Indexed OCR Text
Pages 1-20
نَصِّ عَليها المعْفِقُونَ وَغْفَلَ عَنْهَا المشْتَغِلُون
وَأمثلة عَمَليَّة على ◌َعْضِ الأخْطَاءِ
الشائعة في تحقِيقِ الأَسَانِياءِ
ويلها
تأليف
بمَاقِيلَ: "لَا يَصِحُ فى حَدِيثُ"
مكتبة العمرين العلمية
الشارقة ت ٥٦١٠٤٨٤
قواعد حديثية
نص عليها المحققون وغفل عنها المشتغلون
وأمثلة عملية على بعض الأخطاء الشائعة في تحقيق الأسانيد
ويليه
تميل ما فات التحديث
بما قيل: ((لا يصح فيه حديث)»
تأليف
عمرو عبد المنعم سليم
قواعد حديثية
نص عليها المحققون
وغفل عنها المشتغلون
قواعد حديثية
نص عليها المحققون وغفل عنها المشتغلون
وأمثلة عملية على بعض الأخطاء الشائعة في تحقيق الأسانيد
تأليف
عمرو عبد المنعم سليم
● بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا
هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله ، صلى الله عليه ، وعلى آله ، وصحبه ، وسلم تسليمًا كثيرًاً .
(( أما بعد)):
فإن لعلم الحديث النبوي الشريف مكانة مرموقة بين باقي علوم الشرع
الحنيف ، لأنه علم بأدلة الأحكام والسنن والآثار والأخبار .
وبدون هذا العلم الشريف لا سبيل للفقيه أن يفتي الناس ، ولا سبيل
للمفسر أن يتكلم في بيان دلالات السور والآيات ، ولا سبيل للإخباري أن
يحدِّث الناس بأخبار العالم وما كان من التواريخ وأحداث الأزمان ، إلا على
سبيل الحكاية ، لا التثبت وتصحيح الرواية .
ولما كان هذا العلم الشريف بهذه المكانة العظيمة ، وشأنه هذا الشأن
الجليل ، فإن العلماء من المحققين وأصحاب الدراية والرواية لم يقفوا مكتوفي
الأيدي حيال كل ما يُروى من أخبار وأحاديث وآثار ، وإنما أرسوا قواعد
يستبين بها الطالب صحة الخبر من ضعفه ، وثبوته من عدمه ، وأصالته من
زيفه .
ولم تكن هذه القواعد في بادئ الأمر مدوّنة كحال قواعد المتأخرين من
العلماء ، وإنما كانت تُتبع من أحكامهم على الأحاديث الشريفة ؛ سواءً
بالتصحيح ، أو بالإعلال ، أو بتصريح بعضهم بها عند السؤال عنها .
ولعل أول من اعتنى بجمع هذه القواعد وتحريريها من الأئمة :
الإمام الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ، المعروف
بالخطيب البغدادي .
نعم قد سبقه الرامهرمزي - رحمه الله - في التصنيف في هذا
المضمار، إلا أن الخطيب - رحمه الله تعالى - قد فاقه في التحقيق والجمع
والترجيح .
ثم توالت المصنفات في هذا العلم الشريف ، إلى أن وضع الشيخ
الإمام الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح الشهرزوري - رحمه الله - مقدمته في
علوم الحديث ، فكانت بمثابة الانطلاقة بالنسبة للمتأخرين ، وهي وإن كانت
موضع نقد من بعض الأئمة ، أو موضع تقييد أو توضيح من البعض الآخر؛
إلا أن عليها التعويل عند سائر المتأخرين ، وهي من أفضل ما أُلُّف في علم
مصطلح الحديث .
ثم أتى الحافظ ابن حجر - رحمه الله - فوضع عليها نكته المشهورة ،
فكانت بمثابة التتميم لها ، والإيضاح لما خفي من معانيها .
ووضع على طريقتها وعلى منوالها - ولكن على سبيل الاختصار -
نخبته المعروفة ، وزيّنها بنزهته المشهورة ، فكان عليها التعويل عند الجماعة
ممن أتى بعده ، لا سيما عند المعاصرين اليوم .
إلا أنه - وللأسف الشديد - مع ما نراه اليوم من كثرة من ينتسب إلى
أهل الحديث ، ويدعي معرفة العلل ، ويزعم العلم بطريقة القوم في
التصحيح والإعلال لا يبالي البتة بما نص عليه المحققون من أهل العلم من
٦
المتقدمين أو المتأخرين أو المعاصرين ، مما لا يسعه جهله عند ممارسة هذا العلم
الشريف ، ولا يبالي بأن الخطب جليل ، وأن الكلام في هذا المضمار عسير،
والخوض فيه ليس بيسير ، فتراه يعضد الراجح بالمرجوح ، أو يخلط بين
التدليس والإرسال ، ولا يميز بين الأنواع ؛ فيعل بما ليس بعلة ، ويصحح ما
لا يرتقي إلى الصحة .
وقد كثر هذا الأمر في مصنفات المعاصرين ، بما يستتبع التنبيه عليه
والتبيين ، بما ورد عن المحققين ، وتغافله من يُنسَب إلى العلم من المشتغلين،
فكان هذا الجزء الذي أرجو به الله تعالى والنجاة يوم الدين ، وقد أسميته:
((قواعد حديثية نص عليها المحققون وغفل عنها المشتغلون» .
وطريقتي فيه :
أن أذكر القاعدة الحديثية ، ونص العلماء عليها من أهل العلم ؛ سواء
من المتقدمين أو من المتأخرين ، وبيان أمثلة تؤيدها من صنائع العلماء ، وما
يخالفها من كتابات المشتغلين من المعاصرين .
فأسأل الله العظيم أن يجعل هذا الجزء اللطيف في ميزان أعمالي ، وأن
ينفع به من طلبة العلم سائر الإخوان .
والحمد لله رب العالمين
وكتب : أبو عبد الرحمن
عمرو بن عبد المنعم بن سليم .
٧
• اشتراط انتفاء الشذوذ في بد المجيد
اعلم - رحمنا الله وإياك - أن حد الصحيح عند أهل الشأن كما ذكره
ابن الصلاح - رحمه الله - في ((المقدمة)) هو :
(( الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل
الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معلّلاً)) (١).
فمن شروط الحديث الصحيح : انتفاء الشذوذ ، ولا نكون مبالغين إذا
قلنا أن التحقق من هذا الشرط من أصعب ما يواجه الباحث عند تحقيق سند
الحديث .
فإن الطالب يلزمه للتحقق من هذا الشرط أن يكون على معرفة تامة
بمعنى الشذوذ ، ومتى ينتفي ، ومتى يتحقق وقوعه .
• وقد اختلف في تعريف الشذوذ ؛
فقيل : هر ما خالف راويه الثقات(٢)، وهذا حد واسع ، فإن الضعيف
قد يخالف الثقات ، فحديثه منكر، ولا يُطلق عليه: ((شاذ))، فإن قُصد
بالمخالف الثقة فهو الصواب .
وقال الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)):
(( فأما الشاذ : فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات ، وليس للحديث
أصل متابع لذلك الثقة)) (٣).
قلت : وهذا أيضًا فيه إبهام ، ولا يشفي العليل، ففي ((الصحيحين))
(١) ((علوم الحديث)) ( ص : ١١ - ١٢ ).
(٢) ((الموقظة)) (ص: ٣٠) بشرحنا.
(٣) ((علوم الحديث)) ( ص : ١٤٨).
٨
جملة مما تفرد به الثقات ، ولا تُعرف هذه الأحاديث إلا من طرقهم ، وليس
لهم متابع ، ولا أصل يعضدهم .
من ذلك : حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - :
عن النبي وَخَلّ: ((إنما الأعمال بالنيات ... )).
فهذا حديث فرد ، لم يروه إلا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ،
ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي ، ولم يروه عن علقمة إلا
محمد بن إبراهيم التيمي .
ولم يصفه أحد من أهل العلم بالشذوذ .
والغريب أن الحاكم - رحمه الله - مع أنه قد عرّفه على ما سبق روی
عن الشافعي قوله :
(( ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره ، هذا ليس
بشاذ، وإنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس ، هذا الشاذ من
الحديث )).
قلت : وهذا جيد محرر ، ولكن السكوت أيضًا مخالفة ، فرواية الثقة
ما لا يرويه غيره من الثقات قد يقع موقع الشذوذ أيضًا إذا كان هذا الثقة ممن
لا يُحتمل تفرده .
فيمكن الجمع بين ما ذكره الشافعي وما ذكره الحاكم ، بأن يقال :
الشاذ : هو ما تفرد به من لا يحتمل تفرده من الثقات ، أو ما خالف به
من هو أوثق منه .
فليس كل من أُطلق عليه وصف التوثيق يُحتمل منه التفرد بحديث لا
متابع له ، ولا أصل له يندرج تحته .
٩
فالثقات طبقات - كما هو معلوم عند أهل العلم - ومنهم من يُحتمل
منه التفرد ، ومنهم من لا يُحتمل منه التفرد ، ومنهم من يُحتمل منه التفرد
في روايته عن بعض الرواة ، ولا يُحتمل منه التفرد عن راوٍ بعينه .
وقد نص على ذلك صراحةً الإمام ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح
علل الترمذي)) ، ونقله عن أكثر المتقدمين من أهل العلم .
قاعدة (١)
قال - رحمه الله - :
wrsa
(( أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقرلون في الحدیث إذا تفرد به واحد ،
{ وإن لم يرو الثقات خلافه أن لا يتابع عليه ، ويجعلون ذلك علة فيه ، اللهم إلا
أن یکون ممن کثر حفظه ، واشتهرت عدالته وحديثه ؛ کالزهري ونحوه ، وربما
يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا ، ولهم في كل حديث نقد
خاص ، وليس عندهم لذلك ضابط یضبطه )) . ...
قلت : ولكن هذا لا يعني أنهم يردون مطلق تفرد الثقة ، وإنما يكون
هذا بالنسبة إلى ما تفرد به ، فإن تفرد بحديث مشهور من وجه معين ، فرواه
من وجه آخر يخالف به الوجه الأول حكموا عليه بالشذرذ .
ومثال ذلك :
ما رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن مالك ، عن زيد
ابن أسلم ، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي وَلّه قال:
((إنما الأعمال بالنيات ... )).
وإنما يُعرَف هذا الحديث من رواية محمد بن إبراهيم التميمي ، عن
علقمة ، عن عمر - كما تقدم - .
١
وعبد المجيد هذا في الجملة ثقة ، وثّقه أحمد ، وابن معين ، وأبو
داود، وتكلم فيه جماعة بسبب هذا الحديث ، وأحاديث أخرى أخطأ فيها
على مالك .
قال الخليلي - رحمه الله - في ((الإرشاد))(١):
((فأما ما يخطئ فيه الثقة ... : وقد أخطأ في الحديث الذي يرويه
مالك والخلق ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري - قاضي المدينة - ، عن
محمد بن إبراهيم التيمي ، عن علقمة بن وقاص ، عن عمر بن الخطاب ،
عن النبي وَجّة: ((الأعمال بالنية))، وهذا أصل من أصول الدين ، ومداره
على يحيى بن سعيد ، فقال عبد المجيد - وأخطأ - فيه : أخبرنا مالك ،
عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي
وَداخله: ((الأعمال بالنية)).
رواه عنه نوح بن أبي حبيب ، وإبراهيم بن عتيق ، وهو غير محفوظ
من حديث زيد بن أسلم بوجه ، فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة )) .
فهذا وإن كان ظاهره التفرد به من هذا الوجه ، إلا أنه أيضًا يقتضي
المخالفة لمن رواه عن مالك ، عن الأنصاري بسنده المحفوظ إلى عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - .
وكذلك قد يردون مطلق تفرد الثقة ، أي ما لا يتابع عليه أصلاً ؛ إذا
تفرد برواية ما يُنكر عليه ، بل قد يصفونه بالوضع ، أو بأنه ليس له أصل ،
وربما أعلوه بعلة غير قادحة .
• ومثال ذلك :
(١) ((الإرشاد في معرفة علماء الحديث)) (١٦٧/١).
١١
• حديث صلاة حفظ القرآن ، فإن له طريقًا رواته ثقات .
وهو ما أخرجه الترمذي (٣٥٧٠) ، وابن أبي عاصم في ((الدعاء))،
وابن مردويه في ((التفسير)) - كما في ((النكت)) لابن حجر (٩١/٥) -
والحاكم (٣١٦/١) من طريق :
سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا
ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، وعكرمة ، عن ابن عباس به .
ومتنه منكر جدًّا، وقد قال الترمذي: (( حسن غريب)).
وقال الحاكم: (( صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه)).
وأما الحافظ الذهبي فصرح بنكارته وشذوذه مع نظافة سنده ، فقال في
((تلخيص المستدرك)) :
(( هذا حديث منكر شاذ ، أخاف لا يكون موضوعًا ، وقد حيرني والله
جودة سنده )) .
وقال في ((الميزان)) (٢/ ٢١٣):
((مع نظافة سنده حديث منكر جدًّا؛ في نفسي منه شيء)).
قلت : فهذا دليل على أن المحققين لا يقنعون بمجرد نظافة السند ، وإنما
يعتبرون به بالمقارنة إلى المتن ، فإن لم يكن منكرًا، أو مخالفًا للأصول
والقواعد العامة حكموا بصحته .
ومما يدل على ذلك أيضًا :
· حديث صلاة التسابيح ،
فإن أجود طرقها :
رواية : موسى بن عبد العزيز القنباري ، عن الحكم بن أبان ، عن
١٢
عكرمة ، عن ابن عباس به .
أخرجه أبو داود (١٢٩٧)، وابن ماجة (١٣٨٧)، وابن خزيمة
(١٢١٦)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٤٣/٢).
وهذا السند من رتبة الحسن لولا شدة الفردية فيه .
والقنباري هذا قال فيه ابن معين: ((لا أرى به بأسًا))، وقال النسائي:
((ليس به بأس))، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ((ربما أخطأ))،
وقال السليماني: (( منكر الحديث)).
وهو في الجملة صدوق لا بأس به ، لا سيما وأن الجرح الوارد فيه
مبهم ، فالتعديل مقدَّم عليه .
وقد حكم الإمام أحمد مع ظاهر جودة هذا السند على حديثها
بالضعف ، كما في ((مسائل إسحاق النيسابوري)) (١٠٥/١)، وقال في
((مسائل عبد الله)) (٨٩): ((لم تثبت عندي صلاة التسابيح))، وضعَّفَ
العقيلي الأحاديث الواردة في صلاة التسابيح ، وكذا ابن الجوزي ، ومثلهم
شيخ الإسلام ابن تيمية .
وأما الحافظ ابن حجر فقد اضطرب قوله فيها .
فحكم عليها بالشذوذ في ((التلخيص)) (٧/٢) ، وقال :
(( الحق أن طرقه كلها ضعيفة ، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من
شرط الحسن ؛ إلا أنه شاذ لشدة الفردية فيه ، وعدم المتابع والشاهد من
معتبر، ومخالفة هيئتها هيئة باقي الصلوات ، وموسى بن عبد العزيز وإن كان
صدوقًا صالحًا فلا يحتمل منه هذا التفرد )).
ثم رجع عن هذا القول ، فقوّى الحديث ، وحكم عليه بالحُسن
١٣
بمجموع الطرق في ((الأجوبة على أحاديث المصابيح)).
. وتبعه على ذلك جماعة كبيرة من المعاصرين ، على رأسهم الشيخ
الألباني - رحمه الله - كما في ((صحيح أبي داود))، و((صحيح ابن ماجة)) ،
و((تحقيق المشكاة)) (٤١٩/١) ..
• ومثال آخر يدل على ما ذكرنا :
ما رواه أبو إسحاق السبيعي ، قال : سألت الأسود بن يزيد عما
حدَّثت عائشة عن صلاة رسول الله وَله ، قالت:
كان ينام أول الليل ويحيي آخره ، وإن كانت له حاجة إلى أهله قضی
حاجته ، ولم يمس ماءً حتى ينام .
فهذا الخبر رواته ثقات ، صحيح السند ؛ لولا المخالفة فيه .
وقد جرى على تصحيحه جماعة من أفاضل المعاصرين منهم الشيخ
الألباني - رحمه الله - كما في ((آداب الزفاف)) (ص: ١١٦).
وهذا الحديث كان شعبة - رحمه الله - يتقيه كما ورد في ((العلل)) لابن
أبي حاتم (٤٩/١)، وأعله الإمام مسلم في ((التمييز)) (ص: ١٨١) ، فقال:
(«هذه الرواية عن أبي إسحاق خاطئة ، وذلك أن النخعي وعبد
الرحمن بن الأسود جاءا بخلاف ما روى أبو إسحاق )) .
.. ثم أخرج من طريقهما عن أم المؤمنين عائشة قالت :
كان رسول الله وَل إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه.
ومثله أيضًا بعض ما يتفرد به الصدوق .
قاعدة (٢)
٠
قال الحافظ الذهبي - رحمه الله - في ((الموقظة)) (ص: ٤٢ و٧٧) :
١٤
((وقد يُعد مفرد الصدوق منكرًا))، وقال :
((وقد يسمّي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم
وحفص بن غياث منکرا )» .
. قلت : وغالب المشتغلين من المعاصرين على أن حديث الصدوق من
درجة الحسن(١) ؛ سواء تفرد بالحديث أو لم يتفرد ، أي دون اعتبار الرواية .
ولا يعتبرون في حاله ما إذا كان يُحتمل من مثله التفرد ؛ لا سيما بسنة
- أو بأصل - لم يتابعه عليها أحد .
• ومثال ذلك :
ما أخرجه أحمد (١٥٥/٦)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(ص: ١٤٩)، وفي ((التاريخ الكبير)) (٣٨٦/٤/٢)، والترمذي (٧) ، وأبو
داود (٣٠)، والنسائي في ((اليوم والليلة)) (٧٩)، وابن ماجة (٣٠٠)،
وابن خزيمة ، والحاكم من طريق :
إسرائيل ، عن يوسف بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي
الله عنها - قالت :
كان النبي ◌َّ إذا خرج من الخلاء قال: ((غفرانك)).
قلت : ومدار هذا الحديث على يوسف بن أبي بردة ، وقد تفرد بهذه
السُّنَّة ، ولا يُعلم أن أحدًا رواه غيره ، ولا يُعلم في هذا الباب إلا حديث أم
المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - كما صرح بذلك الحافظ الترمذي - رحمه
الله - .
(١) حديث الصدوق ومن في رتبته من قبيل الحسن إن انتفى عنه شرط الشذوذ أو
النكارة ، وهذا يتحقق بروايته ما لا ينكر عليه ؛ سواء بالمخالفة أو بالتفرد بما لا يُحتمل منه.
١٥
والناظر لهذا السند يجد أن يوسف بن أبي بردة هذا لم يوثقه إلا ابن
حبان والعجلي ، وهما مشهوران بالتساهل كما هو معروف عند أهل الشأن ،
وقال الذهبي: ((ثقة)) كما في ((تلخيص المستدرك)) (١٥٨/١)، وكما في
((الكاشف)) (٢٩٧/٣)، وأما الحافظ ابن حجر فقال في ((التقريب)): ((مقبول))،
أي إذا توبع ، وإلا فليّن الحديث ، وغالبًا ما يطلق الحافظ هذا الوصف على
من كان مجهول الحال .
فعلى تقدير أنه صدوق ، أو أنه حسن الحديث ، أو أنه ثقة على أفضل
الأحوال فقد تفرد بسنة لم يتابعه عليها غيره ، وقد تحايد البخاري ومسلم
حديثه مع أنه حجة في الباب ، وليس في الباب أحسن منه ، وتحايدهما
للحديث مع كونه الحجة في باب من الأبواب يدل على أنه ليس على
شرطهما ، ولا على شرط أحدهما ، وهذا ظاهر جدًّا على أن ثمة علة فيه
تقتضي عدم احتجاجهما به ، وهذا ظاهر من التفرد البيِّن .
ولكن كثير من المعاصرين على تصحيح هذا الحديث ، وهذا مخالفة
واضحة جدًّا للقاعدة السابقة .
وقد قال الترمذي في هذا الحديث :
((حسن غريب))، وهو غالبًا ما يطلق هذا الوصف على ما فيه نكارة.
ثم وجدت - بعد - أخانا الفاضل : أبا الحسن مصطفى بن إسماعيل
-حفظه الله - يقول في كتابه («إتحاف النبيل)) (ص: ١٤٧):
((قد صحح هذا الحديث جماعة من العلماء ذكرهم الشيخ الألباني
-حفظه الله - في ((إرواء الغليل)) ولم أعلم أحدًا من أهل العلم ضعف هذا
الحديث ، أليس تصحيح الإمام من الأئمة لحديث يكون تقوية منه لحال رواته
١٦
في الجملة ؟ فلماذا لا يقال : إن هؤلاء الأئمة الذين صححوا هذا الحديث قد
حسّنوا من حال يوسف بن أبي بردة في هذا الحديث ؟ لا سيما وأن الحديث
يدور عليه ؟ ومن قال : لعلهم صححوه لمتابعات له ، قلنا : هذا أقوى ،
فإن وقف الأئمة على متابعات له ونحن لم نقف عليها وصححوا الحديث
أخذنا بقولهم)).
· قلت : وهذا الكلام فيه مناقشات عدة :
■ الأولى : أن التصحيحات التي نقلها الشيخ الألباني هي :
عن الحاكم ، وأبي حاتم الرازي ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، وابن
الجارود ، والنووي ، والذهبي .
فأما الحاكم وابن خزيمة وابن حبان والنووي فمتساهلون في التصحيح
كما لا يخفى على المشتغل بهذا العلم ، لا سيما النووي ، فإنه يُجري الحكم
على الحديث على طريقة الفقهاء ، وهم لا يعتبرون بمسألة التفرد ولا الشذوذ
كما نبه عليه ابن دقيق العيد في ((الاقتراح))، والذهبي في ((الموقظة)).
ويبقى قول أبي حاتم الرازي ، فالمعروف أن أبا حاتم الرازي لم
يصححه ، وإنما غاية أمره أنه قال - كما في ((العلل)) لابنه (٩٣) - :
(( أصح حديث في هذا الباب حديث عائشة)).
وهذا لا يقتضي الصحة ولا التصحيح بحال ، وإنما يفيد المقارنة ، فإن
أحاديث الباب أشد ضعفًا من هذا الحديث كما بينته تفصيلاً في كتابي
اتحصیل ما فات التحدیث بما قيل لا يصح فيه حديث)) .
ثم هنا مسألة : وهي أن ابن أبي حاتم قد أورد يوسف بن أبي بردة في
(الجرح والتعديل)) (٢٢٦/٤/٢)، ونقل عن أبيه أسماء الرواة عنه ، ولم
١٧
ينقل عنه فيه جرحًا ولا تعديلاً ، فلو كان ثقة عنده ، أو صدوقًا ، أو حتى
صالحًا ، أو ضعيفًا لذكر ذلك عنه ، وإنما إعراضه عن إيراد الجرح والتعديل
فيه دليل على أنه لم يقف فيه على جرح أو تعديل ، لا عن أبيه ولا عن
غيره .
وقد صرح في مقدمة كتابه - رحمه الله تعالى - أنه قد يذكر أسماء
جماعة مهملين من حيث الجرح والتعديل ؛ رجاء الوقوف بعد ذلك على ما
ورد فيهم من جرح أو تعديل ، فقال (٣٨/١/١):
(( على أنّا قد ذكرنا أسماء كثيرة مهملة من الجرح والتعديل ، كتبناها
ليشتمل الكتاب على كل من روى عنه العلم ، رجاء وجود الجرح والتعديل
فيهم ، فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله تعالى )).
وعلى تقدير أنه قد عرفه أبو حاتم بتعديل ، فالقول بأنه صحح حديثه
يقتضي أن يكون يوسف هذا عنده ثقة ، إذ أنه لا يحتج بحديث الصدوق
ومن دونه ، فإن کان کذلك فلماذا أحجم عن ذکر حاله عندما سأله ابنه عنه.
وأما تصحيح الذهبي لهذا الحديث ؛ فمبني على توثيقه ليوسف بن أبي
بردة ، وهذا التوثيق لم يسبقه إليه أحد من المعتبرين ، وإنما سبقه إليه ابن
حبان ، والرجل غير مشهور .
وأما تصحيح ابن الجارود له ؛ فأين نص على ذلك ؟ .. فإن كان
تصحيحه بأن أخرجه في ((منتقاه)) فليس بلازم أن يكون صحيحًا ، فقد أخرج
ابن خزيمة حديث جماعة في ((صحيحه)) ، وهم ضعفاء وأحاديثهم مردودة ،
هذا وقد صرح بأن مادة كتابه الصحيح ، فكيف بمن لم يصرح بذلك ، وإنما
اغتر البعض بقول الذهبي: ((أن أحاديث ((المنتقى)) لا تنزل عن درجة الحسن))،
١٨