Indexed OCR Text

Pages 361-380

إسحاق بن إسماعيل الطالقانى اليتيم قال المروذى: ((سئل أبو عبد الله عنه فقال: لا
أعلم إلا خيراً، قلت: إنهم يذكرون أنه كان صغيراً قال: قد يكون صغيراً ويضبط
(٣٣٥/٦) فتأمل هذه التراجم تجد أن هذا اللفظ يتضمن العدالة والضبط،
والظاهر أن معناه: أننا لا نعلم عن الراوى غير الثقة فى الرواية ولم يظهر منه .
ما يخالف ذلك، ومعلوم أن الأحكام تجرى على الظاهر حتى يظهر خلاف ذلك
فيعمل بأقوى البينتين، والله أعلم.
ومن التراجم التى تدل على أن هذا اللفظ يطلق مع قلة الضبط، قول
الدار قطنى فى بنان بن أحمد بن علوية القطان: ((لا بأس به ما علمت إلا خيراً
كان شيخاً صالحاً فيه غفلة)) (١٠٠/٧) ((تاريخ بغداد))، إذا علمت هذا فالظاهر
أن هذا اللفظ يكون بمنزلة ((لا بأس به)) على أقل أحواله، وقد يكون بمنزلة «ثقة))
إذا ظهرت قرينة تدل على ذلك، وقد ينزل إلى مراتب الشواهد والمتابعات إذا
ظهرت قرينة تدل على ذلك والله أعلم.
° قوهم: «فلان ممن يجمع حديثه»:
هذا اللفظ ورد فى حالتين: الحالة الأولى: إذا كان الراوى ممن يكتب حديثه
ولا يهدر وإن لم يكن فى منزلة من يحتج به، والحالة الثانية: إذا كان الراوى ثقة
وحديثه يجمع عالياً ونازلاً، فأمثلة التراجم التى تدل على أن هذا اللفظ يطلق فيمن
يحتج به عند قائل ذلك، ما جاء فى ((الجرح والتعديل)) ترجمة عبد الواحد بن
أبى عون الأويسى، قال ابن أبى حاتم: ((سألت أبى عنه فقال: من ثقات أصحاب
الزهرى ممن يجمع حديثه)) (٢٣/٦)، وقول الدارقطنى فى الأفطس واسمه سالم:
(ثقة يجمع حديثه)) (ص ٢١٩) ((سؤالات الحاكم للدارقطنى))، وسئل عبد الله بن
العلاء بن زبر (ص ٢٣١) وجاء فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة بسام ابن عبد الله
الصيرفى، وثقه بعضهم وقال الحاكم فى ((المستدرك)): ((هو من ثقات الكوفيين ممن
يجمع حديثه ولم يخرجاه) (٤٣٥/١) وفى بهز بن حكيم قال الحاكم أيضاً: ((كان
- ٣٦١ -

من الثقات ممن يجمع حديثه وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده
لأنها شاذة لا متابع له عليها)) (٤٩٨/١) ((تهذيب التهذيب)) ..
ومن أمثلة التراجم التى تدل على الحالة الأولى: ما جاء فى ((الكامل)) ترجمة
زياد بن أبى زياد الجصاص قال ابن عدى: ((لم نجد له حديثاً منكراً جداً فأذكره
وأحاديثه يحمل بعضها بعضاً وهو فى جملة من يجمع ويكتب حديثه)) (١٠٤٦/٣)،
ونحوه فى زكرياء بن يحيى ويقال ابن حكيم الحبطى (١٠٦٩/٣)، وفى سعيد بن
المرزبان أبى سعد البقال قال ابن عدى: ((هو فى جملة ضعفاء الكوفة الذى يجمع
حديثهم ولا يترك)) (١٢٢٢/٣)، وكذا فى منصور بن دينار قال ابن عدى: ((وهو
مع ضعفه ممن يجمع حديثه وقد روى عنه قوم ثقات)) (٢٣٨٨/٦) وكذا فى
مطر بن طهمان الوراق قال: ((وهو مع ضعفه يجمع حديثه ويكتب)) (٢٣٩٣/٦)،
فالظاهر من معنى هذا اللفظ أنه كما استعمله ابن عدى رحمه الله، فإن ورد فى
غير ذلك فيعمل بالقرينة فى محلها، وكون الراوى يكتب حديثه عالياً ونازلاً لا
يلزم من ذلك أن يكون ثقة ولابد، فهذا أحمد بن حنبل رحمه الله كان يتبع حديث
محمد بن إسحاق صاحب المغازى عالياً ونازلاً ومع ذلك صرح بأنه لم يحتج به؛
والله أعلم.
O قولهم: ((فلان يعتبر به أو يعتبر بحديثه):
*
معلوم أن هذا اللفظ من ألفاظ الشواهد والمتابعات وأن الراوى يكتب
حديثه للاعتبار، لكن ابن حبان رحمه الله فى كتابه ((الثقات)) ((والمجروحين)) يستعمل
هذا اللفظ كثيراً جداً بمعنى أن الراوى حديثه يعتمد ويحتج به ويذكر ذلك مقيِّداً.
له برواية بعض الراوة عن الشيخ المترجم له أو برواية المترجم له عن بعض شيوخه،
وقد جمعت فى ذلك تراجم كثيرة أذكر قليلاً منها وهى تدل على ما سواها، فقد .
جاء فى ((ثقات ابن حبان)) ترجمة عمرو بن أبى عمرو مولى المطلب: ((روى عنه.
مالك وابن الهادى والناس ربما أخطأ يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه).
- ٣٦٢ -

(١٨٥/٥)، وفى ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن عرق اليحصبى، قال: ((لا يحتج
بحديثه ما كان من رواية إسماعيل بن عياش وبقية بن الوليد ويحيى بن سعيد العطار
وذويهم بل يعتبر من حديثه ما رواه الثقات عنه)) (٣٧٧/٥)، ولما ذكر ابن حبان
فى عمران بن عبد المعافرى - الذى تفرد بالرواية عنه عبد الرحمن بن زياد الإفريقى - :
أنه يعتبر حديثه من غير رواية الإفريقى عنه، قال الحافظ ابن حجر: ((فكأنّه لم
يوثقه لأنه ليس له راو غير الإفريقى)) (١٣٤/٨) ((تهذيب التهذيب))، فتأمل فهم
الحافظ ابن حجر لكلام ابن حبان وكيف عده توثيقاً من ابن حبان.
ومن ذلك قول ابن حبان فى قطن بن إبراهيم: ((يخطىء أحياناً يعتبر حديثه
إذا حدث من كتابه)) (٢٢/٩) إلا أن ابن حبان رحمه الله قد يستعمل هذا اللفظ
على بابه كما جاء فى ((الثقات)) ترجمة سعيد بن أبى عروبة: ((كان قد اختلط وأُحب
ألا يحتج إلا بما روى عنه القدماء قبل اختلاطه مثل ابن المبارك ويزيد بن زريع
وذويهما ويعتبر برواية المتأخرين عنه دون الاحتجاج بها)) (٣٦٠/٦)، فقول ابن
حبان فى الراوى ((يعتبر حديثه إذا كان فوقه ثقة)) أو ((إذا حدث عن الثقات)) أو
((إذا كان دونه ثقة)) أو ((إذا روى عنه الثقات أو روى هو عن الثقات)) ..... إلخ.
الظاهر منه أنه بمعنى يعتمد حديثه ويحتج به، لأنه ذكر الراوى هذا فى كتابه
(الثقات)) وشرط أن من ذكره فهو ثقة أو صدوق يحتج به إذا تعرى عن خصال
خمس ذكرها رحمه الله فى مقدمة كتابه، نعم لم يوف بذلك ونوزع فى كثير من
المواضع كما سأبينه إن شاء الله تعالى فى القسم الثالث من هذا الكتاب عند الكلام
على شروط الأئمة فى كتبهم ومدى الوفاء بذلك.
ووقفت أيضاً على معنى آخر يستعمل فيه ابن حبان هذا اللفظ، فقد يقصد
أن حديث الراوى يسبره الناقد ويتبحره ليعرف النكارة التى فيه من قِبَله أو من
قِبَل تلامذة الراوى أو شيوخه، كما فى سليم بن عثمان أبى عثمان الطائى: روى عنه
سليمان بن سلمة الخبائرى الأعاجيب الكثيرة قال - أى ابن حبان رحمه الله تعالى
-: ((ولست أعرفه بعدالة ولا جرح ولا له راو غير سليمان، وسليمان ليس بشىء،
فإن وجد له راو غير سليمان بن سلمة اعتبر حديثه ويلزق به ما يتأهله من جرح
- ٣٦٣ -

وعدالة)) (٤١٥/٦) (الثقات))، وفى قرة بن عبد الرحمن بن حیوئيل، قال یزید بن
الصمت: ((أعلم الناس بالزهرى قرة بن عبد الرحمن))، قال ابن حبان رحمه الله:
(هذا الذى قاله يزيد ليس بشىء يحكم به على الإطلاق، وكيف يكون قرة بن
عبد الرحمن أعلم الناس بالزهرى وكل شىء روى عنه لا يكون ستين حديثاً؟
بل أتقن الناس فى الزهرى مالك ومعمر والزبيدى ويونس وعقيل وابن عيينة هؤلاء
الستة أهل الحفظ والإتقان والضبط والمذاكرة بهم يعتبر حديث الزهرى إذا خالف
بعض أصحاب الزهرى بعضاً فى شىء يرويه)) (٣٤٣/٧) ((الثقات))، وهناك تراجم
أخرى فخلاصة الأمر أن قولهم: ((فلان يعتبر بحديثه» من مراتب الشواهد إلا أن
ابن حبان يستعمل هذا على ثلاثة وجوه: الأول: حاله كحال غيره من العلماء
فى إطلاق هذا اللفظ فيمن يصلح حديثه فى الشواهد والمتابعات، الثانى: الاعتماد
والاحتجاج برواية الراوى، الثالث: اختبار حديث الراوى وجمعه عن كل مشايخه
والحكم عليه بما يستحق جرحاً أو تعديلاً. والذى يلزم الباحث أن يكون يقظاً
فى مثل هذه الأمور، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان جيد المعرفة»:
ذكر الذهبى هذا اللفظ فى مرتبة من قيل فيه ((صدوق ولا بأس به)) وتعقبه
السخاوى، وصنيع السخاوى رحمه الله يشير إلى أن هذا اللفظ أرفع من منزلة
((صدوق))، وما ذاك إلا لأن من وصف بهذا فالظاهر منه أنه جيد المعرفة فى العلل
وطرق الأحاديث ومعرفة صحيحها من سقيمها وهذا مع وجود العدالة من أعلى
مراتب التعديل، لكن قد يطلقون هذا اللفظ أو نحوه ويقصدون أن الراوى جيد المعرفة.
فى الشعر أو الأنساب أو التاريخ كما جاء فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة أحمد بن
بشير القرشى المخزومى قال ابن نمير: «كان صدوقاً حسن المعرفة بأيام الناس.
(١٨/١)، وقد تكلم بعضهم بتضعيفه، والله أعلم.
٣٦٤ -

O قول أحدهم: ((ما رأيت أصح حديثاً من فلان ولا أصح رجالاً):
هذا اللفظ يطلق ويراد به التعديل لأن من هذا حاله فلا شك أنه عدل
ضابط لقى المشايخ المشاهير، إلا أنهم قد يطلقون هذا اللفظ ويراد به ضده، كما
جاء فى ((النبلاء)) ترجمة عبيدة بن حميد بن صهيب العلامة الحافظ الكوفى، قال
ابن المدينى: ((أحاديثه صحاح وما رويت عنه شيئاً وضعفه))، وقال مرة: ((ما رأيت
أصح حديثاً من عبيدة الحذاء ولا أصح رجالاً)) (٥٠٩/٨ - ٥١٠)، وهذا أمر
مشكل، كيف يصفه بأن أحاديثه صحاح بل وما رأى أصح حديثاً منه ولا أصح
رجالاً ومع ذلك ما روى عنه شيئاً وضعفه؟ فالظاهر من هذا أنه يتهم بسرقة
الحديث، والسارق يسرق أحاديث صحيحة ويدعيها لنفسه، بل قد يكذب ويضع
متناً ويركب له إسناداً من أشهر الرجال، أو يضع متناً وإسناداً، هذا ما يظهر
لى من معنى كلام ابن المدينى، يدل على ذلك أن يحيى بن معين رحمه الله قال:
((ما به المسكين من بأس ليس له بخت))، وقال مرة: ((لم يكن به بأس كان ينزل
فى درب المفضل ثم انتقل إلى قصر وضاح فعابوه أنه يقعد عند أصحاب الكتب))
(٥٠٩/٨) ((النبلاء)) فقول ابن معين يدل على أن الرجل مظلوم لكن تكلموا فيه
عند أصحاب الكتب وظنوا أنه يأخذ الأحاديث من الكتب ويدعیها لنفسه ويدعى
سماعها من المشايخ، فالظاهر أن ابن المدينى علم أنه يجلس عند أصحاب الكتب
فشك فيه فنظر فى أحاديثه فوجدها صحيحة ووجد رجالها مشهورين بالصدق.
والإتقان - وهذه عادة أهل السرقة غالباً - فاتهمه بذلك، ولكن ابن معين دافع
عنه، ومن حام حول الشبهات فلا يلومن إلا نفسه والله المستعان، وسأعيد الكلام
على ذلك إن شاء الله.
O وصفهم الراوى: ((بأنه يحدث من فرع ويرفض إخراج الأصل»:
الراوی إن روی حدیثاً خولف فيه وطُلب منه الأصل ینبغی له أن یبریء
نفسه بإظهار الأصل الذى فيه سماعه لهذا الحديث أو فيه إقرار شيخه بأنه سمع
- ٣٦٥ -

منه هذا الحديث، أما إذا رفض وأخرج الفرع فإنهم يتكلمون فيه، لكن إذا كان
الراوى مشهوراً بالعدالة وطلب الحديث فمثل هذا لا يضره، فقد جاء فى ((تاريخ
بغداد))، قال الأزهرى لأبى مسعود الدمشقى: ((إن ابن شاهين لا يخرج إلينا أصوله
وإنما يحدث من فروع، فقال: إن أخرج إليك ابن شاهين حديثاً مكتوباً على خزفة
فاكتبه ...... ، (٢٦٨/١١) ترجمة عمر بن أحمد بن عثمان أبى حفص بن شاهين
والله أعلم.
O قولهم: «فلان أخرج له البخارى أو مسلم فى الأصول أو لم يخرج له أحدهما
فى الأصول)):
الأصل أن البخارى إذا احتج برجل فى ((صحيحه)) فمعنى ذلك أن الرجل
يحتج به عند البخارى إلا أنه قد يخرج صاحب (الصحيح)) لمن هو سىء الحفظ.
فى الأصول، وهذا محمول على أنه انتقى من حديثه ما هو صحيح أو ما لم يخطىء
فيه أو ماله أصلّ من حديث غيره أو من صحيح حديثه قبل تغيره أو اختلاطه
أو قبوله التلقين، فقد احتج البخارى بإسماعيل بن عبد الله بن أويس وفليح بن
سليمان وهما من أهل الوهم والخطأ.
وفى المقابل ليس كل من لم يخرج له البخارى مثلاً يكون ضعيفاً عنده،
:
فقد يكون ذلك لنزول إسناده، أو لأدنى كلام فيه وإن كان لا يضره مع وجود
من هو أشهر منه ولم يُتكلّم فيه، وقد لا يروى أحد الأئمة عن شيخ إما لبدعته
أو لغير ذلك مما سبق ذكره فى الكلام على قول أحدهم فى أحد الرواة: «تر که
فلان))، وهناك حالة أخرى كما جاء فى ((تذكرة الحفاظ)) أن البخارى رحمه الله لم
يخرج عن حبان بن هلال البصرى الحافظ أبى حبيب مع إدراكه له لأنه أدرك
أبا حبيب فى حين أن أبا حبيب امتنع عن التحديث، ذكر ذلك الذهبى
(٣٦٥/١)، وقريب من هذا ما جاء فى ((النبلاء)): ((قال الحسن الحلوانى: قلت.
لعفان: كيف لم تكتب عن عكرمة بن عمار؟ قال: كنت قد ألححت فى طلب
- ٣٦٦ -
-

الحديث فأضر ذلك بى فحلفت لا أكتب الحديث ثلاثة أيام، فقدم عكرمة فى
تلك الأيام فحدث ثم خرج)) (٢٥١/١٠) فمثل هذا لا يضر الراوى أن فلاناً
لم یرو عنه.
وجاء فى ((التنكيل)) للعلامة المعلمى رحمه الله ترجمة حماد بن سلمة بن
دينار، قال المعلمى: ((فأما عدم إخراج البخارى له فى الأصول فلا يوجب أن
يكون عنده غير أهل ذلك، ولذلك نظائر، هذا سليمان بن المغيرة قد ثبته الأئمة
جداً، فقال أحمد: ((ثبت ثبت))، وقال ابن معين: ((ثقة ثقة))، والثناء عليه كثير ولم
يغمزه أحد ومع ذلك ذكروا أن البخارى لم يحتج به ولم يخرج له إلا حديثاً
واحداً مقروناً بغيره، وقد عتب ابن حبان على البخارى فى شأن حماد بن سلمة
وذكر أنه قد أخرج فى الشواهد لمن هو دون حماد بكثير كأبى بكر بن عياش
وفليح وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك
بكلام شريف جداً، فقال: ((حماد بن سلمة إمام كبير مدحه الائمة وأطنبوا ولما
تكلم بعض منتحلى الصنعة أن بعض الكذبة أدخل فى حديثه ما ليس منه لم يخرج
عنه البخارى معتمداً عليه بل استشهد به فى مواضع ليبيِّن أنه ثقة، وأخرج أحاديثه
التى يرويها من حديث أقرانه كشعبة وحماد بن زيد وأبى عوانة وغيرهم، ومسلم
اعتمد عليه لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين ولم يختلفوا، وشاهد
مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل نفسه وإجماع أئمة أهل النقل على
ثقته وأمانته ...... )) اهـ (ص ٤٥٣) وما بعدها من ((التنكيل)). وذكر الذهبى
رحمه الله سبباً آخر من أسباب قلة رواية الحفاظ عن أحد الرواة، وذلك كما فى
((النبلاء)) ترجمة إسحاق النديم الحافظ ذى الفنون أبى محمد بن إبراهيم بن ميمون
قال الذهبى: (( لم يكثر عنه الحفاظ لاشتغاله عنهم بالدولة)) (١١٩/١١).
- ٣٦٧ -

O قول أحدهم: «لا أنشط لحديث فلان أو لا أستحلى حديثه أو لا أنبسط
لحديثه أو لا أستخف حديثه ...... إلخ.)):
هذه الألفاظ ترد كثيراً وتدل على أن قائلها يضعف هذا الراوى، لکن قد
يكون سبب ذلك نزول الإسناد، فمثل هذا ينبغى لطالب العلم أن يبحث فى
ترجمة الراوى فى عدة مراجع ليتبين له سبب هذا الإجمال فإن وقف على سبب
ذلك وإلا حُمل على التضعيف، والله أعلم.
O ((إذا سئل أحدهم عن رجل فقال: لا تروى عنه)):
الأصل فى ذلك أن القائل يرى أن المسئول عنه لا يستحق أن يروى عنه
وأنه مردود الحديث مطلقاً كما سبق فى المرتبة الرابعة من مراتب التجريح، لكن
:
جاء فى ((الجرح والتعديل)): قال يحيى بن سعيد القطان لعيسى بن يونس هل سمعت
من الجريرى؟ - يعنى سعيد بن إياس أبا مسعود الجريرى -؟ قال: قلت: نعم،
قال: لا ترو عنه، قال عباس بن محمد الدورى: إنما مذهب يحيى عندنا فى هذا
أن الجريرى اختلط لا أنه ليس بثقة)) (٢/٤)، فتأمل فهم الدورى لقول يحيى
لعيسى: ((لا ترو عنه)) ثم تأمل كيف خصصه فى زمن دون آخر، والله أعلم.
0. ((إذا روى أحد الرواة حديثاً منكراً وسئل أحد الأئمة عن ذلك الراوى
فقال: ومن هو فلان حتى يصدّق على الله؟)) :.
فالظاهر من هذا أن فلاناً هذا ليس بشىء أو هو متهم أو على أقل أحواله
ضعيف لا يحكم بقوله على أحد من أهل العلم، وقد روى مروان بن عثمان بن:
سعيد المعلى حديثاً عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل أنها سمعت رسول الله -
صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يقول: رأيت ربى فى أحسن صورة شاباً موقراً
رجلاه فى خضر عليه نعلان من ذهب ..... وذكره الذهبى فى ((ميزانه)) فى ترجمة
- ٣٦٨ _

نعيم بن حماد (٢٦٩/٤)، ولما عرض على النسائى هذا الحديث، قال: ((ومن مروان
حتى يصدق على الله عز وجل))، كما فى ((تهذيب التهذيب)) (٩٥/١٠)، فالظاهر
من هذا القول التضعيف ويشهد له بقية أقوال الأئمة فى مروان، وترجم له الحافظ
بقوله: ((ضعيف))، إلا أن المعلمى رحمه الله فى تحقيقه على ((الفوائد المجموعة)) لم
يعتبر ذلك جرحاً وإنما احتمل أنه توقُّفٌ من النسائى فى حال الرجل، وحين ذكرت
ذلك للشيخ مقبل بن هادي الوادعى حفظه الله تعالى ودفع عنه كل سوء قوّى
ما قاله المعلمى، وعندى أن ذلك خلاف الأصل وخلاف الظاهر من اللفظ، ويمكن
تصحيح ما قاله المعلمى إذا قامت قرينة تقوى ذلك، وقد ذكر المعلمى أن النسائى
لم يقصد الجرح بدليل أنه أخرج له فى ((سننه))، وهذا أمر محتمل، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان لا يكذب)):
اعلم أن نفى النقص لا يلزم منه إثبات الكمال، فكم من راو لا يكذب
ومع ذلك ليس بحجة لكثرة أوهامه، لكن لو تتبع طالب العلم هذا اللفظ وجده
يطلق كثيراً ويراد به إثبات التوثيق للراوى فى الرواية، أو على الأقل أن يكون
بمنزلة ((صدوق))، جاء فى ((النبلاء)) ترجمة أبى الصلت عبد السلام بن صالح الهروى،
قال ابن محرز: ((سألت يحيى بن معين عنه فقال: ليس ممن يكذب))، وقال عباس:
(«سمعت يحيى يوثق أبا الصلت ..... )) (٤٤٧/١١) ((النبلاء»، وفى ترجمة طاوس:
قال الزهرى: ((حدثنى طاوس ولو رأيت طاوساً علمت أنه لا يكذب)) (١٠/٥)
(تهذيب التهذيب))، وفى ((تاريخ بغداد)) ترجمة أحمد بن أزهر النيسابورى ذكر قصة
فيها أن ابن معين سمع حديثاً فى فضل علّ وهو موضوع وأحمد بن الأزهر هذا
يحدث فلما سمعه قال ابن معين: ((من هذا الكذاب النيسابورى الذى يحدث بهذا
الحديث؟ فقام أحمد: وقال هو ذا أنا، فتبسم ابن معين، وقال: أما إنك لست
بكذاب))، والرجل قد وثقه غير واحد، انظر (٤١/٤ - ٤٢)، وقال ابن خزيمة
فى صالح بن محمد جزرة أبى على الحافظ: ((هو ركن من أركان الحديث لا يتهم
بالكذب)) (٣٢٧/٩) ((تاريخ بغداد))، وقال أبو مسهر فى خالد بن دهقان القرشى
- ٣٦٩ -

مولاهم: ((كان غير متهم كان ثقة روى عنه الأوزاعى وصدقة بن خالد، وقال
أيضاً: كان ثقة كانت عنده أربعة أحاديث وأشباهها)) (٣٥/٥) ((تهذيب تاريخ
دمشق)). وفى ((صحيح البخارى)) (٢٩٥/٢) مع ((الفتح)): قال عبد الله بن يزيد
الخطمى: ثنى البراء وهو غير كذوب.
وكما سبق أن نفى النقص لا يلزم منه ثبوت الكمال، فقد جاء فى ((ضعفاء
العقيلى)) ترجمة رؤبة بن العجّاج، الشاعر، قال على: ((قال لى يحيى: دع رؤية بن
العجاج قلت: كيف كان؟ قال: أما إنه لم يكن يكذب)) (٦٥/٢) فتأمل كيف
قال: ((دع رؤبة)) ونَفَى عنه الكذب، فالظاهر أنه يعنى أن رؤية ليس من أهل
الحديث بل هو مشتغل بغيره وإن لم يكن كذاباً، والله أعلم.
O. قول أحدهم فى الراوى: ((يحدث من حفظه بما ليس عنده من كتابه)):
الظاهر أن هذا اللفظ تجريح وأنه دليل على أن الراوى متساهل، كما جاء
فى «تاريخ بغداد)» ترجمة أحمد بن كامل بن شجرة القاضى، قال الدارقطنى: ((كان
متساهلاً وربما حدث من حفظه بما ليس عنده فى كتابه)) (٣٥٨/٤)، وانظره فى
((سؤالات السهمى للدارقطنى (ص ١٦٤ - ١٦٥)، وقد يقولون هذا اللفظ فى
المحدث الذى هو واسع الرواية وكثير الحديث وبعض حديثه يحفظه وبعضه فى
كتبه، وقد أشار إلى ذلك الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمى العتمى اليمانى
رحمه الله فى رده على الكوثرى، إذا علمت هذا فهناك فرق بين هذا اللفظ وبين
قولهم: ((فلان يحدث من حفظه بما ليس عنده فى حديثه)) فالظاهر أنهم يعنون بهذا
أن الراوى مغفل وقد يكون متهماً أو كذاباً وليس فى هذا اللفظ وجه للمدح
بخلاف الأول وإن كان الأول قد يرد فى الذم كما سبق، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان روى ما لم يسمع)):
الظاهر من هذا أن الراوى متهم أو كذاب أو سارق والعياذ بالله، لكن
٣٧٠ - :
ـ

اللفظ يحتمل أن الراوى مدلس يروى عن شيوخه ما لم يسمعه منهم لكنه لا يصرح
بالسماع بخلاف الكذاب، وهناك حالة ثالثة يطلقون فيها هذا اللفظ وذلك إذا
كان الراوى مغفلاً مع صلاحه وتقواه، كما جاء فى ((الجرح والتعديل)) ترجمة عباد
ابن كثير البصرى الثقفى، كان متعبداً قال أحمد: «روى أحاديث كاذبة لم يسمعها
وكان من أهل مكة وكان صالحاً، قال أبو طالب: قلت فكيف كان يروى ما
لم يسمع؟ قال: البلاء الغفلة)) (٨٥/٦)، فليس كل من روى ما لم يسمع كان
كاذباً أو متهماً، والله أعلم.
O قولهم: ((كان فلان يتكلم على الأحاديث)»:
*
الظاهر منه أنهم يقصدون بذلك أن الراوى يتكلم على الأحاديث من جهة
التصحيح والتضعيف وبيان عللها وهذا يدل على فهم ومعرفة الراوى، لكن جاء
هذا اللفظ على جهة أخرى كما فى ((سؤالات الحافظ السلفى لخميس الحوزى
عن جماعة من أهل واسط))، قال السلفى: ((وسألته عن أبى الحسين محمد بن أحمد بن
الطيب بن جعفر بن كارى والد إسماعيل القاضى فقال :...... وكان يتكلم على
الأحاديث لا من طريق الصحيح والسقيم ولا الجرح والتعديل ولكن من طريق
الوعظ والفقه، فإنه كان فقيهاً حنفياً من أصحاب الرازى أبى بكر أحمد بن على»
اهـ (٩٣).
O قولهم: ((فلان من العوام أو كان عامياً)):
*
يأتى هذا اللفظ على عدة حالات:
الأولى: بمعنى أنه ((مجهول))، كما قال الذهبى فى بقية بن الوليد: ((كان يدلس
عن قوم ضعفاء وعوام ويسقطهم)) (٢٨٩/١) ((تذكرة الحفاظ)).
الثانية: وقد يكون بمعنى أن الراوى قريب الأمر فى الرواية، كما قال ابن
- ٣٧١ -

النجاشى فى حرب بن الحسن الطحان: ((عامى الرواية))، فقال الحافظ ابن حجر
رحمه الله تعالى: ((أى شيعى قريب الأمر)) (١٨٤/٢) ((لسان الميزان))، ومعنى هذا:
والله أعلم أن حديثه يقارب حديث الثقات وليس من أهل العلم المشهورين به.
الثالثة: بمعنى العبادة والزهد، كما جاء فى ((العبر فى خبر من غبر) للذهبى
ترجمة الداهرى أبى الفضل عبد السلام بن عبد الله بن أحمد البغدادى الخفاف:
((كان عامياً مستوراً كثير الرواية)) (٢٠١/٣)، ويوضح ذلك ما جاء أيضاً فى
((العبر)) ترجمة العلبى زكرياء بن على بن حسان بن على أبى يحيى البغدادى الصوفى:
((كان عامياً) (٢٠٩/٣) والله أعلم.
ولكن إذا لم تظهر قرينة تصرف هذا اللفظ فالظاهر أنه بمعنى أن الراوى
ليس من علماء هذا الشأن ولا من المشتغلين به وهو أشبه بالحالة الثانية، والله أعلم.
0 قولهم فلان يشترى الكتب»:
كثيراً ما يُطلق هذا اللفظ على المتهمين الكذابين، ومعناه أن الراوى يأخذ
کتب الناس وينسبها لنفسه وليس له سماع صحيح من المشايخ الذين حدث عنهم،
بل اشترى تلك الكتب وألحق سماعه فيها وذهب يحدث بما فيها، كما قال ابن معين
فى داود بن سليمان الجرجانى: ((كذاب يشترى الكتب» (٣٦٦/٨) «تاريخ بغداد)»،
وقد يعبرون عن ذلك بقولهم: ((فلان كان يأخذ الكتب أو أخذ كتبه من العطارين
والصيادلة أو أخذ كتبه من أصحاب الكتب أو كان يجلس عند أصحاب
الكتب ..... )) وكل ذلك يدل على الطعن فى عدالة الراوى وفى صحة سماعه من
مشايخه الذين ادعى السماع منهم، وقد جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة عبد الله بن
زياد بن سمعان المدائنی: ((قال أبو بكر بن أبى أويس: كنت أجالسُ عبد الله بن
زياد بن سمعان وكنا نرى أنه أخذ كتباً غير سماعه، فبينا هو يحدث إذا انتهى إلى
، حديث لشهر بن حوشب فقال: حدثنى شهر بن جوست - بالجيم والسين المهملة
والتاء المثناة الفوقية - فقلت: من هذا؟ قال: رجل من أهل خراسان اسمه من
- ٣٧٢ .-

أسماء العجم، فقلت: لعلك تريد شهر بن حوشب، فعلمنا حينئذٍ أنه يأخذ
الكتب ...... قال: ولما ذُكر ذلك لأبى معشر قال: وأما ابن سمعان فإنما أخذ كتبه
من الدواوين والصحف)) (٤٥٦/٩).
غير أن هذا اللفظ قليلاً ما يذكر على سبيل المدح فقد ذكروا فى تراجم
بعض المشاهير كالحافظ السلفى أنه كان يشترى الكتب ويقتنيها وذلك من تمام
اعتنائه رحمه الله بطلب الحديث، والله أعلم.
O قول أحدهم: ((كنت لا أسأل فلاناً عن شىء)):
هذا اللفظ يحتمل ثلاثة وجوه:
١- قد يكون ذلك لجلالة فلان هذا وهيبته وعلو قدره، وهذا يحدث كثيراً
من التلامذة مع شيوخهم الثقات المشاهير، وقد حدث هذا من التابعين مع
الصحابة فمن بعدهم، وقد جاء فى ((تذكرة الحفاظ)) ترجمة هشيم بن بشير بن
أبى حازم قال أحمد: لزمت هشيماً أربع سنين ما سألته عن شىء إلا مرتين هيبة
له)) (٢٤٩/١).
٢- ويحتمل أنه لا يراه أهلاً للسؤال وأنه متروك ليس بشىء، وأمثلة هذا كثيرة
كما سبق فى المرتبة الرابعة والخامسة من مراتب التجريح، والظاهر أن هذا الوجه
هو الأصل فى هذا اللفظ وأمثاله، والله أعلم.
٣- وقد يكون ذلك بسبب نزول الإسناد كما فى ((النبلاء) ترجمة يزيد بن
هارون الحافظ الواسطى قال يزيد رحمه الله: (( ...... وأحفظ للشاميين عشرين ألف
حديث لا أُسأل عنها))، قال الذهبى: ((قلت: لأنه أكثر إلى الغاية عن محدثى الشام
ابن عياش وبقية وكان ذلك نازلاً عنده، وإنما حسن سماع ذلك من أصحابهما
فى أيام أحمد بن حنبل ونحوه)) (٣٦٠/٩).
- ٣٧٣ -

(الباب الرابع)
(ذكر ألفاظ ظاهرها الجرح أو التعديل والأمر على خلاف ذلك)
أئمة الجرح والتعديل إذا سئل أحدهم عن راو فقد يتكلم فيه صراحة
ويقول: ((فلان ثقة أو ضعيف أو كذاب))، وقد يتكلمون فيه قياساً على غيره،
أو يحيدون فى الجواب، ولهذا فصل مستقل سيأتى إن شاء الله تعالى، لكنهم قد
يقولون فى الراوى عبارة يظهر لنا منها أنها تعديل أو تجريح وحقيقة هذه العبارة
خلاف ذلك، فمن ذلك:
٥ قولهم: ((فلان لص)):
الظاهر من هذا اللفظ تجريح الراوى بمعنى أنه يسرق الحديث ويدعيه لنفسه،
وقد فهم بعضهم هذا كما سيأتى، ولكن فى الحقيقة هو لفظ من ألفاظ التعديل
التى تدل على أن الراوى حافظ، كما جاء فى ((الجرح والتعديل)) ترجمة إسرائيل بن
يونس بن أبى إسحاق السبيعى قال ابن مهدى: ((كان إسرائيل فى الحديث لصاً
يتلقف العلم تلقفاً)) (٣٣٠/٢)، قال العلامة المعلمى رحمه الله تعالى فى الحاشية:
فى (تهذيب التهذيب)) (٢٦٣/١) قال عثمان بن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن مهدى
فى إسرائيل: ((لص يسرق الحديث)). اهـ
:
قال المعلمى: كذا قال والمعروف عن ابن مهدى توثيق إسرائيل والثناء عليه،
وفى ((التهذيب)) قال ابن مهدى: ((إسرائيل فى أبى إسحاق أثبت من شعبة
والثورى)) اهـ. فكلمة ((يسرق الحديث)) إنما هى من قول عثمان فسّر بها كلمة
(ص)) والصواب ما قاله المؤلف. اهـ (٣٣٠/٢ - ٣٣١).
قلت: ويوضح ذلك أن ابن مهدى قال: ((يتلقف العلم تلقفاً) وهذا كما
سبق شرحه فى مراتب التعديل معناه أنه ما سمع شيئاً إلا حفظه وفهمه بسرعة
- ٣٧٤ -

وخفة وصار من جملة حديثه بعد أن كان من حديث الناس، فهذا وجه الشبه
بين اللص الذى يأخذ حديث الناس بخفة وسرعة وبين الحافظ الفهم الذى إذا
سمع شيئاً لم يفته ولم يحتج إلى إعادته وما هذا إلا لسرعة فهمه وحدة ذكائه،
والله أعلم.
O قول أحدهم: ((فلان ضيّعوه)):
قد يفهم من هذا أنهم أعرضوا عن الراوى ولم يأخذوا عنه وأنه أهل لذلك،
ولكن قائل هذا القول يحسِّن القولَ فى فلان هذا، ويرى أنهم أخطأوا فى تركهم
له وأن عنده أحاديث حسنة وأسانيد عالية، ومثل هذا يتنافسون فيه فكيف
يعرضون عنه؟ جاء فى ((الميزان)) ترجمة إسماعيل بن عمر بن نجيح البجلى الكوفى
الأصبهانى: ((انتهى إليه علو الإسناد بأصبهان))، قال أبو حاتم والدارقطنى:
(ضعيف ...... )) وذكره إبراهيم بن أورمة فأحسن الثناء عليه. وقال شيخنا: ((مثل
ذلك ضيعوه كان عنده عن فلان وفلان)). اهـ من (الميزان)) (٢٣٩/١)، فالرجل
فى نظر شيخ الذهبى لا يستحق الترك والضياع، وكم من راو ليس له بخت عند
المحدثين، وكثيراً ما يقول ابن معين فى الرواة: ((هو المسكين صدوق أو لا بأس
به ولكن ليس له بخت)»، ونحو هذا اللفظ قول النسائى فى مسیب بن واضح:
((الناس يؤذوننا فيه))، كما فى ((الكامل)) (٢٣٨٣/٦)، فهذا معناه أن الناس أعرضوا
عنه ويؤذون النسائى فى تحسين الرأى فيه، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان يجيب عن كل ما يُسأل)»:
الظاهر من هذا اللفظ أن الراوى بحر واسع العلم، لأنه لا يجيب عن كل
ما يسأل إلا من كان هذا وصفه، وهذا ظاهره المدح، لكن فى الحقيقة هذا لفظ
تجريح يدل على أن الراوى يقبل التلقين وقد يكون كذاباً، وصورة ذلك أن يُدفع
إليه جزء من الأجزاء الحديثية ويقال له: حدثك فلان بكذا قال حدثنا فلان بكذا؟
- ٣٧٥ -

فيقول: نعم حدثنى فلان بكذا وكذا أن فلاناً حدثه بكذا، وهذا ليس من حديثه
بل هو من حديث غيره، وقد يعبرون عن هذا بقولهم: ((فلان يقرأ كل ما يدفع
إليه)) أى إذا دفع إليه كتاب وليس هو من حديثه قراه، وقال: حدثنى فلان به،
وهذا كله على سبيل الغفلة والوهم، ولو فعل ذلك متعمداً لكان كذاباً، جاء
فى كتاب ((المجروحين)) لابن حبان ترجمة رشدين بن سعد المهرى: ((كان يجيب
فى كل ما يسأل ويقرأ كل ما يدفع إليه سواء كان ذلك من حديثه أو من غير
حديثه ويقلب المناكير فى أخباره على مستقيم حديثه)) (٣٠٣/١)، وفيه أيضاً ترجمة.
عمر بن حفص بن أبى حفص العبدى: ((كان ممن يشترى الكتب ويحدث بها من غير
سماعه ويجيب فيما يسأل وإن لم يكن مما يحدث بها)) (٨٤/٢) وفى ترجمة قيس بن
الربيع الأسدى: ((أمتحن بابن سوء فكان يُدخل عليه الحديث فيجيب فيه ثقة
منه بابنه)) (٢١٨/٢ - ٢١٩) وكذا ترجمة موسى بن دينار (٢٣٧/٢) من كتاب
(المجروحين))، أما إذا قالوا: ((يكذب مجاوبة)) فهو شديد الجرح والطعن فى العدالة،
كما جاء فى ((الكامل)) لابن عدى قال محمد بن سعيد أبو سعيد الحداد: ((كان ابن
الأزهر يكذب مجاوبة، فقيل له: كيف كان يكذب مجاوبة؟ قال: قيل له رجل
أسلم ثوباً له إلى حائك ينسجه له على من الأرد هالق؟ - فى الحاشية: لعل المقصود
على من الأجرة - قال عمرو: حماد عن إبراهيم قال: على رب الثوب» (١٧٨٣/٥
- ١٧٨٤).
O قول أبى حاتم فى بعض الرواة: ((أعرابى مجهول)):
هذا اللفظ بظاهره يقضى بجهالة الراوى، لكن أبا حاتم يقول ذلك فى
الصحابى الذى لم يرو عنه أئمة التابعين كما قال الحافظ ابن حجر، انظر ترجمة
زياد بن جارية (٣٥٧/٣) ((تهذيب التهذيب))، وترجمة مدلاج بن عمرو السلمى
(١٣/٦) ((لسان الميزان))، وانظر ((الجرح والتعديل)) (٢٨٢/٨).
- ٣٧٦ -

O قولهم: ((فلان حديثه فوائد»:
الظاهر من هذا اللفظ أن الراوى حديثه جيد وقوى وهذا المتبادر من معنى
((فائدة)، ولكن فى الحقيقة هم يقولون هذا على من حديثه غرائب ولم يتابع عليه
يدلك على هذا أن مصنفات العلماء لها أسماء منها (الصحاح)) ((والمسانيد)) ((والسنن))
((والأجزاء)) ((والمعاجم)) ((والمشيخات)) ((والفوائد))، فإذا كان للشيخ أحاديث لا
توجد إلا عنده ولم يأت بها غيره جمعها فى جزء وسماها: ((فوائد)) وتراهم يقولون:
انظر ((فوائد فلان)) يعنون كتابه الذى صنفه فى الأحاديث التى انفرد بها ولا يلزم
من ذلك أن تكون الأحاديث صحيحة أو قوية، بل قد جاء فى شرح ((علل
الترمذى)) لابن رجب رحمه الله: ((ونقل محمد بن سهل بن عسكر عن أحمد قال:
إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون هذا الحديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ
أو دخل حديث فى حديث أو خطأ من المحدث أو ليس له إسناد وإن كان قد
روى شعبة وسفيان، وإذا سمعتهم يقولون: ((لا شىء) فاعلم أنه حديث صحيح)).
اهـ (ص ٢٣٥).
ومعنى ذلك أن الفائدة أى الغريبة التى لم تشتهر ولم يسبق لهم معرفتها،
وهذا أمر يتنافس فيه المحدثون، فيسمون الغرائب فوائد بمعنى أنهم استفادوها ولم
تكن عندهم من قبل، وسيأتى قول أحدهم: ((لا يستطيع أحد أن يفيدنى عن
شيخى الفلانى شيئاً) بمعنى أنه لا يستطيع أحد أن يأتى بشىء عن هذا الشيخ
وأنا لا أعرفه.
وأما قول أحمد: «وإذا سمعتهم يقولون لا شىء فاعلم أنه حديث صحيح)»،
فقد أشكل علّ فهمه حتى فتح الله علَى بسؤالى للشيخ مقبل بن هادى الوادعى
حفظه الله تعالى ومتع به فقال: ((معناه أنه قد سبق لهم معرفة هذا الحديث وأنه
مشهور فإذا سمعوا به قالوا: لا شىء، بمعنى أنه معروف عندنا))، فجزاه الله عنى
خيراً، ويشهد لهذا قول ابن المبارك: ((العِلْم هو الذى يجيئك من هاهنا ههنا)) -
يعنى المشهور - وقال مالك: ((شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذى قد
- ٣٧٧ -

رواه الناس)) انظر (ص ٢٣٤) من شرح ((علل الترمذى))، فالحديث إذا كان
مشهوراً فإن بعض المحدثين لا يرغبون فيه، لأن الواحد منهم لو ارتحل للحديث
وهو موجود عند غيره وعند من هو أعلى إسناداً منه وأشهر فما فائدة ذلك؟
فعند ذلك يقولون: (لا شىء)) أى لا نرغب فيه، أما إن كان غريباً رحلوا من
أجله، ولذلك فإن بعض من يسرق الحدیث یأتی به غريباً خلاف المشهور حتى
يثير فى النفوس الرغبة فى الرحلة إليه، والله أعلم.
O قول البخارى فى أحد الرواة: ((لا يصح حديثه - أو فى إسناده نظر أو
فى حديثه نظر»:
الظاهر من هذا أن البخارى يلين الراوى بمثل هذه العبارات، ولكن الأمر
يحتاج إلى تفصيل:
فقوله: ((فلان لا يصح حديثه)): جاء فى ((الكامل)) ترجمة جلّاس بن عمرو
قال ابن عدى: سمعت ابن حماد يقول: قال البخارى: جلاس بن عمرو عن ابن.
عمر روى عنه أبو جناب لا يصح حديثه، قال الشيخ - وهو ابن عدى رحمه الله
-: ((وجلاس هذا أيضاً ليس له إلا ما ذكره البخارى حديثاً واحداً وإنما مراد البخارى
أن يذكر كل من ابتداء اسمه ((جيم)) فى الرواة مقطوعاً أو مسنداً» (٦٠١/٢)
وفيه أيضا ترجمة عبد الله بن عطية بن سعد العوفى قال الشيخ: ((وهذه الأسامى التى
يذكرها البخارى ليس قصده فيه أنه يضعف هذه الأسامى التى يذكرها وإنما قصده أن
يذكر كل من اسمه عبد الله ممن روى المسند وغير المسند أو روى عن التابعين
أو عن الصحابة أو روى الحرف أو الحرفين فيعز وجود روايات هؤلاء»
(١٥٤٧/٤) وجاء فى ((لسان الميزان)) ترجمة عبد الرحمن بن صفوان، قال البخارى
فى ((الضعفاء الكبير)): ((لا يصح حديثه))، انتهى قال الحافظ: ((وهذا إن كان مراده
عبد الرحمن بن صفوان بن أمية فقد قيل: إن له صحبة فما كان ينبغى للمؤلف
- ٣٧٨ -
:

- يعنى الذهبى - أنه يذكره، لأن البخارى إذا ذكر مثل هذا إنما يريد التنبيه
على أن الحديث لم يصح إليه، وكذا هو فإن فى حديثه اضطراباً كثيراً) (٤١٩/٣).
وقوله فى الراوى: ((فى إسناده نظر)) أو ((يختلفون فيه)) أو ((فى حديثه نظر)):
يقول ذلك البخارى عقب حديث للراوى المترجَم له، وقد يكون ذلك لوجود
ضعيف فى السند غير صاحب الترجمة، وقد يكون للرد على من يرى أن صاحب
الترجمة سمع من فلان من الصحابة أو من غيرهم والبخارى يرى عدم ذلك، فلا
يلزم من ذلك تضعيف الراوى، انظر (٣٨٤/١) من ((تهذيب التهذيب)) ترجمة
أوس بن عبد الله الربعى أبى الجوزاء البصرى.
وفى ((المغنى)) للذهبى ترجمة حبشى بن جنادة السلولى: ((تناكد ابن عدى
وذكره فى ((الكامل)) وشبهته فى ذلك قول البخارى فى حديثه: ((إسناده فيه نظر))،
وذلك عائد إلى الرواة إلى حبشى لا إليه) (١٤٦/١).
O قولهم: ((فلان شكاك أو لو عاش سنتين مثلاً لذهب حديثه)):
قد يظهر للبعض أن هذا تجريح وأن قولهم: ((شكاك)) بمعنى أن الراوى ليس
يثبت ولا متقن لما يرويه بل يحدث على سبيل التوهم، وقد يظهر من القول الثانى
أن الأئمة تركوا حديثه، لكن فى الحقيقة من نظر إلى استعمال الأئمة لهاتين
العبارتين وجد أنهما من عبارات التعديل التى تدل على أن الراوى عدل فى دينه
ذو ورع ومتقن لحديثه، فقد قال أحمد كما فى ((سير أعلام النبلاء» فى ترجمة يحيى بن
يحيى عالم خراسان: ((ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله)) - يعنى يحيى بن
يحيى - كنا نسميه يحيى الشكاك من كثرة ما كان يشك فى الحديث (٥١٥/١٠)
انظر نحوه فى ((تذكرة الحفاظ)) (٤١٦/٢) وجاء فى ((النبلاء)) ترجمة يحيى بن يحيى
أيضاً قال أحمد: ((لو كانت عندى نفقة لرحلت إليه، وحدَّث أحمد يوماً بحديث
فقال له الحسين بن منصور: خالفك يحيى بن يحيى، فقال: كيف قال يحيى بن
- ٣٧٩ -

يحيى؟ فأخبرته فضرب على حديثه وقال: لا خير فيما خالف فيه يحيى بن يحيى))،
فيحيى هذا قال فيه الحاكم: ((سمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت مشايخنا.
يقولون: لو عاش يحيى بن يحيى سنتين لذهب حديثه، فإنه إذا شك فى حديث:
أرسله، هذا فى بدء الأمر ثم صار إذا شك فى حديث تركه، ثم صار يضرب
عليه من كتابه)) (٥١٥/١٠) ((النبلاء).
والظاهر من هذا أن من وصف بذلك كيحيى بن يحيى ومسعر وغيرهما.
الحامل لهم على هذا تمام الديانة والإتقان، والله أعلم.
وقد جاء فى (تهذيب التهذيب)) ترجمة مسعر بن كدام الذى قال فيه ابن.
المبارك:
فليأت حلقة مسعر بن كدام
من كان ملتمساً جليساً صالحاً
فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام
وقال فيه إبراهيم بن سعيد الجوهرى: ((كان يسمى الميزان»، مسعر هذا قال:
فيه أبو نعيم: ((كان مسعر شكاكاً فى حديثه وليس يخطىء فى شىء من حديثه
إلا فى حديث واحدٍ))، وقال وكيع: ((شك مسعر كيقين غيره))، وقال الأعمش:
« کان شيطان مسعر یستضعفه ویشککه فى الحدیث)»، وقال عبد الله بن داود:
((كان مسعر يسمى المصحف لقلة خطئه وحفظه))، وقال ابن أبى حاتم: ((سألت
أبى عن مسعر إذا خالفه الثورى؟ فقال: الحكم لمسعر فإنه مصحف)) (١١٤/١٠
- ١١٥)، وفى ((تاريخ بغداد)) ترجمة محمد النوشجان السويدى، قال أبو داود:
((ثقة حدثنا عنه أحمد كان صاحب شكوك رجع الناس من عند عبد الرزاق بثلاثين:
ألفاً ورجع بأربعة آلاف)) (٣٢٦/٣) ونحو ذلك ما قاله عبد الله بن وهب: ((كان:
علم الناس يزيد وعلم مالك ينقص فى كل سنة من حديثه)) (٢٥/١) ((الجرح.
والتعديل)».
- ٣٨٠ -