Indexed OCR Text
Pages 41-60
• مثال : رواية إبراهيم بن جرير البجلي ، عن أبيه رَضِالْنَهُ. قال أبو حاتم الرازي - رحمه الله -: (( لم يسمع من أبيه )). ونقله أبو عبيد الآجري عن أبي داود السجستاني. وقال ابن سعد، وإبراهيم الحربي في ((العلل)): إنه ولد بعد موت أبيه. فعلى هذا التقدير فسماعه من أبيه غير ثابت . وأما ابن عدي، فقال: (( يقول في بعض رواياته حدثني أبي)). قلت : يشير بذلك إلى ما أخرجه البخاري في (( التاريخ الكبير)) (٢٨٧/١/١) من طريق : داود بن عبد الجبار ، سمع إبراهيم بن جرير ، قال: حدثني أبي أنه سمع النبي ◌َّ- يقول: (( من رأي حية فلم يقتلها خوفًا فليس منا )). قلت : إلا أن هذه الرواية ساقطة ؛ لأن داود بن عبد الجبار تالف الحال . ولذا قال البخاري عند تخريج هذه الرواية : قال لي سعيد بن سليمان ، حدثنا داود بن عبد الجبار - وكان ببغداد وهو مُنكر الحديث - سمع إبراهيم بن جرير ... الحديث. فكأنما أشار إلى وهاء السند بالتعريف بضعف داود. وهو ما بيَّنه الحافظ ابن حجر - رحمه الله - فتعقب ابن عدي في ((التهذيب)) بقوله : ((إنما جاءت روايته عن أبيه بتصريح التحديث منه من طريق : داود ٤١ ابن عبد الجبار عنه ، وداود ضعيف ، ونسبه بعضهم إلى الكذب )). · التنبيه الثالث : ما يذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) من إثبات سماع أو عنعنة إنما وهذا لحقل مرحه السماع وقد لا يحتمل هو حكاية للسند، فلابد من التأكد من صحة السند الوارد به إثبات السماع . شرح التنبيه : يعني البخاري في (( التاريخ الكبير)) بذكر سماعات الرواة وعنعنتهم عن شيوخهم الذين رووا عنهم ، ودرج كثير من أهل العلم على إثبات السماع بما يورده البخاري في ((تاريخه)) من قوله: ((فلان سمع فلانًا))، أو التحقق من سماعه إذا قال: ((فلان عن فلان))، والذي يتبين للباحث الفهم أن البخاري إنما يحكي سند الرواية ، وهذا قد يحتمل صحة السماع، وقد يحتمل عكسه . فيجب على الباحث أن يدقق النظر في سند الرواية التي تُثبت بها سماع من تُكُلِّم في سماعه من شيخه . • مثال : رواية عبيد بن آدم، عن عمر بن الخطاب رَضِ الْنَهُ. قال البخاري في ترجمة عبيد بن آدم من ((التاريخ الكبير)) (١ / ٣ / ٤٤١): ((سمع عمر وأبا هريرة - رضي الله عنهما - روى عنه عيسى بن سنان )) . قلت : قد تفرد بالرواية عنه - عن عمر - عيسى بن سنان، وروايته ٤٢ عن عمر في ((مسند الإمام أحمد)) (٣٨/١)، وفيه تصريحه بالسماع من عمر رَ أْنَهُ ، إلا أن الراوي عنه وهو عيسى بن سنان ضعيف الحديث ، وقد تقدَّم أن إثبات سماع راوٍ من راوٍ يلزمه صحة السند ، فدل هذا المثال على ما ذكرناه ، من أن البخاري إنما يحكي السند . · التنبيه الرابع لابد من معرفة مصطلح العالم إذا أطلق وصف ((التدليس)) هل يريد به التدليس الاصطلاحي بشرطه الذي هو ثبوت اللقاء بالشيخ والسماع منه ثم الرواية عنه بالعنعنة ما لم يسمعه منه ، أم أنه يطلق التدليس على الإرسال سواءً كان خفيًا أو جليًا . شرح التنبيه : هذه المسألة قد أشرنا إليها قريبًا ، ولأهميتها فسوف نفصِّل الكلام عليها ، فنقول : التدليس - كما عرَّفه أهل النقد والمعرفة هو - : أن يروي الراوي عن شيخٍ سمع منه ولقيه حديثًا لم يسمعه منه ، بصيغة تحتمل السماع ، كـ ((عن)) أو ((قال)). فشرط التدليس : ثبوت لقائه بالشيخ والسماع منه ، ثم يروي عنه ما لم يسمعه منه ، فيختلط بذلك سماعه مما ليس من سماعه ، وهو معنى التدليس ، إذ التدليس في اللغة : اختلاط الظلمة بالنور. وأما الإرسال : فهو رواية الراوي عمن أدركه ولم يسمع منه ، أو عمن لم يره ، أو لم يدركه. ٤٣ فشرط الإرسال: نفي مطلق السماع. فهو لم يسمع منه مطلقًا فالإرسال والتدليس قد اتفقا في إسقاط الواسطة بين الراوي وبين من روى عنه ، إلا أنهما اختلفا في الشرط كما تقدَّم ، واختلفا في الحكم. فأما حكم التدليس : ففي الجملة عدم الاعتداد بعنعنة المدلس في أي رواية من رواياته إلا إذا صرَّح بالسماع من شيخه في السند ، في كل حدیث یرویه. وأما حكم رواية المُرسل : فإنه إذا وردت رواية له يصرِّح فيها بسماعه من شيخه الذي تُكُلِّم في سماعه منه ، فقد ثبت له بذلك لقاؤه له، وسماعه منه ، فكل رواية له عنه بعد ذلك محمولة على السماع وإن عنعنها ، ولا يُتفقد سماعه في كل حديث له عن هذا الشيخ. ولذلك قيل : إن التدليس متضمن للإرسال ، وأما الإرسال فلا يتضمن التدليس ، ومن هنا تجوَّز من تجوَّز فأطلق التدليس على الإرسال ، والذي يصح في ذلك هو التفريق بينهما . قال الخطيب البغدادي - رحمه الله - في ((الكفاية)) (ص: ٣٥٧): (( التدليس متضمن للإرسال لا محالة ؛ الإمساك المدلس عن ذكر الواسطة ، وإنما يُفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه فقط ، وهو الموهن لأمره ، فوجب كون التدليس متضمنًا الإرسال ، والإرسال لا يتضمن التدليس ؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمعه منه )). قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٦١٥/٢) معلقًا على هذا القول: (( ولهذا لم يذم العلماء من أرسل ، وذمُّوا من دلَّس )). ٤٤ وقال ابن عبد البر النمري في ((التمهيد)) (١٥/١): (( التدليس : هو أن يحدِّث الرجل عن الرجل قد لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه ، وسمع منه ، وحدَّث عنه بما لم يسمعه منه ، وإنما سمعه من غيره عنه ، ممن ترضى حاله أو لا تُرضي ، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حالة مرضية لذكره ، وقد يكون لأنه استصغره . هذا هو التدليس عند جماعتهم ، لا اختلاف بينهم في ذلك. واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه ، مثل: مالك ، عن سعيد (ابن المسيب ، والثوري ، عن إبراهيم النخعي ، وما أشبه هذا ، فقالت فرقة : هذا تدليس ؛ لأنهما لو شاءا لسمَّيًا من حدَّثْهما ، كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما ، قالوا : وسكوت المحدِّث عن ذكر من حدَّثَه ، مع علمه به دلسة ، قال أبو عمر : فإذا كان هذا تدليسًا ، فما أعلم أحداً من العلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه )). • مثال : أبو إسحاق السبيعي - واسمه عمرو بن عبد الله - من الموصوفين بالتدليس ، ومن أهل العلم من لا يقبل روايته حتى يصرِّح بالسماع من شيخه ، وقد روى عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - وسمع منه ، وثبت لقاؤه له ، وقد احتج الشيخان بروايته عن البراء ، ولكنه إذا روى حديثًا عنه بالعنعنة كان مظنة التدليس ، فلا يُحتج به إلا إذا صرّح ٤٥ بالسماع . وأما مجاهد بن جبر فهو من أئمة التابعين ، وليس هو من الموصوفين بالتدليس ، ولكن تُكُلِّم في سماعه من بعض الصحابة ، منهم ابن عمر - رضي الله عنه - ، فقيل : إنه لم يسمع منه . فإذا وقف الباحث على ما يدل على صحة سماعه من ابن عمر ولو في رواية واحدة ، لكان ذلك دليلاً على حصول اللقاء ، ومن ثم الحكم على هذه الترجمة بالاتصال دون حاجة إلى البحث في سماعه بعد ذلك من ابن عمر في أي حدیث یرویه عنه. ولو تتبع الباحث مسند ابن عمر من كتاب ((تحفة الأشراف)»، ونظر في ترجمة مجاهد بن جبر عنه ، فسوف يجد أن البخاري ومسلم قد احتجا بروايته عن ابن عمر - رضي الله عنه - ، بل إن أول حديث في ترجمته عن ابن عمر (٢٦/٦) فيه إثبات اللقاء والسماع ، فقد قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا الناس يصلون في المسجد صلاة الضحى ، فسألناه على صلاتهم : فقال : بدعة ... الحديث. فدلَّ هذا على ثبوت سماعه من ابن عمر، فلا يلزم البحث بعد ذلك في عنعنته في باقي رواياته عنه ، لأنه إنما طُعن على روايته عن ابن عمر بالإرسال ، لا بالتدليس. فانظر إلى هذا الفرق الدقيق بين الروايتين وبين الحُكمين . ٤٦ · التنبيه الخامس : ليس كل المعلَّق حكمه الانقطاع ، فما علَّقه الراوي في مصنَّف له عن شيخ من شيوخه ، فهو على الاتصال مادام قد ثبت له سماع هذا الشيخ ، ولم يوصف الراوي بالتدليس . شرح التنبيه : قد تقدَّم شرح حدِّ الحديث المعلَّق في (( تيسير علوم الحديث)) ، وتكلمنا على بيان حكمه هناك ، وأن الغالب على هذا النوع الانقطاع لسقوط الشيخ أو الشيخ وشيخ الشيخ أو أكثر ، ولو سلسلة السند كلها . ولكن قد يرد في بعض الأسانيد الواقعة في المصنفات الحديثية أحد صور تعليق الحديث ، فيقول المصنّف : قال فلان ، ويذكر اسم شيخ من شيوخه ، وهذه عادة البخاري في كثير من تراجم ((التاريخ الكبير)) له ، وفي مواضع من ((الصحيح)) ، فإن كان المصنِّف قد سمع من هذا الشيخ ، ولم يكن المصنِّف أو الراوي الذي علَّق السند موصوفًا بالتدليس ، حُمل التعليق آنذاك على الاتصال ، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم فحكم بانقطاعه ، وهو قول ضعيف . • مثال : قال البخاري - رحمه الله - في ((التاريخ الكبير)) في ترجمة محمد ابن المنذر الزبيري (٢٤٣/١/١) : قال إبراهيم بن المنذر ، حدثنا أبو زبد محمد بن المنذر الزبيري ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه : الخراج بالضمان. ٤٧ قلت : إبراهيم بن المنذر هو الحزامي ، وهو أحد شيوخ الإمام البخاري الذين روى عنهم وسمع منهم، فإذا قال: (( قال إبراهيم .. )) فهي على الاتصال ، ولا شك ، وحكمها حكم (عن) ، والعنعنة محمولة على الاتصال إذا ثبت سماع الراوي من الشيخ في الجملة ، ولم يكن الراوي موصوفًا بالتدليس. • مثال آخر : قال البخاري فى ((خلق أفعال العباد)) (٣٩): قال الحميدي : حدثنا سفيان ، حدثنا حصين، عن مسلم بن صبيح، عن شتير بن شَكَل ، عن عبد الله ، قال : ما خلق الله من أرض ولا سماء ولا جنة ولا نار أعظم من ﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومَ ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قلت : الحميدي من شيوخ البخاري الذين سمع منهم ، وأكثر من الرواية عنهم ، فقوله: ((قال: الحميدي)) محمولة على الاتصال إن شاء الله . كانت هذه بعض التنبيهات المهمة التي يجب على الباحث أن يعني بدراستها وفهمها؛ لأهميتها ولمسيس الحاجة إليها ، وهي من نتاج الدراسة المتأنية ، وكثرة الممارسة العملية. ٤٨ تدريبات للمناقشة • أخرج النسائي (١٥٨/٤)، وابن ماجة (١٣٢٨) من طريق: النضر بن شيبان أنه لقى أبا سلمة بن عبد الرحمن ، فقال له : حدِّثني بأفضل شيء سمعته يُذكر في شهر رمضان ، فقال أبو سلمة : حدثني عبد الرحمن بن عوف، عن رسول الله وَّله أنه ذكر شهر رمضان ففضَّله على الشهور ، وقال : ( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه کیوم ولدته أمه)) . وعند ابن ماجة ، قال النضر : حدّثني بحديث سمعته من أبيك يذكره في شهر رمضان .... قلت : تكلّم بعض أهل العلم في سماع أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف من أبيه . ادرس هذه الترجمة مؤيدًا ذلك بنقد الرواية المذكورة إما إعلالاً أو إثباتًا للاتصال . · ادرس التراجم التالية من حيث ثبوت وصف التدليس على رواتها من التابعين : (١) أبو الزبير المكي محمد بن مسلم، عن جابر بن عبد الله رَضِي ◌ُنَّهُ. (٢) قتادة بن دعامة السدوسي، عن عبد الله بن سرجس رَضِ لُّنَهُ. ٤٩ الشرط الثاني من شروط الصحة • الشرط الثاني : عدالة الرواة وضبطهم : وقد تعرَّفنا في (( تيسير علوم الحديث)) على معنى العدالة والضبط، كما تعرفنا على أقسام الضبط، والذي يعنينا هنا هو النظر في المباحث المتعلقة بهذا الشرط، والتي هي في حقيقة أمرها تمثل علم الجرح والتعديل . فأول ما نبدأ به هو الكلام على الجهالة والإبهام. · الجهالة : الجهالة بالراوي تنقسم إلى نوعين : الأول : جهالة الحال. الثاني : جهالة العين . · أما جهالة الحال : فهي متعلقة بعدم ورود ما يدل على حال الراوي من حيث الجرح والتعديل ، مع معرفة عينه ، إما نصًا - ولو برواية راوٍ واحد عنه - وإما برواية راويين أو أكثر عنه. ويندرج تحت هذا النوع أيضًا ورود التعديل غير المعتبر في الراوي. كأن يوثقه من اشتهر بتوثيق المجاهيل ، أو من اشتهر بالتساهل في التوثيق ، کابن حبان مثلاً . قال الحافظ ابن حجر في ((نزهة النظر)) (ص: ١٤٢): ((لا يُقبل تزكية من أخذ بمجرد الظاهر ، فأطلق التزكية)). قلت : وبعضهم يُطلق على هذا الصنف من الرواة وصف ((المستور)). ٥٠ · حكم رواية مجهول الحال : والجهالة بحال الراوي من أسباب رد روايته ، وعدم الاحتجاج بها ، إلا عند طائفة من المتأخرين الذين يحتجون برواية المستور، أو مجهول الحال؛ لأنه على العدالة الظاهرة ، وهو بخلاف قول الجمهور ، إذ أن اشتراط العدالة في الرواية وحدها لا يكفي ، بل لا بد أن يُضاف إليها اشتراط الضبط الذي هو الأصل ، وقد تسمَّح أهل العلم في بعض أسباب الفسوق إذا وقعت من الراوي، كالبدعة أو بعض الخوارم إن كان صادقًا ضابطًا لما يؤديه من الرواية . • مثال : إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . روى عنه : أخوه إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ، وكثير بن زيد الأسلمي ، وأبو بكر عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . ولم يوثقه أحد ، ولا جرحه أحد ، فهو من هذه الجهة مجهول الحال . ولذا قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): ((مستور)). • مثال آخر : نبهان المخزومي ، مولى أم سلمة ومكاتبها . روى عنه الزهري ، ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ٥١ قلت : فهذا الراوي مجهول الحال ، ولا عبرة بذكر ابن حبان له في ((الثقات))؛ لأنه متساهل، ولا يُقبل تعديله إلا بشروط يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى . ولذا قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): ((مقبول)). · نكتة مهمة : والفرق بين ((مقبول)) و((مستور)) أن الأول من ليس له من الحديث إلا القليل ، وليس فيه ما يُترك من أجله ، فهو مقبول إذا توبع ، وإلا فليِّن الحديث ، وغالبًا ما يورد الحافظ هذا الوصف فيمن لم يجرح ، ولم يوثقه إلا المتساهلين كابن حبان أو العجلي ، أو من وثقه من لا يُعتد بتوثيقه من غير العارفين بأسبابه ، كأن يوثقه الراوي عنه ، ويكون غير عارف بأسباب الجرح والتعديل . وأما الثاني فمختص بمن لم يرد فيه تعديل ، وقد يتجاوز الحافظ - رحمه الله - فيطلق هذا على ذاك ، وعكسه. · أما جهالة العين : فهي متعلقة بمن لم يرو عنه غير راوٍ واحد ، ولم يرد فيه جرح ولا تعديل ، ولم يرد ما يدل على معرفة عينه ، وثبوت وجوده . • مثال : إسحاق الغزَّال ، ترجمه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١ / ١ / ٢٣٩)، فقال : (( روى عن الضحاك بن علي ، عن أبيه ، روى عنه عبد الصمد بن ٥٢ عبد الوارث ، سمعت أبي يقول : ذلك ، وسمعته يقول : هو مجهول)). • تنبيه مهم : ليس كل من تفرد بالرواية عنه راوٍ واحد ولم يوثقه ولا جرحه معتبر يكون حكمه جهالة العين ، بل قد يكون مجهول الحال ، إذا ورد ما يدل على عينه ، وثبوت وجوده . • ومثال ذلك : إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية ، روى عن جدته أم عطية -رضي الله عنها - ، وتفرد بالرواية عنه إسحاق بن عثمان الكلابي. لم يوثقه معتبر ، وإنما خرَّج حديثه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))، وقد قال فيه الحافظ: ((مقبول))، وهذا معناه ارتفاع جهالة عينه ، وذلك لأن حديثه قد بيَّن لنا ما يدل على عينه ، وأنه حفيد أم عطية - رضي الله عنها - ، ولأجل ذلك فقد خرَّج حديثه ابن خزيمة وابن حبان ؛ لأنه عندهما على العدالة الظاهرة ، بعد ارتفاع جهالة عينه . والشاهد من ذلك : أن التمييز بين جهالة العين وجهالة الحال لا يختص بعدد الرواة فحسب ، بل قد يختص - أيضًا - بالقرائن الدالة على عين الراوي ، فكل من روى عنه اثنان فصاعدًا فقد ارتفعت جهالة عينه ، وليس كل من لم يرو عنه غير راو واحد يكون مجهول العين . · جهالة العين والتصحيف في الأسماء : كثيراً ما يكون حكم بعض النقّاد من أهل العلم على راوٍ بجهالة ٥٣ العين لعدم وقوفه على ذكر له في كتب التراجم والجرح والتعديل ، ولربما يكون هذا الراوي غير موجود أصلاً ، وإنما نشأ اسمه في السند عن تصحيف بعض الرواة لاسم راوٍ آخر يروي نفس الحديث. • مثال : أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٦٨/١-١٦٩) من طريق: عبد الله بن لهيعة ، حدثنا بكير بن عبد الله بن الأشج ، أنه سمع عبد الرحمن بن حسين ، يحدِّث أنه سمع سعد بن أبي وقاص ، يقول : سمعت رسول الله وَله يقول: (( ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي ، ويكون الماشي فيها خيراً من الساعي )). قال: وأُراه قال: ((والمضطجع فيها خير من القاعد)). قلت : ورواة هذا السند لهم تراجم في كتب الرجال، إلا عبدالرحمن ابن حسين هذا ، فقد ترجمه الحسيني في ((الإكمال)) (٥٠٦)، وقال: ((عن سعد بن أبي وقاص، وعنه بكير بن الأشج ، غير معروف)). قلت : يشير بذلك إلى جهالته ، وفي الحقيقة إن هذا الراوي لا وجود له ، وإنما اخطأ ابن لهيعة في اسمه ، والصواب : حسين بن عبد الرحمن ، وهو الأشجعي ، قلب ابن لهيعة اسمه فظن الحسيني أنه مجهول . قال الحافظ ابن حجر في (( تعجيل المنفعة)) (٦١٦): ((عبد الرحمن بن حسين ، روى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله ٥٤ عنه أنه سمعه يحدِّث في ((الفتنة يكون فيها القاعد خير من القائم))، من رواية ابن لهيعة ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج عنه ، قال الحسيني : غير معروف . قلت : وهو كلام مستروح ، والرجل معروف ، وإنما أخطأ ابن لهيعة فقلبه ، وهو حسين بن عبد الرحمن الأشجعي ، وقيل فيه : حُسيل باللام بدل النون، والحديث عند الترمذي وأبي داود وغيرهما ، وحسين بن عبد الرحمن مخرَّج له في السنن ومترجم في ((التهذيب)) فلا يُستدرك)). · مثال آخر : سالم بن بشير ، من رجال ((مسند أحمد)) ، قال الحسيني في ((الإكمال)) (٢٨٦): ((عن عكرمة، وعنه دويد الخراساني، مجهول)). وتعقبه الحافظ ابن حجر في ((التعجيل)) (٣٥١) بقوله: (( هذا غلط نشأ عن تحريف، وإنما هو سَلْم بسكون اللام بعدها میم)) . قلت : سَلْم بن بشير له ترجمة في ((التاريخ الكبير)) للبخاري (١٥٨/٢/٢)، وترجمه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢/ ١ / ٢٦٦) ونقل عن ابن معين قوله: (( ليس به بأس)). · حكم رواية مجهول العين: وجهالة العين من أسباب رد رواية الراوي أيضًا ، إلا أنها تختلف عن جهالة الحال في أنها من أسباب الضعف الشديد في الرواية ، فرواية مجهول العين لا تُقوِّي ولا تتقوَّى بالمتابعات أو الشواهد ، ولا يُعتبر بها في ٥٥ الترجيح ، بخلاف رواية مجهول الحال أو المستور ، فإن جهالة الحال من أسباب الضعف المحتمل ، فإذا توبع على روايته انجبر ضعفه ، وارتقى حديثه إلى الحسن بمجموع الطرق ، وهو ما استقر عليه الاصطلاح عند أكثر المتأخرين ، بخلاف ما عليه المتقدمون في هذه المسألة . · الإيهام : ومن صور الجهالة إبهام اسم الراوي في السند ، كأن يقول الراوي : (حدثني رجل) ، أو (عن رجل)، أو (عن فلان) ، ولا يذكر اسمه ، فهذا حكمه حكم مجهول العين ، لأنه لم تُعلم عين هذا المبهم فضلاً عن حاله . • مثال : أخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٤٤٠): عن ابن جريج ، قال : أخبرني حسن بن مسلم ، عن بعض أصحابه ، عن عثمان بن عفان ، أنه كان يقول : سوُّوا صفوفكم ، وحاذوا المناكب ، وأعينوا إماءكم ، وكفّوا أنفسكم، فإن المؤمن يكف نفسه ... الأثر. فقوله: ((عن بعض أصحابه)) من مبهمات الإسناد. ● إِبهام الصحابي : ولكن إن كان المبهم من الصحابة ، وورد في السند ما يدل على ذلك كأن يقول الراوي : (عن رجل من الصحابة)، أو (عن رجل سمع من النبي (وَخله)، أو (عمن سمع النبي ◌َّة)، ونحوها فهذا لا يلزم كلها أوصاف للصحابة ٥٦ معرفة عين المبهم ، لثبوت صحبته ، فإن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله تعالى ورسوله وَخلال لهم. وأما اتصاله: فإن كان التابعي قد صرَّح بالسماع من الصحابي المبهم، فلا كلام ، وسنده متصل ، وإن لم يصرح فهو موضع تردد وتوقف - وإن ثبت للتابعي السماع من جملة من الصحابة - لأنه قد لا يكون ثبت له سماع من هذا المبهم خصوصًا ، فتكون روايته عنه مرسلة. وأما إن كان الراوي صحابيًا صغيرًا ، عن صحابي آخر قد أُبهم ، فروايته على الاتصال ، وإن لم يصرح بالسماع منه ؛ لأنه على أسوأ تقدير يكون مرسلاً ، ومرسل الصحابي محتج به ، إذ الساقط لا يخرج عن كونه صحابيًا أيضًا. قال ابن الصلاح - رحمه الله - في ((علوم الحديث)) (ص: ٥٦): ((الجهالة بالصحابي غير قادحة ، لأن الصحابة كلهم عدول )). • مثال : أخرج الإمام أحمد في «مسنده)) (٣٤/٤): حدثنا يونس ، حدثنا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب ، عن رجل من أهل المدينة : أنه صلَّى خلف النبي وَّ، فسمعته يقرأ في صلاة الفجر ﴿ قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و﴿ يسَ ١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴾. فقوله: ((عن رجل من أهل المدينة أنه صلى خلف النبي (وَّلام)) دلالة على إبهام الصحابي ، إلا أن هذه الرواية لا تقتضي سماع سماك من ٥٧ هذا الصحابي ، لأنه لم يصرح بما يدل على سماعه منه أو تحمله هذا الحديث عنه ، فلا يُحكم على هذا السند بالاتصال. · مثال آخر : أخرج الإمام أحمد في ((المسند)) (٣٦/٤): حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، وحجاج ، قال : أخبرنا شعبة ، عن عبد ربه بن سعيد ، وقال غُندر : عبد ربه بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، قال : أخبرني من رأي النبي وَلّ عند أحجار الزيت يدعو بكفيه. قال حجاج : ورفع شعبة كفيه وبسطهما . فهذا الحديث قد أُبهم صحابيه ، وقد صرّح محمد بن إبراهيم بسماعه من هذا الصحابي ، فسنده متصل . · التعديل على الإِبهام : ومن أهم مسائل هذا الباب : حكم التعديل على الإبهام ، وصورته أن يقول الراوي : حدَّثني الثقة ، أو حدثني رجل ثقة ، فالذي عليه الجمهور : أنه لا يُحتج بما هذا صورته ؛ لأنه قد يكون هذا المبهم الموثَّق ثقة عند الراوي عنه ، ضعيف عند غيره من أهل العلم ، وقد يكون الراوي المعدِّل للمبهم لا دراية له بالجرح والتعديل ، فلربما أطلق التوثيق على العدالة الظاهرة، أو الصلاح والعبادة ، ويكون الراوي الذي وثّقه ضعيفًا من جهة الضبط . قال الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) (ص: ١١٥): ٥٨ (( إذا قال العالم : كل من رويت عنه فهو ثقة ، وإن لم أسمه ، ثم روى عمن لم يسمه ، فإنه يكون مزكيًا له ، غير أنا لا نعمل على تزكيته؛ لجواز أن نعرفه إذا ذكره بخلاف العدالة )). قلت : وهو ما اعتمده الإمام أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله -، واستقر عليه الاصطلاح عند أهل العلم. قال ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص: ١١٠): (( لا يجزيء التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدَّل ، فإذا قال : ((حدَّثني الثقة)) أو نحو ذلك مقتصراً عليه ، لم يُكتف به - فيما ذكره الخطيب الحافظ والصيرفي الفقيه وغيرهما - خلافًا لمن اكتفى بذلك ، وذلك؛ لأنه قد يكون ثقة عنده ، وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع ، فيحتاج إلى أن يسميه حتى يُعرف ، بل إضرابه عن تسميته مريب ، يوقع في القلوب فيه ترددًا )). • مثال : قول الشافعي - رحمه الله - : أخبرنا الثقة ، عن صالح مولى التوأمة ... قال بعض أهل العلم والمعرفة: ((هو إبراهيم بن أبي يحيى)). قلت : إبراهيم بن أبي يحيى ، هو الأسلمي متروك منسوب إلى الكذب والوضع ، وجمهور أهل العلم على وهائه وسقوطه ، إلا الشافعي - رحمه الله - فإنه قد وثّقه ، وقال : (( لأن يخر إبراهيم من بُعد ، أحبُّ إليه من أن يكذب ، وكان ثقة ٥٩ في الحديث )) . وأما الإمام أحمد فقال: (( لا يُكتب حديثه ، ترك الناس حديثه ، كان يروي أحاديث منكرة لا أصل لها ، وكان يأخذ أحاديث الناس يضعها في كتبه))، وقال النسائي: ((متروك الحديث))، وفي موضع آخر قال: ((ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه))، وقال بشر بن المفضل : ((سألت فقهاء أهل المدينة عنه، فكلهم يقولون: كذّاب))، وقال يحيى بن سعيد: (( كذاب))، ونسبه البزار إلى الوضع . • رواية الثقة عن المجهول : وأما رواية الثقة عن المجهول فقد اشتهر عند بعض أهل العلم ارتفاع الجهالة وثبوت العدالة والضبط له بذلك ، وإن لم ينص صراحة على التوثيق ، إذ أنه لو علم فيه جرحًا لذكره . وهذا القول قد انتقده الخطيب فقال في ((الكفاية)) (ص: ١١١): (( احتج من زعم أن رواية العدل عن غيره تعديل له بأن العدل لو كان يعلم فيه جرحًا لذكره ، وهذا باطل ؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته ، فلا تكون روايته عنه تعديلاً ، ولا خبراً عن صدقه ، بل يروي عنه لأغراض يقصدها ، كيف وقد وُجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنها غير مرضية ، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية ، وبفساد الآراء والمذاهب)). قلت : وهذا ظاهر صنيع ابن خزيمة وابن حبان ، وجرى عليه الشيخ الألباني - رحمه الله- بشرط آخر قيده به، وهو: أن لا يروي منكرًا. ٦٠