Indexed OCR Text
Pages 161-180
٦١
شرح علل الأحاديث
وقال الدراوردى عن زيد بن أسلم: أن رسول الله وَالله قال: ((كل
عضو یشکو ... )).
فبين الدارقطنى - رحمه الله - أن الفقرة (٢) تلك الفقرة المرفوعة
إلى رسول الله وحَظله ((كل عضو يشكو .. )) ليست بمتصلة الإسناد ، بل هى
مرسلة (١، فقد سقط من إسنادها أسلم (والد زيد بن أسلم) وسقط
كذلك من الإسناد (أبو بكر ◌ِّه) ورواها زيد مباشرة عن رسول الله
ھَھَلىالله
وستكر .
هذا وقد أشار الدارقطنى - رحمه الله تعالى - إلى ما يرجح هذا
التفصيل بما حاصله : أن هناك من الرواة من روى الحديث عن زيد بن
أسلم عن أبيه : أن عمر دخل على أبى بكر .. فذكر الفقرة (١) فقط،
ولم يتعرض للفقرة (٢) ليست متصلة الإسناد.
فقال الدار قطنى :
رواه هشام بن سعد ، ومحمد بن عجلان وغيرهما عن زيد بن
أسلم عن أبيه: أن عمر دخل على أبى بكر ، نحو قول الداروردى ، ولم
يذكر المرفوع إلى النبى وَّة مرسلاً ولا مسنداً.
قلت (مصطفى):
فيمكننا أن نصور الخلاف على النحو التالى:
(١) إن شئت قلت : معضلة لسقوط اثنين من الرواة على التوالى من السند ، ولكن
هناك من أهل العلم من يُطلق على كل رواية لم يسمعها الراوى ممن رواها عنه
مرسلةً.
٦٢
شرح علل الأحاديث
عبد الصمد
أن عمر دخل على أبى بكر وهو
آخذ بلسانه يقول .. بالفقرة
(١)، وكذلك بقوله: قال رسول
الله ◌َخلة (٢) بنفس السند.
الدراوردى عن
زيد
عن أبيه
غير عبدالصمد
بالفقرة (١) فقط
الدراوردی عن
زيد
عن أبيه ؟؟ عن النبى وَجه بالفقرة (٢)
هشام بن سعد
ابن عجلان
غیرهما
ر
عن زيد عن أبيه: أن عمر دخل على أبى بكر وهو
آخذ بلسانه يقول .. بالفقرة (١) فقط.
فظهر من ذلك أن رواية عبدالصمد أجملت ، وجعل الكل فيها
(١) ، (٢) بالسند الموصول إلى أبى بكر.
لكن رواية غير عبدالصمد فيها التفصيل والبيان للقدر المروى بالسند
المتصل ، والقدر المروى بالسند المنقطع.
وكذلك ففيها بيان للقدر المرفوع إلى رسول الله وَجيله ، والقدر
الموقوف على أبی بکر په.
أما غير الدراوردى (كهشام وابن عجلان وغيرهما) ، فرووا القدر
الموقوف فقط .
١٦٣
شرح علل الأحاديث
فاستظهر الدارقطنى بذلك على أن القدر الموقوف (١) هو فقط
متصل الإسناد ، والله تعالى أعلم.
هذا وثمَّ أوجه أُخر للخلاف فى هذا الحديث ، وفى سنده لا نطيل
بذكرها (١)، فقد ذكرنا منها الجزء الذى يعنينا فقط، وهو الشاهد لما بوَّبنا
له ، وبالله التوفيق.
(١) قال الدار قطنى - رحمه الله تعالى - (فى العلل ١٥٨/١ فما بعدها) وقد سئل عن
حديث عمر، عن أبي بكر، وقوله - إشارة إلى لسانه -: ((هذا أوردنى الموارد)).
فقال: رواه زيد بن أسلم ، عن أبيه ، واختلف عن زيد بن أسلم فرواه الدراوردى
عبدالعزيز بن محمد ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: ((أن عمر اطلع على أبى بكر -
وهو آخذ بلسانه - قال: هذا أوردنى الموارد، سمعت رسول الله وَ لو يقول: ((كل
عضو یشکو إلی الله اللسان على حدته)».
قال ذلك عبدالصمد بن عبدالوارث، عن الدراوردى ، عن زيد بن أسلم، عن
أبيه .
ووهم فيه على الدراوردى.
والصواب عنه، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه: أن عمر اطلع على أبى بكر - وهو
آخذ بلسانه - فقال: هذا أوردنى الموارد.
وقال الدراوردى: عن زيد بن أسلم: أن رسول الله وَّر قال: ((كل عضو يشكو)).
رواه هشام بن سعد ، ومحمد بن عجلان، وغيرهما، عن زيد بن أسلم عن أبيه:
أن عمر دخل على أبى بكر .. نحو قول الدراوردى، ولم يذكر المرفوع إلي النبى
◌َلـ مرسلاً ولا مسنداً .
ورواه سفيان الثورى، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبى بكر لم يذكر فيه
عمر، وقال فيه: إن أسلم قال: رأيت أبا بكر.
ويقال: إن هذا وهم من الثوری.
=
٦٤
شرح علل الأحاديث
وهذه مباحث في زيادة الثقة، وأمثلة لزيادات الثقة المقبولة، وأمثلة
أخرى لزيادات الثقة المردودة وبيان وجهات أهل العلم في ذلك
وهذا مثالٌ لزيادة الثقة المقبولة فى السند، وذلك فى بعض طرق
حديث المسىء صلاته: ((ارجع فصل، فإنك لم تصل)).
خ ، م [١] يحيى القطان عن عبيدالله، عن سعيد المقبرى، عن أبيه
عن أبي هريرة عن النبى وَالجيل
أبو أسامة
ـ
عبدالله بن نمير
عيسى
عبيدالله عن سعيد المقبرى ؟ عن أبى
هريرة عن النبى
غيرهم
[٢]
صَلىالله
وَسَـ
عبيدالله عن سعيد المقبرى ؟ ؟ عن
معتمر عن
[٣]
صَيَذَّاللّـ
وَستـ
النبى
الشرح
الناظر إلى الوجهين المتقدمين (١)، (٢) يرى أن يحيى القطان زاد
= ورواه سعير بن الخمس ، عن زيد بن أسلم مرسلاً عن عمر، عن أبى بكر ،
لم يقل فيه عن أسلم.
والصحيح من ذلك ما قاله ابن عجلان، وهشام بن سعد، ومن تابعهما، وروى
هذا الحديث ابن وهب عن هشام بن سعد، وداود بن قيس، ويحيى بن عبدالله بن
سالم، وعبدالله بن عمر العمرى، عن زيد بن أسلم، فأرسله عنهم عن عمر، فلم
یذکر فیه أسلم.
شرح علل الأحاديث
في السند رجلاً فقال: عن سعيد، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبى
أما الجماعة فرووا الحديث عن عبيدالله، بإسقاط هذا الرجل ،
فقالوا: عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبى وَلّ .
فهل الصحيح إثبات الرجل - الذى هو الأب - أم حذفه وإسقاطه؟
فالكثرة الذين رووا الحديث عن عبيدالله، عن سعيد المقبرى، عن
أبي هريرة مباشرة (بلا ذكر للأب) كثرتهم تؤيد روايتهم.
أما الوجه الأول، فوجه قبوله أيضًا، أن يحيى بن سعيد القطان
ثقة، ثبت، فليس من اليسير ردّ روايته ، فهو جبل من جبال الحفظ،
والتثبت، والإتقان.
فحينئذ وفى مثل هذا الموطن نتجه للجمع بين الروايات فنقول:
إنه لا يمتنع أن يكون سعيد المقبرى سمع الحديث من أبيه عن أبي
هريرة فيه، ثم التقى بأبى هريرة فِتَّه فحدثه به مباشرة، أو العكس،
بمعنى أن يكون سعيد سمع الحديث من أبي هريرة ، ثم التقى بأبيه فحدثه
أبوه بالحديث عن أبي هريرة كذلك، وهذا ممكن ، فسعيد المقبرى له رواية
عن أبى هريرة ، وله سماع منه، وأبوه كذلك له رواية عن أبي هريرة .
فالظاهر أن الحديث ثابت من الوجهين، والله تعالى أعلم.
أما الوجه الثالث (٣) الذى رواه معتمر، فمعتمر لا يُقاوم يحيى
القطان، ولا يقاوم الجماعة، فروايته مرجوحة من هذا الوجه، والله تعالى
أعلم.
٠١٦٦
شرح علل الأحاديث
وهذا أيضًا مثالٌ لزيادة ثقة مقبولة.
وهى زيادة فى الإسناد، وذلك بالرفع إلى رسول الله وَله ، وإن
شئت قلت: إنها اختلاف فى الوقف والرفع، قُبل فيه المرفوع.
وذلك في حديث حذيفة بن أسيد: أن النبي وَ لّه قال: ((إن الساعة
لا تکون حتی تروا عشر آیات ... )».
روى هذا الحديث من وجهين، وجه متصل ، ووجه آخر موقوف.
فرات القزاز عن أبى الطفيل عن حذيفة بن أسيد قال اطلع علينا
[١]
النبى {آ﴾ ونحن نتذاكر، فقال: ما تذكرون .. )).
عبدالعزيز بن رفيع ]
عن أبى الطفيل عن حذيفة بن أسيد موقوفًا
عبدالملك بن ميسرة
[٢]
وَ لا ،
صلىالله
فبالنظر إلى الوجهين نرى أن فراتًا رفع الحديث إلي النبى
وفرات ثقة ، وكون عبدالعزيز ، وعبدالملك، لم يرفعاه ، بل وقفاه،
فهذا في مثل هذا الموطن لا يخدش فى صحة المرفوع؛ وذلك لأن فراتًا
ثقة من ناحية، ومن خالفه ليس بالدرجة التى بها نقطع أن الصواب هو
الوقف، ففى مثل هذه الحال، يحمل الحديث على أنه روى على
الوجهين، والله أعلم.
أما وجه دفع هذين الأخيرين ، فيتلخص فى : أن على بن المدينى
قال: إن سالمًا قد لقى عبدالله بن عمرو، وأيضًا فالبخارى يشترط فى
((صحيحه)) ثبوت اللقاء، فأمن بذلك الإرسال.
١٦٧
شرح علل الأحاديث
وأيضًا : فإن سالمًا ذُكر فى الطبقة الثانية من طبقات المدلسين الذين لا
یضر تدلیسھم، فأُمن بذلك التدليس كذلك.
ولكن - بغض النظر - هل تم الانتقاد فى هذا الحديث أم لم يتم؟
فإن هذا وجه إعلال يُعلِّ به بعض العلماء الأسانيد، مؤداه: أن يكون
الراوى معروفًا بالرواية عن شخصٍ بواسطة ، ثم يروى عنه بدون تلك
الواسطة، غير مصرح بالتحديث.
ووجه الدفاع فى مثل هذه الحالة : أن نبحث عن مرويات هذا
الراوى، ونستقصى فى البحث، وننظر هل وُجدت له رواية صحيحة فيها
التصريح بسماعه منه أو بروايته المباشرة عنه أم لا ، ومثل هذا يُبحث
ويستخرج من تحفة الأشراف أحيانًا، وأحيانًا أُخر من الاستقراء في
المسانيد والمعاجم، وأيضًا : فلا يُهمل فى مثل الموطن أقوال أهل العلم،
وبالله وحده التوفيق.
وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
١٦٨
شرح علل الأحاديث
وهذه زيادة تفرد بها بعض الرواة من بين سائر الرواة، ونراها شاذة.
ألا وهى زيادة: ((يحركها))، فى حديث الإشارة بالسبابة فى
التشهد، فالحديث مروى فى عدة كتب ، ومداره على عاصم بن كليب،
عن أبيه، عن وائل بن حجر ◌ِّه قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله
وَ ظّ كيف يُصلى، قال: فقام رسول الله وَّ فاستقبل القبلة، فكبر، فرفع
يديه، حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما
مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بین یدیه، ثم جلس
فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحد
مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن، وقبض ثنتين ، وحلَّق حلقة، ورأيته
يقول هكذا، وحلق بشرٌ (وهو أحد الرواة) الإبهام والوسطى ، وأشار
بالسبابة .
فكلامنا الآن على لفظة: ((وأشار بالسبابة)) فجلَّ الرواة رووا
الحديث هكذا ، وأشار بالسبابة، وبعضهم قال: ((وأشار بالسبابة يدعو
بها» .
أما زائدة بن قدامة، فروى الحديث بلفظ: ثم رفع أصبعه، فرأيته
يحركها يدعو بها، وتفرد زائدة - رحمه الله - من بين الرواة بلفظ:
((يحركها)).
وزائدة بن قدامة ثقة فاضل - رحمه الله تعالى - ثم إنه على درجة
كبيرة من التثبت والإتقان ، لكن جمهور الرواة لم يذكروا الذى ذكره ،
مما جعلنا نتوقف في الزيادة التى زادها زائدة ، وهى ((يحركها))، وهذا
بیان لذلك، وبالله التوفيق.
١٦٩
شرح علل الأحاديث
سفيان الثورى
سفيان بن عيينة
شعبة بن الحجاج
بشر بن المفضل
عبدالله بن إدريس
عبدالواحد بن زياد
زهير
سلام بن سليم
محمد بن فضیل
خالد الطحان
عاصم بن
كليب عن أبيه
عن وائل بن
حجر
أبو عوانة
غيرهم
زائدة بن قدامة»
كلهم بلا زيادة
((یحرکھا))،
فرووها بلفظ :
((وأشار بإصبعه)) ،
وبعضهم بلفظ :
((وأشار بإصبعه
يدعو بها)) ،
وبألفاظ تدور
حول هذا المعنى
بدون لفظ :
((يحركها)).
مع زيادة ((يحركها)»
فكما ترى فزائدة هو الذى تفرد بلفظ ((يحركها)).
قال ابن خزيمة - رحمه الله - ليس فى شىء من الأخبار يحركها إلا
فى هذا الخبر [زائدة] (١) ذكرها.
(١) هذا هو الصواب، وإن كان مثبتًا (زائد ذكرها) بلا تاء.
١٧
شرح علل الأحاديث
قال البيهقى - رحمه الله - : يحتمل أن يكون المراد بالتحريك
الإشارة بها ، لا تكرير تحريكها، فيكون موافقًا لرواية ابن الزبير، والله
أعلم.
قلت (مصطفى):
رواية ابن الزبير عند مسلم فيها الإشارة فقط ، ليس فيها ذكر
التحريك(١) .
(١) لأخينا فى الله أبى المنذر أحمد بن سعيد بن على الأشبهى الحجرى اليمنى رسالة
فى هذا الباب اسمها : ((البشارة فى شذوذ تحريك الإصبع فى التشهد ، وثبوت
الإشارة)) فليرجع إليها من شاء، وهى من منشورات دار الحرمين للطباعة والنشر
والتوزيع بالقاهرة.
٧١
شرح علل الأحاديث
وهذه زيادة ثقة مآلها للشذوذ ؛ لكون الرواة الأثبت لم يذكروها.
وهى زيادة: ((إنك لا تخلف الميعاد)) في حديث من قال حين يسمع
النداء: ((اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً
الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذى وعدته، حلَّت له شفاعتی
يوم القيامة)) (١).
وهذا تفصيل القول فى هذه الزيادة:
الحديث مداره على علىّ بن عياش ، عن شعيب بن أبى حمزة،
عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبى وَطالت، رواه جماعة كثيرون
ثقات أثبات، عن علىّ بن عياش بدون ذكر الزيادة (مع تغير فى بعض
الألفاظ) ، ورواه راو عنه بإثباتها على النحو التالى:
أحمد بن حنبل
البخاری
عمرو بن منصور
إبراهيم بن يعقوب
محمد بن سهل
[١]
محمد بن یحیی
العباس بن الوليد
محمد بن أبى الحسين
غيرهم
عن على بن عياش عن شعيب بن أبى
حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر
ابن عبداللـه عيش مرفوعًا باللفظ
المذكور آنفاً
(١) وإن كان معنى هذه الزيادة صحيحًا بلا شك، لكن الكلام فى إثباتها فى أذكار
الأذان.
٧٢
شرح علل الأحاديث
[٢] قال البيهقى : أخبرنا أبو عبدالله الحافظ ، وأبو نصر، قالا: ثنا أبو
العباس ، ثنا محمد بن عوف عن على بن عياش عن شعيب
ابن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر
عن جابر مرفوعًا بلفظ: ((من قال
حين يسمع النداء: اللهم إنى أسألك
بحق هذه الدعوة التامة ، والصلاة
القائمة، آت محمدًا الوسيلة
والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي
وعدته ، إنك لا تخلف الميعاد؛ حلَّت
له شفاعتی».
فنرى أن طريق محمد بن عوف (٢) خالفت طريق الجماعة من
و جھین :
الوجه الأول: قوله: ((اللهم رب هذه الدعوة التامة)) فى اللفظ (١)
وهى فى اللفظ (٢) بلفظ: ((اللهم إنى أسألك بحق
هذه الدعوة التامة)).
الوجه الثانى: زيادة: ((إنك لا تخلف الميعاد)).
ولا شك أن رواية الجماعة أولى بالقبول؛ لكثرتهم ؛ ولكونهم
أوثق؛ ولكون إسناد حديثهم أعلى ، ولكن من نحمله الوهم؟ هل نحمل
محمد بن عوف الوهم، أم أننا نحمل أبا العباس الذي هو محمد بن
يعقوب الوهم؟ أم أننا نُحمله على أبى عبدالله الحافظ الذي هو الحاكم،
ولمن تابعه ، وهو أبو نصر أحمد بن على، أم أننا نحمله البيهقى، كلّ
١٧٣
معـ
شرح علل الأحاديث
ذلك مُحتملٌ وواردٌ.
ولكن الذى يعنينا هو أن رواية الجماعة أولى، وأثبت، وأصح،
والله تعالى أعلم.
وهنا ننبه على أمرٍ ذى أهمية ، وهو أن الحديث إذا كان عند
أصحاب الكتب عالية الإسناد ، كمسند الشافعى ، وأحمد، والبخارى،
ومسلم، وأصحاب الكتب الستة، ونحوهم، ثم رواه المتأخرون بزيادات
ففى الغالب ، فإن هذه الزيادات يكون فيها نظرٌ ، ويكون مآلها إلى
الضعف .
وكذلك ننبه على أن انفراد المتأخرين من أصحاب الكتب ،
كأبى نعيم فى ((الحلية))، أو الخطيب البغدادى فى ((التاريخ))،
ونحو هؤلاء، بحديث فى الغالب يكون فيه ضعف، وخاصة إذا
كان رجال الإسناد الذين هم فى منزلة مشايخ أصحاب الكتب هم
هم هؤلاء مشايخ أصحاب الكتب.
فمثلاً : إذا كان الإسناد عند أبى نعيم في ((الحلية)) من طريق
زيد عن يحيى، عن إبراهيم، عن إسماعيل، عن مالك ، عن نافع ،
عن ابن عمر، عن النبى وَّة، وكان إسناد كإسماعيل عن مالك عن
نافع عن ابن عمر عن النبى ◌َ لّ فى ((الصحيحين)) أو فى أحد كتب
السنن ، ولم يخرج هذا الحديث أحد من أصحاب الكتب الستة،
وأخرجه أبو نعيم وحده، فإن النفس يكون فيها شىء من عدم
إخراج أصحاب الكتب الستة له، فيحملنا هذا على أن نبحث عن
الحديث بدقة، وننظره في كتب العلل.
هذا للعلم والإحاطة ، وهو أمرٌ أغلبى ، وبالله التوفيق.
١٧٤
شرح علل الأحاديث
وهذا مثالٌ لزيادةٍ من ثقة ردها كثير من العلماء:
وهى زيادة فى حديث أبى موسى عن النبى وَلّ في تعليم
الصلاة، ألا وهى: (( .. وإذا قرأ فأنصتوا)).
وهذا وجه الخلاف فى هذه الزيادة:
[١] سليمان التيمي(١) عن || قتادة عن أبى غلاب (٢) عن حطان عن أبي
موسى عن النبى وَلا بالحديث مع زيادة:
(( .. وإذا قرأ فأنصتوا))
هشام الدستوائی
شعبة
سعید
أبان
قتادة عن أبى غلاب
همام
[٢]
عن حطان عن أبى موسى
أبو عوانة
عن النبى آ ﴾ بدون الزيادة
معمر
عدى بن أبى عمارة
فهنا اختلاف على قتادة كما هو واضح، والوجه الثانى (٢) ظاهر
الرجحان؛ لكثرة من رواه عن قتادة من ناحية؛ ولكونهم قد جمعوا معهم
(١) جاءت متابعة لسليمان التيمى من عمر بن عامر عن قتادة، لكن عمر بن عامر
ضعفه جماعة .
(٢) هو يونس بن جبير الباهلى، أبو غلاب البصرى ، ثقة.
١٧٥
شرح علل الأحاديث
أثبت الناس فى قتادة ، وهم شعبة ، وهشام الدستوائى ، وسعيد بن أبى
عروبة، وهمام .
فعلى ذلك فهذه الزيادة التى زادها سليمان التيمى عن قتادة (( .. وإذا
قرأ فأنصتوا)) زيادة ضعيفة، وقد قال بضعفها فريق كبير من العلماء، والله
تعالى أعلم.
١٧٦
شرح علل الأحاديث
وهذه زيادة من ثقة إلا أنها مردودة أيضًا.
تتعلق هذه الزيادة بنقض الشعر عند الاغتسال من المحيض، وذلك
فى حديث أم سلمة ◌ِرّها قالت: قلت: يا رسول الله! إنى امرأة أشد
ضفر رأسى، فأنقضه لغُسْل الجنابة؟ قال: ((لا، إنما يكفيك أن تحثی
على رأسك ثلاث حثيات ، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين)).
ففى بعض الروايات : ((فأنقضه للحيضة والجنابة))، قال: (لا .. )).
وهذا وجه الحديث ، وطرقه :
هذا الحديث مداره على أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبى سعيد
المقبرى، عن عبدالله بن رافع ، مولى أم سلمة عن أم سلمة .. الحديث.
رواه عن أيوب بن موسى ثلاثة من الرواة على النحو التالى:
سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن
[١]
سعيد بن أبى سعيد، عن عبدالله بن رافع عن أم سلمة (بدون الزيادة).
روح بن القاسم عن أيوب بن موسى عن
[٢]
سعيد بن أبى سعيد عن عبدالله بن رافع عن أم سلمة (بدون الزيادة).
يزيد بن هارون عن سفيان الثورى عن أيوب بن موسى عن
[٣]
سعید بن أبى سعيد، عن عبدالله بن
رافع عن أم سلمة (بدون الزيادة).
عبدالرزاق عن سفيان الثورى عن أيوب بن موسى عن
[٤]
سعيد بن أبى سعيد، عن عبدالله
ابن رافع عن أم سلمة (مع الزيادة).
١٧٧
شرح علل الأحاديث
وبتصوير آخر ، نستطيع أن نصوره على النحو التالى:
سفيان بن عيينة
روح بن القاسم
أيوب بن
موسى، عن
سعيد بن أبى
سعيد، عن
عبدالله بن
رافع، عن أم
سلمة
بدون
الزيادة
یزید بن هارون
١ سفيان الثوری
[بدون الزيادة
عبدالرزاق
مع الزيادة
فبالنظر إلى هذه الطرق ، نرى سفيان بن عيينة ، وروح بن
القاسم، لم يختلف عليهما فى عدم ذكرهما للزيادة ، أما سفيان الثورى
فاختلف عليه ، والذى زاد هذه الزيادة عنه هو عبدالرزاق ، ونرى - والله
أعلم - أن الخلل إنما هو من عبدالرزاق، أعنى أن الذى زادها هو
عبدالرزاق، وعبدالرزاق قد تغير بآخرة، فزيادته هذه لا تحتمل التصحيح؛
ولذلك نرى أنها زيادة شاذة، والله تعالى أعلم، وقد ذهب إلى الحكم
بشذوذ ذكر الحيضة ابن القيم رحمه الله تعالى (١).
(١) كما فى تعليقه على سنن أبى داود (مع عون المعبود ٤٢٩/١).
١٧٨
شرح علل الأحاديث
زيادة ذات أهمية فقهية (١) لكنها شاذة.
وهى زيادة فى حديث ابن عمر زافيها، إذ طلّق زوجته ، وهى
حائض، وأمره النبى وَ ليه بمراجعتها، وفيها: أن النبى وَالّل ردّها عليه،
ولم يرها شيئًا، وها هو الحديث بطوله مع هذه الزيادة:
أخرج أبو داود (٢)، من طريق أحمد بن صالح ، حدثنا عبدالرزاق،
أخبرنا ابن جريج، أخبرنى أبو الزبير : أنه سمع عبدالرحمن بن أيمن
مولى عروة يسأل ابن عمر، وأبو الزبير يسمع قال: كيف ترى فى رجل
طلَّق امرأته حائضًا؟ قال: طلَّق عبدالله بن عمر امرأته وهى حائض على
عهد رسول الله وَّجله، فسأل عمر رسول الله وَله فقال: إن عبدالله بن
عمر طلَّق امرأته وهى حائض، قال عبدالله: فردَّها علىَّ ولم يرها شيئًا،
وقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك، قال ابن عمر، وقرأ النبى وَلجلد:
«يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن فى قبْل عدتهن» .
فزيادة : ولم يرها شيئًا، لم يذكرها غير أبى الزبير، فقد رويت
قصة تطليق ابن عمر لزوجته وهي حائض، وأمر النبى وَّه له بمراجعتها
من عدة طرق، ليس فيها هذه الزيادة (ولم يرها شيئًا) .
وكذلك فالطرق إلى أبى الزبير لم تتفق على إثباتها، وهذا بيان
ذلك:
فأولا نذكر الرواه الذين رووا الحديث عن ابن عمر بدون هذه
الزيادة، فهم :
(١) وهذه الزيادة بنى عليها بعض العلماء رأيهم فى عدم وقوع طلاق الحائض.
(٢) أبو داود (حديث ٢١٨٥).
٧پـ
١٧٩
شرح علل الأحاديث
یونس بن جبير
أنس بن سیرین
طاوس
نافع مولى ابن عمر
سالم بن عبدالله بن عمر
عبدالله بن دینار
سعید بن جبير
محارب بن دثار
أبو وائل
میمون بن مهران
الشعبى
محمد بن سیرین
بشر بن حرب
زيد بن أسلم
عكرمة
غیرهم
عن ابن عمر (بدون زيادة «ولم
یرها شيئًا»
الطرق عنه، أبو الزبير | عن ابن عمر (مع زيادة «ولم
يرها شيئًا»
فلا شك عندى أن رواية هذا الجم الغفير للقصة عن ابن عمر فظلوقوعها
١٨٠
شرح علل الأحاديث
أولى وأصح ، وأثبت من رواية أبى الزبير.
ثم إن أبا الزبير أيضًا القول عنه ليس قولاً واحدًا بإثباتها .
وهذه صورة الخلاف على أبى الزبير نفسه كذلك.
حجاج بن محمد
أبو عاصم
1
-
بدون الزيادة
عبدالمجيد بن عبدالعزيز
مسلم بن خالد
سعید بن سالم
عن ابن جريج
عن أبى الزبير
عن ابن عمر خطوتين!
عبدالرزاق
روح بن عبادة
مع الزيادة
.. فبالنظر إلى ذلك يظهر أيضًا أن الذين لم يذكروها عن ابن جريج
عن أبى الزبير أكثر عددًا من الذين ذكروها.
فبعد النظر إلى الصورتين معًا بات جليًا وواضحًا أن هذه الزيادة
((ولم يرها شيئًا)) زيادة شاذة، وقد حكم عليها بالضعف والنكارة أكثر أهل
العلم، وذلك لأمور منها :
كثرة المخالفين لأبى الزبير.
اختصاص المخالفين لأبى الزبير ، ومعرفتهم بابن عمر من أبى
الزبير، فنافع هو مولاه، وسالم هو ولده، فضلاً عن كونهم فرادى أوثق
من أبي الزبير ، فكيف باجتماعهم؟