Indexed OCR Text

Pages 241-260

احتبس علينا رسول الله عَ لّه ذات غداة .... الحديث.
وهذا الحديث أخرجه الترمذى (٣٢٣٥)، ونقل تصحیح البخاری له،
وهذا يقتضى إثبات السماع .
فعند دراسة مرجحات القول الأول :
وهى ما ذكره حسين المعلم، ومعاوية بن سلام فلا يقتضى بحال أن
يحيى لم يسمع من زيد، فكونه أخذ كتب زيد فلا يعني هذا أنه لم يسمع
منه .
لا سيما أن ما نقله حسین المعلم لم نقف علی سندہ حتی نتبین ثبوته
من عدمه، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى : فقد یروي یحیی من کتاب زید ما سمعه من زید،
وإنما رواه من كتابه تثبتاً وتحرزاً من الخطأ وهذا متاح .
فقد سمع أبو سفيان طلحة بن نافع الإسكاف من جابر بن عبد الله
-رضی الله عنه- ولکن روی عنه من کتاب سلیمان الیشکری ما ثبت له
سماعاً، لأنه كان يحفظ فلا یکتب، و کان سليمان يكتب .
فالرواية من الكتاب لا تمنع ثبوت السماع ، والله أعلم .
ويندرج تحت هذا الباب أيضاً :
التحقق من ثبوت وصف التدليس على من وصف به من رجال
السند.
فبعض الرواة قد يكونون ممن وصفوا بالتدليس، مع عدم ثبوت ذلك
عليهم، فيجب التحقق من هذه المسألة أيضاً عند دراسة اتصال السند .
٤- التحقق من سماع المرفوع إثباتًا لمطلق السماع .
فبعض الرواة قد يسمعون من بعض الشيوخ شيئاً من العلم سواء من
٢٤١

الآثار، أو من المقطوعات مما ليس فيها شيء مرفوع، فتكون روايتهم
المرفوع عنهم منقطعة .
مثال ذلك :
سماع الحسن البصرى - رحمه الله - من عثمان بن عفان - رضى
الله عنه-، فالحسن البصرى سمع خطبة عثمان -رضى الله عنه- والتى
فيها الأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام، ورأى عثمان -رضى الله عنه- نائماً.
وهذا لقاء وسماع بمنزلة الرؤية المجردة ، والرؤية المجردة لا تثبت سماعاً
صحيحاً، فإذا روى الحسن عن عثمان حديثاً مرفوعاً كانت روايته عنه
مرسلة ، ولم تكن مدلسة، فإن شرط التدليس - وهو ثبوت السماع فى غير
الرواية المدلسة- غير متوفر، وهذا فرق لم يتنبه له كثير ممن أطلق التدليس
على جماعة من الرواة، فوصف روايتهم عن بعض المشايخ بالتدليس، وفى
حقيقة الأمر أنها مرسلة .
وقد فصلنا الكلام على الفرق بين التدليس والإرسال فى غير موضع
من كتبنا، منها: شرحنا على ((نزهة النظر))، وشرحنا على ((الموقظة))،
و(«مذكرة أصول الحديث للمبتدئين))، فليراجعها من أراد الاستزادة فى هذه
المسألة .
فسماع الحسن من عثمان بمنزلة رؤية الأعمش لأنس بن مالك - رضى
الله عنه- وهو يصلى، ولم يقل أحد من أهل العلم أن رواية الأعمش عن
أنس مدلسة، وإنما وصفوها بالإرسال، وذكره ابن أبى حاتم فى ((المراسيل))،
وذكر روايته عن أنس، وكلام ابن المدينى فيه : الأعمش لم يسمع من أنس
بن مالك ، إنما رآه رؤية بمكة يصلى خلف المقام .
وبعض الرواة يقعون فى نوع خفى من أنواع التدليس ، وهو أن يقول:
أخبرنا فلان فى كتابه، ولا يكون له منه سماع أو إجازة .
٢٤٢

قال الذهبى فى ((الموقظة)) (ص: ٥٧ -٥٦) :
((ومن التدليس : أن يقول المحدث عن الشيخ الذى سمعه فى أماكن لم
يسمعها، .... ومن ذلك : (أخبرنا فلان من كتابه) ... وهذا لا ينبغى فإنه
تدليس والصواب فى كتابه)) .
قلت : من ذلك:
قول أبى نعيم الحافظ - فيما رواه عنه الخطيب فى ((شرف أصحاب
الحديث)) (١٤٥) بتحقيقنا -: أخبرنى أبو على الحسين بن على الحافظ فى
کتابه .
وأبو نعيم لم يسمع من أبى على الحافظ ، فهو على هذا الوجه مرسل
من حيث عدم السماع مطلقاً ومدلس من حيث اختلاط الأمر على السامع،
وعدم تبين السماع من عدمه .
وعودة إلى المثال الأصلى :
وهو حديث عثمان بن أبى العاص - رضى الله عنه - .
فلو نظرنا إلى السند الأول له ، لوجدنا :
أنه من رواية الحسن البصرى عن عثمان بن أبى العاص .
وفى ترجمة الحسن البصرى من ((تهذيب التهذيب)) (٢٣١/٢):
(روى عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب ولم
يدركهم، وعن ثوبان وعمار بن ياسر وأبى هريرة وعثمان بن أبى العاص
ومعقل بن سنان ولم يسمع منهم)) .
فهذا السند من هذه الجهة مرسل .
وأما السند الثانى :
فهشام بن حسان من أصحاب ابن سیرین ، وسماعه منه ثابت.
٢٤٣

وأما سماع ابن سيرين من عثمان بن أبي العاص فمحتمل جداً.
أولاً: للمعاصرة، فابن سيرين ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن
عفان - رضى الله عنه- وعثمان بن أبي العاص توفى في ولاية معاوية -
رضی الله عنه- سنة (٥٥).
ثم إن له رواية عنه عند النسائى .
ثانياً : لم يتكلم أحد من أهل العلم فى روايته عنه، ولم يصفها أحد
بالانقطاع.
قاعدة:
اتفاق أهل الحديث على نفي سماع ، أو إثبات سماع حجة .
قال الحافظ ابن حجر في ((التهذيب)) (١٥٦/٢) ترجمة حبيب بن
أبي ثابت :
20
((قال ابن أبي حاتم في كتاب ((المراسيل)) عن أبيه :
أهل الحديث اتفقوا على ذلك )).
أي على عدم سماع حبيب بن أبي ثابت من عروة بن الزبير.
((قال: واتفاقهم على شيء يكون حجة)).(١)
(١) لم أجد هذا النص في مطبوعة ((المراسيل)).
٢٤٤

أمثلة محلولة
تحقق من سماع كل من :
١- محمد بن مالك الجوزجاني من البراء بن عازب-رضى الله عنه -.
٢- بشير بن المهاجر الغنوى من أنس بن مالك -رضى الله عنه - .
الجواب:
[رواية : محمد بن مالك الجوزجاني عن البراء]:
أما الكلام على سماع محمد بن مالك الجوزجاني من البراء بن عازب
فقد تكلم فيه ابن حبان، فقال: ((لم يسمع من البراء شيئًا)).
وتعقبه الحافظ فى ((تهذيب التهذيب)) (٣٧٥/٩) بقوله:
((روى له أحمد فى مسنده، قال: رأيت على البراء خاتماً من ذهب،
فقيل له: إنك تلبسه وقد نهى عنه، قال: بينما نحن عند رسول الله تَ له
فذكر قصة، فهذا ينفى قول ابن حبان ، إنه لم يسمع من البراء، إلا أن يكون
عنده غير صادق)) .
قلت : الحديث عند أحمد (٢٩٤/٤) بلفظ :
((رأيت على البراء خاتماً من ذهب، وكان الناس يقولون له: لم تختتم
بالذهب ... ))
وهذا اللفظ يثبت الرؤية واللقاء، أما سماع الحديث المرفوع منه،
فاللفظ يحتمل الإثبات والنفى، ومتى طرأ الاحتمال بطل الاستدلال . قاعده
فقول ابن حبان غير مستبعد، ولا أخاله أطلقه جزافاً دون دليل، فابن
حبان حافظ عارف بأحوال الرواة، على ما فيه من تساهل فى التوثيق .
٢٤٥

[رواية بشير بن المهاجر الغنوى عن أنس] :
وأما الكلام على رواية بشير الغنوى عن أنس فقال ابن حبان: ((دَلْس
عن أنس ولم يره)) .
قلت : ابن حبان يطلق التدليس على الإرسال، مع تباينهما، فشرط
التدليس ثبوت السماع، وعدم الرؤية مختص بالإرسال، فرواية الغنوی عن
أنس مرسلة، والله أعلم .
٠٠١
٢٤٦

أمثلة أخرى للمناقشة
• تحقق من سماع كل من :
١- طلحة بن نافع الإسكاف من جابر بن عبد الله - رضى الله عنه -.
٢- الحسن البصرى من سمرة بن جندب - رضى الله عنه - .
٣- الحارث الأعور من على -رضى الله عنه - .
• أبو إسحاق السبيعى - عمرو بن عبد الله - ثابت السماع من
البراء بن عازب في غير حديث ، إلا أنه موصوف بالتدليس، فما حكم ما
يرويه عنه بالعنعنة من حيث القبول والرد.
وأعط مثالاً تبین فیه تدلیسه عن البراء - رضى الله عنه -.
٢٤٧

المرحلة الثالثة
البحث فى عدالة الرواة
والعدالة : هى الملكة التى تحمل المرء على ملازمة التقوى والمروءة،
واجتناب الأعمال السيئة : من شرك ، أو فسق ، أو بدعة .
فلابد أن يكون الراوى سليماً من أسباب الشرك ، أو الفسق ، أو
البدعة ، وكذلك يكون موصوفاً بالصدق والأمانة .
وعادة ما يذكر أصحاب كتب التراجم ما يوصف به الراوى من
صلاح وعبادة واتباع سنة، أو ما يوصف به من أسباب الفسق أو البدعة.
ولكن بعض أسباب الفسق، وبعض أنواع البدع لا تؤثر فى الاحتجاج
بالراوى إذا كان موصوفاً بها ، كبدعة الإرجاء أو القدر ، أو الخوارج لا
سيما إذا لم يكن الراوى الموصوف بها رأساً فيها، أو داعية إليها، أما إذا كان
رأساً فيها أو داعية إليها فالحكم فيه : قبول رواياته مما لا تشيد بدعته
ومذهبه.
قال ابن المدينى : ((لو تركت أهل البصرة للقدر، وتركت أهل الكوفة
للتشيع خربت الكتب))(١).
وقال نعيم بن حماد: قيل لابن المبارك: لِمَّ رويت عن سعيد، وهشام
الدستوائي، وتركت حديث عمرو بن عبيد، ورأيهم واحد؟ ، قال :
((كان عمرو يدعو إلى رأيه ويظهر الدعوة، وكانا ساكتين))(٢).
(١) (( شرح علل الترمذي)) لابن رجب (ص: ٦٤).
(٢) ((الميزان)) للذهبي (٢٧٥/٣).
٢٤٨

قلت : وخالف ابن المبارك فى هذا المذهب يحيى بن سعيد .
فنقل عنه ابن المدینی جواز الاحتجاج بمن کان رأساً فى بدعته ويدعو
إليها .
فقال : قلت ليحيى بن سعيد : إن عبد الرحمن يقول : اترك كل من
كان رأساً فى بدعته يدعو إليها ، قال: ((كيف تصنع بقتادة وابن أبى رواد
وعمر بن ذر وذكر قوماً)) .
ثم قال يحيى: ((إن تركت هذا الضرب تركت ناساً كثيراً))(١).
قلت : وتفصيل المسألة فى الجزء الثانى من هذه السلسلة:
((مذكرة الجرح والتعديل للمبتدئين)) .
وأما بعض أسباب الفسق التى قد يوصف بها الراوى: كالدخول فى
عمل السلطان ، أو الاستماع إلى المعازف، أو التزبى بزى الجند أو الأعاجم
.... ونحوها فمن ترك الرواية عمن وصف بهذه الأسباب تركها هجراً له
وتأديباً وردعاً، هذا فى حال حياته، وأما بعد موته، فكانوا يرون الرواية عنه
لا سيما إذا تفرد بما لم يكن عند غيره ، لزوال سبب الهجرة ولرجحان
الفائدة فى الرواية عنه بعد موته ، فالاحتجاج بحديثه أولى .
أما من وصف بالكذب ، أو كان متهماً به أو بالوضع ، فهو مقدوح
فيه بما يوجب رد رواياته مطلقاً .
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٣١٧/٨) ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي.
٢٤٩

المرحلة الرابعة
البحث فى ضبط الرواة
والضبط : هو أن يحفظ الراوى الحديث من شيخه ويعيه حتى إذا
حَدَّث به عنه حدّث به على الوجه الذى سمعه عليه .
وهو ينقسم إلى قسمين :
الأول : ضبط صدر : وهو ما ذكرناه .
والثانى : ضبط كتاب : وهو صيانة كتابه الذى فيه سماعه ورواياته
عن شيخه - أو مشايخه - من الخطأ والتصحيف والتحريف، بمعارضته
ومقابلته بأصل معتمد صحیح ، وصيانته كذلك ممن يدس فيه ما ليس منه .
فبعض الرواة ضعفوا من قِبَل ضعف أصولهم ورداءتها؛ من ذلك :
مَن روى عن ابن لهيعة بعد الاختلاط ، فقد روى عنه جماعة لا
يعتمد عليهم فى الرواية عنه، وإن كانوا من الموصوفين بالضبط والعدالة .
ذلك لأن ابن لهيعة بعد احتراق كتبه كان يأتيه الراوى فيعرض عليه
من حديثه، سواءً اعتماداً على نُسَخ غيره - وهى بحسب صاحبها من
الضبط والإتقان- أو بسماعه منه، ثم لم يكن ثمة أصل معتمد صحيح يقابل
علیه بعد احتراق كتبه، فكثرت المنا کیر من قِبَل تلك النسخ، أو من قِبَلِ ابن
لهيعة نفسه .
ومن ذلك أيضاً : قيس بن الربيع، فهو صدوق حسن الحديث ، إلا أنه
ابتلی بابنه فکان یدخل فی کتبه ما ليس من حديثه .
قال أبوداود الطيالسي: (( إنما أتى قيس من قِبَل ابنه، كان ابنه يأخذ
حديث الناس فيدخلها فى فَرَج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك))(١).
(١) ((تهذيب التهذيب)): (٣٥٢/٨) - ترجمة: قيس بن الربيع .
٢٥٠

ومثله محمد بن جابر بن سيار، فهو صدوق من حيث العدالة ضعيف
من قبل حفظه، ووهى أمره ما رأوه ملحقاً فى كتبه .
١٢
قال الإمام أحمد : «کان محمد بن جابر ربما ألحق أو يلحق فی کتابه،
يعني الحديث)) .
وقال أبو حاتم: ((رأوا فى كتبه لحقاً)(١).
وأما ضبط الصدر ؛ فقد يتغير بتغير الراوى واختلاطه، ويكون
بحسب درجة الاختلاط.
فمن الثقات من کان تغیره شديداً بحیث لم یقبل ما حَدَّث به بعد
الاختلاط لغلبة الوهم عليه .
ومنهم من اختلط عليه حديث أهل بلد، مثل : إسماعيل بن عياش،
فإنه صدوق فى روايته عن أهل بلده الشاميين، وأما روايته عن غيرهم ففيها
تخليط .
ومنهم من اختلط ثم رجع عما حَدَّث، فهذا أحسن لحاله، ومن هذا
الصنف : أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصرى .
لماذا لم يرجع البقية؟!
عن العير
قال أبو حاتم: ((خلط ثم رجع)) (٢).
وقيل لأبى زرعة : إنه رجع عن تلك الأحاديث، فقال :
((إن رجوعه مما يحسن حاله، ولا يبلغ المنزلة التى كان قبل)) (٣).
ومنهم من لم يحدّث وقت اختلاطه ولم يُجز بأحاديثه، كسعيد بن
ا ما معناها؟ اليس ثلاحدث
يوم منه الوهميه واهـ
عبد العزيز التنوخى.
قال أبو مسهر: كان سعيد بن عبد العزيز قد اختلط قبل موته، وكان
يُعْرض عليه قبل أن يموت، وكان يقول : لا أجيزها (٤).
(١) ((تهذيب الكمال)): (٥٦٦/٢٤ و ٥٦٧).
13
(٢) و(٣) ((الكواكب النيرات)) لابن الكيال (ص: ١٣).
(٤) ((تاريخ ابن معين)) برواية الدورى: (٢٠٤/٢).
٢٥١

ومنهم من حجبه أولاده عن الرواية عند اختلاطه، ومن هذا الصنف:
جرير بن حازم، قال ابن مهدى : ((جرير بن حازم اختلط، وكان له
أولاد أصحاب حدیث فلما خشوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع منه أحد فی
اختلاطه شيئاً))(١).
ومثله: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى .
13
قال الذهبی :«ما ضر تغیره حديثه، فإنه ما حدث بحديث فى زمن
التغير))(٢) .
ومنهم من کان اختلاطه خفيفاً، فمثله تقبل روایاته، ما لم يأت بما
یُنکر علیه .
قال شيخنا العلامة عبد الله بن يوسف الجديع - حفظه الله- فى
((طرق حديث غربة الإسلام)) (ص: ١٩):
((التحقيق قبول رواية من وصف من الثقات بالاختلاط مطلقاً ما لم
يفحش خطؤه، .... ، وهذه طريقة الشيخين البخارى ومسلم)).
ومن هذا الصنف : سفيان بن عيينة، وعمرو بن عبد الله أبو إسحاق
السبيعى .
ومنهم من اختلط حديثه حتى ترك، مثل : ليث بن أبی سليم .
ومنهم من ضعف لقلة ضبطه ، فساء حاله باختلاطه، وهذا فى جماعة
من الضعفاء .
(١) ((الجرح والتعديل)) لابن أبى حاتم (٥٠٥/١/١).
(٢) ((ميزان الاعتدال)) (٦٨١/٢).
٢٥٢

فصل منه
وبعض الرواة يكونون من الثقات أو الحفاظ، وإنما يُرَد حديثهم عن
بعض الشيوخ لعلة توجب ذلك .
كرواية داود بن الحصين، عن عكرمة ، فإن داود ثقة، إلا أنه صاحب
مناكير عن عكرمة، وروايته عنه خاصة ضعيفة .
وكرواية معمر بن راشد عن قتادة ، فمعمر ضعيف فى قتادة، فقد
سمع منه وهو صغير، فلم يحفظ عنه الأسانيد .
والحكم على رواية راو عن شيخ من شيوخه بالضعف لابد له من
دلیل صحیح، فبعض الروايات فى ذلك تكون ضعيفة .
من ذلك :
ما أخرجه الخطيب فى ((تاريخه)) (٨٧/١٤) من طريق:
الحسين بن فهم؛ أخبرنى الهروى: أن هشيماً كتب عن الزهرى نحواً
من ثلاث مائة حديث، فكانت فى صحيفة، وإنما سمع منه بمكة، فكان ينظر
فى الصحيفة فى المحمل، فجاءت الريح فرمت بالصحيفة فنزلوا فلم يجدوها،
وحفظ هشيم منها تسعة أحاديث .
قلت: ظاهر هذا القول ضعف هشیم فى روايته عن الزهرى، وقد
احتج بعض أهل العلم على ذلك بهذا الخبر .
وعند التحقيق فهذا الخبر لا يصح ، فإن سنده ضعيف ، فالحسين بن
فهم، قال فيه الحاكم والدار قطنى: ((ليس بالقوى))، وقال الخطيب: ((ثقة))،
والدار قطنى والحاكم أعلم به وبرواياته ، ثم إن هذا الخبر يخالفه ما رواه
أبوداود الطيالسي ، عن شعبة ، قال:
٢٥٣

خرجت أنا وهشیم إلى مكة، فلما قدمنا الكوفة، رآنی هشیم مع أبی
إسحاق، فقال: من هذا؟ قلت: شاعر السّبيع، فلما خرجنا جعلت أقول:
حدثنا أبو إسحاق، قال: وأين رأيته؟ قلت: هو الذى قلت لك: شاعر السبيع
13
فلما قدمنا مكة، مررت به وهو قاعد مع الزهرى، فقلت : أبا معاوية من
هذا؟ قال: شرطی لبنى أمية، فلما قفلنا ، جعل يقول : حدثنا الزهرى،
فقلت: وأين رأيته؟ قال: الذى رأيته معى ، قلت : أرنى الكتاب، فأخرجه
13
فخرقته .
٣٠
:
?
١
أورده الذهبى فى ((السير)) (٢٢٦/٧) وسنده صحيح.
وهذا مقتضاه أنه كان يحفظ أحاديث الزهرى، فإنما حدث بها بعد
عودته من مكة، وتخريق شعبة للكتاب لا يدل بحال على عدم حفظ هشيم
لحديث الزهرى .
فإذا علمت ذلك تبين لك ضعف ما ذهب إليه ابن حجر- ومن تبعه-
من لين رواية هشيم عن الزهرى، حيث قال فى ((هدى السارى))
(ص: ٤٧٢) :
((روايته عن الزهرى خاصة لينة عندهم .... ، وأما روايته عن الزهرى
فليس فى الصحيحين منها شىء، واحتج به الأئمة كلهم)) .
قلت: عدم إخرج الشیخین حديثه عن الزهری فذلك لأنه كان کثیر
التدليس، وقد ذكر إبراهيم بن عبد الله الهروى - فيما نقله الذهبى فى
((السير)) (٢٩١/٨) - أن هشيما لم يرو عن الزهرى سوى أربعة أحاديث
سماعاً، فاجتناب صاحبى الصحيحين لرواية هشيم عن الزهرى فلغلبة
تدلیسه، لا للینه فیه كما توهم الحافظ ابن حجر .
ثم إن قول الهروى هذا متعقب بما رواه الخطيب فى ((تاريخ بغداد))
٢٥٤

(٨٦/١٤) من طريق أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا إبراهيم
ابن سليمان البرلسى، حدثنا عمرو بن عون، قال :
سمعت هشيماً يقول : سمعت من الزهرى نحواً من مائة حديث فلم
أكتبها.
وهذا لا يقتضى أن هذا العدد جملة مسموعاته من الزهرى، وترك
كتابة هذه المائة لا يتنافى مع كونه كان له كتاب عن الزهرى، ذلك الذى
خرقه شعبة .
وخلاصة القول : أن رواية هشيم عن الزهرى مستقيمة صحيحة إذا
صرح هشيم فيها بالسماع، والله أعلم .
٢٥٥

فصل منه
ومن الرواة من يخطئ فى حديثه، فإذا روجع لم يرجع، وهذا موهن
لحاله .
من هذا الصنف : على بن عاصم بن صهيب .
قال يعقوب بن شيبة : (سمعت على بن عاصم على اختلاف أصحابنا
فيه، منهم من أنكر عليه كثرة الخطأ والغلط ، ومنهم من أنكر عليه تماديه فى
ذلك ، وتركه الرجوع عما يخالفه فيه الناس ، ولجاجته فيه، وثباته على
الخطأ ..... ))(١).
قلت : الرجوع عن الخطأ مما يحسن حاله .
فصل منه
ومنهم من تکون موافقته للثقات دون مخالفته لهم، فهذا یکتب
حديثه للاعتبار، فإذا وافق الثقات كان حديثه صحيحاً .
فإِذا كثرت منه المخالفة، وأدمن عليها كان متروك الحديث من جهة
حفظه لا من جهة عدالته .
فصل منه
ومنهم المستور الذى لم يتعرض له أحد بجرح أو تعديل، فهو على
طبقات:
منها : من روى عنه غير واحد، وخُرّج له فى الصحيحين أو فى
أحدهما فى الأصول، فهذا ثقة .
ومنها : من روى عنه غير واحد ، ولم يوثقه معتبر .
(١) (تهذيب التهذيب)): (٣٠٢/٧).
٢٥٦

ومنها : من روى عنه واحد، فهو بين جهالة الحال وجهالة العين .
وتفصيل الأمر فى ((مذكرة الجرح والتعديل للمبتدئين)) .
فيجب الوقوف على حال الراوى من حيث الجرح والتعديل، وتحديد
مكانته من الضبط والإتقان .
٢٥٧

المرحلة الخامسة
البحث فى الشذوذ
والشذوذ : هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
ويندرج تحته تفرد الثقة بما لا يحتمل منه، إذ التفرد مخالفة، من جهة
أن الرواى حَدَّث بما لم يتابع عليه، فحدَّث هو وأمسك غيره.
ومعرفته : وترجيح الراجح من الروايات يكون بالقرائن .
٢٥٨

حكم زيادة الثقة
------- -
ومن أهم المباحث المتعلقة بالشذوذ : حكم زيادة الثقة.
فإنها من المسائل التي اختلف فيها المحدثون والفقهاء .
فقال عامة الفقهاء وفريق من المحدثين : إن الزيادة مقبولة من الثقة
مطلقًا ، سواء كانت في المتن أو في السند.
ونقل النووي هذا القول عن جماهير المحدثين ، فإن قصد بهم
المتأخرين فقريب ، وإلا ففيه نظر.
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النزهة)) (ص: ٧١):
(( اشتهر عند جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير
تفصيل ، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن
لا يكون شاذًا ، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه ،
والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد
الحديث الصحيح ، وكذا الحسن .
والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين : كعبد الرحمن بن مهدي ،
ويحيى القطان ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ،
والبخاري ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، والنسائي ، والدار قطني ، وغيرهم
اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق
قبول الزيادة )).
وقبله قال الإمام ابن دقيق العيد :
((من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل
٢٥٩

ومسند، أو رافع وواقف، أو ناقص أو زائد أن الحكم للزائد فلم يصب فى
هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً، وبمراجعة أحكامهم الجزئية
يُعرف صواب ما نقول)) .
وذكر العلائي نحوًا من كلام ابن حجر ، والأقرب أن ابن حجر قد
أخذه عنه.
وأقوال المتقدمين وصنائعهم دالة على هذا المنهج دلالة قوية ، وقد
نقلنا جانبًا من أقوالهم في شرحنا على الموقظة للحافظ الذهبي ، وشرحنا
على ((النزهة)) لابن حجر ، بما يغني عن الإعادة هنا.
كتب المؤلف
وأما صفة الذي تقبل زيادته ، فإنما تُقبل الزيادة من الحافظ الثقة المتثبت
في حديثه.
قال الترمذي في (( العلل)) (٥٢٤/٥):
(( ورب حديث إنما يُستغرب لزيادة تكون في الحديث ، وإنما يصح إذا
كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه)).
وقال: (( فإن زاد حافظ ممن يُعتمد على حفظه قُبل ذلك عنه)).
٢٦٠