Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وهذا يشعر بملاحظته لها ، لكن يبدو أنه رجح التضعيف ، لكونه قول
الجمهور ، ومنهم من فَسَّر أيضًا الجرح ، بذكر بعض أحاديثه المنتقدة
کالعقيلي وابن عدي .
أما الإمام الذهبي فتنوعت عبارته ، واختياره في خلاصة حال أشعث : فمرة
قال : أحد العلماء، على لبن فيه (١) ومرة عقب على الأقوال المختلفة فيه بذكر
قول الدارقطني: يُعتَبر به (٣) ومرة قال: حدث عنه شيوخه، لجلالته(٣).
ومرة قال : صالح الحديث ، ضعفه جماعة(٤) . ومرة قال : هو من الضعفاء
الذين روى لهم مسلم متابعة (٥) . وهذه العبارات في مجموعها تفيد تضعيفه
له ضعفًا قابلاً للانجبار، لكنه في الكاشف (٦) قال: ((صدوق ، لينه أبو زرعة))
وذلك بمعنى تركيب جزئي بلفظ ((صدوق فيه لين)) وفي الرواة المتكلم فيهم
بما لا يوجب الرد(٧) قال: حسن الحديث، ثم ذكر تضعيف أبي زرعة وغيره
له ، وهذان القولان - كما ترى - متقاربان .
(١) انظر السير ٦ / ٢٧٥، ٢٧٦.
(٢) انظر تاريخ الإسلام / حوادث ١٢١ - ١٤٠ هـ / ٣٧٨، ٣٧٩.
(٣) الميزان ١ / ٢٦٤ .
(٤) ينظر ديوان الضعفاء / ٣٩ بتصحيح شيخنا الفاضل، الشيخ حماد الأنصاري.
(٥) ينظر المغني ١ / ٩١ .
(٦) ينظر ١ / ١٣٤.
(٧) ينظر ٧١ .

٢٢٢
اَلْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعْدِك
ومن هذا كله نلحظ أن أكثر أقوال الذهبي في (( أشعث )) مخالفة لقرينة
التوثيق المطلق، وموافقة لما جزم به ابن حجر من ترجيح التضعيف ((لأشعث))
ضعفًا قابلاً للانجبار ، مراعاة لقول أكثر النقاد كما تقدم ، وهذه وجهة
معتبرة ، لكن إذا أردنا المفاضلة ، نجد أن القولين الأخيرين للذهبي ، أولى
بالاعتبار ؛ لأن فيهما جمعًا بين مجموع الأقوال المعتبرة ، بما فيها القول
المركب من: ((ثقة وصدوق)) وقرينته الداخلية، والجمع مقدم على الترجيح
كما هو معروف ، لما فيه من إِعمال مجموع الأقوال ، فَيُحمَلُ التوثيق على ما.
يفيده وصف (( صدوق )) - اصطلاحا - من الاحتجاج بالراوي ، بتحسين
حديثه لذاته ، فيما عدا ما غلط فيه في الأحايين ، كما قرره ابن عدي آنفًا.
فهذا يُضَعَّفُ بخصوصه ، ويقتضي خفة الضبط التي تُنْزِل الراوي لمرتبة الحسن
وعلى تلك الأخطاء اليسيرة ، تُحمَل أقوال التضعيف عمومًا في ((أشعث))
مع استبعاد قول ابن حبان منها ، لتشدده ، الذي تفرد به . والله أعلم .
مثال سادس : وجاء في ترجمة (( عمرو بن دينار المكي )) وقد كان
سفيان بن عيينة من أعلم تلاميذه به ، إن لم يكن أعلمهم مطلقا (١) ، وقد
وصفه سفيان بقوله ((كان ثقة ، ثبتًا ، كثير الحديث، صدوقًا، عاماً ،
وكان مفتي أهل مكة في زمانه(٢).
(١) ينظر شرح العلل ٢ / ٤٩٣، ٤٩٤، والجرح ١ / ٣٦.
(٢) ينظر التهذيب ٨ / ٣٠.

٢٢٣
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
فأضاف هنا في السياق نفسه لفظة اصطلاحية وهي لفظة (( ثبت)) التي
هي بمنزلة (( ثقة)) وإن كانت أرفع في الدلالة ، فأصبح التركيب مشتملا
على تكرير التوثيق، وهو مرتبة أعلى من لفظ ((ثقة)) مفردة ، وما في
حكمها ، كما هو معروف ، فتعد هذه قرينة داخلية ، مصاحبة لعبارة « ثقة
صدوق)) ترفع دلالتها فوق التوثيق المفرد ، وجاء عن سفيان أيضًا غيرها
منفصلاً، فمرة قال عن ((عمرو)): حدثنا وكان ثقة ثقة ثقة(١).
فكرر توثيقة ثلاث مرات ، كما ترى ، ومرة قال : حدثنا ، وكان ثقة
ثقة ، ... تسع مرات ، وكأنه سكت لانقطاع نفسه ، وذكر السخاوي أن
هذا أكثر ما وقف عليه من مرات التكرير(٢). وجاء عنه أيضًا : ما كان
أثبت عمرو بن دينار(٣).
فتعتبر هذه الأقوال أيضًا قرائن داخلية تدل على أن مراد سفيان بتركيب
((ثقة صدوق )) هنا ، أعلى من التوثيق المفرد .
وإذا نظرنا إلى القرائن الخارجية ، وهي بقية الأقوال في عمرو بن دينار
نجد غالبها فوق التوثيق المفرد(٤).
وبذلك توافقت القرائن الداخلية والخارجية على رفع دلالة تركيب (( ثقة
(١) ينظر التهذيب / الموضع السابق، والجرح ١ / ٤٩، ٦ / ٢٣١ والسير ٥ / ٣٠٢.
(٢) ينظر فتح المغيث ١ / ٣٦٣، ٣٦٤.
(٣) ينظر السير ٥ / ٣٠٣.
(٤) انظر المصادر السابقة، والحلية لأبي نعيم ٣ / ٣٤٧.

٢٢٤
الْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَعِ وَالتَّشَدِيك
صدوق)) - هنا - فوق التوثيق المفرد ، وعندما لخص الحافظ ابن حجر
حال عمرو بن دينار قال : ثقة ثبت(١) فجعله في مرتبة التوثيق المتكرر.
مثال سابع: وفي ترجمة (( شريك بن عبد الله النخعي)) قال
العجلى (٢) فيه: (( ثقةً ، وكان حسن الحديث))
وعندما قرأت بتوفيق الله تعالى - كتاب ترتيب ثقات العجلي ، كله
ثم ما استدركه عليه محققه الأستاذ (( البستوي )) من إضافات ، لم أجد
شيئًا صريحًا يُدل على مراد العجلي بوصف الراوي بأنه (( ثقة حسن
الحديث)) ولا وجدت تصريحًا منه بمراده بوصف الروي بأنه ((حسن
:
الحديث)) بمفردها كما لم أجده وصف راويًا بعبارة ((حسن الحديث))
بمفردها، وإنما استعملها مركبة مع (( ثقة)) كما في وصف شريك هذا
ومركبة مع غيرها أيضًا ، مع وجود بعض القرائن ، كما سأوضحه بعد
قليل . وستأتي بقية هامة لكلام العجلى في شريك ، ذكرها الحافظ ابن
حجر ، وفيها بعض القرائن أيضا .
ونعم قد وَصَفَ العجلي عددًا كثيرًا بلفظ ((لا بأس به)) ووصف عددًا.
قليلاً بلفظ ((صدوق )) وكلاهما عند غيره ، ولا سيما المتأخر عنه
(١) ينظر التقريب / ترجمة (٥٠٢٤ ).
(٢) ينظر معرفة الثقات للعجلي بترتيب السبكي والهيثمي ١ / ترجمة (٧٢٧ )، ومثله في تاريخ
بغداد ٩ / ٢٨١ وغيرهما ، وذكر الحافظ ابن حجر بقية هامة لكلام العجلي عن شريك كما
سيأتي / وينظر تهذيب التهذيب ٤ / ت ٥٧٧ .

٢٢٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
يعتبران من ألفاظ مرتبة الحسن لذاته اصطلاحًا ، كما هو معروف ، وكما
أوضحت تأصيله في مبحث التركيب الجزئي السابق ذكره .
لكن الحَسن بالمعنى الاصطلاحي ، بقسميه ، وإن استُعمل في حياة
العجلي المتوفى سنة ٢٦١ هـ (١)، إلا أنه لم يظهَر شيوعه، واشتهاره في
حياته ، سواء في بلاد المغرب التي رحل إليها واستقر بها منذ سنة ٢١٨ هـ(٢)
وحتى توفي في طرابلس الغرب ، التي تقع في ليبيا حاليًا (٣)، أو في بلاد
المشرق كذلك ، التي رحل منها في سنة ٢١٨ هـ ، وبدون رجعة ، كما
تقدم ، وذلك لأن اشتهار الحسن بمعناه الاصطلاحي شرقًا وغربًا ، كان
على يد الإمام الترمذي في جامعه ، كما تقدم .
والترمذي قد وُلد سنة ٢١٠ هـ تقريبا (٤).
وعليه كان عمره حين انقطاع العجلي عن المشرق ، نحو ثمان سنوات
ثم لم تُعرف رحلة الترمذي إلى كل من مصر والشام(٥)، وهما مَعبر
وملتقى ، روايات وعلم المشارقة إلى المغاربة ، وبالعكس ، كما هو معروف
أما رحلة العجلي لمصر ، فقديمة عن سن السماع بالنسبة للترمذي ، فضلاً
(١) ينظر السير ١٢ / ٥٠٥ .
(٢) انظر مقدمة الأستاذ البستوي لتحقيق ترتيب الثقات ١ / ٢٤، ٢٥.
(٣) المصدر السابق ١ / ٥٥، ٥٧ - ٥٨ .
(٤) السير ١٣ / ٢٧٠
(٥) السير ١٣ / ٢٧١

٢٢٦
الْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَهَةِوَالتَّعْدِيك
عن تأليفه الجامع وإمكان استفادة العجلي منه ، عن طريق رواية المصريين
له ، ولا سيما أن العجلي يعتبر من طبقة شيوخ الترمذي كما هو
معروف(١) وقد تقدم تحديد الترمذي للبلاد التي عَرضَ جامعه على
علمائها ، ولم يذكر منها الشام ولا مصر فضلا عن بلاد المغرب .
ولذلك ، فإن القرائن الداخلية والخارجية التي وجدتها، أظهرت أن ذكره لفظ
((الحسن)) أو ((الأحسن)) وصفًا للسند، أو «حسن الحديث)) وصفًا للراوي، قد
اختلف مَحْملُه، بحسب ما ذكر معه من الألفاظ الأخرى، وبحسب القرائن.
وأكتفي هنا بما يتعلق بوصف الرواة ، لقياس وصفه شريكًا عليه
فالإمام العجلي ، في كتابه كله ، قد وصف ثلاثة عشر راويًا - بمن فيهم
((شريك)) - ((بحَسَن الحديث)) مع قرنه لها بغيرها من ألفاظ القبول
فأكثرهم، وعددهم تسعة رواة، قرن لهم لفظ (( حسن الحديث )) بلفظ
(( ثقة)) كما في وصف ((شريك)) واثنان قرن لهما لفظ ((حسن
الحديث)) بلفظي ((ثقة ثبت)) (٢).
واثنان قرن لهما لفظ ((حسن الحديث)) بلفظ ((جائز الحديث)) (٣).
فهذان قوله في كل منهما ((جائز الحديث)) يعد قرينة داخلية مصاحبة.
(١) وانظر / مقدمة الأستاذ البستوي لتحقيق ترتيب الثقات ١ / ٤٩ - ٥٠، وفضائل جامع الترمذي
لأبي القاسم الأُسعردي / ٣٢، ٤٢، ٤٣ .
(٢) ١ / ٢٤٧، ٤١٧ .
(٣) ٢ / ٢٦٤، ٣٢٩

٢٢٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
تدل على أن مراده بالحُسن قبول الحديث لكن بدرجة أقل من الصحيح
لأنه يستعمل وصف الصحة كما سيأتي في وصف حديث شريك
فعدوله عنه إلى لفظ (( الجواز)) وهو الوسط في كل شيء ، أو المقبول منه
على ما فيه من قصور (١) ، يدل على أن مراده قبول حديث كل منهما
بالدرجة الأقل من الصحيح ، وهو المسمى اصطلاحًا بالحسن لذاته .
فأما اللذان قرن لهما لفظ ((حسن الحديث)) بلفظي ((ثقة ثبت))
فزيادته وصف (( ثبت)) الذي هو أقوى من (( ثقة))، يعد قرينة داخلية على
أنه ليس المراد ((بالحسَن)) في هذا التركيب ، المعنى الاصطلاحي ، الذي
يُنزِل الراوي عن مرتبة الصحيح لذاته ، بل يُحمل الحَسن هنا على معنى
لغوي مناسب ، لا يعارض الحكم بصحة حديث الراوي ، مثل حُسن
سَوْقِهِ للروايات عند أدائه لها بنفسه ، دون تعلثُم أو خلل ضبط ، أو عَجلة
ونحو ذلك ، وهذا مما استعمله غير العجلي في وصف بعض أئمة الثقات
الأثبات كالإمام الزهري ، مثلاً (٢)، وقد وصف العجلي أحد شيوخه بعكس
ذلك فقال : لم يكن يُحسن يقرأ كُتبَه، ، كتبتُ عنه ثلاثة مجالس(٣).
وعند النظر إلى القرائن الخارجية، نجدها تؤيد أيضًا حمل ((الحُسن)) في
(١) ينظر النهاية لابن الأثير، والمعجم الوسيط / مادة (جَوّز)) فيهما، مع تصرف يسير في الثاني.
(٢) انظر ترجمته من تاريخ دمشق لابن عساكر بتحقيق الأستاذ شكر الله / ٩٣ ط مؤسسة الرسالة .
(٣) ترتيب الثقات ٢ / ٣٣٢ ترجمة ( ١٩٠٧ ) .

٢٢٨
أَلْفَاظُ وَعَبَتَانُ الحَةِ وَالتَّعَديك
وصف هذين الراويين على غير المعنى الاصطلاحي له ، فكل منهما مُتَّفَقٌ
على علو توثيقه وإمامته(١).
أما التسعة الذين قَرَنَ العجلي لهم وصف ((حسن الحديث)) بوصف (( ثقة ))
فأغلبهم وهم ستة ، قد اختلفت فيهم أقوال غير العجلي من النقاد ، جرحًا
وتعديلاً، ولم أجد في بقية كلام العجلي عن كل منهم قرينة داخلية واضحة
تدل على مراده بوصف كل منهم بأنه ((حسن الحديث))، والنظر في القرائن
الخارجية لكل منهم يطول ، بدون ضرورة له هنا .
وهناك راويان آخران من هؤلاء التسعة، (( حماد بن سلمة(٢) ، وهشام
ابن حسان القَرْدُوسي(٣)، وقد قال في كل منهما: (( ثقة ، حسن
الحديث ، يقال : إن عنده ألف حديث حسن ، ليست عند غيره)) .
فعبارة ((عنده ألف حديث حسن ، ليست عند غيره )) تعتبر قرينة
داخلية ، مصاحبة للتركيب كما ترى ، فيمكن أن يستفاد منها : أن مراد
العجلي بوصف (( حسن الحديث)) بالنسبة لهذين الراويين
هو: ((الغرابة)) لبعض مروياتهما ، والتفرد بها ، نسبيًا أو مطلقًا
وليس هذا هو المعنى الاصطلاحي للحديث الحسن كما هو معروف
(١) التقريب / ١٢٤ ترجمة (٧٠٣) وص ٢٤٥ ترجمة ( ٢٤٥١ ) .
(٢) ١ / ٣١٩، ٣٢٠.
(٣) ٢ / ٣٢٨ من ترتيب ثقات العجلي.

٢٢٩
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
لكن إطلاق وصف ((الحُسن)) على الحديث بمعنى أنه ((غريب)) أو ((فَرد))
ولو كان منكرًا ، قد جاء عن غير العجلي من المتقدمين (١).
أما آخر هؤلاء التسعة فهو شريك . وقد جاء في كلام العجلي بعد
وصفه بالتركيب المذكور قوله : إن أروى تلاميذه عنه ، وهو إسحق
الأزرق ، قد سمع منه ٩ آلاف حديث (٢) .
كما ذكر الحافظ ابن حجر وجود زيادة أخرى في كلام العجلي تتضمن
تفصيلا مهما في حاله ، حيث قال : وكان صحيح القضاء ، ومن سمع
منه قديمًا ، فحديثه صحيح ، ومن سمع منه بعدما ولى القضاء ففي
سماعه بعض الاختلاط (٣) .
فهذا التفصيل يعتبر قرينة داخلية ، بمثابة الجمع بين وصفي التركيب
اللذين صدَّر العجلي بهما كلامه عن حال شريك ، بحمل كل واحد
منهما على ما يناسبه من التفصيل المذكور ، فيُحمل وصف العجلي
الشريك بالتوثيق على ما ذكر من صحة حديثه قبل ولاية القضاء ، يعني
بالكوفة ، ويُحمل وصفه له بأنه (( حسن للحديث )) على ما ذكره من
حاله بعد ولاية القضاء ، وذلك لأن تعبيره عن تلك المرحلة بأن فيها
(١) ينظر الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب ٢ / ١٠٠، ١٠١ ط دار المعارف بالرياض
والمحدث الفاضل للرامهرمزى / ٥٦١ - ٥٦٤ والجرح والتعديل للرازي ١ / ١٤٦.
(٢) ينظر معرفة الثقات للعجلي ١ / ٧٢٧ .
(٣) ينظر تهذيب التهذيب ٤ / ت ٥٧٧ .

٢٣٠
اَلْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعَلَّك
(( بعض الاختلاط)) يفيد تقريره خفة ضبط شريك فقط خلالها ، وهذا
يوافق ضبط راوي الحسن لذاته ، اصطلاحًا ، عند الجمهور كما تقدم .
أما حمل هذه اللفظة على إرادة الاختلاط الاصطلاحي ، فيُبعِدُهُ لفظ
((بعض)) حيث يفيد أن ضبطه كان هو الأكثر ، وهذا يخالف معنى
الاختلاط ، وهو عدم القدرة على الحفظ ، ولا تذكر ما كان يحفظه
المختلط ، ولذا أشار البرهان الحلبي إلى أن ما ينسب إلى شريك من
الاختلاط ، يحمل على تغير الحفظ فقط (١).
وعليه فإن إعمالنا لهذه القرينة الداخلية المصاحبة لوصفي التركيب
يفيد أن العجلي قصد به الجمع بين ما ظهر له من اختلاف حال شريك
من جهة الضبط ، وأيضًا هناك قرينة داخلية أخرى يُلاحظ توافرها في
شريك، ويمكن بمراعاتها حمل وصفه بأنه (( حسن الحديث )) على
((الغرابة)) و((التفرد)) في بعض مروياته، كما ذكرنا ذلك بالنسبة
للراويين السابقين ، وذلك لأن شريكًا قد وُصف بكثرة المرويات ، وأشار
العجلي نفسه إلى ذلك بذكر كثرة مرويات إسحق الأزرق عنه كما تقدم
ومن لوازم كثرة المرويات الإغراب ، وتفرد الراوي بما ليس عند غيره (٢).
(١) ينظر الاغتباط بمن زُمي بالاختلاط لبرهان الدين إبراهيم محمد الحلبى المعروف بسبط العجمي
مع نهاية الاغتباط ط / ١٧٠ .
(٢) انظر تهذيب التهذيب ٢ / ٣٣٠.

٢٣١
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وقد وُصف شريك أيضًا من غير العجلي بما يُعتبرُ قرينة خارجية ، مؤيدة
وذلك أنه وُصِفَ بكونه روى عن قوم ، لم يرو عنهم قَرِينُهُ ، سفيان
الثوري ، مع سعة مروياته ، وذكر ابن عدي تفرد شريك بما ليس عند
سفيان وشعبة ، وإقرار شريك لذلك (١) .
وذكر ابن عدي له أيضًا بعض ما تفرد به عن بعض شيوخه(٢)، وذكر
أيضًا من كان يُغرِبُ عن شريك، من تلاميذه(٣)، فهذا كله يعتبر قرينة
خارجية تسوغ حمل وصف شريك (( بحسن الحديث ، على معنى الغرابة
لبعض مروياته الكثيرة وتَفَرُّده ، ببعضها ، ولكن يبدو لي أن القرينة الأولى
أرجح ، فإعمالها أولى ، لكونها مع مصاحبتها لوصفي التركيب ، فهي
واضحة الدلالة على إرادة الجمع بينهما ، مع بقاء معناهما الاصطلاحي
الذي هو الأصل .
وعندما نُعملُ تلك القرينة ونجعل قول العجلي في شريك ((كان حسن
الحديث)) محمولاً على المعنى الاصطلاحي للحسن لذاته ، وذلك بعد
القضاء ، ونجعل قوله (( ثقة)) محمولاً على قوله : إن مَن سمع مِن شريك
((قديمًا فحديثه صحيح))، عندما نفعل هذا، يُفهَمُ منه أن العجلي يفصِّل
(١) ينظر رواية الدقاق عن ابن معين / ٣٦ وتاريخ بغداد ٩ / ٢٨٢ والكامل لابن عدي ٤ / ١٣٢٤.
(٢) انظر الكامل ٤ / ١٣٢٦، ١٣٢٧.
(٣) الكامل ٤ / ١٣٣٤.

٢٣٢
الفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَعِ وَالتَّعْدِيك
في حال شريك ، وأنه يفرق بين الصحيح ، وبين ما يُعتبر من الحسن لذاته
حتى بالنسبة للراوي الواحد إذا اختلف ضبطه، وأن الوصف بلفظ ((الثقة))
المطلق يقتضي عنده ، صحة حديث الراوي ، ما لم توجد علة أخرى أو
قرينة صارفة، كما هو معروف ، وأن الوصف المفرد بما دون ((الثقة)) مما
يدل على خفة الضبط ، يقتضي عنده محسن حديث الراوي لذاته ، ويمكن
التمثيل لذلك من أقوال العجلي بقوله : جائز الحديث حسن الحديث ))
كما تقدم أو جائز الحديث لا بأس به(١) أو ((صدوق)) أو (( لا بأس به ))
كما هو ظاهر في كتابه ، وما يقال من تساهله كابن حبان ، فهو
مردود(٢) ، غير أني لاحظت في تطبيقات الحافظ ابن حجر أنه تارة يُنزل
التوثيق المطلق من العجلي إلى مرتبة الحسن لذاته ، وتارة يبقية على الأصل
في مرتبة الثقة المطلق التي تقتضي صحة حديث الموصوف بها ، كما أشار
(١) معرفة الثقات ١ / تراجم ٥٠٣، ٦٠٠، ٧٧٣ .
(٢) ينظر القول بالتساهل في التنكيل للشيخ المعلمي ١ / ٦٦ وحاشيته على الفوائد المجموعة في
الأحاديث الموضوعة للشوكاني / ٢٢، ٦٤ ، ومن أقرب ما يردّه : شهادة أهل الخبرة بالنقد .
والنقاد من معاصريه بالمشرق ثم بالمغرب بأنه في إمامته النقدية والحديثية ، مثل أحمد بن حنبل
ويحيى بن معين ، بل إنهما كانا يأخذان عنه ، يعني قبل خروجه إلى بلاد المغرب ، وإقامته بها
حتى وفاته ، ومَنْ عاصره وخالطه من علماء المغرب ، رفعوا مكانته فوق ذلك حتى قدموه في
نظرهم على الإمام البخاري / ينظر تاريخ بغداد ٤ / ٢١٤ - ٢١٥ والراوي الذي رد الشيخ
المعلمى توثيقه له، قد اعتمد هذا التوثيق مِنْ قَبْلِهِ كل من: الإمام الذهبي / الكاشف ١ / ت
١٨٧١، والحافظ ابن حجر / تهذيب التهذيب ٤ / ت ٢٦ والدراية في تخريج أحاديث
الهداية ٢ / ٢٩٣ حديث (١٠٦ ) والتقريب ( ٢٢٨٩).

٢٣٣
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
إليه العجلي فيما تقدم بالنسبة لشريك قبل ولايته القضاء ، ولاحظت أن
هذا الاختلاف في تطبيقات الحافظ ابن حجر يرجع إلى مراعاة القرائن
الأخرى المتعلقة بالراوي ، بجانب توثيق العجلي له .
فمن وثقه العجلي وحده ، أو شاركه ابن حبان بذكره للراوي نفسه في
كتاب الثقات ، أو إخراج حديثه في صحيحه ، ولم يُعرَف لهذا الراوي
غير راو واحد عنه ، ثم لم يُعرف تضعيفه من أحد ، فإني وجدت الحافظ
ابن حجر يعتبر أقوى رتب حديث مثل هذا الراوي ، أن يكون حسنًا
لذاته(١).
أما من روى عنه أكثر من واحد ، ولم يُعرف تضعيف أحد له ، ووثقه
العجلي وذكره ابن حبان في الثقات ، أو أخرج له في صحيحه ، أو أُخرج
له الشيخان أو أحدهما ، فإنه يعتمد التوثيق المطلق لمثل هذا الراوي (٢)
(١) انظر نتائج الأفكار ١ / ٣٨٧ - ٣٨٩ أصل وحاشية، مع ترتيب الثقات ٢ / ٦٤٤ ترجمة
( ١٦٤٤)، والإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع لابن حجر / تحقيق صلاح مقبول ١٥٥ -
١٥٨ حديث ١٩ من حرف الدال، مع ترتيب الثقات ٢ / ٣٠٠ ترجمة (١٧٩٧)، وقارن
بالتقريب / ٥٠٦ ترجمة ( ٦٢٩٥ ) ، ص ٥٤٦ ترجمة ( ٦٩٠٠ ) .
(٢) انظر مثلاً ترجمة (عمرو بن الشريد الثقفي / التهذيب ٨ / ٤٨، مع الإحسان في تقريب
صحيح ابن حبان / أحاديث: ٥٠٨٩، ٥١٨٠، ٥١٨١، ٥١٨٣، ٥٦٧٤، ٥٧٨٢،
٥٨٩٤ ط الشيخ الأرنؤط، والتقريب / ٢٣٤ وترجمة ((عبد الله بن فروخ ، القرشي، التيمي
مولى عائشة، رضي الله عنهما / التهذيب ٥ / ٣٥٥، مع ترتيب الثقات ٢ / ٥١ ترجمة
(٩٤٧) والتقريب / ٣١٧ ترجمة (٣٥٢٩) والإحسان / حديث ٣٣٨٠ ط الشيخ الأرنؤوط .

٢٣٤
اَلْفَاظُ وَعَبَادَاتُ الَرَةِ وَالتَّخَدِيك
والذي يظهر لي : أن ما يستفاد من كلام العجلي نفسه ، كما قدمته
فهو أولى في الدلالة على مراده ، ومنهجه ، من كلام و تطبيقات غيره
لا سيما وهذه تطبيقات جزئيه غير مستوعبة حتى الآن ، فلا يُستَشْكِلُ
بمثلها على ما أوضحت دلالة كلام العجلي عليه .
ولعل مما يؤيد ذلك : أن الحافظ العلائي لما ذكر أقوال العلماء في شريك
اهتم بإثبات أن العجلي زاد علی توثيق شريك وصفه بأنه (( حسن
الحديث )) وذكر أيضًا توثيق غير العجلي له ، لكنه رتب على مجموع
ذلك ، أن يكون ما ينفرد به شريك حسنًا ،(١)
وبهذا نجد أنه لم يعتمد توثيق شريك المطلق ، مع ذکره له عن غیر
العجلي ، بل رجح اللفظ الأقل من تركيب العجلي السابق وهو (( حسن
الحديث )) توسطا منه بين ما جاء في حال شريك من غير العجلي ، من
توثيق وتضعيف ، مجمل ومفسر ، وتركيب أيضا من الصورة الثالثة
حيث قال يعقوب بن شيبة : شريك : صدوق ثقة ، سيء الحفظ جدا (٢)
في حين جمع العجلي نفسه بين أحواله ، بتصحيح بعض حديثه ، وتحسین
بعضه الآخر ، معللا ذلك بتغير حال ضبطه في أول أمره ، عن حاله في
آخره بعد انشغاله بالقضاء .
(١) انظر: النقد الصحيح للعلائي / ٨٨ بتحقيق الأستاذ / محمود سعيد .
(٢) ينظر : تهذيب التهذيب ٤ / ت ٥٧٧ .

٢٣٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
٢ - أمثلة الصورة الثانية من التركيب وهي الجرح وتحليلها ودلالاتها:
المثال الأول : وحكم الضعف المطلق والضعف الشديد
((محمد بن الحسن بن زبالة)) وما قيل فيه من التركيب ودلالته مع
القرينة ، وبيان مجمل الأقوال في حاله ، وما يترجح منها عموما .
١ - من ذلك: أن ((محمد بن الحسن بن زبالة)) قال فيه أبو حاتم الرازي :
واهي الحديث ، ضعيف الحديث ، ذاهب الحديث ، منكر الحديث ، عنده
مناكير ، وليس بمتروك الحديث)) (١) . فهذه العبارة عند تأمل مفرداتها
نجدها ستة أوصاف ، وقد استعمل أبو حاتم معظمها مفردة في وصف بعض
الرواة ، ومجموعها يرجع إلى مرتبتين من مراتب الجرح .
إحداهما : التضعيف المطلق : والأخرى ، التضعيف الشديد الأدنى من
مرتبة الكذب فالألفاظ التي ترجع إلى مرتبة التضعيف المطلق هي : ضعيف
الحديث ، منكر الحديث ، عنده مناكير ، ليس بمتروك الحديث(٢).
والألفاظ التي ترجع إلى مرتبة التضعيف الشديد هي : واهي الحديث، ذاهب
الحديث (٣) . وبين المرتبتين فرق في درجة حديث الموصوف بأي منهما .
فالأولى : حديث الموصوف بها ضعيف لذاته ، ويعتبر به ، فيتقوى
(١) الجرح والتعديل ٧ / ٢٢٨.
(٢) ينظر فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١٢٠ وتدريب الراوي ١ / ٤٠٨ - ٤٠٩.
(٣) ينظر فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١٢١ وتدريب الراوي ١ / ٤٠٩.

٢٣٦
اَلْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَِّجِ وَالتَّعَدِيك
بواحد فأكثر مثله ، أو أقوى منه ، حتى الثقة ، وبذلك يرتقي إلى درجة
الحجية وهي الحسن (١) أو الصحة لغيره ، وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر
: إذا تابع السيِّئَ الحفظ شخصٌ فوقه : انتقل بسبب ذلك إلى درجة ذلك
الشخص ، وينتقل ذلك الشخص إلى أعلا من درجة نفسه التي كان فيها (٢)
ويقول عمن أخرج لهم البخاري في صحيحه : إن مَن وُصف بسوء الضبط أو
الوهم أو الغلط ، ونحو ذلك .. فلم يخرج لهم إلا ما توبعوا عليه، عنده أو عند
غيره (٣) ، ومقتضى هذا ترقية من ضعف بمثل ذلك من الضعف غير الشديد
أنه يرتقي بمتابعة الثقة إلى درجة الصحيح لغيره عند البخاري .
وأما الثانية : وهي الضعف الشديد بغير الكذب ، فحديث الموصوف .
بشيء من ألفاظها ضعيف ضعفا شديدا لذاته ، وهذا لا يتقوى بمعاضدة
راو مثله ، ولا يقويه ، كما قرر ذلك ابن الصلاح وتابعه عليه غيره (٤).
ويرى بعض العلماء أن الواهي ، وهو شديد الضعف بغير الكذب ، إذا
(١) كما هو تعريف الترمذي للحسن لغيره / ينظر جامع الترمذي / ٢٥١،٢٣٩/٦ ومقدمة ابن الصلاح
مع التقييد والإيضاح / ٤٦ - ٤٨ وأجوبة ابن سيد الناس اليعمري ٢ / ١١٠ جواب رقم (٢٠)
(٢) ينظر شرح شرح النخبة للقاري / ١٦٢ - ١٦٣ وتطبيق الحافظ ذلك كما في الفتح ٨ / ٣٤
كتاب المغازي - باب غزوة حتين ، والأربعين المتباينة بشرط السماع له حديث ( ٢٢)
واللسان / ترجمة ((عبيد الله بن رماحِس القيسى)) ٤ / ١٠٠ - ١٠٤.
(٣) هدي الساري / ٣٨٤ و٤٦٤.
(٤) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح /٥٠ وفتح المغيث للعراقي ١ / ٤٢ والإرشاد للنووي / ٧١
وتدريب الراوي ١ / ١٩٤ وتنظر ترجمة ((أسماء بن الحكم الفزاري)) في التهذيب ١ / ت ٥٠٤ .

٢٣٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
كثرت طرقه ، قَوَّى بعضها بعضا ، فيصل الحديث بمجموعها إلى درجة
الضعف المطلق ، وهو اليسير ، مثل ضعف الراوي المستور ، أو المجهول
أو السّئ الحفظ ، (١).
ومعنى هذا : أن تقوية بعضها ببعض لا تخرجها عن درجة الضعف إلى
الحجية ، وإنما ترقيها مما هو أضعف إلى ما هو ضعيف فقط .
وقولهم: ((إذا كثرت طرقه)) يقتضي اشتراط ما يتحقق به الكثرة
وأقلها ثلاثة ، لأن الجمع أقله اثنان ، فأقل ما يحقق الكثرة عن الاثنين
زيادة واحد عليهما(٢) وقد طبق ابن عساكر وابن حجر وغيرهما مقتضى
هذا القول في بعض الأحاديث التي كثرت طرقها الواهية (٣)
ويتميز هذا القول عن سابقه من جهتين :
الأولى : أنه إذا كان الحديث المروي بمجموع هذه الطرق الكثيرة ، من
الفضائل والأدب والزهد والموعظة ونحو هذا ، فإن من يرى العمل
بالضعيف في هذا ، يمكنه الاستدلال به (٤) ، وقد قال العقيلي تعقبيا على
(١) ينظر النكت الوفية للبقاعي / ق ٦٩ / ب / مخطوط والأربعين المتباينة بشرط السماع للحافظ
ابن حجر / حديث ٤٥ / ص ٢٩٩ والنكت على ابن الصلاح له ١ / ٤١٩ - ٤٢٠ .
(٢) ينظر النكت الوفية للبقاعى / ٦٩ / ب، ٧٠ / أ.
(٣) ينظر الأربعين البلدانية لابن عساكر / ٤٣ والأربعين المتباينة لابن حجر حديث (٤٥) والفتح
١٠ / ٤٤٦ والعشرة العشارية / حديث ( ٨ ) بتحقيق الأخ الشيخ كيلاني محمد .
(٤) ينظر الجرح والتعديل للرازي ٢ / ٣٠ - ٣١ والأربعين المتباينة / ٢٩٩ والنكت على ابن الصلاح
١ / ٤١٩ - ٤٢٠ وفتح المغيث للسخاوي ١ / ٨٣ .

٢٣٨
اَلْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الََّةِ وَالتَّعَدَيِّك
الحديث الذي أخرجه من طريق (( ابن زبالة)) هذا : لا يتابعه إلا من هو
مثله أو دونه (١) .
والثانية : أن الحديث المروي بمجموع تلك الطرق الواهية من ثلاثة
فأكثر ، لو وجد له طريق آخر فيه ضعف يسير ، فإنه يرتقي بمجموع ذلك
إلى درجة الحسن لغيره (٢).
قال البقاعي : وقد جعلنا مجموع تلك الطرق الواهية بمنزلة الطريق التي
(٣)
فيها ضعف يسير ، فصار ذلك بمنزلة طريقين ، كل منهما ضعفه يسير (٢)
فعلى هذا يكون التركيب الذي وصف أبو حاتم به (( ابن زبالة )) فيه
تعارض ، لجمعه فيه بين مرتبتي ضعف ، درجة حديث كل منهما ،
متفاوته ، وخصوصا عنده هو (٤) ، فنحتاج هنا إلى توفيق أو ترجيح يفيدنا
خلاصة مرتبة هذا الراوي عنده في هذا التركيب .
والوسيلة إلى ذلك هي النظر في القرائن ، كما أسلفت .
(١) الضعفاء للعقيلي ٤ / ٥٨ .
(٢) ينظر أجوبة ابن سيد الناس اليعمري - ضمن كتاب « أبو الفتح اليعمري، حياته وآثاره، وتحقيق
أجوبته ٢ / ١١٠ دراسة وتحقيق الأستاذ / محمد الراوندي - ط المغرب . والأربعين المتباينة لابن
حجر / ٢٩٨ - ٢٩٩ والنكت الوقية للبقاعي / ٦٩ / ب، ٧٠ / أوفتح المغيث للسخاوي ١ /٨٣
والنكت للزركشي على ابن الصلاح ١ / ٣٢٢ - ٣٢٤ وتديب الراوي ١ / ١٩٤ والبحر الذي.
زخر ٣ / ١١٠ و١٠١٩ ١٠٢٠، ١٠٢٨ - ١٠٢٩ وتوضيح الأفكار ١ / ١٨٨.
(٣) النكت الوفية للبقاعي / ٦٩ / ب ونحوه للسخاوي ١ / ٨٣.
(٤) حيث يقول في ((سليمان بن يسار)) ضعيف الحديث، ليس بمتروك / الجرح ٤ / ١٥٠ ..
۔۔

٢٣٩
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وأقرب ما لدينا منها قول أبي حاتم في آخر التركيب : (( ليس بمتروك
الحديث )) فهذه قرينة داخلية ، صريحة ومصاحبة ، تفيد التضعيف فقط
كما أن أكثر ألفاظ التركيب موافقة لذلك ، كما تقدمت .
وهناك قرينة داخلية أخرى منفصلة وهي قول آخر من أبي حاتم قال : ما
أشبه حديثه بحديث عمر بن أبي بكر المؤملي (١) والواقدي (٢) ويعقوب
الزهري (٣) والعباس بن أبي شملة (٤) وعبد العزيز بن عمران الزهري (٥)
وهم ضعفاء مشايخ أهل المدينة (٦).
وهؤلاء الخمسة قد وصفهم كما ترى بالضعف فقط ، ولكن في غير
هذا الموضع وصف كلا من الواقدي ويعقوب الزهري بما يفيد أنهما
مترو كان عنده (٧) ووصف عبد العزيز بن عمران بتركيب مشابه للتركيب
(١) لم أجد له ترجمة في موضعها في الجرح ، فيعد قول أبي حاتم هنا هو الموجود فقط .
(٢) محمد بن عمر / الجرح ٨ / ٢٠ مع ٤ / ٢٧٨ ترجمة ( سيف بن عمر) حيث ذُكر فيه قول
أبي حاتم : متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي .
(٣) الجرح ٩ / ٢١٤ - ٢١٥ .
(٤) الجرح ٦ / ٢١٧ ولم يذكر فيه شيئا من الجرح ولا التعديل في ترجمته هذه، فيعد وصفه بأنه
من ضعفاء مشايخ أهل المدينة ضمن ترجمة ابن زبالة هو القول المبين لحاله عند أبي حاتم .
(٥) الجرح ٥ / ٣٩٠ - ٣٩١ وقد وصفه في ترجمته بقوله: « متروك الحديث ، ضعيف الحديث،
منكر الحديث جدا ، فقال له ابنه : يكتب حديثه ؟ قال: على الاعتبار)) وهذا كما ترى تركيب
من مرتبتي جرح أيضا ، مشابه للتركيب الذي معنا في وصف (( ابن زبالة)).
(٦) الجرح ٧ / ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٧) ينظر ما تقدمت الإحالة عليه في ترجمتيهما .

٢٤٠
الْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّغْدِيك
الذي معنا في وصف ابن زيالة (١) ، لكن العبرة في القرينة بما وصف الخمسة:
به في حالة ذكره لمشابهة ابن زبالة لهم، وقد اقتصر على الضعف فقط ، فیفید
ذلك وصفه لابن زبالة في هذا القول بالضعف فقط مثل وصفه لهم .
كما أنه في العلل سئل عن حديث من طريقه فقال : هذا حديث منكر
وابن زبالة ضعيف الحديث (٢) . فهذه ثلاث قرائن داخلية ، متفقه على.
التضعيف فقط لابن زبالة عند أبي حاتم ، ولم أجد عنه في غير التركيب
المذكور ما يقتضي شدة تضعيفه له ، وبذلك يترجح الأخذ من هذا التركيب
بما يقتضي الضعف فقط ، لتأييد القرائن الداخلية له ، وعليه يترجح أيضا أن
أكثر أقوال أبي حاتم على أن (( ابن زبالة)) عنده ضعيف فقط ، لا متروك .
وقد اقتصر الذهبي في الميزان على صدر هذا التركيب فقط وهو عبارة
((واهي الحديث )) (٣) وهذا من عيوب الاختصار ، حيث أفاد شدة
تضعيف أبي حاتم له فقط ، وهو خلاف الراجح من عبارته كما ترى .
وأيضا هذا الراجح عن أبى حاتم يفيد عدم تشدده في الحكم على ابن زبالة ،
خلافا لما هو معروف عنه من التشدد عموما وسيأتي في بعض النماذج . .
ويتفق معه على التضعيف قول البخاري في ((ابن زبالة)): عنده مناكير (٤)
(١) ينظر موضع الإحالة على ترجمة فيما تقدم .
(٢) العلل لابن أبي حاتم ١ / مسألة ( ١٠٣٦ ) .
(٣) الميزان ٣ / ٥١٤.
(٤) التاريخ الكبير ١ / ٦٦ - ٦٧ والضعفاء الصغير له / ترجمة رقم (٣١٤)، والضعفاء للعقيلي =.