Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
ثم ذكر بعض الأقوال المختلفة فيه (١) ، وفى الديوان قال : حسن
الحديث ، منهم من صَحَّحَ حديثه (٢) ، وفي (( أسماء من تكلم فيه وهو
موثق)) قال : صدوق ، وقال الجوزجاني: ليس بقوي (٣).
فيلاحظ من عبارات الذهبي في خلاصة حال محمد بن عمرو عنده
أنها متنوعة ومُشارٌ بها إلى الجمع بين الأقوال المختلفة في حاله توثيقا
وتضعيفا ، مع اتفاق جملتها في الدلالة على العدالة ، وقصور الضبط
ولهذا تعد جميعها من التركيب الجزئي المذكور في تعريفات الحديث
الحسن كما تقدمت، فقول الذهبي (( شيخ مشهور)) أو ((مشهور)) فقط
يشير إلى معرفة عدالة محمد بن عمرو ، وذكره مع هذا عبارة ((حسن
الحديث)) إشارة إلى قصور الضبط عن راوى الصحيح ، حسب ما تقدم
من تعريف الذهبي نفسه وتمثيله بعدد من رواة الحسن ومنهم محمد بن
عمرو هذا . وقوله: (( حسن الحديث منهم مَن صَحَّخَ حديثه )) تقرير
(١) المغني في الضعفاء ٢ / ت ٥٨٧٦ .
(٢) ديوان الضعفاء / ت ٣٩١٢.
(٣) أسماء من تكلم فيه وهو موثق (ت ٣٠٧) والطبعة الأخرى (ت ٣٠٣)، ولكن في موضع
آخر من السير ١ / ٢٢١ - ٢٢٢ - أورد الذهبي حديثا من طريقه، ثم قال: في إسناده محمد -
يعني ابن عمرو - لا يحتج به ، وفي بعضه نكارة بينة هـ فمثل هذا يجاب عنه بأن قوله : (( لا
يحتج به)) خلاف الأكثر من أقواله في عدد من مؤلفاته غير قليل كما تراه ، بما فيها كتاب السير
نفسه ، مع اتفاق قوله فيها عموما على تحسين حديثه ، ويجاب عن الحديث المذكور بأنه يمكن
تضعيفه بخصوصه لظهور نكارته ، ولكن لا يقدح في حجية راويه فيما ليس منكرا من حديثه .

١٦٢
الفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعَدِيك
لثبوت العدالة أيضا مع الخلاف في تمام الضبط ، وقوله : صدوق ، مع
ذكر تضعيف الجوزجاني المجمل ، إثبات أيضا للعدالة مع مخالفة في
الضبط ، ومن ذلك يستفاد أن التركيب الجزئي قد تختلف عباراته حتى
من الناقد الواحد ، مع الاتفاق في الجملة على الضابط العام في حَدٌّ
الحديث الحسن ، وهو العدالة وقصور الضبط عن التمام ، وعلى الباحث
المتمرس تأمل دلالة العبارات بعناية ، للتحقق من تحديد مرتبة الراوي
الجامعة بين مختلف الأقوال والآراء المعتبرة في حاله ، والمتوافقة مع القواعد
النقدية .
وأما الحافظ ابن حجر : فإنه ساق الأقوال والآراء المختلفة في حال
محمد بن عمرو في ((تهذيب التهذيب)) بأوعب من غيره ، لكن لم
يرجح في حاله شيئًا (١) أما في (( هدي الساري)) فلَخَّصَ حاله بقوله :
صدوق تكلم فيه بعضهم من قِبَل حفظه (٢) وفي ((التقريب)) قال:
صدوق له أوهام (٣) وفي أجوبته عن أحاديث مشكاة المصابيح ، ذكر
حديث أبي هريرة : أن النبي عَّهِ رأى رجلا يتبع حمامة ( الحديث )
وذكر أن ابن حبان صححه من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي
(١) التهذيب ٩ / ت ٦١٧ .
(٢) هدي الساري / ٤٤١ .
(٣) التقريب ( ٦١٨٨ ) .

١٦٣
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
سلمة عن أبي هريرة ، ثم قال : ومحمد بن عمرو ، صدوق في حفظه
شيء ، وحديثه في مرتبة الحسن ، وإذا توبع بمعتبَر قُبِل ، وقد يُتَوقّف في
الاحتجاج به ، إذا انفرد بما لم يتابع عليه ، ويخالفُ فيه ، فيكون حديثه
شاذا ، لكنه لا ينحط إلى الضعف ، فضلا عن الوضع (١)
ويلاحظ فيما ذكره ابن حجر في خلاصة حال محمد بن عمرو ، أنها
عبارات منوعة الألفاظ ، مع الاتفاق في التركيب الجزئي من لفظ
((صدوق)) الدال على العدالة، ومن عبارة تدل على التضعيف القليل
للضبط ، وهذا هو الضابط العام في تعريف الحسن لذاته كما مَرَّ ، ثم إن
عِبَارَتَي الحافظ في الهدي ، وفي الأجوبة عن أحاديث المشكاة
وهما: ((صدوق تكلم فيه بعضهم من قِبَل حفظه)) و ((صدوق في
حفظه شيء )) متقاربتان جدا مع قول الترمذي في خلاصة حال من أشار
بحديثه إلى تعريف الحسن لذاته عنده وهو (( عبد الله بن محمد بن
عقيل )) كما مَرّ، وذلك في بداية جامعه (٢) .
كما أن العبارة متقاربة مع ما لَخَّصَ به أيضا حال المختلف فيهم الذين
حَسَّن لكل منهم بمفرده في جامعه، وذكر منهم ((محمد بن عمرو)) هذا(٣).
(١) أجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث مشكاة المصابيح، مع المشكاة ٣ / ١٧٨٤.
(٢) وينظر جامع الترمذي ١ / حديث (٣).
(٣) ينظر جامع الترمذي ٦ / أبواب العلل / ٢٣٦ ط د / بشار .

١٦٤
-- -
الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الََّعِ وَالتَّعَلِك
ثم إن الحافظ قرن خلاصة حال محمد بن عمرو بتحديد درجة حديثه
بأنه في مرتبة الحسن ، ما لم توجد علة كالشذوذ ، وبهذا توافق صنيعه
قولا وتطبيقا ، مع صنيع الترمذي قولا وتطبيقا ، كما ترى .
٢ - عبد الله بن محمد بن عقيل: وهو كسابقه ، قد اختلفت آراء
النقاد فيه ما بين توثيق وتضعيف حتى من عالم واحد ، مع إمكان الجمع
بين أغلبها كما سيأتي ، فمن ذلك أن ابن خزيمة جاء عنه قوله : لا أحتجّ
به لسوء حفظه (١) ومع ذلك أخرج له في صحيحه ، ووقفت له على
موضعين أخرج فيهما له ، دون تعقب منه كما يفعل فيمن لا يرى
الاحتجاج به (٢) .
وجاء في ترجمته أيضا قول الترمذي: ((إنه صدوق تكلم فيه بعض أهل
العلم من قِبَل حفظه)) وكذا ما حكاه الترمذي عن شيخه البخاري وأحمد
ابن حنبل وغيرهما ، وقال الفلاس : سمعت يحيى (٣) وعبد الرحمن (٤)
يحدثان عنه ، والناس يختلفون فيه (٥) . ومن أقوال النقاد المتقدمين فيه
المشتملة على التركيب الجزئي ، قول الساجي : كان من أهل الصدق
(١) التهذيب ٦ / ت ١٩.
(٢) ينظر صحيح ابن خزيمة ١ / حديث ( ١٧٧ ) و ٢ / حديث ( ١٤٦٩ ).
(٣) يعني : القطان .
(٤) يعني : ابن مهدي .
(٥) ينظر الضعفاء للعقيلي ٢ / ٢٩٩ والكامل ٤ / ١٤٤٧ وفيه ((يختلفون عليه)).

١٦٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
ولم يكن بمتقن في الحديث (١) وقول أبي عبد الله بن عبد الرحمن بن
عبد الحكم: (( خَيِّر فاضِل)) ووصفه بالعبادة، وقال: ((إن كانوا يقولون
فيه ( شيئا ) ففي حفظه)) (٢) .
وقول الفسوي : صدوق فيه ضعف (٣) . ويلاحظ تنوع ألفاظ عبارة
التركيب الجزئي من هؤلاء الثلاثة ، مع التقائها في المعنى على إثبات
العدالة مع قصور الضبط قليلا ، وبذلك تتفق مع عبارة الترمذي السابقة
وتتفق عبارات هؤلاء النقاد الأربعة ، مع ما تقدم من التعريف الاصطلاحي
للحسن ، وتقدم تحسين الترمذي لحديثه بمفرده ، وإشارته بحاله إلى ضابط
راوى الحسن عنده ، وباتفاق هؤلاء مع الترمذي ، يكون تأصيل ضابط
حال راوى الحسن لذاته ، بالتركيب الجزئي المذكور ، ليس مما انفرد به
الترمذي وحده ، كما ترى وسيأتى من يوافق هؤلاء أيضا .
لكن يعقوب بن شيبة قال في حال ((عبد الله )) هذا : صدوق ، وفي
حديثه ضعف شديد جدا (٤) ويقرب من هذا أن ابن معين في رواية ابن
محرز سئل عن المفاضلة بين ((عبد الله)) هذا وبين خالد بن ذكوان أبى
الحسين ، فوصف خالدًا بأنه (( لا بأس به))(٥) وقال في عبد الله : هالك
(١) إكمال تهذيب الكمال ٨ / ١٧٨.
(٢) ضعفاء العقيلي ٢ / ٢٩٩ والتحقة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للسخاوي ٢ / ٣٩٩.
(٣) تهذيب التهذيب ٦ / ت ١٩ .
(٤) المصدر السابق ٦ / ت ١٩ .
(٥) المصدر السابق .

١٦٦
الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَرِجُ وَالتَّغْديك
دَامِر ، ثم قال : من بَابةِ أصحاب الحديث الرقَّاقة (١) وفي رواية الدارمي
عن ابن معين قال : ليس بثقة (٢) وفي رواية للدوري : ضعيف في كل
أمره (٣) وعبارات الروايات الثلاثة - كما ترى - تفيد الضعف الشديد .
وعكس هذا جاء عن ابن عبد البر في قولٍ ، فقال : هو أوثق من كل من
تكلم فيه (٤) . وقد عقب الحافظ ابن حجر على هذا القول بأنه إفراط (٥)
يعني في توثيق ((عبد الله))، وتابع السخاوي شيخه ابن حجر أيضًا(٦).
ويؤيد هذا أن لابن عبد البر قولا آخر فيه يفيد التضعيف قليلا ، حيث قال
: ليس بالحافظ عندهم ، وقد اختُلِف عنه ... (٧) وبالنظر في مجموع
الأقوال في تضعيفه نجد أن ما تقدم من قول يعقوب بن شيبة وأقوال ابن
معين ، يعد كلاهما إفراطا في التضعيف ، كما أن ابن معين جاء عنه
(١) أحوال الرجال عن ابن معين ١ / ١١٣ ولعل معنى ((أصحاب الحديث الرقّقة)) يعنى الذين تقبل
روايتهم في الفضائل والرقائق ، دون الأحكام ، لغلبة الخطأ والوهم عليهم / ينظر الجرح والتعديل
١ / ٦ - ٧، ١٠، ٢ / ٣٢ مع أن المحققين من القائلين بقبول الضعيف فيما دون أحكام الحلال
والحرام ، يذكرون عدم شدة ضعفه / ينظر الجرح والتعديل ٢ / ٣٠ - ٣١ وعبارة ابن معين
((هالك، دَامِر)) تفيد شدة الضعف كما هو ظاهر.
(٢) تاريخ عثمان الدارمي عن ابن معين / ١٥٨.
(٣) الجرح ٥ / ١٥٤ .
(٤) التهذيب ٦ / ت ١٩.
(٥) التهذيب / الموضع السابق .
(٦) ينظر التحفة اللطيفة ٢ / ٣٩٩.
(٧) ينظر التمهيد ٢٠ / ١٢٥.

١٦٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
روايات أخرى بالتضعيف الخفيف فقط (١).
أما الحاكم فصصح له ، مع تقرير تفرده ، ولكن ذكر مع هذا : أن
الشيخين تركاه لما نُسب إليه من سوء الحفظ ، وقال : وهو عند المتقدمين
من أئمتنا ثقة مأمون (٢) . وفي موضع آخر، صحح له ، وقال : مستقيم
الحديث ، مقدم في الشرف . (٣) وفي بعض مواضع بعد هذا ، صحح
له(٤). ومقتضى مجموع كلامه السابق أنه يعرف أن ((عبد الله)) هذا
مختلف في توثيقه وتضعيفه بسوء الحفظ ، وأنه بالتالى يصحح له ما لم
يظهر له سوء حفظه فيه ، ومعروف أنه يطلق الصحة على الحسن لذاته
عند الترمذي والجمهور كما تقدم .
وأما أبو الحسن ابن القطان ، فمرة قال : مختلف فيه (٥) ومرة ذكر أن
عبد الحق الإشبيلي لم يصحح حديثًا من طريق زهير بن معاوية عن
عبد الله بن محمد بن عقيل ، ولكن حسَّنه ، وعلل ذلك بكونهما مختلفا
فيهما (٦) وفي موضع ثالث قال : مختلف فيه ، ضعفه قوم بسوء الحفظ
(١) ينظر الضعفاء للعقيلي ٢ / ٢٩٩ والجرح والتعديل ٥ / ١٥٤ والكامل ٤ / ١٤٤٦ - ١٤٤٧
ومعرفة الرجال عن ابن معين وغيره رواية ابن محرز ١ / ٧٢ .
(٢) المستدرك للحاكم مع تلخيص الذهبي ١ / ٧١ .
(٣) المصدر السابق ١ / ١٥٢.
(٤) المصدر السابق ١ / ٢٩٧، ٤ / ٣٣٣ - ٣٣٤.
(٥) الوهم والإيهام ٣ / ٤٢٥.
(٦) المصدر السابق ٣ / ٥٠١ .

١٦٨
اَلْفَاظُ وَعَبَاَاتُ الحَرِعِ وَالتَّعَدُكِ
فالحديث من أجله حسن (١) .
وأما الإمام الذهبي فتعدد تلخيصه لحال ((عبد الله)) فمرة قال : لا
يرتقي خبره إلى درجة الصحة والاحتجاج(٢). ومقتضى هذا تضعيفه له
ومرة قال : فيه لِيْن ، وكان أحمد وإسحق يحتجان به (٣) . فجعله مختلفا
فيه ، ومرة قال : حسن الحديث ، احتج به أحمد وإسحق ، ثم ذكر قول
عدد ممن ضعفه مطلقاً (٤) . فجزم بجعل حديثه في مرتبة الحسن ، معللا
ذلك بكونه مختلفا فيه احتجاجا وتضعيفا فيلتقي هذا مع ما تقدم من
حكايته للاختلاف فقط، كما يلتقي جزمه بأنه حسن الحديث لأجل
الاختلاف في حاله على النحو المذكور ، مع ابن القطان ، وسابقيه حتى
نصل إلى الترمذي ، وعليه فيعتمد من أقوال الذهبي في عبد الله ما وافق
فيه الجمهور ، وهو تحسين حديثه لذاته مع تعليله للحكم .
وأما الحافظ ابن حجر : فمرة قال : مختلف في الاحتجاج به إذ
انفرد(٥) ومرة قال ((صدوق، في حديثه لين، ويقال: تغير بآخره)) (٦)
(١) المصدر السابق ٤ / ٩٧ .
(٢) السير ٦ / ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٣) ديوان الضعفاء / ت ٢٢٧٧.
(٤) المغني ١ / ت ٣٣٣٧.
(٥) الفتح ١٠ / ٣٢٤.
(٦) التقريب ( ت ٣٥٩٢ ) .

١٦٩
الفصل الثالث: الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وهذه العبارة كما ترى مكونة من تركيب جزئي دال على العدالة وخفة
الضبط ، وهي بحسب شرط الحافظ في التقريب تُعَدُّ عنده أصح وأعدل
ما يقال في حال عبد الله (١) ، وقد أقر تحسين الترمذي لحديثه في
موضعين ، وعلل ذلك في ثانيهما بعبارة نحوها فقال (( من صغار التابعين
وهو صدوق عندهم ، وضعفه بعضهم من قِبَل حفظه)) (٢) وتقارب
العبارتين مع عبارة الترمذي السابقة في بيان حال ((عبد الله))، لا
تخفى ، مع تحسينه لحديثه بمفرده .
ومرة أخرى قال الحافظ : وابن عقيل - يعنى ((عبد الله )) هذا - سيّئ
الحفظ ، يصلح حديثه للمتابعات ، فأما إذا انفرد ، فيُحَسَّن ، وأما إذا
خالف - يعني أقوى منه - فلا يقبل (٣) . وقد ضعف في هذا الموضع
حديثه لمخالفته أقوى منه .
النتيجة
ومما قدمته يتضح الآتي :
١ - أن كلا من الذهبي وابن حجر يتفقان مع ابن الصلاح وغيره على
(١) ينظر التقريب / ص ٧٣ .
(٢) نتائج الأفكار في تخريج الأذكار النووية لابن حجر ٢ / ٢١٦ وموافقة الخبر في تخريج أحاديث
مختصر ابن الحاجب في الأصول ٢ / ٣٤٠ - ٣٤١.
(٣) التلخيص الحبير ٢ / ١٠٨.

١٧٠
الْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَرْجِ وَالتَّعَلَّك
تحسين حديث محمد بن عمرو بن علقمة ، لذاته ، في غير ما ظهر وهمه
فيه، ويتفقان أيضا مع ابن القطان وغيره على تحسين حديث ((عبد الله
محمد بن عقيل)) لذاته ، في غير ما ظهر وهمه فيه .
٢ - أن كلا من الروايين المذكورين يُعَدُّ أنموذجا عمليا ، لنوع من الرواة
المختلف فيهم ، تعديلا وتجريحا ، ويُحسّن حديثهم ، وهم مَن يمكن الجمع
بين الخلاف في كل منهم ، بحمل التوثيق على ثبوت الصدق من ركن
العدالة ، وثبوت الخطأ القليل من ركن الضبط (١) وبالتالى يمكن الباحث
المتمكن قياس غيرهم عليهم (٢) ، وأن الترمذي قد قَعَّد حال هذين
الروايين وأمثالهما في كتاب العلل الذي في آخر جامعه . (٣) وذلك بعد
أن طَبَّق خلال الجامع عمليا - تحسين ما انفرد به حسب عِلْمهِ ، كل من
(١) أما من يترجح توثيقه، فحديثه صحيح لذاته مثل ((عفان بن مسلم)) / الكامل ٥ / ٢٠٢١
والميزان ٣ / ٥٦٧٨ والتهذيب ٧ / ٤٥٣ والكاشف ٢ / ت ٣٨٢٧ والتقريب ( ت ٤٦٢٥ )
وأبان بن يزيد العطار / ينظر الميزان ١ / ت ٢٠ والتهذيب ١ / ت ١٧٥ والكاشف ١ / ت
١١١ والتقريب ( ت ١٤٣)، ومن يترجح تضعيفه ، فحديثه ضعيف بمفرده كما هو معروف،
مثل ((عبد الله بن المؤمل المخزومي / تهذيب الكمال ١٦ / ١٨٧ مع حواشي التحقيق ، وتهذيب
التهذيب ٦ / ٤٦ والتقريب ( ت ٣٦٤٨) والفتح ٣ / ٤٦٦، ٤٩٣، ٤٩٨، ومجزء في
حديث (( ماء زمزم لما شرب له)) / ٢١ - ٢٣ بتحقيق الأخ الشيخ كيلاني محمد خليفة . وينظر
الموقظة للذهبي / ٨٠ والنكت للزركشي ١ / ٣١٥ .
(٢) ينظر نتائج الأفكار لابن حجر ٢ / ٣٠٨ - ٣٠٩ والنكت على ابن الصلاح له ١ / ٤٦٣ -
٤٦٤ .
(٣) جامع الترمذي ٦ / ٢٣٦ - ٢٣٧.
٠٠
.--

١٧١
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
هذين الراوبين وأمثالهما ، ما لم توجد علة أخرى (١) ، وسواء وُجد في
الباب متابع أو شاهد لغيرهم أم لم يوجد .
كما أنه في أوائل الجامع اختار خلاصة مركبة جزئيا ، في بيان حال هؤلاء
ممثلين في أحدهم وهو ((عبد الله بن محمد بن عقيل)) فقال فيه: (( صدوق
وقد تكلم فيه بعض أهل العلم ، من قِبَل حفظه)) (٢) . فصار بذلك ضابطا
لخلاصة حال راوي الحديث الحسن لذاته عنده ، حيث إنه ضم إلى ذلك ،
التصريح المتعدد بتحسين حديثه بمفرده كما قدمت ، ويقول الفخر الرازي :
إن ترتيب الحكم على الوصف ، مشعر بكون الوصف علة ، قال : وذلك
يوجب تكرر الحكم عند تكرر الوصف ، باتفاق القائسين (٣) فَيُعَدُّ صنيع
الترمذي هذا تعريفا بالمثال العملي للحسن لذاته ، كما تقدم .
٣ - أن صنيع ابن القطان وابن الصلاح والذهبي وابن حجر في تحسين
حديث هذين الراوبين لذاته في غير ما وهم كل منهما فيه ، مُؤصَّل
ومستمد من صنيع الترمذي الذي وافقه عليه جمهور السلف ، فمَن
بعدهم . وبالتالى لا يقال إن الحسن باصطلاح هؤلاء ومَن وافقهم
اصطلاح مُحْدَث على خلاف اصطلاح السلف عموما .
(١) وينظر تقرير ابن القطان الفاسي لذلك / الوهم والإيهام ٥ / ٥٢.
(٢) جامع الترمذي ١ / أبواب الطهارة - باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور حديث رقم (٣).
(٣) المحصول في علم الأصول للرازي ٢ / ١٨٣، ٢٤٣ والفتح ١٢ / ٢٦٢.

١٧٢
الفَاظُ وَعَبَارَاتُ الجَرْجُ وَالتَّعْلِيك
٤ - أنه على ضوء تقعيد الترمذي وتطبيقه لمصطلح الحسن لذاته
أمكن مَنْ بَعده من المحققين صياغة تعريف اصطلاحي له ، بحسب
متطلبات عصرهم ، محققا قناعة عامة المحدثين والفقهاء ، وحصل.
استقرارهم عليه كما تقدم عن الحافظ ابن حجر وتلميذه السخاوي .
وبالتالي لا يأس ولا استحالة في تحقق هذا .
كما أن وجود بعض ما يشذ عن مقتضى هذا التعريف من الأمثلة
الفردية ، سواء من الترمذي أو غيره من المتقدمين ، أو من ابن حجر أو
غيره من المتأخرين ، فإن ذلك لا يقدح فيما هو الغالب ، لأن القواعد
العامة يكون لها شواذ لا تضر، كما لا يضرها اصطلاح خاص مخالف .
٥ - أن اطلاق الصحيح على الحسن بالاصطلاح المتقدم ، من السلف
المتقدمين ليس هو الكثير أو الغالب ، ولكنه اختيار اصطلاحي من البعض ،
ورغم توسعهم فیه عن الجمهور ، فلا نشاحگھم فیه ، بل نأخذ به منسوبا
إليهم بخصوصهم ، فنقول مثلا : أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ، أو
صححه ابن خزيمة ، وهكذا ، ولكن لا نعارض به اصطلاح الجمهور كما
تقدم في بعض الأمثلة .
٦ - أن كلا من الراويين المذكورين ، قد ذُكرت خلاصة حال كل
منهما بتركيب جزئى يدل مجموع ألفاظه على الجانبين وهما : العدالة
وخفة الضبط عن التمام المشترط في راوي الصحيح عند الجمهور ، وأنه
قد أشير في هذا التركيب إلى العدالة بلفظ ((صدوق))، لكون الصدق

١٧٣
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
عماد أصلى في قبول الرواية ، ولذا قال الذهبي في قبول المبتدع : لنا
صدقه، وعليه بدعته (١) وصيغة (( فَعُول)) من الصدق ، تدل على المبالغة
والتكرار (٢).
وقد يشار إلى العدالة بغير هذا اللفظ كما تقدمت عبارات أخرى عنه .
كما أُشير في هذا التركيب إلى خفة الضبط بما دلّ عليه . وقد يشار إليه
بلفظ آخر أيضا مما يدل على قلة الخطأ ، كما تقدم في ترجمة هذين.
الراويين .
٧ - ممن ذكر أن العبارة التي تجمع بين ما يدل على جانبي العدالة
والضبط ، تُسَمَّى تركيبا : الحافظ ابن الملقن ، فذكر أن الراوى إذا وُجد
فيه الضبط دون العدالة ، لم يُقبل حديثه ؛ لأن العدالة هي الركن الأكبر
في الرواية ، وقال : ثم كل واحد من الضبط (٣) ، له مراتب : عليا
ووسطى ، ودُنيا ، وتحصل بتركيب بعضها مع بعض ، مراتب للحديث
(١) ينظر الميزان ١ / ٥ ٥٢.
(٢) ينظر طرح التثريب في شرح التقريب للعراقي وولده أبى زرعة ٢ / ١٠٩.
(٣) كذا في المطبوع من ((المقنع لابن الملقن ١ / ٩٥ - ٩٧ وفي نسختين خطيتين له، ولكن يبدو أن
في ذلك سقط كلمة (( والعدالة)) لأن سياق الكلام عن العدالة والضبط كما هو واضح ، ولأن
أصل هذا الكلام هو قول لابن دقيق العيد قد ذكره ابن الملقن قبل كلامه هذا ، وفيه أن
الدرجات الثلاث الآتى ذكر ابن الملقن لها ، هي في صفات الرواة عموما ، عدالة وضبطا ،
ونحوه ذكر الميانشى قبله ، فقال في تعريفه للحسن: ((إنه المختلف في تمام ضبط رواته وعدالتهم))
ينظر: ما لا يسع المحدّث جهله للميانشي / ١١ بتحقيق الشيخ صبحي السامرائي .

١٧٤
الْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَرْعُ وَالْتَغْديك
في القوة ، فَتَنَبَّه لذلك ترشد (١) .
٨ - تقدم أن تركيب (( عدل ضابط)) قد ذكر في تعريف الحديث
الصحيح بدلا من لفظ (( ثقة)) مفردًا الذي يوصف به الراوي ، وبذلك
جُعِلَتْ مرتبته هي مرتبة ثقة ، ومثله فإنه قد ذكر في تعريف الحسن لذاته
المتفق عليه عند الجمهور تركيب جزئي بعبارة (( صدوق في ضبطه قصور
عن ضبط راوي الصحيح)) أو بعبارة (( عدل خف ضبطه عن ضبط راوي
الصحيح)) وهذا مستمد من وصف راويه بعبارة (( صدوق تكلم بعضُهم
فيه من قِبَل حفظه )) ونحوها ، كما تقدم . وعليه يكون هذا التركيب
المذكور في تعريف الحسن ، وفي وصف راويه ، وما في معناهما (٢)
يُعَدُّ بحكم دلالته الاصطلاحية المذكورة - من المرتبة التي دون مرتبة
((الثقة)) المفرد ، مباشرة ، فهو بمنزلة المذكور في عدد من مصادر بيان
مراتب التعديل من ألفاظ مفردة للدلالة على تلك المرتبة وهي : لا بأس به
بالاصطلاح العام - وصدوق ، ومأمون وخيار (٣) ، كما جعل الترمذي
التركيب الجزئي الذي وصف به عبد الله بن محمد بن عقيل ، بمنزلة قول
(١) المقنع لابن الملقن / الموضوع السابق.
(٢) مثل ((صدوق في لين)) أو ((صدوق له أوهام)) أو (( صدوق في حفظه شيء)) كما سيأتي في
الامثلة .
(٣) ينظر الجرح والتعديل ٢ / ٣٦ والكفاية ٢١ - ٢٣ وشرح العراقي لالفيته مع شرح الأنصارى
٢ / ٤ والتكت الوفية للبقاعي ١٩١ / أ، ب .

١٧٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
شيخه البخاري ((مُقارب الحديث)) كما تقدم (١)
استشكال مرتبة الصورة الثانية للتركيب الجزئي ودرجة حديث
الموصوف بها ، والجواب عن ذلك .
بعدما قدمته من أن التركيب الجزئي المذكور في تعريف الحسن لذاته
وفي وصف راويه ، يُعَدَّ في المرتبة التي دون مرتبة (( ثقة)) مباشرة ، وذلك
بناء على دلالته الاصطلاحية عند الجمهور ، استشعرت أنه قد يَسْتَشْكِلُ
(١) وهذا يخالف صنيع الحافظ العراقي وأكثر من جاء بعده حيث جعلوا لفظ ((مقارب الحديث)) من
مرتبة مَن يُكْتَب حديثه للاعتبار ولا يحتج به بمفرده ، وبالتالي يكون حديث من يوصف به ضعيفا
بمفرده / ينظر التقييد والإيضاح مع مقدم ابن الصلاح / ١٥٩ - ١٦٠ وشرح العراقي للتبصرة
والتذكرة مع فتح الباقي الأنصاري ٢ / ٤ - ٥ والشذ الفياح من علوم ابن الصلاح لإبراهيم الأنباسى
١ /٢٦٦، ٢٦٨ وتوضيح الأفكار للصنعاني ١ / ٢٦٦ أما السخاوي فذكر لفظ ((مقارب الحديث))
مرتين، مرة ضمن من يكتب حديثه للاعتبار تبعا للعراقي ، ومرة كما جعلها الترمذي والبخاري ،
كما ذكرت فيما تقدم / وينظر / فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٤ - ١١٥. وأما محمد بن محمد
ابن الجزري تلميذ العراقي فجعل هذه اللفظة من ألفاظ التضعيف / ينظر الهداية في علم الرواية له مع
شرحها (( الغاية)) للسخاوي ١ / ٢٠٠ وجعل البلقيني ما هو بفتح الراء جرحًا / ينظر محاسن
الاصطلاح / ٢٤٠ ومثله القسطلاني في مقدمة شرحه للبخاري / ينظر مقدمة القسطلاني مع
شرحها نيل الأماني للأبياري / ٧٥ . وليس لأي من الفريقين دليل غير المعنى اللغوي، وهو غير معتمد
عند مخالفته للإطلاق الاصطلاحي عند من أطلقها من النقاد بمعنى الاحتجاج بالراوي بدرجة
التركيب الجزئي الموصوف به راوى الحسن لذاته، والمذكور في تعريفه، كما بينته / وينظر فتح المغيث
للسخاوي ٢ / ١٣٠ و / ترتيب العلل الكبير للترمذي / ١٧٩ / تحقيق صبحي السامرائي وآخرين ،
والجرح والتعديل ١ / ٢٥ وهذا موافق للحديث المتفق عليه: ((سدّدُوا وقاربوا وأبشروا)) وقد جمع
البخاري بين هذه اللفظة - وبين ((لا بأس به)) التي هي من ألفاظ تلك المرتبة باتفاق / ينظر ترتيب العلل
الكبير للترمذي حديث ١٧، ص ٣٨٥ وتابعه عبد الحق الإشبيلي فذكر أن قول البخاري ((مقارب
الحديث)) : يريد أن حديثه يقرب من حديث الثقات ، أي لا بأس به / الصلاة والتهجد له / ١٧٠ .

١٧٦
الفَاظُ وَعِبَاَانُ الَرْعِ وَالتَّعَليك
هذا مَن يراجع كثيرًا من المصادر التي عنيت بذكر مراتب التعديل وألفاظها
وخاصة كتب مصطلح الحديث ، فيجدها في المرتبة التي دون مرتبة
(( ثقة)) مباشرة قد اقتصرت على ذكر الألفاظ المفردة فقط السابق ذكرها
دون ذكر مثال لصورة التركيب الجزئي هذه (١)
ثم يجد أيضا بعض المصادر تذكر مثالا أو أكثر لصورة هذا التركيب
ولكن تجعله في مرتبة أدنى من مرتبة الألفاظ المفردة السابقة ، كما سيأتي .
والجواب عن ذلك كالتالي :
١ - أن المصادر التي اقتصرت على ذكر الألفاظ المفردة ، لم يقصد
مؤلفوها الحصر والاستقصاء ، وإنما قصدوا التمثيل فقط بما ذكروا ، مع
إشارتهم صراحة إلى أنه يُلحق بها ما يشابهها ، سواء ألفاظ هذه المرتبة أو
غيرها من مراتب التعديل أو الجرح (٢) .
٢ - أن من ذكر هذا التركيب في مرتبة أدنى من مرتبة الألفاظ المفردة.
(١) ينظر مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح / ١٥٨ وإرشاد طلاب الحقائق للنووي / ١١٨
بتحقيق الأخ الدكتور / نور الدين عتر، والمنهل الروي لابن جماعة / ٦٥ والشَّذَا الفيَّاح من
علوم ابن الصلاح لإبراهيم الأبناسي ١ / ٢٦٨ و ٢٧٢ والميزان للذهبي ١ / ٤ والمقنع لابن
الملقن ١ / ٢٨٢، وشرح العراقي للتبصرة والتذكرة له مع فتح الباقي للأنصاري ٢ / ٢ - ٦
وحل عقود الدرر في علوم الأثر لابن ناصر الدين / ٥٤ وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث
للسخاوي ٢ / ١١٣ - ١١٤ .
(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح للعراقي / ١٦١، ١٦٣ والشّذَا الفيَّاح للأبناسي
١ / ٢٧٣، وفتح المغيث للسخاوي ٢ / ١٠٩.

١٧٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
السابقة، أشار إلى اشتراك المرتبتين في الاحتجاج بكل منهما بما دون مرتبة ((ثقة))
وفوق مرتبة الحديث الضعيف لذاته، وهذا هو الحسن لذاته، ثم جاء في التطبيق
عمن ذكر هذا التصريح بالتحسين لذاته ، لكلا المرتبتين . كما سيأتي قريبا .
فنجد الإمام الذهبي في موضع يذكر مراتب الرواة ، ويجعل بين مرتبة
((الثقة)) المطلق ، وبين أخف مراتب الضعف عنده ، مرتبتين :
مرتبة ثالثة: ومثل لها بلفظي ((صدوق أو لا بأس به )) وشبّه الراوي
الموصوف بذلك بالكهل المعافى .
ومرتبة رابعة : ومثل لها بعبارة ((صدوق فيه لين )) وشبّه الراوي
الموصوف بذلك بمن هو في عافية ، ولكن يوجعه رأسه ، أو به دُمَّل .
ثم ذكر عقب هذا أول مراتب الضعيف ، وهو من وصف بلفظ
((ضعيف)) فقط(١).
فَذِكرُ الذهبي لمرتبة التركيب الجزئي هذه ، فوق أول وأخف مرتبة في
الضعيف ، يدل على إثباته أصل الاحتجاج لها ، وإشراكها في ذلك مع
التي فوقها، وهي مرتبة ((صدوق ولا بأس به))، فكلاهما على هذا
محتج به بالدرجة الأدنى من الثقة والصحة ، وهي درجة الحُسن الذاتي
ويؤيد ذلك أنه في التشبيه لأهل المرتبتين الثالثة والرابعة ، أثبت العافية لكل
(١) ينظر: ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي / ١٧١ ضمن أربع رسائل في علوم
الحديث .

١٧٨
الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَرْجُ وَالتَّعَدِيك
منهما ، كما ترى ، مع إثباته لأهل الرابعة - ضعفًا جزئيا محددا ، وهو
وجع الرأس أو الدُّمَّل ، إشارة إلى أنها في الحجية عنده ، أدنى من الثالثة
التي فوقها ، بحيث يقدم أصحاب الثالثة على أصحاب الرابعة عند
التعارض . ولعل ذلك لكون صيغة الرابعة وهي التركيب من لَّفْظَي
((صدوق)) و((فيه لين)) ونحوهما، قد صُرح فيها بمنطوق يدُل على
قصور الضبط، وهو عبارة ((فيه لين)) أما الثالثة فالقصور فيها غير منطوق
به ، ولكنه مفهوم من المدلول الاصطلاحى لألفاظ تلك المرتبة ومن جعلها
تحت (( الثقة)) التي تعني العدالة وتمام الضبط ، ولذا يقول ابن عدي مثلا
في ((مغيرة بن زياد)): وعامة ما يرويه مغيره بن زياد ، مستقيم ، إلا أنه
يقع في حديثه كما يقع هذا في حديث مَن (( ليس به بأس)) من الغلط
وهو (( لا بأس به عندي)) (١)، ويقول الذهبي في ترجمة ((داود بن
منصور النسائي : خولف في بعض حديثه فلا بأس به (٢) .
ثم إن الذهبي في موضع آخر وهو خاتمة كتابه «ديوان الضعفاء »
جعل مَن ذكرهم فيه من الرواة خمس طبقات ، عدا الرواة المجهولين .
وجعل الطبقة الأولى والعليا : طبقة الثقات الذين أخرج لهم البخاري
ومسلم وتكلم فيهم بعض الحفاظ بلا برهان .
(١) ينظر الكامل ٦ / ٢٣٥٤ (مغيرة بن زياد)).
(٢) ديوان الضعفاء / ت ١٣٤٠.

١٧٩
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
والطبقة الثانية : رجال الشيخين أو النسائي ، ويغلب على الظن أن
حديثهم حجة ، وأقل أحوالهم أن يكون حسنا ، ثم قال : والحسن حجة
وعلل ذلك بقوله : (( لأنهم صادقون لهم أوهام قليلة ، في جنب ما قد
رووا من السنن)) ومَثَّلَ لهؤلاء بقوله: كابن عجلان ، وسهيل (١) بن أبي
صالح ، وعمرو بن شعيب ، ومحمد بن عمرو (٢) ثم قال :
وأشباههم(٣). فعمم الحكم لمن يشابه حاله حال من ذكرهم .
ثم قال : الطبقة الثالثة : قوم من رجال السنن ليسوا بحجة ، لغلطهم
وليسوا بمطروحين ، لما فيهم من العلم والخير والمعرفة ، فحديثهم دائر بين
الحُسن والضعف ، يصلح للرواية والاستشهاد الخ (٤)
ومقتضى هذا، أنه جعل مَن هُم تحت أهل الثقة والصحة على الراجح
وفوق أهل الضعف والاستشهاد ، ليسوا مرتبتين متفاوتتين في الحجية
كما صنع في الموضع السابق (٥) ، ولكن جعلهم مرتبة واحدة محتجا
بأهلها ، وحديثهم حسن لذاته على الأقل ، وجعل الصيغة المعبرة عن هذه
المرتبة ، هي صيغة التركيب الجزئي فقط بعبارة ((صدوق له أوهام قليلة))
(١) في المطبوع ((سهل)) والتصويب من مصادر الترجمة، وموضعها في الديوان / ت ١٨٢٣.
(٢) يعني ((محمد بن عمرو بن علقمة)) وقد تقدم بحث ترجمته والاتفاق من الجميع على تحسين
حديثه لذاته .
(٣) ينظر الديوان / ص ٢٧٣ .
(٤) ديوان الضعفاء للذهبي / ص ٢٧٣.
(٥) الديوان / الموضع السابق .

١٨٠
اَلْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَّجُ وَالتّعْدِيك
ويلتحق بها نحوها ، كما تقدم . لكن الرواة الأربعة الذين مثل بهم لأهل
هذا التركيب ، عند مراجعة تراجمهم في الكتاب نفسه الذي قَّد فيه:
هكذا ، نجده قد وصف أحدهم وهو ((محمد بن عجلان )) بلفظ
((صدوق)) فقط (١) فأصبح ابن عجلان موصوفا من الذهبي نفسه في
كتاب واحد بصيغة التركيب عند التقعيد ، وبصيغة الإفراد عند التطبيق ،
وأما الرواة الثلاثة الآخرون ، فقد لخص حالهم بعبارات منوعة ، تفيد الخلاف
في توثيقهم وتضعيفهم، وتصحيح حديث كل منهم ، أو تحسينه (٢).
وصنيعه هذا يخالف صنيعه في الموضع السابق ، من جهة أنه هنا لا يفيد.
التفاوت بين مرتبة التركيب الجزئي المذكور ، وبين مرتبة ((صدوق )) وما
معها من الألفاظ المفردة .
وإن كان صنيعه في الموضعين يتفق في جعل الألفاظ السابقة المفردة.
وعبارات التركيب الجزئي ، المذكور ، كلاهما مشتركان في الحجية بما
دون الثقة ، وتحسين حديث الموصوف بأي منهما لذاته .
وأمَّا الحافظ ابن حجر : فإنه في تقريب التهذيب ، جعل مراتب
التعديل ستا ، وتابعه السيوطي على هذا (٣) فجعلا الثالثة: مَنْ أَفرد
بصفة
كـ (( ثقة)) أو (( متقن)).
(١) ينظر الديوان / ت ٣٨٧٧.
(٢) ينظر ديوان الضعفاء / ت ( ١٨٢٣، ٣١٨٤، ٣٩١٢).
(٣) ينظر التدريب ١ / ٤٠٧ وألفيته مع شرحها ((منهج ذوى النظر)) للترمسي / ١١٣