... ، وغالب
المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإِن غالب روايات
هؤلاء عن تابعى كبير عن صحابى، فالظن بمرسله أنه أسقط من إِسناده
اثنين)) .
قلت: وأما الشيخ الألبانى - حفظه الله - (١) فجعل هذا المرسل
وهو - الوجه المحفوظ - شاهداً للموصول عن سمرة، وهو الوجه المنكر،
وهذا غريب جداً ، فكيف يَقْوى المرجوح بالراجح، والمعلول بالُعَلِّل؟ !.
ولحديث سمرة طريق آخر من رواية جعفر بن سعد، عن خبيب
(١) ((الصحيحة)) (١١٩/٤).
٢٦

ابن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة مرفوعاً :
((إِن الأنبياء يتباهون أيهم أكثر أصحاباً من أمته، فأرجو أن
أكون يومئذ أكثرهم كلهم واردة، فإِن كل رجل منهم يومئذ قائم
على حوض ملآن ، معه عصى، يدعو من عرف من أمته، ولكل أمة
سماً يعرفهم بها نبيهم)) .
أخرجه الطبرانى فى ((الكبير)) (٧ /٣١٢).
قلت: جعفر بن سعد ذكره ابن حبان فى ((الثقات))، وقال ابن
حزم: ((مجهول))، وقال ابن عبد البر: ((ليس بالقوى))، وقال ابن
القطان: ((لا يُعرف حاله)) .
وخبيب بن سليمان مجهول، قاله ابن حزم، وقال الذهبى: ((لا
يُعرف))، ومثله سليمان بن سمرة، وهى ترجمة رويت بها نسخة عن
سمرة -رضى الله عنه - .
٢ - حديث أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - مرفوعاً.
((إِن لى حوضاً طوله ما بين الكعبة إِلى بيت المقدس، أشد
بياضاً من اللبن، آنيته عدد النجوم، وكل نبى يدعو أمته، ولكل نبى
حوض، فمنهم من يأتيه الفئام، ومنهم من يأتيه العصبة، ومنهم من
يأتيه النفر، ومنهم من يأتيه الرجلان، ومنهم من يأتيه الرجل،
ومنهم من لا يأتيه أحد، فيقال: قد بلغت، وإِنى لأكثر الأنبياء تبعاً
يوم القيامة)) .
أخرجه ابن أبى الدنيا كما فى ((النهاية)) (١ /٤٠٤)، وأبو نعيم
فى ((أخبار أصبهان)) (١ /١١٠) من طريق: زكريا بن أبى زائدة، عن
عطیة العوفی، عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - به.
٢٧

وأخرجه ابن ماجة (٤٣٠١ ) مختصراً دون ذكر:
((ولكل نبى حوض ... )) .
قلت: وهذا سند ضعيف جداً، تفرد به عطية العوفى عن أبى
سعيد، وهو ضعيف، لا سيما عن أبى سعيد، وكان يدلس، فيقول:
حدثنا أبو سعيد يريد به محمد بن السائب الكلبي .
٣- حديث ابن عباس - رضى الله عنه - قال:
سئل رسول الله عَ ◌ّه عن الوقوف بين يدى رب العالمين، هل فيه
ماء؟ قال: ((إِی والذي نفسي بيده، إِن فيه لماء، إِن أولياء الله ليردون
حياض الأنبياء، ويبعث الله سبعين ألف ملك فى أيديهم عصى من
نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء)» .
أخرجه ابن أبى الدنيا كما فى ((النهاية)) (١ /٤١١):
حدثنا العباس بن محمد، حدثنا الحسين بن محمد المروزى،
حدثنا محصن بن عقبة اليمانى، عن الزبير بن شبيب، عن أبى عثمان،
عن ابن عباس به.
قال ابن كثير: ((وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس هو
فى شىء من الكتب الستة)).
قلت: العباس بن محمد هو الدورى ، والحسين بن محمد
المروزى ثقة من رجال التهذيب، ومحصن وعقبة قال العلامة الألبانى
فى ((الصحيحة)) (١١٩/٤): ((لم أجد من ترجمهما)).
** قلت: وهو كما قال، فالحمل عليهما فى هذا الخبر.
٩ / ٤- حدیث عوف بن مالك -رضى الله عنه -:
ولم أقف على سنده أو متنه، وإِنما أشار إليه الألبانى فى
حجا"
٢٨

((الصحيحة)) (٤ /١٢٠)، وقال :
((وفيه زيادة خرجته من أجلها في ((الضعيفة)) (٢٤٥٠))).
حوض صالح ضرع ناقته:
لم أقف فيه على خبر، ولكن ذكره البربهاري في ((شرح السنة))
في الاعتقاد دون ذکر دليله.
كذا كنت قلت ، ثم راسلني أحد الأفاضل من المشتغلين بالعلم
من المملكة السعودية ، وهو الأخ : خالد بن راشد - حفظه الله - بأن
لهذه المسألة دليل ضعيف عند العقيلي في ((الضعفاء)) (٦٤/٣
-٦٥)، وعند ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١٧٩٣).
وهو ما رواه عبد الكريم بن كيسان ، عن سويد بن عمير ، قال:
قال رسول الله عَ لّهِ :
(( حوضي أشرب منه يوم القيامة ومن اتبعني من الأنبياء ،
ويبعث الله ناقة ثمود لصالح ، فيحلبها ، فيشربها والذين آمنوا
معه ... )) الحديث.
وعبد الكريم هذا قال فيه العقيلي :
(( مجهول بالنقل حديثه غير محفوظ)).
وقال ابن الجوزي: ((هذا حديث موضوع لا أصل له)).
وقال الذهبي: ((هو موضوع)).
صفة الصوت للرب جل وعلا :
قال البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٢٩/٢):
٢٩

(( لم تثبت صفة الصوت في كلام الله عز وجل أو في حديث
صحيح عن النبي تَّةٍ)).
الإِيراد :
قلت : هذا متعقب بأن صفة الصوت لله تعالى قد ثبتت بنص
السنة من وجوه ، منها ما اختلف في صحته كـ :
. .. حديث عبد الله بن أنيس - رضي الله عنه - :
عن النبي ◌َّهِ ، قال :
: ((يحشر الله العباد - أو الناس - عراة غرلاً بهما))، قلنا: ما
بهمًا؟ قال: ((ليس معهم شيء ، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد
- أحسبه قال : كما يسمعه من قرب - : أنا الملك ، أنا الديان ، لا
ينبغي لأحد من أهل الجنة .... )). الحديث.
: :أخرجه أحمد (٤٩٥/٣)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(٩٩٩)،والحاكم في ((المستدرك)) (٤ /٥٧٤)، والخطيب في ((الرحلة
في طلب الحديث)) (٣١).
وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي. "
وظاهر صنيع البخاري - رحمه الله - أنه يذهب إِلى تصحيحه ،
كما بيناه في كتابنا : ((دفاعًا عن السلفية)) (ص: ٦٨).
وإِنما وقع الخلاف فيه للاختلاف في راويه ، وهو عبد الله بن
محمد بن عقيل ، فقد تُكلِّم فيه ، والراجح أنه صدوق حسن الحديث،
وعندي أن هذا الحديث لا ينزل عن درجة الحسن.
٣٠

ومن الأحاديث ما لم يُختلف في صحتها كـ :
حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال :
إِذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع صوته أهل السماء ،
فيخرون سجدًا ، حتى إِذا فزع عن قلوبهم ، قال : سكن عن
قلوبهم ، نادى أهل السماء : ما ذا قال ربكم ، قال : الحق ، قال :
کذا و کذا.
أخرجه عبد الله في ((السنة)) (٥٣٦) بسند جيد.
وقد أخرجه البخاري في ((الصحيح)) (٩ /٦١٢) تعليقًا بصيغة
الجزم ، مما يدل على صحته عنده.
ووقع في رواية بسند صحيح عند عبد الله (٥٣٧) ، والدارمي
في ((الرد على الجهمية)) (ص: ٩١):
:٠٠
إِذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع أهل السماء له صلصلة
كصلصلة الحديد على الصفا.
والحديث وإِن كان موقوفًا لفظًا ، إلا أنه مرفوع حكمًا ، لأنه لا
يُقال من قبيل الرأي والاجتهاد.
ويؤيده ما أخرجه البخاري في ((الصحيح)) (٤ /٤٠٠) من
حديث أبي هريرة -رضي الله عنه - مرفوعًا :
((إِذا قضى الله الأمر في السماء ، ضربت الملائكة بأجنحتها
خضعانًا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان )).
وعند البخاري من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا :
٣١

((يقول الله : يا آدم ، فيقول : لبيك وسعديك ، فينادي
بصوت : إِن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إِلى النار)).
وأما قول البيهقي المتقدم أنه لا يثبت في صفة الصوت حديث
صحيح فغير مسلم له ، لا سيما وأنه من كبار الأشاعرة ، وقد خالفه
من هو أرسخ منه قدمًا في الحديث ، وأقعد منه في معرفة السنن ، وهو
الإِمام أحمد ، والإِمام البخاري ، فضلاً عن باقي أئمة أهل السنة
والجماعة.
فقد روى عبد الله في ((السنة)) (٥٣٣) ، قال:
سألت أبي - رحمه الله - عن قوم يقولون : لما كلَّم الله موسى لم
يتكلم بصوت ، فقال أبي : بلى إِن ربك عز وجل تكلم بصوت ،
هذه الأحاديث نرويها كما جاءت.
. وأما البخاري فبعد أن روى حديث عبد الله بن أنيس في كتابه :
((خلق أفعال العباد))، قال (ص: ١٤٩):
((وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق ، لأن
صوت الله جل ذكره يُسمع من بُعد ، كما يُسمع من قرب ، وأن
الملائكة يصعقون من صوته ، فإِذا تنادى الملائكة لم يصعقوا )).
حديث: ((فيم يختصم الملأ الأعلى ... )).
قال ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (١ /٣٤):
(( أصل هذا الحديث ، وطرقه مضطربة ، قال الدارقطني : كل
أسانيده مضطربة ، ليس فيها صحيح ، ... ، قال أبو بكر البيهقي :
٣٢

قد روي من أوجه كلها ضعاف )).
ونقل الحافظ ابن حجر في ((النكت الظراف)) (٤ /٣٨٢) عن
محمد بن نصر المروزي في كتاب ((تعظيم قدر الصلاة)) أنه قال:
(( هذا حديث اضطرب الرواة في إسناده ، وليس يثبت عند
أهل المعرفة )).
الإيراد :
قلت : بل للحديث طريق صحيح عند الترمذي (٣٢٣٥) من
رواية : جهضم بن عبد الله ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن
سلام ، عن أبي سلام ، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي ، أنه
حدَّثه عن مالك بن يخامر السكسكي ، عن معاذ بن جبل مرفوعًا به.
وقد صحح هذا الحديث ثلاثة من الأئمة الكبار ، وهم أحمد بن
حنبل ، والبخاري ، والترمذي.
قال الترمذي :
(( هذا حديث حسن صحيح ، سألت محمد بن إسماعيل عن
هذا الحديث ، فقال : هذا حديث حسن صحيح)).
وقال ابن عدي - كما في ((تحفة الأشراف)) للمزي (٣٨٣/٤) -:
((وهذا له طرق،ورأيت أحمد بن حنبل صحح هذه الرواية)).
تعيين أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كما في ((مجموع
الفتاوى)) (٤٨٢/٢٢):
٣٣

((إِن التسعة والتسعين اسمًا لم يرد في تعيينها حديث صحيح
صَلى اللّه
عن النبي ◌ٍَّ)).
حديث : (( هلاك أمتي في العصبية والقدرية والرواية من
غير ثبت )).
قال البزار - رحمه الله - ( كشف الأستار : ١٩١ ) :
((لا نعلمه يروى بهذا اللفظ من وجه صحيح)).
قلت : الحديث في ذلك موضوع ، وهو مخرَّج في كتاب
((القدر)) للفريابي (٣٨٧) بتحقيقي.
٣٤

من أبواب الطهارة والوضوء
دعاء الخروج من الخلاء:
أخرجه أحمد (١٥٥/٦)، والبخارى فى ((الأدب المفرد))
(ص: ١٤٩)، وفى ((التاريخ الكبير)) (٣٨٦/٢/٤)، والترمذى (٧)، والنسائى
فى ((اليوم والليلة)) (٧٩)، وابن ماجة (٣٠٠) من طريق:
إسرائيل بن يونس، عن يوسف بن أبى بردة، عن أبيه، عن عائشة
-رضى الله عنها - قالت:
كان النبى ◌َّ إِذا خرج من الخلاء قال: غفرانك .
قال الترمذى: ((هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث
إسرائيل عن يوسف بن أبى بردة، ... ، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث
عائشة - رضى الله عنها - عن النبى عَ لَه)).
وقال أبو حاتم الرازى: ((أصح حديث فى هذا الباب حديث عائشة)).
قلت: مداره على يوسف بن أبى بردة، لم يوثقه إلا ابن حبان
والعجلى، ولم يتعرض له أحد من المتقدمين بجرح أو تعديل، إلا قول
الترمذى: ((حسن غريب)) بمعنى أنه منكر، وهكذا عادته إذا أطلق هذا
الوصف، وأخرج ابن خزيمة حديثه فى ((الصحيح))، ووثقه الذهبى فى
(تلخيص المستدرك)).
قلت: أما ابن حبان والعجلى وابن خزيمة فمتساهلون فى التوثيق، وأما
الذهبى فوثقه تبعاً لهؤلاء، وإلا فكيف ظهر له أمره وخفى على المتقدمين ،
وأهل العلم إذا لم يروا للمتقدمين كلاماً فى راوٍ سبروا أخباره أو توقفوا فى
٣٥

حاله، ويوسف هذا تفرد بسنة لم يروها غيره، وهو ممن لا يحتمل من مثله
التفرد بسنة، ولذا تحايد البخاري ومسلم عن إخراج حديثه هذا فى
صحیحیهما .
وأما قول أبى حاتم السابق فلا يفيد التصحيح بأى حال من الأحوال،
وإنما يفيد أنه أقوى ما ورد فى الباب ، ولا يقتضى الصحة .
قلت : وفي الباب عدة أخبار واهية ، وهي :
١- حديث أبي ذر - رضي الله عنه - :
كان رسول الله ◌َّه إذا خرج من الخلاء قال:
(( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)).
أخرجه ابن السني في (( اليوم والليلة)) (٢٢) من طريق : شعبة ، عن
منصور ، عن الفيض ، عن أبي ذر به.
قلت : فيه الفيض والظاهر أنه مجهول، فإنى لم أقف له على ترجمة .
وقال الدارقطنى - فيما نقله ابن الجوزى فى ((العلل)) (٣٣٠/١) -:
((ليس هذا بمحفوظ، وقد رواه منصور عن رجل يقال له الفيض عن
ابن أبى خيثمة، عن أبى ذر موقوفاً وهو أصح)).
قلت : الموقوف أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/١)، والطبراني في
((الدعاء)) (٣٧٢)
قلت: وليس الفيض هذا نفسه المترجم فى ((اللسان))، فالأخير متأخر،
وهذا متقدم.
وله شاهد من :
٢ - حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - :
بنفس اللفظ.
٣٦

أخرجه ابن ماجة (٣٠١) من طريق: إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن
وقتادة، عن أنس به .
وإسماعيل ضعيف جداً، وقد تقدم الكلام عليه .
وقد اضطرب فى رواية الحديث، فرواه عن حماد، عن إبراهيم، عن
حذيفة موقوفاً.
أخرجه ابن فضيل فى ((الدعاء)) (٣٨).
وتابعه جويبر، عن الضحاك عن حذيفة .
أخرجه ابن أبى شيبة (١٢/١)، وجويبر متروك.
٣- حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - بلفظ آخر:
كان رسول الله عَّه إذا خرج من الغائط قال :
(( الحمد لله الذي أحسن إليّ في أوله وآخره)).
أخرجه ابن السني (٢٤) من طريق :
الوليد بن بكير ، عن عبدالله بن محمد العدوي ، حدثني عبدالله
الداناج ، عن أنس به.
قلت : وهذا سند تالف ، ولا يستبعد أن يكون موضوعاً، فإن فيه
عبدالله بن محمد العدوى، قال وكيع: ((يضع الحديث))، وقال البخارى وأبو
حاتم: ((منكر الحديث))، زاد أبو حاتم: ((شيخ مجهول))، وقال الدار قطنى:
((متروك))، ونقل ابن عبد البر تكذيب بعض أهل العلم له واتهامهم إياه
بالوضع، ولم يسم أحداً .
والوليد بن بكير ضعيف، قال أبو حاتم: ((شيخ))، وقال الدار قطنى :
((متروك الحديث)) .
٣٧

٤- حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - :
أن النبي ◌َّ كان إذا دخل الخلاء قال:
((أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم)).
وإذا خرج قال :
((الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه)).
أخرجه ابن السني (٢٥) من طريق: حبان بن علي العنزي ، عن
إسماعيل بن رافع ، عن ذوید بن نافع ، عن ابن عمر به.
قلت : حبان بن على العنزى ضعيف الحديث، وشيخه إسماعيل بن
رافع أسوأ منه حالاً، قال أحمد وأبو حاتم ((منكر الحديث))، وقال ابن معين:
((ليس بشىء))، وقال النسائى والدار قطنى: ((متروك))، وأما البخارى فكان
حسن الرأى فيه، فقال: ((ثقة مقارب الحديث))، وقد ضعفه غير واحد من
أهل العلم .
وذويد بن نافع -ويُقال: دويد- إنما يروى عن طبقة التابعين، ولذا قال
الحافظ فى ((التهذيب)) (١٨٥/٣): ((رأيت له رواية عن ابن عمر، فقيل:
مرسلة)).
والحديث أخرجه الحافظ فى ((نتائج الأفكار)) (١٩٨/١)، وقال:
(حسن غريب)).
قلت : وهذا قول عجيب، فإن خبر ابن عمر هذا منكر، نعم له
شواهد، ولكن لا ترقيه لوهائها .
٥ و ٦ - حديث علي بن أبي طالب وعبدالله بن بريدة - رضي الله
عنهما - :
أخرجه ابن عدى فى ((الكامل)) (٧٩٤/٢)، ومن طريقه الحافظ ابن
٣٨

حجرفي ((النتائج)) (١٩٩/١) من طريق: حفص بن عمر بن ميمون ، حدثنا
· المنذر بن ثعلبة ، عن علباء بن أحمر، عن على وعن عبد الله بن بريدة عن
أبيه بنفس لفظ ابن عمر، إلا أنه قال: وكان إذا خرج قال:
((غفرانك ربنا وإليك المصير)).
قال ابن عدى :
((هذا الحديث قد جمع فيه صحابيین علياً وبريدة، وجميعاً غريبان فى
هذا الباب ، وما أظن رواهما غير حفص بن عمر)).
وقال الحافظ :
((هذا حديث غريب)).
قلت: تفرد به حفص ، وهو واه لينه أبو حاتم، وقال النسائى: ((ليس
بثقة))، وقال ابن عدى: ((عامة حديثه غير محفوظ))، وقال ابن معين :
((ليس بثقة))، وقال العقيلى: ((يحدِّث بالأباطيل))، وقال أبو داود: ((ليس
بشىء)).
٧- مرسل طاوس :
أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/١)، والطبراني في ((الدعاء)) (٣٧١) من
طريق : زمعة بن صالح ، عن سلمة بن وهرام ، ، عن طاوس ، قال :
قال رسول الله مَ له :
(( إذا خرج أحدكم من الخلاء فليقل : الحمد لله الذي أذهب عني
ما يؤذيني ، وأمسك عليّ ما ينفعني )).
قلت : زمعة بن صالح ضعيف الحديث ، لا سيما عن سلمة بن
وهرام، هذا بالإضافة إلى الإرسال.
٣٩

الأذنان من الرأس :
قال العقيلى فى ((الضعفاء)) (٣٢/١):
(الأسانيد في هذا الباب لينة)).
قلت: والصواب أنه من قول عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما-
کما سوف یأتی بیانه .
وهذا ظاهر قول أحمد أنه يرجح الوقف.
ففى مسائل عبد الله (٩٥): سألت أبى عن من ترك مسح الأذنين
ناسياً حتى يفرغ من صلاته ؟
قال: أرجو أن يجزيه ، قال ابن عمر: ((الأذنان من الرأس)).
وأما الأخبار الواردة في الباب ، فھي :
١- حديث أبى أمامة - صدی بن عجلان -رضى الله عنه :
ورد عنه من ثلاثة طرق:
• الأول : شهر بن حوشب عنه به .
أخرجه أحمد (٢٥٨/٥ و٢٦٨)، وأبو داود (١٣٤)، والترمذى
(٣٧)، وابن ماجة (٤٤٤)، والطبرانى فى ((المعجم الكبير)) (١٤٣/٨)، وابن
عدى فى ((الكامل)) (١٢٧٧/٣)، والدارقطنى فى ((سننه)) (١٠٤/١)،
وفى (المؤتلف والمختلف)) (١٢٠٦/٣)، وابن المنذر فى ((الأوسط)) (٣٨١/١)،
والبيهقى فى ((الكبرى)) (٦٦/١)، وابن الجوزى فى ((التحقيق))
(٩٢/١-٩٣) من طريق: حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن
حوشب، عن أبى أمامة رضى الله عنه قال:
توضأ النبى ◌َ له، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً ، ومسح برأسه،
وقال: ((الأذنان من الرأس)).
٤