Indexed OCR Text

Pages 81-100

في جنب ما رواه.
قلت : ومما عيب عليه انتحاله لبدعة الإرجاء ، إلا أن الأئمة قد
احتملوه ورووا عنه ، وقد تقدَّم بيان أن الاحتجاج بالراوي الموصوف بنوع
بدعة هو ما جرى عليه أكثر أهل العلم إن عُلم منه الصدق والعدالة ، وأما
ترك الرواية عنه فللزجر والتأنيب .
وحاصل ما تقدّم : ثبوت توثيق محمد بن خازم ، واتصال روايته
عن الأعمش .
• وبالرجوع إلى ترجمة الأعمش سليمان بن مهران من ((تقريب
التهذيب )) نجد أن الحافظ ابن حجر قد ذكره بالحفظ والتوثيق ، فقال :
(( ثقة حافظ ، عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلِّس)).
فدلَّ ذلك على ثبوت عدالته وضبطه ، وبقي اتصال روايته عن أنس
ابن مالك رَضِلَُّهُ.
وبالرجوع إلى ترجمته من ((تهذيب التهذيب)) نجد عدة نقول تثبت
عدم سماعه من أنس بن مالك رَضِالْنَهُ.
قال ابن المديني :
(( لم يحمل عن أنس ، إنما رآه يخضب، ورآه يصلي)).
وقال ابن معين :
(( كل ما روى الأعمش عن أنس مرسل )).
وقال ابن المنادي :
(( قد رأى أنس بن مالك ، إلا أنه لم يسمع منه )).
٨١

وقال الخليلي :
(( رأى أنسًا، ولم يُرزق السماع منه، وما يرويه عن أنس ففيه
إرسال)).
فدلت هذه النقول على أنه لا يصح له سماع من أنس ، وهذا
إرسال ، وليس بتدليس ، فالسند من هذه الجهة منقطع ، والله أعلم.
٨٢

الجرح والتعديل
الجرح والتعديل هو أحد علوم الحديث النبوي الشريف ، وهو يعني
بدراسة أحوال رواة الأخبار، والأحاديث، والآثار من حيث العدالة
والضبط، ومن ثمَّ وصفهم بوصف ملائم يتناسب مع مجموع ما ورد فيهم
من جرح أو تعديل .
فالجرح : متعلق بذكر عيوب الرواة التي لأجلها تُرد روايتهم ، سواءً
كانت متعلقة بالعدالة ، أو كانت متعلقة بالضبط .
والتعديل : هو تزكية الراوي وتوثيقه ، بما يقتضي قبول روايته.
وقد اعتنى أئمة الحديث والجرح والتعديل بالبحث في أحوال الرواة
سواءً من جهة التوثيق والتجريح ، أو من جهة السماعات ، أو من جهة
المواليد والوفيات ، ونحوها من مهمات هذا العلم ، التي تؤثر سلبًا
وإيجابًا في الحكم على الأحاديث.
فقلَّ ما فات الأئمة الكلام في أحد من رواة الأحاديث ، سواءً من
المشهورين ، أو المعروفين ، أو المجهولين.
وقد قعَّدوا لهذا العلم قواعد عديدة ، منها ما نصوا عليه صراحة ،
ومنها ما عُرف من سبر كلامهم وتتبع صنائعهم في التصحيح والإعلال.
وقد ذكرنا جملة كبيرة من هذه القواعد في كتابنا : (( تيسير علوم
الحديث )) ، بما يغني عن الإعادة هنا.
٨٣

· مشروعية الجرح وكشف معايب الرواة :
وجرح الرواة ، ووصّفهم بما فيهم من الضعف مشروع لغلبة
المصلحة به ، ولمسيس الحاجة إليه ، إذ لا يُتصور التمييز بين الصحيح
والضعيف إلا بتحقيق أحوال الرواة ، فمتى امتنع العارف عن بيان عيوب
الرواة وأسباب ضعفهم وسقوطهم ، لم يتمكن الباحث من الوقوف على
الصحيح من الضعيف ، والثقة من الواهي.
وقد ورد في السنة المشرفة ما يدل على جواز ذلك كما في حديث أم
المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - عن النبي وَّلل أنه رأى رجلاً فقال :
(( بئس أخو العشيرة هو )).
وكما في حادثة فاطمة بنت قيس - رضي الله عنها - حينما خطبها
معاوية بن أبي سفيان ، وأبو الجهم، فقال لها النبي وَلَّم:
(( أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا
مال له ، انكحي أسامة بن زيد )).
فهذه الشهادات لأجل النصح للمسلمين ، وأي نصح للمسلمين
أولى من حفظ السنن المروية عليهم؟ !!
وقد أخرج ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢٣/١/١) بسند
صحيح عن عفان بن مسلم ، قال :
كنت عند إسماعيل بن عُلية ، فحدَّث رجل عن رجل بحديث ،
فقلت : لا تُحدِّث عن هذا ، فإنه ليس بثبت ، فقال: اغتبته ، فقال
إسماعيل : ما اغتابه، ولكنه حكم عليه أنه ليس بثبت.
٨٤

وأخرج عن عفان ، قال : حدثنا يحيى القطان ، قال : سألت
سفيان، وشعبة، ومالك بن أنس عن الرجل الكذَّاب، يبين لي أمره ؟قالوا :
لا يسعك إلا أن تبيِّن للناس أمره.
قال الإمام مسلم - رحمه الله - في مقدمة ((الصحيح)) (٢٨/١):
(( وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي
الأخبار ، وأفتوا بذلك حين سُئلوا ؛ لما فيه من عظيم الخطر ، إذ الأخبار
في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم ، أو أمر ، أو نهي ، أو ترغيب
أو ترهيب ، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة ، ثم أقدم
على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ، ممن جهل معرفته ،
كان آثمًا بفعله ذلك ، غاشّاً لعوام المسلمين ، إذ لا يؤمن على بعض من
سمع تلك الأخبار أن يستعملها ، أو يستعمل بعضها ، ولعلها - أو
أكثرها - أكاذيب لا أصل لها ، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات
وأهل القناعة أكثر من أن يُضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع)).
٥ شروط قبول الراوي :
ذكرنا فيما تقدَّم أن شروط قبول رواية الراوي : توفر ثبوت العدالة
والضبط ، وضبط الراوي يُعلم بموافقته للثقات ، فمتى وافق الثقات كان
ضابطًا ، ومتى خالفهم مخالفة ظاهرة أضر ذلك بحديثه ، وأما الخطأ بعد
الخطأ فلا يضر الثقة في شيء ، فإنه لا يتصور أن لا يخطئ الثقة .
الثقة :
والثقة هو من ورد فيه تعديل معتبر معتمد ، من أحد الأئمة النقاد ،
٨٥

ممن تُقبل تزكيتهم ، ولا يُقبل التعديل من متساهل ، ولا ممن يعتمد مجرد
العدالة الظاهرة دون الضبط .
ومن المتأخرين من ذهب إلى توثيق من ارتفعت جهالة عينه ، ولم
يرد فيه جرح، والمعتمد في مثل هذا أن يُقال عنه: ((مجهول الحال))،
أو ((مستور))، ومنهم من يسميه: ((مقبول))، وهو إطلاق مخصوص
بالحافظ ابن حجر - رحمه الله - .
· أئمة الجرح والتعديل بين التساهل والتشدد :
والأئمة الحذاق في الجرح والتعديل بين متساهل ومتشدد ومعتدل.
قال الحافظ الذهبي - رحمه الله - في ((الموقظة)) (ص: ٨٣):
(( فالحادّ فيهم : يحيى بن سعيد ، وابن معين ، وأبو حاتم ، وابن
خراش ، وغيرهم.
والمعتدل فيهم : أحمد بن حنبل ، والبخاري ، وأبو زرعة .
والمتساهل : كالترمذي ، والحاكم ، والدارقطني في بعض
الأوقات)).
قلت : لا يصح وصف الترمذي بالتساهل كما بينَّاه في غير موضع،
بل من المتساهلين في التعديل : ابن خزيمة ، وابن حبان ، والعجلي .
ثم اعلم : أن الناقد قد يكون متساهلاً في التعديل ، مسرفًا في
التجريح يلمز الراوي بالخطأ والخطأين ، كابن حبان مثلاً ، فإنه يوثق كثيراً
من المجاهيل ؛ لأجل العدالة الظاهرة ، ويذكر في كتابه ((المجروحين ))
جملة من الثقات ومن رواة الصحيحين وغيرهم ، ولذا قال فيه الحافظ
٨٦

الذهبي في ((الميزان)) (٢٩٠/١): ((صاحب تشنيع وشغب)).
ومن المسرفين في الجرح جماعة منهم : أبو الفتح الأزدي.
قال الحافظ الذهبي في ((السير)) (٣٤٨/١٦):
((عليه في كتابه ((الضعفاء)) مؤاخذات ، فإنه ضعَّف جماعة بلا دليل
، بل قد يكون غيره قد وثقهم )).
قلت : ونحوه الجوزجاني ، فإنه قد أكثر من جرح من وصف
بالتشيع ، فإنه منسوب إلى النصب ، واختلاف العقائد قد أوجب كلام
الرواة بعضهم في بعض ، ولا عبرة إلا بالجرحة المفسرة المبنية على البيّنة
الصحيحة .
٥ اختلاف حكم الناقد على الراوي :
من أهم المسائل التي قد تواجه الباحث أثناء بحثه في حال الراوي ؛
اختلاف حكم أحد النقاد على الراوي بحيث يذكره تارة بالجرح ، وتارة
أخرى بالتوثيق .
فهذا يرجع إلى احتمالات عدة :
■ الأول : أنه قد ذكره على التوثيق مقارنة بمن هو أشد ضعفًا منه ،
وذكره بالجرح عند السؤال عنه استقلالاً.
وقد نبه على ذلك الإمام أبو الوليد الباجي في كتابه ((الجرح
والتعديل)) (٢٨٣/١)، فقال:
(( اعلم : أنه قد يقول المعدِّل : فلان ثقة ، ولا يريد أنه ممن يُحتج
بحديثه ، ويقول : فلان لا بأس به ، ويريد أنه يُحتج بحديثه ، وإنما ذلك
٨٧

بحسب ما هو فيه ، ووجه السؤال له ، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل في
دينه ، المتوسط حديثه ، فيُقرن بالضعفاء ، فيُقال : ما تقول في فلان
وفلان ؟ فيقول : فلان ثقة ، يريد أنه ليس من نمط من قُرن به ، وأنه ثقة
بالإضافة إلى غيره)).
وقد نص الحافظ ابن حجر على هذه القاعدة في مقدمة كتابه ((لسان
الميزان)) (٢٨/١).
■ الثاني : أن يكون قد أراد بالتوثيق مجرد العدالة لا الضبط ، ويرد
عنه من وجه آخر ما يدل على ذلك .
مثال :
محمد بن إسحاق بن يسار ، قال المفضل الغلابي : سألت ابن معين
عنه ، فقال: (( كان ثقة، وكان حسن الحديث)).
فظاهر هذه العبارة التوثيق والاحتجاج.
ولكن روى الدوري في ((تاريخه)) (١٠٤٧) عن ابن معين قوله :
((محمد بن إسحاق ثقة ، ولكن ليس بحجة )).
فدلت هذه العبارة الثانية على أنه أراد بالتوثيق الأول العدالة ، لا
الضبط ، وأما قوله: ((حسن الحديث)) ، فلا يجري على مجرى المتأخرين
في وصف الحديث بالحُسن ، وإنما يُريد بذلك الغرابة والتفرد ، وقد يريد
به المعنى اللغوي.
٥ مثال آخر :
بكر بن خنيس ؛ فروى ابن أبي مريم ، عن ابن معين أنه قال :
٨٨

(( صالح لا بأس به ، إلا أنه يروي عن ضعفاء ، ويُكتب من حديثه
الرقاق)) .
وروى غيره عنه أنه قال فيه: (( ليس بشيء)).
قلت : فأما العبارة الأولى فتدل على نوع من التوثيق واحتمال
روايته ، وأما العبارة الثانية فتدل على سقوط الاحتجاج به ، فإن هذا
الوصف بمنزلة المتروك عند ابن معين .
وبتتبع أقوال النقاد وأهل العلم في بكر بن خنيس ، نجد أن كلمتهم
قد اتفقت على تجريحه ، وإسقاط الاحتجاج بحديثه.
فالعبارة الثانية تقتضي زيادة علم ، وهي مع ذلك موافقة لقول
الجمهور ، فإعمالها مقدَّم على إهمالها ، بل تقديمها على عبارة التعديل
هو الأولى.
■ الثالث : أن يكون المعدِّل قد ظهر له استقامة أمره أولاً فأطلق فيه
التعديل ، ثم تبين له فساد حاله بعد ذلك ، فأطلق فيه الجرح.
■ الرابع : أن يطلق المعدِّ القول بتوثيقه ، ثم يذكره - في رواية
بعينها لم يضبطها ، أو يكون قد وهم فيها - بالضعف.
فالعبرة في هذه الحالة بالتوثيق ، وأما القول بتجريحه فمختص إما
برواية بعينها ، أو برواية الراوي عن شيخ بعينه ، أو عن أهل بلد معين.
· الرواة المختلف فيهم :
وأما الرواة المختلف فيهم : وهم من اختلفت أحكام النقاد في
توثيقهم وتجريحهم ، فالخروج من الخلاف في شأنهم مبني على إعمال
٨٩

قواعد الجرح والتعديل التي نص عليها العلماء في مصنفاتهم ، والتي تقدَّم
ذكرها في كتابنا: (( تيسير علوم الحديث)).
ومن أهم هذه القواعد :
(١ الجرح المفسَّر مقدَّم على التعديل .
(٢ التعديل المعتبر مقدَّم على الجرح المبهم.
إعمال الجرح المبهم
(٣)
فى حالة عدم ورود التعديل المعتبر .
(٤) رد التزكية بالظاهر -كما هو مذهب ابن خزيمة وابن حبان
والعجلي وابن عبد البر - .
٥ عدم إجزاء التعديل على الإبهام.
٦ عدم قبول كلام الأقران بعضهم في بعض.
فالراوي الذي اختلفت فيه عبارات النقّاد والمعدلين إما أن يُلحق بحيز
التوثيق ، أو يُلحق بحيز التجريح ، ولربما يدور الحكم بالتوثيق أو التجريح
عليه بحسب روايته .
وسوف نذكر عدة أمثلة من الرواة المختلف فيهم ، مع بيان طريقة
ترجيح أحد الحكمين - التوثيق أو التجريح - عليهم.
مثال (١) :
حماد بن نجيح ؛ وثقه الجمهور، فقال أبو حاتم: (( لا بأس به ثقة))،
وقال وكيع، وأحمد، وابن معين: ((ثقة))، زاد أحمد: ((مقارب
الحديث)).
وخالفهم عثمان بن أبي شيبة ، فقال: (( حماد بن نجيح ضعيف ،
٩٠

ليس يروي عنه أحد)).
قلت : وبالنظر إلى جرح عثمان بن أبي شيبة ، نجد أنه ورد مبهمًا
غير مفسَّر السبب ، ومن ثم فلا عبرة به ، لمخالفته لقول الجمهور بتوثيق
حماد بن نجيح.
مثال (٢) :
الربيع بن يحيى بن مقسم ؛ روى عنه البخاري في ((الصحيح)) ،
وقال أبو حاتم الرازي: (( ثقة ثبت))، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وخالفهم : ابن قانع، فقال: (( ضعيف)) ، وقال الدار قطني :
(ضعيف، ليس بالقوي، يخطئ كثيرًا، حدَّث عن الثوري ، عن ابن
المنكدر ، عن جابر: جمع النبي ◌ُّ بين الصلاتين، وهذا حديث ليس
لابن المنكدر فيه ناقة ولا جمل ، وهذا يُسقط مائة ألف حديث)).
قلت : وبدراسة أقوال أهل العلم السابقة ، نجد أن احتجاج البخاري
بحديثه توثيق له ، وتوثيق أبو حاتم مما يُعض عليه بالنواجذ ، لاشتهاره
بالتشدد والتعنت في التوثيق ، وقد وصفه بأعلى مراتب الحفظ ، وأما
جرح ابن قانع له فقد ورد مبهمًا مهملاً ، فلا يُدفع به التعديل المعتبر.
وأما قول الدار قطني، فلا حجة فيه على إسقاط الاحتجاج به ،
فكون الراوي قد أخطأ في رواية حديث ، أو وهم فيه ليس بحجة على
إسقاط عموم حديثه ، فمَنْ مِنَ الثقات لا يُخطئ ؟ !! وعليه فالأقرب
ثبوت التوثيق وقيام الحجة به ، إلا أن يُخالف ، أو أن ينفرد بما لا يُحتمل
منه سنداً أو متنا .
٩١

مثال (٣) :
يونس بن القاسم الحنفي ، احتج به البخاري في (صحيحه)) ، ووثقه
ابن معين والدارقطني ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وخالفهم البرذعي ، فقال: (( هو عندي منكر الحديث)).
وبالترجيح بين التوثيق والتجريح ، نجد أن جرح البرذعي قد ورد
مبهماً ، وقد قابله احتجاج البخاري ، وتوثيق ابن معين، والدار قطني ، وابن
حبان ، فقول الجمهور أولى بالأخذ ؛ لأن التعديل مقدّم على الجرح
المبهم .
وكذلك فثمة نكتة مهمة هنا ، وهي أن البرذعي قد يطلق الوصف
بالنكارة على مفرد الراوي سواءً كان ثقة أو ضعيفًا ، وهذا ولا شك
بخلاف ما عليه كثير من الأئمة.
قال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)):
(( الإمام أحمد والبرديجي(١) وغيرهما يطلقون المنكر على الحديث
الفرد الذي لا متابع له ، سواءً تفرد به الثقة أو غيره )).
قلت : قد نص على ذلك قبله الإمام ابن الصلاح في ((علوم
الحديث)) (ص: ٨٠)، فقال :
(( معرفة المنكر من الحديث : بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون
البرديجي الحافظ : أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من
غير روايته ، لا من الوجه الذي رواه منه ، ولا من وجه آخر ، فأطلق
البرديجي ذلك ولم يفصِّل )».
(١) البرديجي هو نفسه البرذعي، ونسبة هذا القول هكذا مطلقًا إلى الإمام أحمد فيه نظر.
٩٢

قلت : وعليه فالذي يترجح في حال هذا الراوي توثيقه ، وهو ما
اعتمده الحافظ ابن حجر في ((التقريب))، والحافظ الذهبي في ((الكاشف)).
٥ مراتب الجرح والتعديل :
الجرح والتعديل على مراتب ، ولكل مرتبة ما يدل عليها من ألفاظ
وأوصاف.
فمن أعلى مراتب التعديل : ما وُثِّق بصيغة أفعل : كأوثق الناس ،
وأثبت الناس ، وما ذُكر بصفة تعديل مكررة ، كثقة ثقة ، أو بصفة تعديل
مضافة إلى الحفظ أو الإمامة : كثقة حافظ ، أو حافظ حجة ، أو ثقة إمام
حافظ ، أو ثقة متقن ، ونحوها.
ثم تليها : ثقة ، وحجة ، ومتقن ، وثبت.
وتليها : من قيل فيه : صدوق ، ولا بأس به ، وليس به بأس .
على خلاف في الاحتجاج بحديث من وصف بهذه الأوصاف كما
سوف يأتي تقريره إن شاء الله.
ونحوها : ثقة يخطئ ، وثقة له أوهام .
ثم تليها : صدوق يخطئ ، وصدوق يهم ، وصدوق سيء الحفظ .
ثم تليها : صويلح الحديث ، وصالح الحديث .
إلا أن رواة هذه المرتبة لا ينفكون عن ضعف يمنع من الاحتجاج
بحديثهم على الانفراد ، فكما أن هذه الأوصاف تدل على التعديل ، فهي
كذلك تدل على اللين ، فليست هي مقوية لحاله إلى حدِّ الاحتجاج ، ولا
مطرحة لحديثه إلى حدٍّ الترك.
٩٣

ثم : من قيل فيه : مجهول الحال ، ومستور ، ومقبول ، وهؤلاء
كذلك لا يُقبل حديثهم انفرادًا ، بل على المتابعة .
ثم من قيل فيه : مجهول ، وهي تحتمل جهالة الحال ، وقد تحتمل
جهالة العين ، فأما جهالة الحال فقد تقدَّمت بعض أوصافها ، وأما جهالة
العين، فهي من الضعف الشديد.
ثم من قيل فيه : ضعيف الحديث ، وليس بالقوي ، وليس بحجة
ونحوه ، فهذه الأوصاف إن أُطلقت أريد بها الضعف المحتمل ، لا
الضعف الشديد .
ثم من قيل فيه : متروك ، أو متروك الحديث ، أو واهي الحديث،
أو ساقط ، أو مطروح الحديث.
ثم : من اتهم سواءً بالكذب أو بالوضع ، كأن يُقال : متهم ، أو
أن يقول البخاري فيه: ((فيه نظر))، أو يقول ابن معين: ((ليس بشيء))،
أو يُتهم بالكذب ، أو يتهم بوضع حديث أو عدة أحاديث.
ثم : من نُسب إلى الكذب ، كأن يُقال : كذاب .
وأشد منها من جُرِّح بصيغة أفعل ، كقولهم : أكذب الناس ، أو:
ركن من أركان الكذب.
ثم : النسبة إلى وضع الحديث ، كأن يُقال : وضَّاع ، أو: يضع
الحديث ، ونحوها.
فعبارات العلماء دائرة على هذه المراتب ، ويعبرون عنها بهذه
الأوصاف ، وما قاربها ، وما نحوها.
٩٤

° الاختلاف في الاحتجاج بحديث الصدوق :
وعبارات أهل العلم وأوصافهم للرواة قد تختلف في حكمها من
ناقد إلى آخر ، ومن الأوصاف التي اختلف في حكم الاحتجاج بحديث
من وصف، بها وصف: ((صدوق))، أو (( لا بأس به)).
فذهب بعض المعاصرين إلى أن هذا الوصف مما لا يُحتج بحديث
من وُصف به ، واستدل على ذلك بما نقله ابن الصلاح عن ابن أبي حاتم
من قوله: (( إذا قيل : إنه صدوق ، أو محله الصدق ، أو لا بأس به ،
فهو ممن يُكتب حديثه ، وينظر فيه )).
قال ابن الصلاح (ص: ١٢٣) :
(( هذا كما قال ؛ لأن هذه العبارات لا تُشعر بشريطة الضبط ، فيُنظر
في حديثه ويختبر حتى يُعرف ضبطه )).
وقوَّى ابن الصلاح هذا الاستدلال بما اشتُهر نقله عن عبد الرحمن
ابن مهدي أنه حدَّث ، فقال : حدثنا أبو خلدة ، فقيل له : أكان ثقة ؟
فقال : كان صدوقًا ، وكان مأمونًا ، وكان خيِّرًا - وفي رواية : وكان
خيارًا - الثقة : شعبة وسفيان .
وقد اعتمد بعض المعاصرين هذا القول ، وذهب إلى عدم قيام الحجة
بحديث من وصف بهذا الوصف إلا بعد السبر والنظر .
قلت : وهذا فيه نظر شديد ، بل هو جمود على عبارات العلماء ،
فإن هذا الوصف وإن كان يقتضي عدم الاحتجاج برواية من وصف به إلا
بعد السبر عند ابن مهدي ، ومن تبعه كابن أبي حاتم ، وابن الصلاح ،
٩٥

إلا أنه يقتضي الاحتجاج بحديثه عند جماعة آخرين من أهل العلم كابن
معين ، وغيره ، بل الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين الاحتجاج
بحديث من وصف بـ : ((صدوق))، أو بـ ((لا بأس به)).
وقد قال ابن معين - رحمه الله - :
إذا قلت لك : ليس به بأس ، فهو ثقة.
قلت : وقد جرى على الاحتجاج بمن وصف بهذا الوصف غير
واحد من أهل العلم المتقدمين .
بل إن أبا حاتم الرازي - وإن كان لا يحتج برواية من وصف بهذا
الوصف إلا بعد السبر والاختبار - قد احتج برواية بعض من وصفهم بهذه
الأوصاف ، من ذلك :
عطاء الخراساني ، وهو عطاء بن أبي مسلم .
قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٣٣٥/٣/١):
سألت أبي عن عطاء الخراساني، فقال: (( لا بأس به صدوق))،
قلت : يُحتج بحديثه؟ قال: (( نعم)). (١)
بل إنه سئل عن الإمام مسلم بن الحجاج - رحمه الله - صاحب
((الصحيح)) - كما في ((الجرح والتعديل)) (١ /١٨٣/٤) - فقال: ((صدوق)).
قال ابن أبي حاتم: (( كان ثقة من الحفاظ ، له معرفة بالحديث )).
فدلَّ ذلك على أن الاحتجاج بحديث من وصف بهذا الوصف دائر
على مراد الناقد من هذا الوصف ، ومذهبه فيه ، فلا يجوز تعميم الحكم
لأجل مذهب أحد النقّاد أو المعدِّلين.
(١) انظر ((شفاء العليل)) لأخينا الفاضل الشيخ مصطفى بن إسماعيل (ص: ٢٨٦).
٩٦

تعيين أسماء الرواة المهملين
غالبًا ما يحتاج الباحث أثناء دراسة رجال السند إلى تعيين الرواة
المذكورين في سند الحديث ، لا سيما إن وردت أسماؤهم مهملة من
النسبة إلى آبائهم ، أو إن ورد ذكرهم بكناهم ، أو بأنسابهم ، أو بعاهة ،
ونحوها ، فحينئذ يجب على الباحث - أولاً - أن يحدد اسم الراوي ،
حتى يتمكن بعد ذلك من المضي في دراسة أقوال أهل الجرح والتعديل
الواردة فيه ، ومن ثم تحقيق حاله .
ويمكن تلخيص طرق ذكر الرواة في الأسانيد في أشهر عشر
حالات :
الأولى : أن يُذكر اسم الراوي مبهمًا دون نسبة.
● مثاله :
ما أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٧/٢) :
حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبي
حازم، عن أبي هريرة رَضِيُّهُ قال: قال النبي وَهُ:
(( من حج هذا البيت فلم يرفث ، ولم يفسق ، رجع كيوم ولدته
أمه)) .
فورد في هذا السند راويان لم يُنسبا إلى آبائهم ، ولا ذُكرا بكنية أو
بنسبة تدل عليهما ، وهما : سفيان ، ومنصور ، وفي ((تهذيب التهذيب))
٩٧

عدة ممن يُسمون : سفيان ، وعدة ممن يسمون : منصور.
الثانية : أن يُذکر بکنیته.
كما ورد في المثال السابق ، فقد ذُكر راوي الحديث عن أبي هريرة
بكنيته: (( أبو حازم)).
وفي الرواة جماعة يُكنون بهذه الكنية .
الثالثة : أن يُنسب إلى قبيلة أو إلى بلد ، أو إلى صناعة.
● مثاله :
ما أخرجه البخاري (٤/٢) :
حدثنا محمود ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ،
عن عروة، عن المسور رَضِ الشَّّةُ:
أن رسول الله وَلّ نحر قبل أن يحلق ، وأمر أصحابه بذلك.
فشيخ معمر هو الزهري ، وقد نُسب إلى قبيلته ، ولم يُذكر اسمه.
الرابعة : أن يُنسب إلى أبيه ، أو إلى جده ، أو إلى أحد آبائه ، أو
إلى أمه ، أو إلى أحد أمهاته .
٥ مثاله :
ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١ /٢٩٥) من طريق :
يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني محمود بن الربيع ، عن عبادة
ابن الصامت ، قال: قال رسول الله وَله:
(( لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن)).
فشيخ يونس في هذه الرواية - ابن شهاب - قد ذُكر منسوبًا إلى
٩٨

أحد آبائه ، وابن شهاب هو نفسه الزهري ، واسمه : محمد بن مسلم بن
عبيد الله بن عبدالله بن شهاب ، فنُسب إلى جدِّ جده.
وأما النسبة إلى الأم ، أو إلى الجدة .
فمثل : ابن عائشة .
الخامسة : أن يُذكر بلقب أو بعاهة يُعرف بها .
كالأعمش ، والأعرج ، والأفطس ، ونحوها.
السادسة: أن يُذكر منسوبًا إلى عمه أو عمته، ويُقال فيه: ((ابن
أخي فلان))، أو (( ابن أخي فلانة)).
● مثاله :
ما أخرجه الترمذي في ((الجامع)) (٦٣٥) من طريق :
عمرو بن الحارث بن المصطلق ، عن ابن أخي زينب ، امرأة
عبدالله، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ، قالت :
خطبنا رسول الله وَالله فقال :
(( يا معشر النساء تصدّقن ولو من حليكن ، فإنكن أكثر أهل جهنم
يوم القيامة )).
فشيخ عمرو بن الحارث بن المصطلق قد نُسب إلى عمته زينب الثقفية
- رضي الله عنها -.
السابعة: أن يُنسب إلى أمه بكنيتها ، كأن يُقال: ((ابن أم فلان)).
ومنه الصحابي المشهور : ابن أم مكتوم.
٩٩

الثامنة : أن يُذكر اسمه ، منسوبًا إلى أحد أجداده ، لا إلى أبيه.
● مثاله :
ما أخرجه مسلم (٣٢٨/١) من طريق :
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة ، عن يزيد بن خصيفة،
عن بُسر بن سعيد ، عن أبي هريرة ؛ قال: قال رسول الله وَهِ:
((أيما امرأة أصابت بخورًا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)).
فشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة هو يزيد بن
عبدالله بن خصيفة ، وإنما أسقط اسم أبيه في الرواية .
· كيف يمكننا تعيين الرواة ؟
ويمكننا تعيين الرواة بأحد خمس طرق :
الأولى : النظر في ترجمة شيخ الراوي في السند - أو تلميذه - ،
وتحديد اسم الراوي ، حيث تذكر كتب التراجم تلاميذ كل راوٍ وشيوخه.
● مثاله :
سليمان بن مهران ، عن شقيق ، عن حذيفة بن اليمان رَضِالْنَهُ.
لتعيين الراوي عن حذيفة بن اليمان رَضَِّهُ، يمكننا الرجوع إلى
ترجمة حذيفة رَضِ لْنَهُ ، ومراجعة أسماء من روى عنه ممن يُسمون شقيقًا .
وبالرجوع إلى ((تهذيب الكمال)) (٤٩٧/٥)، نجد أن المزي لم يذكر
أحدًا روى عن حذيفة رَضِلُلَّهُ بهذا الاسم إلا شقيق بن سلمة الأسدي .
للتأكد من صحة هذا التعيين ، يمكن الرجوع إلى ترجمة سليمان بن
مهران ، والبحث في أسماء شيوخه الذين روى عنهم ممن يسمون بهذا
١٠