Indexed OCR Text
Pages 61-80
وسوف يرد التعريج على مناهج أهل العلم في الجرح والتعديل قريبًا، فلا حاجة إلى الكلام عليها هنا. إلا أنه من المهم جدًا أن نبين مسألتين هامتين من مهمات هذا الباب: ■ الأولى : أن رواية الثقة عن المجهول وإن كانت لا تُثبت ثقته وقبول روايته في الجملة ، إلا أنها مما تنفعه. فقد روي ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٣٦/١/١): سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة ، مما يقوّيه ؟ قال : إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوّه روايته عنه ، وإذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه . قلت : وبالنظر في هذا الجواب يتبين لنا : أن رواية الثقة عن الراوي تنفعه إن كان مجهولاً ، ووجه منفعتها له أن تُخرجه من حيز جهالة العين إلى جهالة الحال ، لا أن ترفع جهالة حاله أيضًا ، وتكون توثيقًا له . ■ الثانية - وهي الأهم - : أن رواية العارف بأسباب الجرح والتعديل إن كان لا يروي إلا عن ثقة عنده ، وكان معتمدًا في التوثيق تعديل لمن روى عنه من المجاهيل . كأن يروي عبد الرحمن بن مهدي - مثلاً - عن راوٍ لم يتعرض له أحد بجرح ولا تعديل ، فهي آنذاك تكون تعديلاً له ، لأن ابن مهدي كان لا يروي إلا عن ثقة ، ومثله يحيى بن سعيد. وفي ((سؤالات أبي داود)) للإمام أحمد (١٣٧): قال : قلت لأحمد : إذا روى يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول ، يُحتج بحديثه ؟ قال : يُحتج بحديثه . ٦١ وقد ورد في سؤالات أبي داود (٤٦٩) : سمعت أحمد قال : عثمان بن غياث ، ثقة ، أو قال : لا بأس به، ولكنه مرجئ ، حدَّث عنه يحيى ، ولم يكن يحدِّث إلا عن ثقة . وأخرج الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ١١٥) من طريق: أبي بكر الأثرم ، قال : سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: إذا روى عبد الرحمن عن رجل ، فروايته حجة . قال أبو عبد الله : كان عبد الرحمن أولاً يتساهل في الرواية عن غير واحد ، ثم تشدد بعد ، كان يروي عن جابر ، يعني الجعفي ، ثم تركه. قلت : وقريب منهما شعبة بن الحجاج ، فقد قال الذهبي في ((الميزان)): (( شيوخ شعبة جياد)). إلا أنه يجب أن يُنظر فيما رواه ذلك المستور أيضًا ، فإن لم يكن فيه ما يُنكر احتج بروايته ، والله أعلم. ومن ذلك أيضًا : من احتجَّ به الشيخان في ((صحيحيهما)) - أو أحدهما - ممن لم يرد فيه جرح ولا تعديل . • مثال : طلق بن معاوية النخعي ، احتج به مسلم في (صحيحه)) ، ولم يتعرَّض له أحد قبل الإمام مسلم بجرح أو تعديل ، وإنما ذكره ابن حبان في ((ثقاته))، وقال الحافظ في ((التقريب)): ((تابعي كبير مخضرم مقبول)). قلت : احتجاج مسلم به مما يقوي حاله ، وهو دليل على ثقته. ٦٢ · قاعدة العلاَّمة أحمد شاكر في الاحتجاج بالمستور : من المهم للباحث أن يتعرف على القواعد التي سار عليها العلماء في الاحتجاج بالرواة ، لا سيما تلك القواعد التي قعدها المعاصرون ، لأجل الوقوف على مذاهبهم في التصحيح والتضعيف ، والاعتبار بقواعدهم فيما وافقوا فيه أهل النقد والرواية والتعليل. ومن أهم هذه القواعد تلك القاعدة التي سار عليها الشيخ العلاَّمة أحمد شاكر - رحمه الله - في توثيق الرواة ، لا سيما المستورين منهم. ومفاد هذه القاعدة : أن الراوي إن لم يرد فيه جرح ولا تعديل ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) وسكت عنه، فهو ثقة. بل لربما احتج بتوثيق ابن حبان أو العجلي ونحوهما من المتساهلين وإن خالفه قول أحد الأئمة بجهالة الراوي. وكان من نتيجة هذه القاعدة : الاحتجاج برواية المستور ، التي هي موضع رد عند أكثر أهل العلم ، ومن ثمَّ تصحيح أحاديث هذه الطبقة من الرواة . • مثال : ما أخرجه أحمد (٢١٧) : حدثنا سليمان بن داود ، أبو داود ، حدثنا سلاَّم - يعني أبا الأحوص - عن سماك بن حرب ، عن سيَّار بن المعرور ، قال : سمعت عمر يخطب وهو يقول : إن رسول الله وَله بنى هذا المسجد ونحن معه ، المهاجرون والأنصار ٦٣ فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه ، ورأى قومًا يصلُّون في الطريق ، فقال : صلُّوا في المسجد. علَّق عليه العلاَّمة أحمد شاكر قائلاً : (( إسناده صحيح ، سيار بن المعرور التميمي المازني: ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن المديني: مجهول .... )). فتصحيحه للسند ، يدل على احتجاجه بتوثيق ابن حبان ، وإن قابله حكم ابن المديني على الراوي بالجهالة ، وهو الراجح ، فقد تفرد بالرواية عنه سماك ، ولم يوثقه معتبر . • مثال آخر : ما أخرجه عبد الله في الزوائد على ((المسند)) (٤٢٦): حدثنا إسماعيل أبو معمر ، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي ، عن إسماعيل بن أمية ، عن موسى بن عمران بن منَّاح ، عن أبان بن عثمان، عن عثمان : أنه رأى جنازة فقام إليها ، وقال : رأيت رسول الله وَله رأى جنازة فقام لها . قال العلاَّمة أحمد شاكر معلقًا عليه : ((إسناده صحيح ، .... ، موسى بن عمران بن منَّاح ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وليس بمشهور ، وذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١/٤/ ٢٩٦) ... )). قلت : فاحتج بهذا الراوي ؛ لإيراد ابن حبان له في ((الثقات)) ، وذكر البخاري في ((التاريخ الكبير)). ٦٤ · قاعدة العلاَّمة الألباني - رحمه الله - في توثيق المستور: وأما الشيخ الألباني - رحمه الله - فقد سار في مسألة المستور نحو ما سار عليه العلاَّمة أحمد شاكر ، ولكن مع اختلاف يسير يدل على دقة نظر الشيخ . فإنه - رحمه الله - اشترط للاحتجاج برواية من ذكره ابن حبان في (ثقاته))، ولم يوثقه غيره ، ولم يرد ما يدل على أن ابن حبان قد سبر رواياته وعرف حاله على الحقيقة شرطين : الأول : أن يروي عنه جمع من الثقات. الثاني : أن لا يروي ما يُنكر عليه . قال - رحمه الله - في مقدمة كتابه ((تمام المنَّة)) (ص: ٢٥): (( من وثقه ابن حبان، وقد روى عنه جمع من الثقات ، ولم يأت بما ◌ُنگر علیه ، فهو صدوق يحتج به )) . قلت : قد تقدَّم بيان أن رواية الثقة عن مجهول العين قد تنفعه ، وأما روايته عن المستور فلا ترقيه بحال إلى درجة الصدوق ، إلا أن يكون الراوي عنه من العارفين بالجرح والتعديل ، ويكون لا يروي إلا عن ثقة . وأنت كما ترى فإن الشيخ - رحمه الله - لم يشترط هذا الشرط ، وإنما أطلق القول بأن يكون الراوي عنه من الثقات ، وأما الشرط الثاني وهو انتفاء النكارة ، فلا أظن أن هذا الشرط يقع للمستور إلا بالمتابعة ، وأما تفرد المستور بحديث فإن كان المتن معروفًا من وجه آخر ، إلا أن السند - لا شك - قد يكون منكرًا لتفرد المستور به ، وعدم المتابع عليه . ومن ثمَّ فلا بد من اشتراط انتفاء النكارة في السند وفي المتن جميعًا ٦٥ وهذا يلزم منه وجود المتابع ، وهو ما قرره أهل العلم والحذق والنقد. ويشير إلى ذلك قول الحافظ ابن حجر في ((النزهة)) (ص: ١٠٧): 3 (( قد قبل روايته - [أي المستور] - جماعة بغير قيد ، وردها الجمهور، والتحقيق : أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يُطلق القول بردها ، ولا بقبولها ، بل يُقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم به إمام الحرمین، ونحوه قول ابن الصلاح فيمن جُرّح بجرح غیر مفسر ». قلت : الذي يهمنا في المستور هو ضبطه ، إذ أنه لو عُلم منه ما يُتهم لأجله ما امتنع العلماء عن الكلام فيه وبحثه وشرحه ، فإذا لم يرد فيه جرح ولا تعديل ، ولم يرو ما يُنكر عليه ، فبقي معرفة ضبطه ، وضبط الراوي إنما يثبت بموافقته للثقات ، وقلة ضبطه إنما تُعرف بمخالفته لهم . قال ابن الصلاح - رحمه الله - (ص: ١٠٦): (( يُعرف كون الراوي ضابطًا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان ، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم ، أو موافقة لها في الأغلب ، والمخالفة نادرة ، عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا ، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم ، عرفنا اختلال ضبطه ، ولم نحتج بحديثه )). قلت : فعاد الأمر على المتابعة والموافقة في الرواية أو التفرد ، فمتى توبع ، كان هذا دليلاً على ضبطه ، ومتى خالف بتفرد أو بمخالفة ، كان هذا دليلاً على قلة ضبطه . ٦٦ • مثال : ما أخرجه أبو داود (٩٠)، والترمذي (٣٥٧)، وابن ماجة (٩٢٣) من طريق : يزيد بن شريح ، عن أبي حيِّ المؤذِّن ، عن ثوبان - رضي الله عنه - مرفوعًا : (( لا يحل لامريء أن ينظر في جوف بيت امريء حتى يستأذن ، فإن نظر فقد دخل ، ولا يؤم قومًا فيخص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم ، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حقن)). قلت : في هذا السند أبو حي المؤذن ، واسمه شداد بن حي ، لم يوثقه أحد من أهل العلم ، وإنما أورده ابن حبان في ((ثقاته)) في أتباع التابعين ، والعجلي ، وروى عنه يزيد بن شريح ، وشرحبيل بن مسلم ، وراشد بن سعد . قلت : فأفضل أحواله أن يكون مجهول الحال ، وأما الحافظ ابن حجر فقال: ((صدوق))، وهو مما يُستدرك عليه كما بينته في ((الصون)) (٦٥/١)، وأبو حيِّ لم يُتابع على هذا الحديث، وإنما اختلف عليه فيه، بما يدل على اضطراب يزيد بن شريح فيه ، بالإضافة إلى جهالة حال أبي حيٌّ ، فالسند ضعيف ، وليس ثمة ما يدل على أن أبا حيٍّ قد ضبط هذه الرواية . · مثال آخر : أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٣/٥) من طريق : إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن يزيد بن ميسرة ، ٦٧ عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله صَلى الله وسلم (( ما من شيء أثقل في الميزان من خُلق حسن)). قلت : يزيد بن ميسرة هو ابن حلبس ، أورده ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)) (٢٨٨/٤/٢)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلاً ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٧/ ٦٢٧) ، فهو مجهول الحال . وبتتبع طرق هذا الحديث نجد أن يزيد بن ميسرة قد توبع على هذه الرواية . فقد أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٦ و ٤٤٨) ، وأبو داود (٤٧٩٩) ، وابن حبان (١٩٢٠) من طريق : شعبة ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن عطاء الكيخاراني ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء به . وسنده صحيح ، وعطاء الكيخاراني هو ابن نافع ، من الثقات . فدلَّ هذا على أن يزيد بن ميسرة قد وافق الثقات في روايتهم ، فهذا دليل على أنه قد ضبط الرواية . · صورة أخرى من الاحتجاج برواية المستور : ومن الأمثلة التي كثيرًا ما ترد في (الصحيحين)) ، وفي خارجهما ، تصحيح بعض الأئمة لحديث من اشتهر بالصدق، والعدالة، والصلاح والإمامة ، ولم يرد فيه ما يدل على ضبطه ، فهذا الصنف يجري أهل العلم على تصحيح حديثه ما لم يرد فيه جرح ، لا سيما إن كانت روايته عالية ، كأن يروي عن طبقة الصحابة ، أو عن طبقة كبار التابعين . وقد بوَّب الخطيب في كتابه ((الكفاية)) (ص: ١٠٩): ٦٨ ((باب : في المحدِّث المشهور بالعدالة والثقة والأمانة ، لا يحتاج إلى تزكية المعدّل )). وقال : (( مثال ذلك : أن مالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، وشعبة بن الحجاج ، وأبا عمرو الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وحماد بن زيد ، وعبد الله بن المبارك ، ... ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر ، واستقامة الأمر ، والاشتهار بالصدق ، والبصيرة، والفهم ، لا يُسأل عن عدالتهم ، وإنما يُسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو من أُشكل أمره على الطالبين)». • مثال : إبراهيم بن يزيد النخعي ، أحد شيوخ الإسلام ، وأئمة الدين ، وحفاظ الحديث ، احتج به أئمة الحديث ، وخرّجوا له في الصحيح ، ولم يرد في ترجمته لفظ التوثيق الذي هو معروف عند أهل الحديث : (ثقة)) أو نحوه، فتعالم أحد المعاصرين، فقال: ((إبراهيم هذا لم أجد في ((التهذيب)) ولا في ((الجرح والتعديل)) من وثقه)). فهذه من طامات من تصدَّى للتصنيف - فضلاً - عن التحقيق ، وهو بعد لم يُتقن . • أسباب الطعن في العدالة : أسباب الطعن في العدالة خمسة : (١ الوصف بالكذب . ٦٩ (٢) التهمة بالكذب . النسبة إلى وضع الحديث. (٣) التهمة بوضع الحديث. (٤) ٥ الوصف بالبدعة. والفرق بين الوصف بالكذب ، والتهمة بالكذب أو النسبة إلى الوضع والتهمة بالوضع ، أن الوصف بالكذب أو بالوضع قد دلَّ عليه دليل صحيح غير مردود ، كأن يرد عن الراوي نفسه اعترافه بالكذب أو بالوضع، أو أن يقوم عند الناقد دليل قوي يدل على كذب الراوي أو وضعه ، كادعاء سماع ممن لم يلحق به ، أو ادعاء رؤية مستحيلة - كما تقدَّم في حادثة موسى الطويل - أو كاعترافه بوضع حديث ، أو عدة أحاديث. • مثال : زياد بن ميمون الفاكهي ، قال يزيد بن هارون: ((كان كذَّابًا))، وقال أبو داود: (( أتيته فقال: أستغفر الله، وضعت هذه الأحاديث)). وأما التهمة بالكذب فغالبًا تكون مما ينقدح في قلب الناقد ، إلا أنه لا يجد لها دليلاً ، وإنما هي قرائن تدل عليها. كأن يكون الراوي من المجاهيل ، فيروي حديثًا باطلاً بسند رجاله ثقات ، فلا يكون الحمل فيه إلا عليه ، فيُتْهم به ، أو يكون راوية للموضوعات ، أو يكون من القصاص فيورد عدة من المكذوبات ، أو أحاديث تخالف الشريعة بسند مشرق واحد ، أو أكثر. ٧٠ • مثال : إسماعيل بن موسى ، عن علي بن يزيد الذهلي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس، قال: قال رسول الله وَ ظله: (( إذا كان يوم القيامة نُصب لي منبر طوله ثلاثون ميلاً، ثم ينادي مناد من بطنان العرش : أين محمد ؟ فأجيب ، فيُقال لي : ارق ، فأكون في أعلاه ، قال : ثم ينادي الثانية : أين علي بن أبي طالب ؟ فيكون دوني بمرقاة، فيعلم جميع الخلائق أن محمدًا سيد المرسلين ، وأن عليًا سيد المؤمنين)). قال أنس بن مالك : فقام إليه رجل ، فقال : يا رسول الله ، من يبغض عليًا بعد هذا ؟ فقال : (( يا أخا الأنصار ، لا يبغضه من قريش إلا شقي ، ولا من الأنصار إلا يهودي ، ولا من العرب إلا دعي ، ولا من سائر الناس إلا شقي)). هذا الحديث أخرجه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٧٣٩)، وقال: ((هذا موضوع على رسول الله وَّل ، وعلي بن يزيد مجهول ، والمتهم به إسماعيل بن موسى ، كان غاليًا في التشيع ، وكان أبو بكر بن أبي شيبة يسميه بالفاسق )). ■ الوصف بالبدعة : البدعة : هي الحدث في الدين بعد الإكمال. والوصف بالبدعة من أسباب الطعن في عدالة الراوي ، والذي استقر عليه الاصطلاح الاحتجاج برواية الموصوف بالبدعة إن كان صادقًا ٧١ في لهجته وروايته ، ضابطًا لما يرويه ، لا يستحل الكذب ، ولا يروي ما یشید بدعته . وهذا الحكم بخلاف من كره التحديث عن المبتدع في حياته ، فالثانية من باب زجره بهجره ، وإطفاءً لبدعته ، وإن كان المستقر عندهم جواز ذلك إن لم يكن داعية ، وأما إن كان داعية فالترك أولى ، إلا أن ينفرد بما لا يرويه غيره ، وهذا مختص بباب الرواية ، لا بباب النقد والتحقيق الذي هو موضوع الكتاب. • الكلام على ضبط الراوي ومتعلقاته : والآن بعد أن انتهينا من الكلام على العدالة ومتعلقاتها ، نبدأ بالكلام على الضبط ومتعلقاته . والضبط : هو أن يؤدي الراوي الرواية على الوجه الذي تحملها عليه دون إخلال سواءً بالسند ، أو بالمتن ، أو بكليهما. وينقسم إلى : (١ ضبط صدر : وهو متعلق بحال السماع والأداء. (٢) ضبط كتاب : وهو متعلق بالكتابة والمقابلة وحفظ الكتاب. وكلاهما لا يقل أهمية عن الآخر ؛ لاعتماد كل منهما على الآخر، فيلزم الراوي أن يكون متيقظًا حال السماع ، واعيًا لما يسمع ، لا يداخله الفكر ، ولا يعتريه الفتور والنعاس وما في حكمهما ، فيخل بالسماع ، ولا يكون لعَّابًا في المجلس ، أو مطلق البصر ، فيضيع عليه السماع والتيقظ عند الكتابة والتدوين ، ثم يلزمه إذا كتب عن الشيخ أن يقابل ما ٧٢ كتبه بأصل الشيخ ، أو بأصل صحيح مقابل على أصل الشيخ ، ثم يحفظ كتابه من أيدي الغير، لئلا يُدَسُّ فيه ما ليس منه ، وليختمه ، وليخطط على فُرَج الكتاب ، لئلا يُدخل فيها ما ليس من مسموعه. ويُعرف ضبط الراوي بموافقته أو مخالفته للثقات ، وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة عند الكلام على رواية المستور. والطعن في الضبط قد يكون : أصليًا ، وقد يكون واردًا على الراوي . فأما الأصلي : فإما أن يكون محتملاً ، فإذا توبع الراوي على روايته انجبر هذا الضعف ، وإما أن يكون شديدًا ، لا يُفيد في التقوية ، ولا تنفعه المتابعة ، وأما الوارد : فيكون لاختلاط الراوي. • الكلام على الاختلاط : والاختلاط قد يقع باحتراق كتب الراوي ، إن كان اعتماد الراوي على كتبه ، كما وقع لعبد الله بن لهيعة ، فإنه اختلط لما احترقت كتبه. ومنهم من كان اختلاطه لكبر سنه ، كجماعة منهم : عطاء بن السائب، والجريري. ومنهم من اختلط بذهاب بصره ، فكان يُلقَّن ما ليس من حديثه فيحدِّث به بسلامة باطن ، كعبد الرزاق الصنعاني ، وهشام بن عمار الدمشقي . • سبر رواية المختلط : يجب على الباحث إذا كان أحد رواة السند قيد البحث ممن وُصف ٧٣ بالاختلاط أن ينظر عدة أمور : أولاً : هل الراوي المختلط حدَّث بشيء بعد اختلاطه؟ ثانيًا : إن كان حدَّث بعد اختلاطه، لزم الباحث أن ينظر الراوي عنه، هل هو ممن سمع منه قبل الاختلاط أم بعد الاختلاط ، أم أنه سمع منه في الحالين؟ ثالثًا : إن كان الراوي عنه ممن سمع منه قبل الاختلاط ، وكان المختلط ثقة ، فلا يضر آنذاك الاختلاط . رابعًا : إن كان الراوي عنه ممن سمع منه بعد الاختلاط ، فينظر ، هل تابع المختلط أحدًا من الثقات ؟ فإن كان قد توبع ، فهذا دليل على أنه لم يخطئ في هذه الرواية ، وأنه قد ضبطها ، وإن كان قد خولف فيها ، فهذا دليل على أنه قد أخطأ في هذه الرواية ، وأنها من جملة ما اختلط علیه . خامسًا : إن كان الراوي عنه ممن سمع منه قبل الاختلاط وبعده ، فإن كان ثمة قرينة تدل على أن روايته هذه عنه مما سمعه منه قبل الاختلاط، فلا كلام ، وإلا نظر في متابعات السند كالذي قبله. سادسًا : إن كان الراوي المختلط ضعيف أصلاً ، فلا حاجة للبحث في حاله ؛ لأنه لا يؤثر آنذاك مسألة الاختلاط ، إذ أنه سبب آخر للضعف غير السبب الأصلي ، وإنما يُنظر في متابعات السند. وبذلك يتمكن الباحث من سبر حديث من وُصف بالاختلاط . ٧٤ · الضعف المحتمل والضعف الشديد : الضعف المتعلّق بالضبط إما أن يكون محتملاً خفيفًا غير شديد ، وهو ما ينجبر بالمتابعة ، وإما أن يكون شديدًا غير خفيف ، فلا تفيده المتابعة ولا يفيد غيره بالمتابعة ، ولا حتى في الترجيح. فمن الضعف المحتمل المتعلق بالضبط : سوء الحفظ الذي لا يصل إلى ترك حديث الراوي، أو اختلاط الثقة . ومن الضعف الشديد المتعلق بالضبط : النكارة ، والشذوذ ، وهما متعلقان بالمخالفة لمن هو أرجح وأضبط، والمتروك بسبب سوء حفظه ، وكثرة مخالفته . ● العدالة والضبط وتعلقهما بالجرح والتعديل : وبعد ، فما تقدَّم بيانه وإيضاحه من مباحث متعلقة بالعدالة والضبط، إنما هو تمهيد للكلام على الجرح والتعديل ، لتعلق هذا العلم واعتماده على هذين الأساسين : العدالة والضبط ، اللذين يمثلان الشرط الثاني من شروط الصحة. ٧٥ تدريبات على ما سبق التدريب الأول : ادرس السند التالي من حيث الاتصال وعدالة الرواة وضبطهم. خالد بن دينار ، حدثنا عمارة بن جوين ، حدثنا أبو سعيد. · الجواب : (١) نبدأ البحث بالنظر في تراجم الرواة في ((تقريب التهذيب)) للحافظ ابن حجر ، والفائدة من الرجوع إلى هذا الكتاب قبل غيره : معرفة إذا ما كان رواة هذا السند من رجال الكتب الستة أم لا؟ (٢) وبالنظر في تراجم رواة السند نجد ما يلي : قد ذكر الحافظ ابن حجر في ((التقريب)) راويين باسم : ((خالد بن دينار)) ، فهذا يدلنا على وجوب الرجوع إلى أصل الكتاب ، وهو (تهذيب الكمال)) لمعرفة أي راو منهما يروي عن عمارة بن جوين؟ وبالرجوع إلى ((تهذيب الكمال)) ، نجد أن الراوي الأول : خالد بن دينار التميمي السعدي ، لم يُذكر عمارة بن جوين ضمن شيوخه ، فهذا يقوي الاحتمال أن الراوي الثاني هو بغيتنا ، وبالرجوع إلى ترجمة الراوي الثاني ، وهو : خالد بن دينار النيلي ، نجد أن عمارة بن جوين قد ذُكر ضمن شيوخه . (٣) وبهذا يتضح أن خالد بن دينار هذا هو : النيلي ، وقد قال فيه ٧٦. الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): ((صدوق)). (٤) لا شك أن من وُصف بهذا الوصف فهو ممن يُحتج بحديثه ، وقد صرَّح في السند بالسماع ، فهذا دليل على الاتصال بينه وبين شيخه. (٥) ثم نبدأ بالبحث بنفس الطريقة عن عمارة بن جوين ، وبالرجوع إلى ((تقريب التهذيب)) نجد أن الحافظ لم يذكر إلا راويًا واحدًا باسم عمارة بن جوين، قال: (( متروك ، ومنهم من كذَّبه ، شيعي ، من الرابعة )) . فدلَّنا هذا على أن عمارة بن جوين هذا إنما جُرح من قِبل عدالته ، لا من قبل ضبطه ، وأن من أهل العلم من كذَّبه. وهذا الوصف - ولا شك - يدل على أن ضعفه شديد جداً ، وأنه لا يُقوي حديث غيره بالمتابعة ، ولا يتقوى حديثه بمتابعة غيره له . (٦ لتعيين شيخه في السند ، لابد من الرجوع إلى ((تهذيب الكمال)) الاعتناء المزي باستيعاب شيوخ كل راوٍ من الرواة ، وتلاميذهم. وبالرجوع إلى ((تهذيب الكمال)) (٢١/ ٢٣٣) نجد ما يلي : ((روى عن : عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأبي سعيد الخدري (عخ ت ق) )). فبهذا يتضح أن شيخه في هذا السند هو أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - وهو صحابي. (٧) ثم نبدأ بعد ذلك بدراسة الاتصال في السند ، فأول ما نبدأ به رواية عمارة بن جوين عن أبي سعيد الخدري رضيِالْنَهُ. ٧٧ (٨ بمراجعة ترجمة عمارة بن جوين ، نجد أنه لم يطعن أحد في اتصال روايته عن أبي سعيد ، وإنما طعنوا في صدقه فيما يرويه عنه . فقال شعبة: ((لو شئت لحدَّني أبو هارون العبدي (١) عن أبي سعيد الخدري بكل شيء لفعل )). وقال بهز بن أسد : أتيت إلى أبي هارون العبدي ، فقلت : أخرج إليّ ما سمعت من أبي سعيد الخدري ، فأخرج لي كتابًا ، فإذا فيه : حدثنا أبو سعيد ، أن عثمان أُدخل حفرته وإنه لكافر بالله . قال : قلت : تُقر بهذا ؟ قال : هو كما ترى ، قال : فدفعت الكتاب في يده ، وقمت . قال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)): (( هذا كذب ظاهر على أبي سعيد)). قلت : ولأجل هذه الأوابد والطامَّات ، قال ابن حبان : (( كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه ، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب)). قلت : فهذا متعلق بصدقه من كذبه ، ولا تعلق له بالاتصال ، ولم يذكر أحد ممن صنف في المراسيل أن روايته عن أبي سعيد الخدري رَضِيُّهُ مرسلة ، وقد توفي أبو سعيد سنة (٧٤) هـ ، وتوفي عمارة سنة (١٣٤) هـ فسماعه منه محتمل . (٩) وأما رواية خالد بن دينار ، عن عمارة بن جوين ، فبمراجعة (١) أبو هارون العبدي هو نفسه: عمارة بن جوين. ٧٨ ترجمة خالد بن دينار النيلي نجد أن أحدًا لم يطعن في اتصال روايته عن عمارة ، نعم ، وكذلك لم يرد ما يدل على إثبات الاتصال ، فهي موضع توقف حتى يتبين للباحث ترجيح أحد الأمرين . · التدريب الثاني : ادرس السند التالي من حيث الاتصال وعدالة الرواة وضبطهم. أبي معاوية الضرير، عن الأعمش ، عن أنس بن مالك رضي اللَّهُ. · الجواب : (١) بالنظر إلى هذا السند نجد راويين : أحدهما قد ذُكر بكنيته ، والآخر ذُكر بلقبه ، فلا بد لنا من معرفة اسم كل راوٍ من هذين الراويين حتى يتسنى لنا متابعة دراسة السند . (٢) يمكن للباحث تعيين أسماء الرواة الذين ذكروا بكنية، أو بنسبة، أو بلقب بالرجوع إلى (( تقريب التهذيب))، فإنه قد أفرد عدة أبواب في تعيين أسماء هؤلاء . (٣) بالرجوع إلى باب الكُنى من ((تقريب التهذيب))، نجد ما يلي: ((أبو معاوية الضرير، هو محمد بن خازم)). (٤) بالرجوع إلى باب الألقاب ، نجد ما يلي : ((الأعمش : سليمان بن مهران)). (٤) بعد أن عيّنًا أسماء الرواة ، فلا بد من الرجوع إلى تراجمهم في (( تقريب التهذيب)) للوقوف على حالهم من حيث العدالة والضبط، أو الجرح والتعديل. ٧٩ ● وبالرجوع إلى ترجمة محمد بن خازم - أبي معاوية الضرير - من (تقريب التهذيب)) نجد : أن الحافظ ابن حجر قد وصفه بالتوثيق ، فقال : (من الوهم) ((ثقة ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهَمْ في حديث غيره)». وهذا يدل على أمرين : الأول : ثبوت عدالة وضبط أبي معاوية الضرير في روايته عن الأعمش . الثاني : ثبوت سماعه من الأعمش ، وإلا فكيف يكون من أحفظ الناس لحديثه ؟ !. ولكن ينبغي للباحث أن لا يكتفي بالرجوع إلى ((تقريب التهذيب»، بل لا بد له من الرجوع إلى (تهذيب الكمال)) أو الاستغناء عنه بالرجوع إلى ((تهذيب التهذيب)). وبالرجوع إلى ((تهذيب التهذيب)) نجد أن محمد بن خازم من المقدَّمين في الأعمش ، إلا أنه يَهِمْ في بعض أحاديثه عن غير الأعمش ، ووصفه بعضهم بالتدليس ، فقال ابن سعد: (( كان ثقة كثير الحديث ، يدلس))، وقال يعقوب بن شيبة: ((كان من الثقات، وربما دلَّس)). إلا أن الظاهر من هذا الوصف أنه كان مقلاً من التدليس ، كما تدل عليه عبارة يعقوب بن شيبة ، ويعقوب أدرى بحاله ؛ لأنه من العارفين بالعلل والجرح والتعديل ، وأحوال الرجال. فعنعنته عن الأعمش لا ترد ؛ لأنه مكثر عنه ؛ ولأن تدليسه قليل ٨٠