Indexed OCR Text
Pages 221-240
الفقهاء في كثير من الأحيان، ولذا فإنه نادرًا ما يُعلَّ بالاختلاف في الطرق. ■ فمن ذلك : حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه -: عن النبي وَّجله ، قال: (( الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله تعالى)). قال المنذري (٥٥/١) : (( رواه الطبراني بإسناد لا بأس به)). قلت : وهو حديث ضعيف ، وقد ذكره الشيخ الألباني - رحمه الله - في ((ضعيف الجامع)) (٣٠١٨). • ومن ذلك أيضاً : حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: عن النبي وقَالَلّ أنه قال: ((إنما يُبعث الناس على نياتهم)). قال المنذري (١ /٥٧) : ((رواه ابن ماجة بإسناد حسن)). قلت : هو عند ابن ماجة (٤٢٢٩) ، وفيه شريك ، وليث بن أبي سليم ، وهما ضعيفان . والأمثلة على ما ذكرنا كثيرة. · تصحيح الهيثمي : ونحو هذا يقع للهيثمي ، وإن كان الهيثمي أشد تساهلاً من المنذري، بل الهيثمي على تصحيح حديث من ذكره ابن حبان في ((ثقاته))، وإن لم يتابع على التوثيق ، وكذلك فهو لا يعتبر بالاختلاف على الراوي ٢٢١ في السند . ٥ فمن ذلك : حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - مرفوعًا : (( من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة )). قال الهيثمي (١٠/ ٩٤) : (رواه البزار وإسناده جيد)). قلت : بل هو عند البزار بسند فيه ضعف ، واضطراب ، وانقطاع، وانظر تحقيق القول فيه في ((صون الشرع)) (٣٨٩). ومن راجع أحكام الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) تبين له توسعه في التصحيح والتحسين والتوثيق. ● تصحيح الحافظ ابن حجر : وقد يقع للحافظ ابن حجر نظير ذلك من التساهل عند المنافحة عن بعض الأحاديث. · من ذلك : حديث الطير: (( اللهم ائتني بأحب خلقك يأكل معي هذا الطير)). وهو حديث حكم عليه سراج الدين القزويني بالوضع ، وأنكر الذهبي على الحاكم إخراجه ، فقال (٣/ ١٣٠): (( ولقد كنت زمانًا طويلاً أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه ، فلما علقت هذا الكتاب رأيت الهول من الموضوعات التي فيه ، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء)). ٢٢٢ وتكلم في نكارته غير واحد من أهل العلم. وأما الحافظ - رحمه الله - فحسّن الحديث كما في ((أجوبته عن أحاديث المصابيح)). · ومن ذلك أيضًا : حديث: (( أنا مدينة العلم، وعلي بابها)). حكم عليه أهل النقد بالبطلان والوضع . قال الترمذي: ((غريب منكر)) ، ونقل عن البخاري أنه أنكره. وقال ابن معين في ((سؤالات ابن الجنيد له)) (ص: ٢٨٥): (( هذا حديث كذب ليس له أصل)). وكذا رواه عنه أحمد بن حنبل كما في ((الجرح والتعديل)) (٩٩/١/٣) وصدّقه على ذلك . وكذا حكم عليه الذهبي بالوضع . وأما الحافظ ، فقال في ((أجوبة المصابيح)): (( ضعيف ويجوز أن يحسّن)). والشاهد مما ذكرناه : أنه يجب على الباحث أن يُعمل قواعد البحث والتحقيق عند دراسة الأسانيد مستنيراً بأحكام الأئمة من العلماء المتقدمين والمتأخرين ، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه قد يقع من بعضهم التساهل في الأحكام ، وهذا التساهل يختلف باختلاف العالم ، فمنهم من هذه صفته، ومنهم من يكون طارئًا عليه في بعض الأحاديث دون بعض. ٢٢٣ التمييز بين وقف الحديث ورفعه التمييز بين وقف الحديث ورفعه من أهم ما يوليه الباحث أو المحقق أو الدارس للسند عنايته ، لا سيما مع ما يرد في كثير من الأحاديث من الاختلاف بين الرواة في رفع الحديث ووقفه. فإنه متى صحَّ القول بوقف الحديث على الصحابي كان حديثًا موقوفًا ويُسمى : (أثرًا)). ومتى صحَّ القول بوقفه على التابعي أو من دونه كان حديثًا مقطوعًا . ولا شك أن ذلك كله يؤثر في قيام الحجة بمثل هذه الأخبار على اختلاف مراتبها عند أهل العلم. فالحديث الصحيح المرفوع ، لا خلاف في قيام الحجة به ، بخلاف الموقوف على الصحابي ، فالخلاف في الاحتجاج بآثار الصحابة معروف مشهور ، وإن كان كثير من المحدِّثين - إن لم يكن جمهورهم - على الاحتجاج بها في أبواب الفقه والعقيدة وغيرها ، ومنهم من يشترط لذلك شروطًا . وأما آثار التابعين ومن بعدهم فالاختلاف في حجيتها قائم ، وإن كان التوسيع في تركها ، مع عدم الخروج عنها بقول مخترع جديد ، هو الراجح عند أكثر العلماء. إذًا فالتمييز بين ثبوت الوقف ، أو الرفع من أهم ما يواجه الباحث ٢٢٤ أثناء دراسته . وقد جعلنا شرط الإسناد شرطًا من شروط الصحة في كتابنا : ((تيسير علوم الحديث)) جريًا على تعريف ابن الصلاح للحديث الصحيح إذ أنه التعريف الأشمل لشروط الصحة ، حيث يقول في ((علوم الحديث)) (ص: ١١): (( الحديث الصحيح : هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا، ولا معللاً )). وقد اختار بعض الفقهاء كالنووي حذف ((المسند)) من التعريف ، إذ أنه قد يُستعاض عنه بقوله: ((الذي يتصل إسناده)). وقد جرى ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) على ما جرى عليه ابن الصلاح ، فاشترط أن يكون مسنداً . وثمة فرق بين ((الإسناد))، وبين ((اتصال السند))، فإن الأول إنما يُعبر به عن الرفع ، وأما الثاني فهو مختص بالسماع والاتصال ، فكأنما الأول من صفات المتن ، والثاني من صفات السند . وهو ما رجحه الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٣٤/١)، قال : (( إنما أراد وصف الحديث المرفوع ؛ لأنه الأصل الذي يتكلم عليه ، والمختار في وصف المسند على ما سنذكره : أنه الحديث الذي يرفعه الصحابي ، مع ظهور الاتصال في باقي السند ، فعلى هذا لابد من التعرض لاتصال الإسناد في شرط الصحيح)). ٢٢٥ قلت: وقول الحافظ: ((مع ظهور الاتصال في باقي السند )) فيه نظر ، بل الراجح أنه مختص بالرفع دون الاتصال ، وهو ظاهر صنيع ابن الصلاح إذ فرَّق بينهما . ويؤيده قول ابن عبد البر في «التمهيد)) (٢١/١): ((المسند: هو ما رُفع إلى النبي ◌َلّ خاصة)). وإنما أجَّلنا ذكر هذا الشرط في هذا الكتاب عن شروط الصحة ؛ لأن الأليق ذكره في موضع التحقق منه ، ولا يكون ذلك إلا بعد تتبع الطرق وجمع الروايات والنظر والترجيح ، وهو ما سوف نتكلم عليه في الأبواب التالية . ٢٢٦ تتبع الطرق وجمع الروايات المرحلة الثانية من مراحل دراسة الأسانيد : تختص بتتبع طرق الحديث ، وجمع رواياته ، من متابعات قاصرة ، ومتابعات تامة ، وشواهد مؤيدة ، وهو ما يُسمى في علوم الحديث باسم : ((معرفة الشواهد والمتابعات)). ● معرفة المتابعات : ومعنى المتابعة : الموافقة ، والمتابع هو : الموافق. مراتب المتابعة : والمتابعة مرتبتان : تامة وقاصرة. فالمتابعة التامة : هي ما حصلت للراوي نفسه. والقاصرة : ما حصلت لشيخ الراوي فمن فوقه. قال الحافظ ابن حجر في ((النزهة)) (ص: ٧٧): (( المتابعة على مراتب ، لأنها إن حصلت للراوي نفسه فهي التامة ، وإن حصلت لشيخه فمن فوقه فهي القاصرة ، ويُستفاد منها التقوية)). مثال : أخرج الترمذي (٢١٦٥) من طريق : النضر بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن سوقة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : ٢٢٧ خطبنا عمر بالجابية ، فقال : يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله وَالله فينا، فقال: (( أوصيكم بأصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب ، حتى يحلف الرجل ولا يُستحلف ، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان ، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة ، فليلزم الجماعة ، من سرته حسنته ، وساءته سیئته ، فذلك المؤمن )). قلت : وبدراسة هذا السند نجد أن النضر بن إسماعيل ضعيف متكلم فيه يروي أحاديث مناكير. وبتتبع روايات هذا الحديث ، نجد أن الإمام أحمد قد أخرجه في ((المسند)) (١٨/١) من طريق: عبد الله بن المبارك، أنبأنا محمد بن سوقة . فهذه متابعة تامة للنضر بن إسماعيل ، وابن المبارك من كبار الحفاظ، ومن أئمة المسلمين وأعلامهم. وأخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٨٧)، والآجري في ((الشريعة)) (٤) من طريق : عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عن عمر ابن الخطاب مختصراً . فهذه متابعة قاصرة للنضر بن إسماعيل ، ولعبد الله بن المبارك. ومما سبق يتبين لنا أن رواية النضر بن إسماعيل قد تقوَّت برواية ٢٢٨ عبدالله بن المبارك ، وبرواية عاصم بن أبي النجود . ● معرفة الشاهد : وأما الشاهد : فهو ما يُروى من حديث صحابي آخر يوافق الحديث في لفظه ومعناه ، أو في معناه فقط . ويُسمى شاهدًا ؛ لأنه يشهد لما ورد في الحديث الأول ، ويصدِّقه ، وقد يتفق معه في اللفظ والمعنى ، أو في المعنى فقط. · مثال : ما أخرجه مسلم (٢/ ٦٩٧) من حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - : عن النبي وَجَلّ قال: (( كل معروف صدقة)). وله شاهد عند ابن أبي الدنيا في ((قضاء الحوائج)) (٨) من طريق: سعيد بن سليمان ، حدثكم مسور بن الصلت ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا بلفظه. فهذا شاهد متفق مع حديث حذيفة - رضي الله عنه - في اللفظ والمعنى معًا . • مثال آخر : ما أخرجه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٣٢٣/٢) من طريق : مسلمة بن عبد الرحمن البصري ، حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَاخيه: (( لا تدعوا على أولادكم، أن توافق من الله إجابة)). ٢٢٩ قلت : له شاهد بمعناه عند مسلم (٢٣٠٤/٤) ضمن حديث طويل، وأبي داود (١٥٣٢)، وابن حبان (٢٤١١) من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه -: عن النبي وَّجله قال: (( لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم ، ولا تدعوا على أموالكم ، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم )). ٢٣٠ التقوية بمجموع الطرق تقدَّمت - فيما سبق - الإشارة إلى أن الفائدة من وراء معرفة الشواهد والمتابعات ، سواءً القاصرة أو التامة : أولاً : معرفة الوجه المحفوظ، أو المعروف من الوجه الشاذ، أو المنكر. ثانيًا : التعضيد والتقوية . فأما معرفة المحفوظ من الشاذ فقد تقدَّم الكلام عليه في الشرط الثالث من شروط الصحة ، والذي يهمنا الكلام عليه هنا هو : التعضيد والتقوية . وهذا بدوره يُلزمنا بمراجعة حدَّين مهمين من حدود مصطلح الحديث، وهما : الصحيح لغيره، والحسن لغيره. ٥ الكلام على الحديث الصحيح لغيره : فأما الصحيح لغيره : فهو الحديث الحسن لذاته إذا رُوي من أوجه أخرى في نفس درجته أو أقوى منه. وقد عبّر عنه الحافظ في (النزهة)) (ص: ٦٧) بقوله : (( وبكثرة طرقه - [أي الحسن لذاته] - يُصحح، وإنما يُحكم له بالصحة عند تعدد الطرق ؛ لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي قصر به ضبط راوي الحسن عن راوي الصحيح ، ومن ثم تُطلق الصحة على الإسناد الذي يكون حسنًا لذاته لو تفرد إذا تعدد )). ٢٣١ قلت : هذا الاصطلاح مما استقر عليه منهج المتأخرين من أهل العلم، وإلا فالمتقدمين من النقاد لا يفرِّقون بين الصحيح وبين الحسن لذاته، بل عندهم الجميع صحيح ، إذا ثبت أن الراوي قد ضبط الرواية ، ولم يخطئ فيها . وإن كان بعضهم يُطلق وصف الحسن على جملة من الأحاديث كالبخاري و شيخه ابن المديني ، ومن قبلهما الإمام الشافعي ، وأحمد - رحمهم الله أجمعين - فليس على مجرى الاصطلاح ، بل على أوجه أخرى غير الاصطلاح. ولذا قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -في ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ١٩): (( هذا التقسيم - [ أي : إلى صحيح وحسن وضعيف ] - إن كان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر ، فليس إلا صحيح أو ضعيف)). وقال الحافظ في ((النكت)) (١ / ٤٨٠): (( واعلم أن أكثر أهل الحديث لا يُفردون الحسن من الصحيح ، فمن ذلك : ما رويناه عن الحميدي شيخ البخاري ، قال: الحديث الذي ثبت عن النبي ◌َّلّ هو: أن يكون متصلاً، غير مقطوع معروف الرجال. وروينا عن محمد بن يحيى الذهلي ، قال: ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث المتصل غير المنقطع الذي ليس فيه ٢٣٢ سئ رجل مجهول ولا رجل مجروح. فهذا التعريف يشمل الصحيح والحسن معًا ، وكذا شرطه ابن خزيمة، وابن حبان في (صحيحيهما)) لم يتعرضا فيه لمزيد أمر آخر على ما ذكره الذهلي )». قلت : الخلاف في مثل هذه المسألة محتمل جداً ، فالفائدة في التفريق بين الصنفين الترجيح عند الاختلاف ، ومن لا يفرق بينهما فإنما هو عنده حديث صحيح ، وأصح منه. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة)) (ص: ٦٤ -٦٥): (( ومن ثمَّ كانت طائفة من القدماء لا يُفرِّقون بين الصحيح والحسن، بل يسمون الكل صحيحًا ، وإن كان بعضها أصح من بعض ، وذهبت طائفة إلى التفرقة ، وهو الذي استقر عليه الأمر. والنزاع - في التحقيق - بين الفريقين لفظي ، لأن من يفرِّق بينهما تظهر ثمرة تفرقته فيما إذا تعارضا فيرجح الصحيح على الحسن ، ومن لا يفرِّق بينهما يستعمل هذا الترجيح بعينه ، وإن سمّى الكل صحيحًا ، فیکون عندہ صحیح وصح منه )). قلت : فإذا عُلم ذلك فالخلاف في هذه المسألة غير مؤثر ، وإنما هو خلاف لفظي كما قال الحافظ - رحمه الله -. ٥ الكلام على الحديث الحسن بمجموع الطرق : وإنما وقع الخلاف في الحديث الحسن بمجموع الطرق. ٢٣٣ والحديث الحسن بمجموع الطرق : هو الحديث الضعيف المحتمل الضعف إذا تعددت طرقه. وهذا الحد إنما جرى عليه المتأخرون من المحدثين تبعًا لحدٌّ الترمذي - رحمه الله - للحديث الحسن ، وقد اشترط له ثلاثة شروط : الأول : أن لا يكون راويه كذابًا أو متهمًا أو متروكًا ، وهذا مقتضاه أن يكون محتمل الضعف ، لا شديد الضعف. الثاني : أن یُروی من غير وجه. الثالث : أن لا يكون شاذًا ولا منكرًا. واختلف في حكم الاحتجاج بهذا الحديث ، فالذي استقر عليه اصطلاح المتأخرين الاحتجاج به ، وهو بخلاف ما عليه أكثر المتقدمين- إن لم يكن جميعهم - وقد أثبت هذا الخلاف غير واحد من أهل العلم كابن دقيق العيد ، والحافظ ابن حجر ، والسخاوي وغيرهم جماعة. قال الحافظ - رحمه الله - في ((النكت)) (١ / ٤٠١): (( المصنف وغير واحد نقلوا الاتفاق على أن الحديث الحسن يحتج به كما يُحتج بالصحيح ، وإن كان دونه في المرتبة. فما المراد - على هذا - بالحديث الحسن الذي اتفقوا فيه على ذلك، هل هو القسم الذي حرره المصنف ، وقال : إن كلام الخطابي ينزل عليه، وهو رواية الصدوق المشهور بالأمانة .... إلى آخر كلامه ، أو القسم الذي ذكرناه آنفًا عن الترمذي مع مجموع أنواعه التي ذكرنا أمثلتها ، أو ما هو أعم من ذلك ؟! ٢٣٤ لم أر من تعرض لتحرير هذا ، والذي يظهر لي أن دعوى الاتفاق إنما تصح على الأول دون الثاني ، وعليه أيضًا يتنزل قول المصنف إن كثيرًاً من أهل الحديث لا يفرق بين الصحيح والحسن ، كالحاكم ، كما سيأتي ، وكذا قول المصنف : إن الحسن إذا جاء من طرق ارتقى إلى الصحة كما سيأتي إن شاء الله . فأما ما حررنا عن الترمذي أنه يُطلق عليه اسم الحسن من الضعيف، والمنقطع إذا اعتضد، فلا يتجه إطلاق الاتفاق على الاحتجاج به جميعه ، ولا دعوى الصحة فیه إذا أتى من طرق. ويؤيد هذا قول الخطيب : أجمع أهل العلم أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر )). قلت : ويتتبع صنائع المتقدمين يتبين صحة ذلك ولا شك ، وقد بينت ذلك تفصيلاً في كتابي (( الحسن بمجموع الطرق في ميزان الاحتجاج بين المتقدمين والمتأخرين )). وعلى ما ذكرنا من الخلاف في هذه المسألة إلا أننا سوف نعرِّج على الكلام على كيفية تقوية الطرق الضعيفة بعضها بعضًا جريًا على مذهب المتأخرين في هذه المسألة ، إتمامًا للفائدة من جهة ، ومن جهة أخرى فلأن هذه المسألة إنما الترجيح فيها بحسب ما يظهر للباحث من قرائن تؤيد صحة مذهبه في التقوية . ٢٣٥ التقوية بالمتابعات والشواهد محتملة الضعف التقوية بالمتابعات من أدق المسائل التي يجب أن يوليها الباحث عناية خاصة ، إذ ليست كل متابعة ، أو كل شاهد يصلح للتقوية . وإنما خصَّ أهل العلم التقوية بالطرق ذات الضعف المحتمل ، وأما الطرق شديدة الضعف فلا يحصل بها تقوية ، بل هي لا تزيد الحديث على هذه الصفة إلا وهنا على وهن. وهذا الشرط ظاهر جدًا من كلام الترمذي - رحمه الله - ومن شرطه الأول من شروط الحديث الحسن ، حيث قال : (( كل حديث يُروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب )). فهذا احتراز عن الضعف الشديد الذي يوهن السند . وعليه فالمتابعة تنفع في أسباب الضعف التالية : ١ جهالة الحال ، ومنها رواية المستور. (٢) الإرسال. (٣) الانقطاع . (٤ عنعنة المدلس . (٥ سيئ الحفظ، ومن له أغلاط ، إلا أنه لا يصل إلى درجة الترك، والمختلط الذي لم يتميز ، وهؤلاء ضعفهم محتمل . فإذا ورد الحديث من وجهين ضعيفين من هذه الأوجه ، عضّد ٢٣٦ أحدهما الآخر على منهج المتأخرين. وأما المتابعة فلا تنفع في أسباب الضعف الشديد ، وهي : (١ الإعضال ، وهو سقوط راويين أو أكثر على التوالي من السند. (٢) التهمة أو الوصف بالكذب ، أو التهمة بالوضع أو الوصف به، أو المتروك لكثرة مناكيره ، وكل من لا يُحتمل ضعفه. (٣ الشذوذ ، أو النكارة. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النزهة)) (ص: ١١١): (( ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر ، كأن يكون فوقه أو مثله، لا دونه، وكذا المختلط الذي لم يتميز ، والمستور الإسناد ، والمرسَل ، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه ، صار حديثهم حسنًا لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع من المتابع والمتابَع ، لأن مع كل واحد منهم احتمل كون روايته صوابًا أو غير صوابٍ على حدٍّ سواء ، فإذا جاءت من المعتبرين رواية موافقة لأحدهم رجح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين ، ودلَّ ذلك على أن الحديث محفوظ ، فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول)). · مثال على التقوية بمتابعة محتمل الضعف : ما أخرجه وكيع في ((الزهد)) بسند صحيح عن علي بن الحسين مرفوعًا : (( إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليبين له ، فإنه خيرٌ في الإلفة ، وأبقى في المودة)) . ٢٣٧ هذا الحديث قد أورده الشيخ الألباني - رحمه الله - في ((الصحيحة)) (١٩٦/٣)، وقال : (( علي بن الحسين هو ابن علي بن أبي طالب ، ثقة جليل من رجال الشيخين ، فهو مرسل صحيح الإسناد. وله شاهد من حديث مجاهد مرسلاً أيضًا ، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الإخوان)) كما في ((الفتح الكبير)) ، وله شاهد آخر عن يزيد بن نعامة الضبي ، خرجته في الكتاب الآخر (١٧٢٦) ، فالحديث بمجموع الطرق حسن إن شاء الله )). فقوَّى الشيخ الطريق المرسل بمرسل آخر ، ثم بشاهد ثالث فيه ضعف . • مثال آخر : ما أخرجه أحمد (٣٤٥/٢)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٣٣٦)، وأبو داود (٤٩٤٠)، وابن ماجة (٣٧٦٥) من طريق : حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَله رأى رجلاً يتبع حمامة ، فقال : (( شيطان يتبع شيطانة )). قلت : وهذا سند صحيح ، لولا الكلام الوارد في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، قال ابن أبي خيثمة : سُئل ابن معين عن محمد بن عمرو ، فقال : ما زال الناس يتقون حديثه ، قيل له : وما علة ذلك ؟ قال : كان يحدِّث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته ، ثم يحدِّث به ٢٣٨ مرة أخرى عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة. قلت : قد تفرد بهذا الحديث عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، فهو موضع توقف إلى أن يترجح ثبوته من عدمه بشاهد أو متابعة . وقد أخرج ابن ماجة له شاهدًا (٣٧٦٦) من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من طريق : يحيى بن سليم الطائفي ، حدثنا ابن جريج ، عن الحسن بن أبي الحسن ، عن عثمان به . قلت : وهذا السند ضعيف ، فإن الطائفي متكلّم فيه ، والحسن لم يسمع من عثمان بن عفان ، وكذا ابن جريج لا يُعلم له سماع من الحسن، وهو مدلس ، وقد عنعنه ، فهذه من أسباب الضعف المحتمل. فالحديث حسن بمجموع الطريقين على مذهب المتأخرين. ٢٣٩ التقوية بالمتابعات والشواهد الصحيحة تعرفنا في الفصل السابق على طريقة التقوية بالمتابعات والشواهد محتملة الضعف ، وبيَّنا هناك أن هذا النوع من التقوية وإن استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين ، إلا أن الخلاف فيه قائم بينهم وبين كثير من أهل العلم من المتقدمين ، بل ذهب من المتأخرين إلى عدم التقوية بالطرق الضعيفة جماعة منهم: ابن حزم ، وابن القطان الفاسي المالكي ، وابن سيد الناس - رحمهم الله - . وأما التقوية بمتابعة الثقة للراوي الضعيف ، فلا خلاف بين أهل العلم في قبولها، والعمل بها . وهذا ظاهر من طريقة سبرهم لضبط الراوي ، فإنما يعتمدون فيها على مقارنة روايته برواية الثقات ، لا برواية الضعفاء. كما قال ابن الصلاح - رحمه الله - (ص: ١٠٦): (( يُعرف كون الراوي ضابطًا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان ، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم ، أو موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا ، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ، ولم نحتج بحديثه )). فمتى وافق الضعيف المحتمل الضعف رواية الثقات ، كان هذا دليلاً على أنه قد ضبط روايته ، ورواها على الوجه الذي سمعها عليه من ٢٤٠٠