Indexed OCR Text

Pages 181-200

من مراتب التجريح، غير أنهم قد يقولون: ((فلان صحفى)) على من لا يحفظ كغيره
من المشاهير فقد قال يزيد بن هارون: ((لمَّا حدثنا شعبة بحديث المقدام أبى كريمة
فى حق الضيف، فقال شعبة: فيكم أحد سمعه من حريز بن عثمان؟ قال: قلت:
أنا، قال: حدثنى به، قال: قلت: لا أحفظه، قال: صحفيون؟ فضحك يزيد))
(١٧٤/١) (الجرح والتعديل)) وهذا على سبيل المزاح وإلا فيزيد رحمه الله إمام
حافظ. وهذا اللفظ قد يرد فى الجرح الشديد بمعنى أن الراوى ليس بشىء، وقد
قال شعبة: ((قال لى أيوب: لا ترو عن خلاس - أى ابن عمرو الهجرى - فإنه
صحفى)) (١٤١/١) (العلل ومعرفة الرجال)) لأحمد.
O وقولهم: ((لم يمنع أبو زرعة مثلاً من قراءة حديث فلان)» أى أنه ليس
بمتروك عنده، قال ابن أبى حاتم: ((سئل أبو زرعة عن بشير بن ميمون أبى صفى
الواسطى؟ فقال: ضعيف الحديث ولم يمنع من قراءة حديثه)) (٣٧٩/٢) ((الجرح
والتعديل)، وهذا يدل على أنه ليس بمتروك عند أبى زرعة، يدلُّك على هذا قول
ابن أبى حاتم فى بشير بن مهران الحذاء: ((سمع منه أبى وترك حديثه وأمرنى ألا
أقرأ عليه حديثه)) (٣٧٩/٢) ((الجرح والتعديل)).
O وقولهم: ((فلان لا يسكن القلب عليه)) أى أن القلب مضطرب من
رواياته المضطربة والمختلفة بالفاء. وسئل أبو حاتم عن بكار بن محمد بن عبد الله بن
محمد بن سيرين فدفعه وقال: ((لا يسكن القلب عليه، مضطرب)) (٤١٠/٢)
((الجرح والتعديل)، أما إذا قصد الطعن فى صدقه بهذا اللفظ فهو أشد جرحاً
ومنزلته أرداً من هذه المنزلة، وقد قال ابن أبى حاتم: «سألت أبا زرعة عن
يعقوب بن حميد بن كاسب فحرك رأسه، قلت: كان صدوقاً؟ قال: لهذا شروط))،
وقال فى حديث رواه يعقوب: ((قلبى لا يسكن على ابن كاسب)) (٢٠٦/٩)
(الجرح والتعديل)).
O وقولهم: ((فلان ضعيف بهولنى كثرة ما يسند)» أى من الموقوفات
والمرسلات، قاله أبو حاتم فى عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم (٢٦٤/٥)
: ((الجرح والتعديل)).
- ١٨١ -

O وقولهم: ((فلان ضعيف الحديث منكر الحديث)) إذا قصد من هذا
التفسير والبيان لا التأكيد فهو فى هذه المنزلة، فقد قاله أبو حاتم فى عبد العزيز بن
عبيد الله بن حمزة وزاد: ((يكتب حديثه)) (٣٨٧/٥) ((الجرح والتعديل))، وخالف
ذلك فى عبد الرزاق بن عمر الدمشقى فقال: ((لا يكتب حديثه)) (٣٩/٦) ((الجرح
والتعديل)).
۵ وقولهم: «فلان فی حدیثه زيادة على حدیث الناس» أی وقع ذلك
فى حديثه على سبيل الوهم ولم يكثر ولم يفحش أما إن كان على سبيل العمد
أو فحش ذلك فى حديثه فلا، واللفظ قاله أحمد فى يونس بن أبى إسحاق السبيعي
.(٢٤٤/٩) ((الجرح والتعديل)).
O وقولهم: ((فلان فرد المتون والأسانيد)) قاله ابن عدى فى أبّ بن
العباس بن سهل بن سعد الساعدى بعد أن قال: ((يكتب حديثه)) (٤١١/١)
(الكامل)) ونحوه: ((فلان غريب الحديث ممن يكتب حديثه وفلان لا يتابع على
أحاديثه فيعتبر به)) كما فى ((سؤالات البرقانى للدارقطنى)) ترجمة سوار بن داود
الصيرفى (ص ٣٥) وأما قولهم: ((عامة حديثه إفرادات وغرائب)) فغالباً ما يطلقه
ابن عدى فى الجرح الشديد لأن هذا يدل على أنه الغالب فى حديثه، والراوى
مهما كثرت أخطاؤه ما لم تغلب على حديثه فإنه يصلح فى الشواهد والمتابعات،
وقد قال ابن عدى فى سيف بن محمد ابن أخت الثورى: ((ولسيف أحاديث غير
ما ذکرت یشبه بعضها بعضاً عن الثوری وغيره وعن کل من روى عنه سيف
فإنه يأتى بما لا يتابعه عليه أحد وهو بَيِّنُ الضعف جداً)) (١٢٧١/٣) ((الكامل)).
O وقولهم: (فلان يشبه حديثه حديث الصالحين)) وقد سبق أن الصالحين
- من غير العلماء الأثبات - تشغلهم العبادة عن الضبط والإتقان، فيكثر فى
حديثهم الغلط وقد يصل بهم إلى الترك، وقد قال ابن عدی فی کادح بن رحمة
العرمى: ( ..... ويشبه حديثه حديث الصالحين فإن أحاديثهم يقع فيها ما لا يتابعهم
عليه أحد)) (٢١٠٤/٦) ((الكامل)).
- ١٨٢ -

O وقولهم: ((فلان يُتكلّم فى حديثه ولكن لا مانع من حديثه» أى لا
يترك مع ما فيه من كلام.
وقولهم: ((فلان غيره خير منه)) قاله ابن عيينة فى عمرو بن شعيب
(٢٧٣/٣) ((ضعفاء العقيلى))، وقال مرة: ((حديثه عند الناس فيه شىء)) (٤٩/٨)
(تهذيب التهذيب))، ولكن هذا اللفظ قد يرد على سبيل الجرح الشديد والعبرة
بالسياق والقرائن.
O وقولهم: ((فلان إسناده ليس بشىء)) إن كان بمعنى مضطرب فمحله
هنا، كما فى ترجمة أبى معشر المدينى (٣٠٨/٤) ((ضعفاء العقيلى))، وإن كان بمعنى
أنه يروى عن كل أحد وليس من أهل التحرى فالقدح بهذا له شروط فقد فعله
الثورى وقتادة وابن جريج وهم من الأئمة، ولكن يقدح فيمن لا يميِّز ولا يفهم،
وإن كان بمعنى أنه لم يسمع من مشايخه وادعى سماع ما لم يسمع ولقاء من لم
يلق فهذا طعن فى العدالة ومنزلته أرداً من ذلك فى الجرح، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان ضعيف الركن)) قاله مسلم فى ((التميز)) فى جعفر بن
برقان فقد قال: (( ...... فأما روايته عن الزهرى وعمرو بن دينار وسائر الرجال
فهو فيها ضعيف الركن ردىء الحفظ فى الرواية عنهم)). أهـ من ((شرح علل
الترمذى)) (ص ٣٤٣ - ٣٤٤).
O وقول أحدهم: ((أنا أقف فى فلان لا يترك)) قال الدار قطنى فى على بن
زيد بن جدعان: ((أنا أقف فيه لا يترك عندى فيه لين)). اهـ من ((سؤالات البرقانى
للدارقطنى» (ص ٥٢) ولكن الذى فى ((تهذيب التهذيب)): قال الدارقطنى: ((أنا
أقف فيه لا يزال عندى فيه لين)» (٣٢٣/٧).
O وقولهم: ((فلان لا يُخرّج عنه فى الصحيح)» قاله الدارقطنى فی یزید بن
أبى زياد وزاد: ((يخطىء كثيراً ويتلقن إذا لقن)) (ص ٧٢) من ((سؤالات البرقانى))
وكذا قولهم: ((لا أختاره فى الصحيح)) قاله الدار قطنى فى إسماعيل بن عبد الله بن
أويس كما فى ((تهذيب التهذيب)) وقد سبق تفصيل هذا (ص ١٥٦)، ونحوه قول
- ١٨٣ -

أحمد بن عبدان فى أحمد بن سليمان الفقيه النجاد: ((لا يدخل فى الصحيح»
(٤١/١) ((المغنى)) فهذا الأصل فى مثل هذه الألفاظ إلا إذا قامت قرينة ترفعه
أو تنزل به والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان فى حد من لو وضع له حديث لم يميِّز أو لم يفهم»
وهذا اللفظ بمفرده يدل على أنه ليس بمتقن ولا بحاذق، فلو وَضع له الكذابون
حديثاً أو لقنوه لم يميز، ولا يلزم من هذا أن يكون متروك الحديث إلا إذا كثر
هذا منه وفحش خطؤه، وقد قال هذا اللفظ أبو حاتم فى سليمان بن
عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل (٤٣٨/٢) ((تذكرة الحفاظ))، وانظر ((الجرح
والتعديل)) (١٢٩/٤)، وقد يكون الرجل مع هذا مستقيم الحديث كما قاله أبو حاتم
فى سليمان.
O وقولهم: ((فلان سقيم)) أى ضعيف، وقد قال ابن أبى خيثمة عن يحيى
فى ابن إسحاق: ((هو عندی سقيم ليس بقوى)) (٤٧/٧) ((النبلاء)).
O وقولهم: ((فلان ما رويت عنه إلا باضطرار)) قاله حماد بن سلمة فى
ابن إسحاق ونحوه: ((کتبوا عنه ضرورة)) قاله محمد بن سعید فی خالد بن مخلد
القطوانى (٢١٨/١٠) (النبلاء)) وانظر ((طبقات ابن سعد)) (٤٠٦/٦)، وهذا ظاهره
الضعف وإن كان يحتمل أن سبب ذلك البدعة أو نزول الإسناد.
O وقولهم: ((فلان يزيد فى الأسانيد ويخالف» إن كان هذا على سبيل الوهم
فمحله هنا، وإلا فقد قال ابن خراش - وهو متكلم فيه - فى محمد بن عثمان بن
أبى شيبة: ((كذاب بيِّن الأمر يزيد فى الأسانيد ويوصل ويضع الحديث)) (٤٦/٣)
(تاريخ بغداد))، وهذا معناه أنه يفعل هذا تعمداً لا وهماً، وهذا محله فى السادسة
والله أعلم.
O وقولهم: (فلان مضطرب لا يقيم الإسناد)) قاله أحمد فى أبى معشر كما
سبق وزاد: ((ولكن أكتب حديثه وأعتبر به)) (٤٣٧/٧) («النبلاء)) ..
O وقولهم: ((فلان لا يحتج بحديثه ولا يعتد به)) قاله السعدى فى ابن لهيعة
- ١٨٤ -

(٣٠/٨) ((النبلاء)) وانظر ((أحوال الرجال)) (ص ١٥٥).
O وقولهم: ((فلان كان يخلط فى حديثه)) قاله أحمد فى حفص بن غياث
(٣١/٩) ((النبلاء)، ونحوه قول أحمد فى سلمة بن صالح الأحمر: يحدث عن
أبى إسحاق بأحاديث صحاح إلا أنه: ((عن حماد مختلط الحديث)) فهذا يدل على
ضعفه فى حماد.
O وقال مرة: ((حدث عن حماد أحاديث مضطربة)) (١٣٢/٩) ((تاريخ
بغداد)) وقد قال صالح بن محمد فى عبد الله بن عمر العمرى: ((يُلَيَّن مختلط الحديث))
(٢١/١٠) ((تاريخ بغداد)).
O وقولهم: ((أقلّوا عن فلان لِلين شُهِر به)) قاله ابن المنادى فى محمد بن
خلف بن حيان الملقب بوكيع (٢٣٧/١٤) ((النبلاء)).
O وقولهم: ((فلان ضعيف يُخرَّج حديثه)) أى يعتبر به ولا يترك.
O وقولهم: ((فلان أعور بين عميان)) أى أنه ليس بالأعمى المتروك ولا
بالبصير الثبت، واللفظ قاله الدارقطنى فى أبى يوسف القاضى يعقوب بن إبراهيم
(٢٦٠/١٤) ((تاريخ بغداد))، وقد سبق التنبيه على أن معرفة حال الرجال تُبحث
فى مظانها، والمقصود فى بحثنا هذا بيان معنى الألفاظ ومراتبها دون التفات إلى
قائلها ولا إلى من قيلت فيه، والله أعلم.
O ومن ذلك قول أبى حاتم لما سأله ابنه عن بكر بن خنيس فقال:
(للحديث رجال)) (٣٨٤/٢) ((الجرح والتعديل)) أى أنه ليس هو ممن يعتمد عليه
فى الروايات، وقد سئل عنه أبو حاتم مرة فقال: ((ليس هو بالقوى فى الحديث))،
فقال ابنه: ((هو متروك الحديث؟)) قال أبو حاتم: ((لا يبلغ به الترك)) (٣٨٤/٢)
((الجرح والتعديل)).
O وقولهم: ((فلان إسناده لا يمضى)) إن كان هذا لضعفه أو لسوء حفظه،
• أما إذا كان لا ينتقى فى الرواية ويحدث عن كل أحد فلا قدح فيه إلا إذا كان
- ١٨٥ -

عن عدم تمييز وفهم وكَثُر منه ذلك، ومعنى ((لا يمضى)) أى لا ينفذ ولا يجوز
كما فى ((لسان العرب) (٢٨٣/١٥ - ٢٨٤).
O وقولهم: ((فلان ليس بمحفوظ الحديث أو شاذ الحديث)) وهذا أحسن
حالاً من ((منكر الحديث))، والله أعلم.
O ومن ذلك قولهم: ((فلان حجة لولا كثرة وهمه)) قيل فى إسماعيل بن
عياش انظر ((تهذيب: تهذيب)) (٣٢٦/١).
O ومن ذلك وصفهم للراوى بأنه: ((مغفل)) وكان قد ظهر لى أن هذا
اللفظ شديد الجرح بمعنى أن الراوى لا يعى ولا يفهم وأنه فاحش الخطأ، ولكن:
وقفت على كلام فى («تاريخ بغداد)» ترجمة إسحاق بن بشر أبى حذيفة البخارى
قال أحمد بن سیار بن أيوب: ((کان ببخاری شیخ يقال له أبو حذيفة، وكان صنف
فى بدء الخلق كتاباً، وفيه أحاديث ليس لها أصول، وكان يتعرض فيروى عن قوم
ليسوا ممن يدركهم مثله، فإذا سألوه عن آخرين دونهم يقول: ومن أين أدركت
هؤلاء؟ وهو يروى عمن فوقهم! وكانت فيه غفلة ومع ذلك كان يزن بحفظ))
(٣٢٧/٦) وفى ((لسان العرب)): ((زنة بالخير زنا وأزنه: ظنه به واتهمه ..... وقال
اللحياني: أزننته بمال أو بعلم أو بخير أى ظننته به -..... ويقال: فلان يزن بكذا
وكذا أى يتهم به)) (٢٠٠/١٣)، فهذا فيه أن الرجل مغفل ولا يعرف ما يقول
ومع هذا لم يدفع عن الحفظ، وقد قال ابن رجب الحنبلى رحمه الله فى شرحه
(علل الترمذى) ما معناه: ((إن الراوى قد يكون مغفلاً وهو قليل الخطأ وقد يكون
كثير الخطأ غير مغفل وقد يجمع بينهما». اهـ بمعناه (ص ٩٥)، لكن ليعلم أن
من الغفلة ما يوجب ترك حديث الراوى كما ذكره الحميدى عبد الله بن الزبير،
وهذا إذا كانت غفلته وصلت إلى حد الفحش فى الأخطاء ورواية البواطيل دون
تمييز وكثر ذلك منه، وهناك بعض الحالات يطلق عليها العلماء الغفلة كما جاء فى
(النبلاء)) ترجمة عبد اللطيف بن إسماعيل بن محمد بن دوست النيسابورى الصوفى
قال ابن الدبيئى: ((كان بليداً لا يفهم قال مرة فيما بلغنى لمن قصده فى سماع
- ١٨٦ -

جزء: امض به إلى ابن سكينة يسمعك عنى فإنى مشغول)) (٣٣٥/٢١).
تنبيه:
اعلم أن هذه المرتبة آخر مراتب الشواهد والمتابعات، ولكن جاء فى
((الباعث الحثيث)) (ص ١٠٥ - ١٠٦) بعد أن عد الشيخ أحمد شاكر رحمه الله
مراتب الجرح والتعديل على ترتيب الحافظ ابن حجر لها فى ((التقريب))، فذكر
رحمه الله أن المرتبة السابعة وهى قوله: مستور أو مجهول الحال والمرتبة الثامنة وهى
قوله: ضعيف فما بعدهما من مراتب الرد على تفاوت فى ذلك، وجعل مراتب
الشواهد المرتبة الخامسة وهى: صدوق يخطىء أو بهم ..... إلخ ومرتبة ((مقبول))
فقط، وهذا أمر ما أعلم من سبقه إليه، فأكثر صنيع العلماء على الاستشهاد بمن
قيل فيه ((مستور أو مجهول الحال)) ومن قيل فيه ((ضعيف)) بل قد صرح الحافظ
بذلك فى ((تقريبه)) فى ترجمة صالح بن أبى الأخضر فقد قال: ((ضعيف يعتبر به)
(٣٥٨/١) من («التقريب)) وقد عُلم عن الشيخ رحمه الله التساهل فى كثير من
المواضع وما قاله هنا غاية فى التشدد، والله أعلم.
- ١٨٧ -

المرتبة الرابعة: من مراتب التجريح
وهى أولى مراتب الرد، وأهلها لا يستشهد بحديثهم، والله أعلم.
فعند الحافظ ابن حجر: ((مجهول)) وهو - عنده - من لم يرو عنه غير
واحد ولم يوثق وعند العراقى: ((لا شىء وضعيف جداً وواه بمرة ولا يساوى
شيئاً ومطرح وطُرح حديثه وارم به ورُدَّ حديثه وَردُّوا حديثه ومردود الحديث
ومطرح الحديث وليس بشىءٌ».
وزاد السخاوى: «واه وتالف ولا يكتب حديثه ولا تحل الرواية عنه
ولا يحل كتابة حديثه والرواية عنه حرام، ولا يساوى فلساً». وأنا أُبين بعض
ما قالوه ثم أذكر بقية ألفاظ هذه المرتبة إن شاء الله تعالى.
O فقول الحافظ ((مجهول)) أى مجهول العين، ولكن تعريف الحافظ هذا
لا يخلو من نظر، فالراوى قد ترتفع جهالة عينه برواية واحد ينتقى فى الرواية،
ولا يروى عن الضعفاء، وليس هذا بتوثيق صريح، وأصرح من هذا فى الجواب
على تعريف الحافظ، أن الراوى قد يروى عنه واحد فقط ثم يذكر عنه معلومات
تدل على أنه قد عرفه، كأن يقول مات سنة كذا فى حرب الروم أو كان قاضياً
أو كان عاملاً عند الخليفة، أو غير ذلك من العبارات التى تدل على أن الراوى
قد عرفه، وهذا كما هو ظاهر ليس بتوثيق، ويحكمون مع هذا بأن الراوى قد عرفت
عينه، والحافظ نفسه فى «تقریبه)) يفعل هذا كما سأبينه إن شاء الله عند الكلام على
(تقريب الحافظ ابن حجر)) رحمه الله.
وأمر آخر هو أن الظاهر من كلام كثير من أهل العلم ومن تصرفهم أن
جهالة العين لا يشترط فى رفعها رواية اثنين، فقد ذكر ابن رجب فى ((شرح علل
الترمذى)) أن هذا رأى محمد بن يحيى الذهلى وتبعه عليه المتأخرون، وذكر انه
قد ترتفع الجهالة برواية واحد وقد لا ترتفع برواية أكثر من واحد، وذكر نصوصاً.
- ١٨٨ -

لأهل العلم فى هذا فراجعها هناك. بقى أن يقال مجهول العين هل يستشهد به
أم لا؟ الظاهر أنه إذا تفرد بالرواية عنه واحد لم نقف على شىء نعرفه به أن يكون
مردود الرواية، وقد نصوا على هذا فى كتب المصطلح، وقد ذكر عداب الحمش
فى رسالته أن الجمهور وإن نصوا على عدم الاستشهاد بمجهول العين إلا أن عملهم
على الاستشهاد به، ولهذا مزيد بيان سيأتى فى القسم الثانى من هذا الكتاب إن
شاء الله. واعلم أن أسباب الجهالة كما ذكرها الحافظ ابن حجر إما أن يكون الراوى
مقلاً جداً حتى إنه لم يعرف بالطلب وفى هذا يقول ابن عدى: ((فلان فى مقدار
ما يرويه لم يتبين لى صدقه من كذبه))، وأيضاً قد يكون من أسباب جهالة الراوى
تصرف المدلسين فى اسمه ونسبه ولقبه وغير ذلك من الأمور التى يعرف بها الراوى
فيظن التعدد وهو راو واحد فيحكم عليه بالجهالة والعلم عند الله تعالى.
O وقولهم: ((واه بمرة)) أى جزماً بلا تردد، وقولهم: ((مردود الحديث)) من
عبارات الجرح الشديد ولكن فى كتاب ((قواعد فى علوم الحديث)) للتهانوى نقل
أبو غدة فى الحاشية كلاماً لمحمد عوامة عند كلامه على احتجاج أحمد بالحديث
الضعيف (ص ١٠١) وعدّ هذا اللفظ من ألفاظ الضعف المتوسط أى الذى يصلح
فى الشواهد والمتابعات، والصواب أنه من ألفاظ الجرح الشديد كما صرح به الحافظ
العراقى فى ((ألفيته)) عند ذكره لمراتب التجريح والله أعلم.
O وأما قولهم: ((واه)) فهو من الألفاظ التى اختلفت فيها أقوال الأئمة،
فقد ذكر النووى كما فى ((تقريب النواوى)) لفظ ((واهى الحديث)) من مراتب الترك،
وذكر الحافظ الذهبى هذا اللفظ فى ديباجة ((الميزان)) بين ألفاظ خفيفة الجرح مثل
ضعفوه وضعيف ومنكر الحديث، ومع هذا فمن نظر فى ((الميزان)) وغيره ((كالمغنى))
للذهبى وجد الحافظ الذهبى رحمه الله يكثر من قوله فى الترجمة («واه أو وهاه
فلان)) ويكون ذلك إما فى مجهول العين أو فى رجل تكلم فيه غير الذهبى رحمه الله
بكلام شديدا انظر ترجمة إبراهيم بن باب البصرى القصار (٢١/١) الميزان وترجمة
إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهرى (٥٦/١) («الميزان». وفى ترجمة أبّ بن
عباس ذكر أخاه عبد المهيمن وقال: ((واه) ثم ترجم لعبد المهيمن فى موضعه وذكر
- ١٨٩ -

كلاماً شديد الجرح لكثير من الأئمة (٦٧١/٢) ((الميزان)) وانظر ترجمة أحمد بن
محمد بن الخليفة المكتفى العباسى (١٤٥/١) وترجمة أبان بن سفيان فى ((المغنى).
(٦/١) وطلحة بن جبير (٣٣٨/٢) ((الميزان)) وفى ترجمة بركة بن محمد الحلبى
فى (الميزان)) قال: ((متهم بالكذب)) (٣٠٣/١) وفى ((النبلاء)) فى ترجمة بقية بن الوليد
قال: (وبركة واه)) (٥٣١/٨) وغير ذلك من تراجم.
والحافظ العراقى قد صرح بأن هذا اللفظ من ألفاظ الشواهد، والحافظ ابن
حجر قد صرح فى المرتبة العاشرة بقوله: ((من لم يوثق البتة وضعف مع ذلك بقادح
وإليه الإشارة بمتروك أو متروك الحديث أو واهى الحديث أو ساقط)) كما فى مقدمة
(التقريب))، والحافظ السخاوى قد ذكر هذا اللفظ عند شرحه لقول الحافظ العراقى
((واه بمرة)) فقال: ((أى قولاً واحداً لا تردد فيه و كان الباء زيدت تأكيداً)، ثم
قال: ((وواه فقط وتالف ...... )) أى من جملة ألفاظ هذه المرتبة ثم شرح بقية ألفاظ
المرتبة التى فيها قول الحافظ العراقى ((واه)) ولم يعترض عليه فربما أنه اكتفى بما
تقدم، والله أعلم.
والسيوطى رحمه الله قد فعل كما فعل السخاوى فلم يعترض على قول النووى:
(واهى الحديث))، وذكر قول العراقى ولم يعلق عليه، فالظاهر أن هذا اللفظ من:
الألفاظ الشديدة الجرح إلا إذا قامت قرينة تدل على أنه قصد به الجرح الخفيف
فيعمل بها، كما يفعل السعدى فى كتابه ((أحوال الرجال)) فإنه يذكر هذا اللفظ
ويقرنه بعبارات خفيفة الجرح انظر ترجمة على بن زيد بن جدعان (ص ١١٤)
وترجمة أيوب بن سويد (ص ١٥٥) وترجمة الحسن بن أبى جعفر الجُفرى (ص
١١٧) ومحمد بن أبى حميد وهو حماد بن أبى حميد (ص ١٣٠) وكما جاء عن
الذهبى فى ((الميزان)) ترجمة يحيى بن ميمون أبى المعلى العطار (٤١١/٤) والله أعلم.
O وقولهم: ((لا يكتب حديثه)) أى على وجه الاحتجاج أو الاستشهاد،
أما إن كتب للبيان ولتحذير العوام منه فلا ضير فقد فعله كبار الأئمة.
O وأما قولهم: ((ليس بشىء)) فسيأتى فى باب المصطلحات الخاصة ما ذكر
- ١٩٠ -

عن ابن معين والشافعى وغيرهما فى ذلك ومن جملة ألفاظ هذه المرتبة:
O قولهم: ((فلان مجهول فى النسب والرواية)) قاله العقيلى فى عبد الله بن
بكار الأشعرى (٢٣٧/٢) ((ضعفاء العقيلى)).
O وقولهم: ((فلان لين جداً أو ضعيف الأمر جداً أو نكرة أو لا يُدرى
من هو، أو لا يُدرى من ذا، أو لا يُدرى ما هو، أو لا يعرف البتة، أو مجهول
جداً)) وهذا اللفظ قاله ابن القطان فى النضر بن شفى، والنضر رَوَى عنه متروكٌ
وكذابٌ (١٦٢/٦) من ((لسان الميزان» ونحوه: ((لا نفهم من هذا)) قاله أبو حاتم
فى محمد بن ثابت (٢١٦/٧) ((الجرح والتعديل)) ونحوه: ((ليس لى به خبر))
((وليس لى به علم)) وهذا اللفظ قاله ابن معين فى محمد بن أبى عبيدة بن معن
المسعودى، ونحوه: ((لا أفهمه)) انظر ترجمة محمد بن عروة بن رويم اللخمى
(٢٨٣/٥) ((لسان الميزان)): ((ومجهول لا معنى له أو لا يعبأ به)) أما عن مصطلح
أبى حاتم فى قوله ((مجهول)) فسیأتی فی محله إن شاء الله.
O وقولهم: ((فلان لا يشتغل بحديثه أو لا يشتغل به)) والقول الثانى أشد
فى الجرح لاحتمال أن يكون السبب فى القول الأول قلة الحديث أو نزول الإسناد
والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان شيخ عامى لا يفهم ولا يقيم الهجاء)).
O وقولهم: ((فلان لا وجود له)) قاله الذهبى فى أحمد بن زَيْدان المقرى
(٩٩/١) ((الميزان)).
O وقولهم: «فلان قاص أو كان قاصاً أو كان صاحب قصص أو صاحب
سمر)) أى أنه ليس من أصحاب الحديث ولا من المشتغلين به، وقد قال أحمد فى
صالح المرى: ((كان صاحب قصص يقص ليس هو صاحب آثار وحديث ولا
يعرف الحديث)) (٣٩٦/٤) ((الجرح والتعديل)). وقال أيضاً فى النهاس بن فهم
أبى الخطاب البصرى: ((قاص)) وكان يحيى يضعف حديثه ويقول: ((ليس بشىء
كان قاصاً)) (٥١١/٨) ((الجرح والتعديل)) غير أنه قد يكون القاص ثبتاً، فقد قال
- ١٩١ -

حماد بن سلمة: ((يقولون القصاص لا يحفظون فكنت أقلب على ثابت البنانى حديثه
- يعنى أجرب حفظه - فكنت أقول لحديث ابن فلان كيف حديث
عبد الرحمن بن أبى ليلى؟ فيقول: لا حدثناه فلان، وأقول لحديث عبد الرحمن بن
أبى ليلى كيف حديث فلان فيقول: لا حدثنا عبد الرحمن بن أبى ليلى» (٤٤٩/٢)
((الجرح والتعديل)) وكان ثابت رحمه الله قاصاً، والقاص هو الذى يعظ الناس
ويذكرهم، ولذا قال أحمد : ((ما أحوج الناس إلى قصاص صدوق، ولكن الغالب
على القصاص الاشتغال بالمقطوعات والحكايات التى ترقق القلوب وعدم الاعتناء
بالمسندات، وقد يكون منهم الكذابون الذين يسألون الناس بهذه القصص. والله
أعلم.
O وقولهم: «فلان لم يكن أهلاً للحديث، أو للحديث عنه، أو لم يكن
فى موضع أن يُحدَّث عنه، أو لا نروى عنه شيئاً، أو ما نقدر أن نحدث عنه،
أو منعنا أبو زرعة مثلاً من قراءة حديثه، أو أهل ألا يروى عنه أو ليس ممن
:
يروى عنه، أو نهى عن حديثه، أو صاحب سمر ما ظننت أن أحداً يحدث عنه،
أو لا ينبغى أن يُروى عنه، أو لم يكن شيوخنا يحدثون عنه أو لا يُروى عنه))
وهذا اللفظ الأخير له حالتان: الحالة الأولى: الجرح وذلك بمعنى الإخبار بأنه ليس
أهلاً لأن يروى عنه، والحالة الثانية: ليس فيها جرح ومعناها الإخبار بأن الراوى
ليست له رواية، فقد ذكر أبو حاتم فى بعض الصحابة هذا اللفظ بمعنى أنهم ليست
لهم رواية، انظر ترجمة رافع بن عنجرة. ورافع بن المعلى ورافع بن مالك
(٤٨٠/٣) (الجرح والتعديل)).
وهذه الألفاظ تدل على شدة غفلة الراوى وفحش تخليطه فى الروايات وقد
يكون سبب ذلك الفسق كما قال الذهبى فى أبى نواس الشاعر وهو الحسن بن
هانىء: «شعره فى الذروة ولکن فسقه ظاهر وتهتکه واضح فليس بأهل أن یروی
عنه)) (٥٨١/٤) («الميزان)).
فائدة: قول أحدهم: ((فلان لا ترو عنه)) الأصل أنه جرح شديد، لكن
- ١٩٢ -

قد يقال للنهى عن رواية حديث الثقة إذا اختلط كما قال يحيى بن سعيد القطان
لعيسى بن يونس: ((هل سمعت من الجُريرى - يعنى سعيد بن إياس-؟ قال: قلت:
نعم، فقال: لا ترو عنه، فقال عباس بن محمد الدورى: إنما مذهب يحيى عندنا
فى هذا أن الجُريرى اختلط لا أنه ليس بثقة)) (٢/٤) ((الجرح والتعديل)).
O وقولهم: ((فلان لا يقيم شيئاً من الحديث)) أى أن كل حديثه أو الغالب
عليه الخطأ، وقد قال العقيلى فى عبد الملك بن مهران: ((صاحب مناكير غلب عليه
الوهم لا يقيم شيئاً من الحديث)) (٦٦٥/٢) ((الميزان)) وانظر ((ضعفاء العقيلى))
(٣٤/٣)، ونحوه: ((ليس له حديث قائم)) إن قُصد كل حديثه أو الغالب من حديثه
أما إذا قامت قرينة تدل على أن المقصود بذلك حديث بعينه فلا والله أعلم.
O ونحوه قولهم: ((الغالب على حديث فلان الوهم)» وقد سبق بيان أن
الراوى إذا غلب خطؤه على صوابه فهو مردود الرواية وهذا ما نحن فيه، لكن
يتأمل فى إطلاق ابن حبان لهذه الألفاظ فقد ذكر الذهبى أن ابن حبان رحمه الله
صاحب تهاويل.
O وقولهم: ((فلان منكر الحديث جداً)) وهو أخف جرحاً من قولهم:
((فلان منكر الأمر جداً) لاحتمال أن يكون هذا لطعن فى العدالة، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان ينبغى مجانبة حديثه)).
O وقولهم: ((فلان لا شىء خفيف الدماغ أو لا يعى ما يخرج من رأسه))
والجرح بهذا محمول على أن الأخطاء كثرت فى روايته وكانت فاحشة.
O وقولهم: ((فلان كان يلعب به الصبيان)) أى أنه ليس بشىء، واللفظ
قاله الحميدى فى زَلْفَل العَرَفى المكى (٨٢/٢) ((الميزان)) وكلام غيره فيه شديد
الجرح، وقد يكون معنى كلام الحميدى أن به خبلاً فقد قال البخارى فى ((تاريخه)):
((كان به خبل)) كما فى ((تهذيب التهذيب)) (٣٤١/٣)، وعلى هذا فلا جرح بذلك،
والله أعلم.
- ١٩٣ -

O وقولهم: ((فلان أسانيده مثل الريح أو هو والريح سواء» وهذا اللفظ
قاله عثمان بن أبى شيبة فى أسد بن عمرو البجلى وزاد: ((لا شىء فى الحديث إنما
كان يبصر الرأى» (١٧/٧) («تاريخ بغداد)).
O وقولهم: «فلان لا يساوى شيئاً أو فلس خير منه أو لا يساوى فلساً
أو لا يساوى بعرة أو لا يساوى تمرة أو لا يساوى نواة فى الحديث أو ليس
يساوى قليلاً ولا كثيراً أو لا يساوى دستجة بقل)»: أى حزمة بقل «أو لا يساوى
كعباً)) قال الأزهرى فى على بن الحسن المعروف بابن الرازى: ((كذاب لا يساوى
كعباً)) (٣٨٨/١١): ((تاريخ بغداد))، والكلمة بمجردها محلها هنا، ((أو لا يساوى
حديثه كفاً من تراب)) قاله ابن المبارك فى عباد بن كثير كما فى ((شرح علل
الترمذى)) (ص ٧١)، ((أو لا تسوى أحاديثه النقل)) قاله حفص بن غياث فى
محمد بن سالم أبى سهل الكوفى (٢٧٢/٧) ((الجرح والتعديل))، كذا جاء بالنون
وقد ورد بالباء الموحدة، ((أو كان لا يساوى طلية أو طليتين)) قاله حماد بن زيد
فى الجلد بن أيوب البصرى (١٣٣/٢) ((لسان الميزان))، ((والطلبة: صوفة تطلى بها
الإِبل ويقال: فلان ما يساوى طلية وهى الصوفة التى تطلى بها الجربى ..... وقال
أبو طالب: ما يساوى طلية: أى الخيط الذى يشد فى رجل الجدى ما دام صغيراً،
وقال ابن برى: وقول العامة: لا يساوى طلية غلط إنما هو طلوة، والطلوة: قطعة
حبل)). اهـ (١١/١٥) ((لسان العرب)). ((وأما قولهم: ((لا يساوى كعباً): فالكعب
الكتلة من السمن، والكعب من اللبن والسمن قدر صبة، والكعب الصبة من
السمن)). اهـ ((اللسان)) (٧١٩/١).
O وقولهم: ((فلان اختلط لا يكاد يقُوم)) أى فحش خطؤه والله أعلم.
أو «اختلط حتی کان لا یدری ما یقول» وهذا جرح مقید . .
O وقولهم: ((فلان دعنا منه أو دعه دعه أو دعه)) أى أرم به.
O وقولهم: ((فلان لا يَدرى ما الحديث أو لا يحسن الحديث)) فهذا اللفظ
إن كان بمعنى أنه لا يحسن الحديث كغيره من الثقات المشاهير فمحله أرفع بكثير
- ١٩٤ -

من أهل هذه المرتبة، وإن كان بمعنى أنه لا يدرى ما الحديث ولا يفهم ولا يميز
فمحله هنا، وقد قال البرقانى فى على بن محمد بن كيسان: ((كان لا يحسن الحديث
سألته أن يقرأ على شيئاً من الحديث ولم يدر أى شىء يقول، فقلت له: سبحان الله
حدثكم يوسف القاضى؟ فقال: سبحان الله حدثكم يوسف القاضى؟)) (١٥٤/٣)
«الميزان)).
وهذا دليل على إحكام غفلته، أما إذا قالوا: ((كان لا يحسن شيئاً)) فقد يكون
جرحاً شديداً يتناول دينه وحديثه، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان لا أعرف له حديثاً مستقيماً أو لا أعرف له حديثاً
صحيحاً)) أى أن الغالب عليه الوهم.
O وقولهم: ((فلان لا تعجبنى الرواية عنه)) فهذا جرح شديد ما لم يكن
القائل ممن ذكروا عنه أنه لا يروى إلا عن ثقة.
وقولهم: ((فلان طير غريب)) أى مجهول العين، وقد قال الذهبى فى
القاسم بن داود البغدادى: ((طير غريب أو لا وجود له، انفرد عنه أبو بكر النقاش
ذاك التالف)) (٣٧٠/٣) ((الميزان)). وقد يقال هذا فى الكذاب كما فى ترجمة
منصور بن الحكم (٩٣/٦) ((لسان الميزان)).
O وقولهم: «فلان منكر الحديث شبه متروك أو ليس بشيء شبه أو
شبيه بالمتروك)) قاله أحمد فى عبد الكريم بن أبى المخارق (٦٠/٦) ((الجرح
والتعديل)). وقال أبو حاتم فى عيسى بن عبد الرحمن بن فروة: ((منكر الحديث
ضعيف الحديث شبيه بالمتروك لا أعلم روى عن الزهرى حديثاً صحيحاً))
(٢٨١/٦) ((الجرح والتعديل).
والرجل قال فيه البخارى: ((منكر الحديث))، وقال فيه ابن حبان: ((يروى
المناكير عن المشاهير فاستحق الترك))، كما فى ((تهذيب التهذيب)) (٢١٨/٨) وفى
((الميزان)): ((تركه النسائى وقال أبو داود: شبه متروك)) (٣١٧/٣) وفى ((التقريب))
«متروك)».
- ١٩٥ -

. . O وقولهم: ((فلان يرفع كثيراً مما لا يرفعه الناس ليس بشىء) - أو
«مغفل جداً)).
O وقولهم: ((كانوا يتقون حديث فلان أو يهابون حديث فلان)) أو
((رأيتهم بهابون حديث فلان)) فالغالب أن هذا لشدة غفلته وفحش تخليطه فى
الروايات لكن قد يكون سبب ذلك الفسق فى الدين أو الكذب فى الرواية كما.
سيأتى إن شاء الله تعالى.
O ونحوه: ((ليس أحد يروي عن ذاك)) قاله ابن عمار فى سلمة بن صالح
الأحمر وزاد: (ذاك متروك)) (١٣٢/٩) ((تاريخ بغداد)).
O وقولهم: ((فلان لا أرضاه فى شىء)) إن كان بمعنى أنه لا يرضاه فى
كل المشايخ وفى كل الأجزاء فمحله هنا، وإن كان بمعنى أنه لا يرضاه فى حديثه.
ولا فى دينه فهذا اتهام له وطعن فى عدالته فمحله أرداً من ذلك، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان يتلقن كل حديثه أو ليس فى الحديث شيئاً)) ((أو كتبت
عنه ولست اُحدث عنه».
O وقولهم: (جفا فلان الحديث لاشتغاله بالعبادة)). ونحوه: (فلان ما له
وللحديث» أى أنه صاحب عبادة أو شعر أو أنساب ..... إلخ أما فى الحديث
فلیس بشىء.
O وقولهم: «فلان ضعيف الحديث لا يوقف منه على شىء» أى لا ينتفع
منه بشىء أو لا يشتغل فى شىء من حديثه لشدة اضطرابه، وقد قال هذا اللفظ
أبو زرعة فى عبد الله بن سعيد المقبرى (٧١/٥) ((الجرح والتعديل))، والقدح فى
الرجل شديد وترجم له الحافظ فى ((التقريب)) بقوله: ((متروك)).
O وقولهم: ((فلان ليس فى وزن من يشتغل بخطئه)) اعلم أن الراوى إن
كان عدلاً ضابطاً وروى حديثاً خولف فيه فالأئمة لا يتعجلون فى إطلاق الوهم
عليه إلا بعد بحث ومقارنة لحديثه وحديث مشايخه عن طريق تلامذة آخرين أو
- ١٩٦ -

. حديث تلامذته عن شيوخ آخرين ليعرف سبب الوهم والمخالفة هل منه أو من
فوقه أو مِن دونه، أما الراوى المخلَّط فلا يشتغل بخطئه ولا يبحث فى حديثه كما
سبق بيانه، لأن أمره فى التخليط ظاهر فمثل هذا لا يشتغل بخطئه بل ولا بصوابه،
والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان مظلم الحديث جداً أو مظلم الرواية بمرة» أى منكر
الحديث جداً، وقد يكون سبب ذلك أن أكثر روايته عن المجهولين والضعفاء
والهلكى، وقد يكون لأنه مجهول فى ذاته، وقد يكون لفحش تخليطه، والحالتان
الأخيرتان محلهما هذه المرتبة وقد ذكر ابن عدى لفظ ((مظلم)) أو (له أحاديث
مظلمة)) أو ((مظلم الحديث)) فى عدة مواضع، انظر ترجمة عبد الله بن واقد
أبى الخراسانى (١٥٦٧/٤ - ١٥٦٨) ((الكامل))، وترجمة محمد بن يحيى بن قيس
المأربى (٢٢٣٩/٦) ((الكامل))، وترجمة عمرو بن الحصين الكلابى (١٧٩٩/٥)
((الكامل))، وترجمة إبراهيم بن فهد بن حكيم البصرى (٢٦٨/١) ((الكامل)).
O وقولهم: ((فلان لم يقبل الناس حديثه أو غير مقبول الحديث أو غير
مقبول)) إن كان هذا بمعنى النفى لعموم القبول، أى لا يصلح فى الاحتجاج ولا
فى المتابعات، أما إن كان بمعنى أنهم لم يقبلوه على سبيل الاحتجاج فقط فمحله
أرفع من ذلك، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان ما كان يدرى ما هذا الشأن ولا كان شأنه)) الأصل
فى هذا اللفظ أنه ليس بشىء فى الحديث، إلا أنه قد يرد هذا اللفظ وما فى معناه
من ألفاظ بمعنى نفى الكمال فقط، ولا عجب فى هذا فإن إطلاق العموم وإرادة
الخصوص موجود فى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفى كلام أهل العلم قديماً
وحديثاً، وقد جاء فى (لسان الميزان)) ترجمة إبراهيم بن عمر القصار قال الكنانى:
لم يكن الحديث من صنعته، والرجل قد وثقه أبو بكر بن موسى الحداد وقال:
(ثقة))، وقال الحافظ ابن حجر: ((والقدح بهذا إنما يجىء على مذهب أهل التشديد
ممن يشترط فيمن يقبل حديثه أن يكون من أهل الفن، وقد جاء ذلك عن الإِمام
- ١٩٧ -

مالك وعن قليل ولم يشترط ذلك الجمهور، فإن كان الراوى ضابطاً لما سمعه
ولاسيما إن كان قديماً لم يقدح ذلك فى مرويه، ثم إن تعاطى ما لا يعرفه فى
الكلام على الحديث لم يقبل منه وبالله التوفيق)). اهـ (٨٧/١). قلت: ((وما قاله
الحافظ ابن حجر رحمه الله غاية فى التحقيق لأن الرجل قد وُثِّق لكن ما هو المعهود
من إطلاقهم لهذا اللفظ؟ الظاهر أنهم يقولون ذلك فيمن يعد مغفلاً لا يدرى
عن ضبط الحديث شيئاً ولا يسلك سبيل أهل الإتقان فى التحمل والأداء، فإطلاق
الحافظ ابن حجر فى هذا الموضع ينبغى أن يحمل على من ثبت أنه ثقة، والجمع
أولى من دعوى تعارض كلام الأئمة، وهذا ابن حبان رحمه الله يقول فى أحمد بن ..
محمد بن غالب الباهلى غلام خليل الذى كذبه بعضهم: ((كان يتقشف ولم يكن
من شأنه كان يحدث كلما يسأل)) (٢٧٣/١) ((لسان الميزان)) وابن حبان مذهبه
معروف فى أنه لا يشترط فى عدالة الراوى فى النقل أن يكون من أهل الفن
الممارسين له بل قد يوثق من هو مجهول عند أهل الفن على ما سيأتي بيانه فى
القسم الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله عند الكلام على تراجم أئمة الجرح
والتعديل وبيان المتشدد منهم والمتساهل والمعتدل.
O وقولهم: ((فلان لا يتابعه إلا من هو مثله أو دونه)) أى أن الأحاديث
التى يرويها لا يتابع عليها إلا من الضعفاء.
O ونحو قولهم: ((لا يتابعه إلا من هو مثله أو قريب منه)).
O وقولهم: ((فلان إنما يحدث عنه مجنون أو أحمق)) قاله يحيى بن بكير
فى عنبسة بن خالد بن يزيد وزاد: ((كان يجيئنى ولم يكن موضعاً للكتابة أن يكتب:
عنه)) (١٥٤/٨) ((تهذيب التهذيب)).
O وقولهم: ((فلان شغله القرآن أو الغزو عن الحديث أو فلان مسلم:
صاحب غزو)) وهذا اللفظ قاله ابن معين فى محمد بن مصعب بن صدقة القرقبانى:
وقال مرة: ((ليس يدرى ما الحديث))، وقال مرة: ((لا شىء)) (٢٧٨/٣) «تاريخ
بغداد)). ولكن إذا قامت قرينة تدل على أن حال الراوى - مع اشتغاله بالعبادة
- ١٩٨ -

أو الغزو - قوى فى الحديث فيعمل بها فى محلها والله أعلم.
O وأما قولهم: ((فلان لا يتعمد الكذب)) فمعنى ذلك أن الأحاديث
المكذوبة تجرى على لسانه ولم يميزها لقلة علمه وعدم معرفته بهذا الفن ويقع منه
ذلك على سبيل الغفلة لا التعمد وإلا كان كذاباً، فإذا فحشت الأخطاء فى حديثه
رد حديثه، كما قال ابن أبى حاتم سمعت أبا زرعة ذكر جبارة بن المغلس فقال:
((قال لى ابن نمير: ما هو عندى ممن يكذب، قلت: كتبت عنه؟ قال: نعم، قلت:
تحدث عنه؟ قال: لا - قلت: ما حاله؟ قال: كان يوضع له الحدیث فیحدث به وما
كان عندى ممن يتعمد الكذب))، انظر ((الجرح والتعديل)) وانطر ((تهذيب التهذيب))
(٥٨/٢) لكن هذا اللفظ يأتى أيضاً فيمن يصلح للشواهد والمتابعات فقد قال
ابن عدى فى سعيد بن سنان: ((أحاديثه غرائب وأفراد وأرجو أنه ممن لا يتعمد
الكذب والوضع لا إسناداً ولا متناً ولعله إنما يهم فى الشىء بعد الشىء ورواياته
تحتمل وتقبل)) (١٢٠٠/٣) وقوله: ((أرجو أنه لا يتعمد الكذب)) أقل من قولهم:
((لا يتعمد الكذب)) لأن رجاء الشىء لا يلزم منه تحققه ورجاء (١) انتفاؤه، ومن
التراجم التى ورد فيها هذا اللفظ على سبيل الجرح الخفيف قول ابن عدى أيضاً
فى شبيب بن شيبة الخطيب: ((وأرجو أن شبيباً لا يتعمد الكذب بل لعله يهم فى
بعض حديثه)) (١٣٤٨/٤) ((الكامل)» وقول ابن عدى فى عبد الله بن صالح الليث:
((مستقيم الحديث إلا أنه يقع فى حديثه فى أسانيده ومتونه غلط ولا يتعمد الكذب))
(٢٥٩/٥) ((تهذيب التهذيب)) ((والكامل)) (١٥٢٥/٤).
O وقول أبى زرعة فى عبد الله بن صالح أيضاً: ((لم يكن عندى ممن يتعمد
الكذب وكان حسن الحديث)) (ص ١٤٩) كما فى حاشيةٍ على ((الضعفاء)) للنسائى.
O وقول الفلاس فى الحسن بن جعفر: ((صدوق منكر الحديث))، والرجل
قد قال فيه ابن عدى: ((وهو عندى ممن لا يتعمد الكذب وهو صدوق كما قال
عمرو بن على، ولعل هذه الأحاديث التى أنكرت عليه توهمها توهماً أو شبه عليه
فغلط)) (٧٢٢/٢) ((الكامل))، فمن مجموع هذه التراجم يظهر أن هذا اللفظ ليس
(١) انتفاء الشىء لا يلزم منه
- ١٩٩ -

من مراتب الترك بل هو من أهل الثالثة من مراتب التجريح فتأمل والله الهادى
إلى سبيل الرشاد.
O وقولهم: ((فلان لا يجوز فى الضحايا)) أى به عيب يرده لأن الأضحية.
لها شروط فإن كانت معيبة فلا تجزىء فى بابها، يدل على هذا أن ابن معين رحمه الله
قال فى سويد بن عبد العزيز: ((ليس بثقة))، وقال مرة: ((ليس بشىء))، وقال مرة:
·(ضعيف)، وقال مرة: ((لا يجوز فى الضحايا)) (٢٧٦/٤) ((تهذيب التهذيب))، وابن
معين يقول فى كثير من الرواة: ((ضعيف)) على سبيل الجرح الشديد كما سيأتى
بيانه إن شاء الله تعالى.
O وقولهم: (فلان قد أغنى الله عنه)) أى لم تحتج إلى روايته بل كفانا الله
برواية الثقات، وأما هو فليس عنده شىء يحتاج إليه فيه، وهذا اللفظ قاله الجوز جاني
فى أسد بن عامر النجلى، وقد قال فيه عثمان بن أبى شيبة: ((هو والريح عندهم
سواء)). اهـ من ((لبنان الميزان)) (٣٨٤/١) والذى فى كتاب ((أحوال الرجال)):
((أسد بن عمرو وأبو يوسف ومحمد بن الحسن واللؤلؤى قد: ((فرغ الله منهم))).
أهـ (ص ٧٦ - ٧٧).
O وقولهم: ((فلان عافاه الله فى كل شىء إلا فى هذا الحديث)) قال ابن
المبارك فى حبيب بن خالد المالكى: ((ليس بشىء، فقيل له: إنه وإنه، فأبى، فلما
أكثروا عليه فى وصفه وشأنه قال: عافاه الله فى كل شىء إلا فى هذا الحديث))،
(١٧٤/٢) ((لسان الميزان)) والحديث فى الأمر بالمعروف، وليس بخافٍ أن هذا
الحكم مقيد بهذا الحديث وليس عاماً لكن المقصود بيان معنى اللفظ لو ورد عاماً
فى موضع آخر، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان أحاديثه تشبه أحاديث القصاص ليس لها أصل)) قاله
العقيلى فى حكامة بنت عثمان بن دينار (٣٣١/٢) ((لسان الميزان». ونحوه: ((فلان
أحاديثه ليس لها خطم ولا أزمة)) أى بغير أسانيد وهذا يدل على عدم اشتغاله
بالمستدات، والجرح بذلك محمول على كثرة ذلك فى حديثه وغلبيته، ونحوه: قولهم:
- ٢٠٠ -