Indexed OCR Text
Pages 201-220
الفصل الثالث
الرواة والأخباريون والمؤرخون المتهمون بالتشيع وهم منه
براء
اتّهم بعض الرواة والأخباريين والمؤرخين بالتشيع، وهم من أهل السنة وليسوا
من الشيعة، وكان هذا الاتهام نتيجة مواقف وأقوال صدرت منهم دفعت بعض
المتکلمین في الرجال یشیرون إلى تشیعهم، وهم أبعد مایکونون عنه.
ومن أسباب اتهامهم بالتشيع تقديم علي على عثمان (رضي الله عنهما)،
وليس في هذا دليل على تشيّع من يقول به، بل إن ذلك مروي عن بعض أهل
السنة المشهورين(١).
عمار الدهني
هو أبو معاوية عمار بن معاوية بن أسلم البجلي ثم الدهني، من أهل
الكوفة (٢)، ودهن قبيلة من بحيلة(٣)، كانت وفاته سنة ١٣٣ هـ (٤).
تشيعه وأقوال العلماء فيه:
قال سفيان بن عيينة: قطع بشر بن مروان(*) عرقوبيه(٦) في التشيع(٧)، ولكن
(١) - انظر: شرح مسلم للنووي: ١٤٨٨٨/١٥، العقيدة الطحاوية: ٤٨٨٥، صحابة رسول الله # في
الكتاب والسنة: ٢٤٠-٢٤١
(٢) - سير أعلام النبلاء: ١٣٨/٦.
(٣) - التاريخ الكبير: ٢٨/٦، جمهرة أنساب العرب: ٣٨٩.
(٤) - سير أعلام النبلاء: ١٣٨، تقريب التهذيب: ت٤٨٣٢.
٢٠١
الذهبي علق على ذلك بقوله: وأراه كان صبيا شابا في أيام بشر(١) وقال ابن حجر:
یتشیع(٢).
وقد ذكره العقيلي في الضعفاء(٣)، وقد علق الذهبي على تضعيف العقيلي له
بقوله: ماعلمت أحدا تكلم فيه إلا العقيلي، فتعلق عليه بما سأله أبوبكر بن عياش:
أسمعت من سعيد بن جبير(٤)؟ قال: لا. قال: فاذهب(٥)، ولم يذكره ابن معين إلا
بخير(٦)، وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن أبي حاتم: ثقة(٧)، وذكره ابن
حبان في الثقات(٨)، وقال النسائي: ثقة(٩)، وقال ابن حجر: صدوق(١٠).
ومما ورد من طريقه في فضل آل البيت أنه قال: مرّ علي ظله على كعب،
فقال: يقتل من ولد هذا الرجل رجل في عصابة لا يجف عرق خيولهم حتى يردوا
(٥ ) - بشر بن مروان هو أخو الخليفة عبدالملك بن مروان بن الحكم، تولى إمارة العراق لعبدالملك، وتوفي
سنة ٧٥ هـ. (سير أعلام النبلاء: ١٤٥/٤، البداية والنهاية: ٨/٩).
(٦) - العرقوب: عصب غليظ فوق عَقِب الإنسان. (القاموس المحيط: ١٤٦).
(٧)- الضعفاء الكبير: ٣٢٣/٣، ميزان الاعتدال: ١٧٠/٣، تهذيب التهذيب: ٤٠٦/٧.
(١) - ميزان الاعتدال: ١٧٠/٣.
(٢) - تقريب التهذيب: ت ٤٨٣٣.
(٣)- الضعفاء الكبير: ٣٢٣/٣.
(٤ )- هو سعيد بن جبير الأسدي، من أهل الكوفة، من التابعين، كان ثقة ثبتا فقيها، قتل بين يدي الحجاج
سنة ٩٥هـ، ولم يبلغ الخمسين من عمره. (تقريب التهذيب: ت٢٢٧٨).
(٥ )- ميزان الاعتدال: ١٧٠/٣.
(٦)- تاريخ ابن معين: ٤٢٤/٢.
(٧)- الجرح والتعديل: ٣٩٠/٦، ميزان الاعتدال: ١٧٠/٣.
(٨)- الثقات: ٢٦٨/٥.
(٩)- تهذيب التهذيب: ٤٠٦/٧.
(١٠) - تقريب التهذيب: ت٤٨٣٣.
٢٠٢
على محمد ﴿﴿، فمرّ حسن ◌َلُه، فقالوا: هذا ياأبا إسحاق؟ قال: لا، فمرّ حسين
فقالوا: هذا؟ قال: نعم (١).
وروى أيضا في فضل عمار بن ياسر أن ابن مسعود قال: سمعت النبي ◌ُ ◌ّ
يقول: "ما خُيّر ابن سمية بين أمرين إلا اختار أيسرهما"(٢).
رواياته في التاريخ:
نقل الطبري عنه ثلاث روايات بحسب ماورد في فهرس الأعلام الذي وضعه
محققه(٣)، فالرواية الأولى تتعلق بحادثة وقعت أثناء وقعة الجمل(٤)، والثانية تتعلق
بحادثة وقعت مع فرقة من الخارجين من بني ناجية على علي (٥)، والرواية الثالثة
تتعلق بحادثة مقتل الحسين بن علي (رضي الله عنهما)(٦)، وهي أطول رواية رواها
عنه.
أما الذهبي فنقل روايات من طريقه في سير أعلام النبلاء في معظمها روايات
حديثية ولكنها تتعلق بأحداث تاريخية، فالروايات الثلاثة الأولى تتعلق بعمار بن
(١)- المعجم الكبير: ١١٧/٣، وقال الهيثمي: رجاله ثقات إلا أن عمارا لم يدرك القصة. (مجمع الزوائد:
١٩٣/٩)، قلت يقصد عمار الدهني.
(٢) - مسند أحمد: ٣٨٩/١، وقال محققه (٢٥٦/٦): إسناده ضعيف لانقطاعه، فسالم بن أبي الجعد تابعي
ثقة ولكنه متأخر لم يدرك ابن مسعود، والمستدرك على الصحيحين: ٣٨٨/٣، وقال: صحيح إن كان سالم
سمع من ابن مسعود فهو على شرط البخاري ومسلم.
(٣)- تاريخ الطبري: ٣٤٥/١٠.
(٤) - انظر تاريخ الطبري: ٥١١/٤.
(٥)- انظر تاريخ الطبري: ١٢٥/٥.
(٦)- انظر تاريخ الطبري: ٣٤٧/٥، ٣٤٩، ٣٨٩.
٢٠٣
ياسر، فالأولى يخبر فيها النسبي { ﴿ أن عمارا يكون مع الحق(١)، والثاني يبين أن
عمارا يأخذ بأيسر الأمور(٢)، والثالثة أثر عن عائشة تشير فيه إلى عمار وموافقته
للفطرة(٣)، أما الرواية الرابعة فهي إشارة من كعب عن مقتل الحسين بن علي
(رضي الله عنهما)(٤)، أما الرواية الخامسة فهي التي أشرنا إليها قبل وتتعلق بمقتل
الحسين بن علي (رضي الله عنهما)(٥).
محمد بن إسحاق المطلبي
هو أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار القرشي المطلبي مولاهم
المدني(٦)، كان جده يسار من سبي عين التمر(٧)، ولد ابن اسحاق سنة ثمانين(٨)،
وتوفي سنة ١٥١هـ (٩)، أو ١٥٢ هـ (١٠)، أو ١٥٣ هـ (١١).
(١) - سير أعلام النبلاء: ٤١٥/١-٤١٦، ونص الرواية: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إن الله قد
أمننا من أن يظلمنا ولم يأمنا من أن يفتِنًا، أرأيت إن أدركت فتنة؟ قال: عليك بكتاب الله. قال: أرأيت إن
كان كلهم يدعو إلى كتاب الله. قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول: "إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع
الحق"، وعلق عليه الذهبي بقوله: إسناده منقطع.
(٢) - سير أعلام النبلاء: ٤١٦/١، وقد مرّت هذه الرواية.
(٣)- سير أعلام النبلاء: ٤١٧/١، ونص مقولة عائشة (رضي الله عنها): "انظروا عمارا فإنه يموت على
الفطرة إلا أن تدركه هفوة من كبر". وعلق الذهبي على إسناد الرواية بقوله: فيه من تضعف.
(٤)- سير أعلام النبلاء: ٢٩٠/٣-٢٩١، ونص الرواية عنده: "أن كعبا مرّ على علي، فقال: يقتل من
ولد هذا رجل في عصابة لايجف عرق خيلهم حتى يردوا على محمدٍ﴾، فمر حسن، فقيل: هذا؟ قال: لا.
فمر حسين، فقيل: هذا؟ قال: نعم"، وقد سبق الإشارة إليها.
(٥)- سير أعلام النبلاء: ٣٠٦/٣ -٣١٠.
(٦)- سير أعلام النبلاء: ٣٣/٧.
(٧)- الطبقات الكبرى: ٣٢١/٧، سير أعلام النبلاء: ٣٣/٧.
٢٠٤
مؤلفاته:
له كتاب [الخلفاء](١)، وكتاب [السيرة والمبتدأ والمغازي](٢)، وكتاب
[الفتوح] (٣).
تشيعه وأقوال العلماء فيه:
نقل الخطيب والذهبي: "قد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن اسحاق غير
واحد من العلماء لأشياء منها: تشيعه، .. » (٤)، وذكر ابن حجر: أنه رمي
بالتشيع(٥).
(٨)- سير أعلام النبلاء: ٣٤/٧.
(٩) - الطبقات الكبرى: ٣٢٢/٧، التاريخ الكبير: ٤٠/١، التاريخ الصغير: ١٠٤/٢، سير أعلام النبلاء:
٥٥/٧.
(١٠) - طبقات خليفة: ٢٧١، ورجحه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ٢٣٣/١، سير أعلام النبلاء:
٥٥/٧.
(١١)- طبقات خليفة: ٢٧١، ٣٢٧، سير أعلام النبلاء: ٥٥/٧.
(١) - الفهرست: ١٠٥، الذريعة: ٢٤٢/٧، التاريخ العربي والمؤرخون: ١٦١/١، وقد نشر الدكتور
عبد العزيز الدوري ورقة منه نقلا عن نبيه عبود. (انظر تاريخ التراث العربي: ٩٠/٢/١، وبحث في نشأة
التاريخ عند العرب: ١٨٢-١٨٣).
(٢)- الفهرست: ١٠٥، وقد ذكره فؤاد سزكين باسم كتاب [المغازي] ووصف كل مايتعلق بالكتاب.
(انظر تاريخ التراث العربي: ٨٩/٢/١)، وقد نشر محمد حميدا لله قطعة من هذا الكتاب، كما قام من قبل
محمد بن عبدالملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٨هـ بتهذيب سيرة ابن اسحاق، وعُرف كتابه بـ[السيرة النبوية
لابن هشام].
(٣) - تاريخ التراث العربي: ٩١/٢/١.
(٤ ) - تاريخ بغداد: ٢٣٤/١، سير أعلام النبلاء: ٣٩/٧.
(٥ )- تقریب التهذيب: ت٥٧٢٥.
٢٠٥
وقد دافع عنه ابن سيد الناس، وذكر أن هذا لايوجب رد روايته ولا يوقع فيها
كبير وهن وبخاصة أنه لم يكن داعيا لبدعته(١).
وعموما فإن روايته في السيرة والتاريخ مقبولة إذا صرّح بالسماع، قال الذهبي:
وثقه غير واحد ووهاه آخرون، وهو صالح الحدیث ماله عندي ذنب إلا ماقد حشا
السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة والأشعار المكذوبة (٢)، وقال أيضا: كان أحد
أوعية العلم حبرا في معرفة المغازي والسير وليس بذاك المتقن فانحط حديثه عن رتبة
الصحة وهو صدوق في نفسه مرضي(٣)، وقد بيّن مرتبة حديثه فقال: له ارتفاع
بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة
الصحة إلى رتبة الحسن إلا فيما شذ فيه فإنه يُعد منكرا، هذا الذي عندي حاله
والله أعلم(٤)، وقال ابن حجر: ماينفرد به ابن إسحاق وإن لم يبلغ درجة الصحيح
فهو في درجة الحسن إذا صرّح بالتحديث(٤).
رواياته في التاريخ:
اعتمد على ابن إسحاق جل المؤرخين والمحدثين في السيرة والمغازي وتاريخ
الخلفاء، وعند الحديث عن الأحداث التاريخية سنشير إلى رواياته في تلك الحوادث
التاريخية.
(١) - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ابن سيد الناس، الطبعة الأولى، مكتبة دار التراث:
٦٣/١.
(٢) - ميزان الاعتدال: ٤٦٩/٣.
(٣)- تذكرة الحفاظ: ١٧٣/١.
(٤ )- سير أعلام النبلاء: ٤١/٧.
(٥)- فتح الباري شرح صحيح البخاري: ١٦٣/١١، السيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري،
١٤١٢ هـ، مكتبة العلوم والحكم: ٥٧/١-٥٨.
٢٠٦
الثوري
هو أبو عبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري(١)، من أهل الكوفة(٢)،
ذكر ابن سعد والذهبي أنه ولد سنة سبع وتسعين (٣)، وقال ابن حبان: ولد سنة
خمس وتسعين(٤)، ومات بالبصرة متخفيا سنة ١٦١هـ(٥).
تشيعه وأقوال العلماء فيه:
كان تشيع الثوري يقتصر على تقديم علي على عثمان(٦)، قال أبوبكر بن
عياش: كان سفيان ينكر على من يقدم على أبي بكر وعمر أحدا من الصحابة،
إلاأنه كان يقدم عليا على عثمان(٧)، وقال الذهبي: فيه تشيع يسير، كان يثلث
بعلي(٨)، ومع ذلك فقد ذكر زيد بن الحباب(٩) أنه ترك التشيع(١٠)، ويدل على
(١)- تهذيب الكمال: ١٥٤/١١، والثوري: قال السمعاني: نسبة إلى بطن من تميم. (الأنساب:
٥١٧/١)، وقال ابن سعد: نسبة إلى ثور بن عبدمناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار. (الطبقات
الكبرى: ٣٧١/٦)، فيكون ثور أخا تميم بن عبدمناة. (جمهرة أنساب العرب: ٢٠٠-٢٠١).
(٢)- الطبقات الكبرى: ٣٠٠١/٦.
(٣)- الطبقات الكبرى: ٣٧١/٦، وسير أعلام النبلاء: ٢٣٠/٧، ونقل أنه متفق عليه.
(٤ )- مشاهير علماء الأمصار، ابن حبان، دار الكتب العلمية: ١٦٩.
(٥) - الطبقات الكبرى: ٣٧١/٦، التاريخ الكبير: ٩٢/٤، مشاهير علماء الأمصار: ١٦٩ -١٧٠، مبير
أعلام النبلاء: ٢٧٩/٧.
(٦)- وهو مذهب مروي عن أهل الكوفة، قال ابن أبي عز الحنفي: وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي
على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علي، وعلى هذا مذهب أهل السنة. (شرح العقيدة
الطحاوية: ٤٨٥).
(٧)- سير أعلام النبلاء: ٢٥٢/٧.
(٨)- سير أعلام النبلاء: ٢٤١/٧.
٢٠٧
ذلك ماذكر أنه كان ينصح بذكر فضائل علي اته في البصرة والشام، وذكر
مناقب الشيخين وعثمان طيّه في الكوفة لمداواتهم مماهم فيه(١)، حيث أنه من المعلوم
ميل أهل الكوفة إلى علي، وميل أهل البصرة إلى عثمان، وميل أهل الشام إلى
معاوية (رضي الله عنهم أجمعين)، وكان سفيان يعرف للشيخين قدرهما فكان
يقول: من قدم عليا على أبي بكر وعمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وأخشى
أن لا ينفعه مع ذلك عمل. وقال أيضا: من قدم عليا على أبي بكر وعمر فقد أزرى
عليهما وعلى علي وعلى غيرهم من الناس(٢)، وقد قال له رجل: ما أزعم أن عليا
أفضل من أبي بكر وعمر، ولكن أجد لعلي مالاأجد لهما. فقال سفيان: أنت رجل
منقوص(٣)، أما من يشتم أبابكر فإن الثوري يرى أنه كافر، لايصلى عليه، ولايمس
بل يحمل بالخشب حتى يوارى التراب(٤)، كما أنه كان يعرف لعثمان قدره فكان
يقول: لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلوب نبلاء الرجال(٥)، وكان يأخذ على
الشيعة غلوهم في علي رضيته فكان يقول: منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل علي(٦).
(٩)- هو أبو الحسين زيد بن الحباب التميمي العكلي، الكوفي الخراساني الأصل، سكن الكوفة ورحل في
طلب العلم إلى العراق ومصر والحجاز وخراسان، توفي سنة ٢٠٣هـ. (تهذيب الكمال: ٤٠/١٠-٤٦).
(١٠) - سير أعلام النبلاء: ٢٥٣/٧.
(١)- حلية الأولياء: ٢٧/٧.
(٢)- حلية الأولياء: ٢٧/٧-٢٨، وقد ورد في هذا المعنى عدة روايات مختلفة عنه. ( انظر سير أعلام
النبلاء: ٢٥٣/٧-٢٥٤).
(٣) - حلية الأولياء: ٢٧/٧.
(٤ ) - سير أعلام النبلاء: ٢٥٣/٧
(٥)- سير أعلام النبلاء: ٢٧٣/٧.
(٦)- حلية الأولياء: ٢٧/٧.
٢٠٨
أما من جهة توثيقه فإنه قد بلغ مبلغا عظيما في توثيقه من العلماء، قال ابن
المبارك: مارأيت أحدا أعلم من سفيان(١)، وقال يحيى بن سعيد القطان: مارأيت
أحفظ من سفيان الثوري(٢)، وقال الخطيب: كان إماما من أئمة المسلمين، وعلما
من أعلام الدين، مجمعا على إمامته بحيث يستغنى عن تزكيته، مع الإتقان،
والحفظ، والمعرفة، والضبط، والورع والزهد(٣)، وقال الذهبي: شيخ الإسلام، إمام
الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه(٤).
ومن الأحاديث التي وردت من طريقه في فضل علي الحديث الذي رواه عن
سلمة بن كهيل: أن رسول الله وَ ﴿ّ قال "أولكم ورودا علي الحوض أولكم
إسلاما علي بن أبي طالب"(٥).
وورد أيضا من طريقه عن ابن عباس قال: كان النبي ◌ُّ يعوذ الحسن والحسين
يقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة،
ثم يقول: هكذا كان يعوذ إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق»(٦).
رواياته في التاريخ:
ورد عند خليفة بن خياط عدة روايات من طريق سفيان الثوري(٧)، منها نفس
الرواية الأولى التي عند الطبري والتي سنشير إليها لاحقا (٨)، والثانية تحدد المدة التي
(١) - التاريخ الكبير: ٩٢/٤.
(٢) - الجرح والتعديل: ٢٢٣/٤.
(٣)- تاریخ بغداد: ١٥٢/٩.
(٤)- سير أعلام النبلاء: ٢٣٠/٧.
(٥)- الاستيعاب في أسماء الأصحاب: ٢٨/٣.
(٦)- المستدرك على الصحيحين: ١٦٧/٣، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه،
ووافقه الذهبي.
٢٠٩
التي عاشتها فاطمة (رضي الله عنها) بعد أبيها مُ ﴾(١)، والرواية الثالثة في سؤال
سعيد بن العاص بطبرستان عمن صلى مع النسبي مرَ ◌ّ صلاة الخوف(٢)، والرواية
الرابعة تنقل مقالة لابن عمر عندما بويع ليزيد بن معاوية(٣)، والرواية الخامسة في
عدد من أصيب مع الحسين من أهل بيته(٤)، والرواية السادسة في أسماء بعض من
أُسر في فتنة ابن الأشعث(٥).
وبلغت عدد رواياته في تاريخ الطبري في نطاق البحث بحسب الفهرس
الموضوع من قبل محققه أربع روايات(٦)، الرواية الأولى تشير إلى الشهر الذي تزوج
رسول الله ﴿ فيه عائشة (رضي الله عنها) وهو شهر شوال، وهو نفس الشهر
الذي بنى بها(٧)، والرواية الثانية عن عدد جيش المسلمين يوم بدر(٨)، والرواية
الثالثة في رفض الرسول 383 في مرض موته وضع الدواء في شق فمه(٩)، والرواية
الرابعة قول عمر لظله عند موته: لو استقبلت من أمري مااستدبرت، لأخذت
(٧) - انظر فهرس رجال الإسناد في تاريخ خليفة: ٥٠٩.
(٨ )- تاريخ خليفة: ٦٥.
(١ ) - تاريخ خليفة: ٩٦.
(٢ )- تاريخ خليفة: ١٦٦.
(٣) - تاريخ خليفة: ٢١٧.
(٤ )- تاريخ خليفة: ٢٣٥.
(٥ )- تاريخ خليفة: ٢٨٣.
(٦)- تاريخ الطبري: ٢٦٨/١٠.
(٧)- تاريخ الطبري: ٣٩٩/٢.
(٨)- تاريخ الطبري: ٤٣٢/٢، وهي رواية قد أخرجها البخاري في صحيحه: ٢٩١/٧.
(٩)- تاريخ الطبري: ١٩٥/٣.
٢١٠
فضول أموال الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين(١).
علي بن المديني
هو أبو الحسن علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد السعدي
مولاهم(٢)، ولد بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة من الهجرة(٣)، ومات سنة أربع
وثلاثين ومائتين من الهجرة(٤).
مصنفاته:
إن معظم مؤلفات علي بن المديني ترتبط بعلوم الحديث، منها ماهو موجود
ومنها ماهو مفقود، فمن كتبه: كتاب [علل الحديث](٥) وكتاب [الأسماء
والكنى] وكتاب [التاريخ]، وغيرها(٦).
تشیعه:
لقد وثق علي بن المديني توثيقا عاليا من العلماء ولم ينقل عن أحد منهم اتهامه
بهذه البدعة إلا ماذكره يحيى بن معين عنه في هذا الشأن حيث قال: كان علي بن
(١)- تاريخ الطبري: ٢٢٦/٤.
(٢) - سير أعلام النبلاء: ٤١/١١ -٤٢.
(٣) - سير أعلام النبلاء: ٤٣/١١.
(٤) - تقريب التهذيب: ت ٤٧٦٠.
(٥)- وقد طبع هذا الكتاب بتحقيق محمد مصطفى الأعظمي، ونشر من المكتب الإسلامي تحت اسم
[العلل].
(٦)- انظر: الإمام علي بن المديني ومنهجه في نقد الرجال، إكرام الله إمداد الحق، الطبعة الأولى، دار
البشائر الإسلامية: ٢٦٢ -٢٧٩.
٢١١
المديني إذا قدم علينا أظهر السنة، وإذا ذهب إلى البصرة أظهر التشيع(١).
وقد استغل الشيعة هذه المقولة فضموه إلى رجالهم على عادتهم في تكثير
رجالهم وإدخال من ليس منهم معهم(٢)، فكيف لايدخلون رجلا وصل إلى منزلة
عالية من العلم والتوثيق عند أهل السنة ووجدت فيه مثل هذه المقولة، ولقد كفانا
الإمام الذهبي في توجيه هذه المقولة حيث قال معلقا عليها: كان يظهر ذلك
بالبصرة ليؤلفهم على حب علي ته، فإنهم عثمانية(٣).
وقد قال ابن المديني مبينا اعتقاده في الصحابة: "وخير هذه الأمة بعد نبيها
أبوبكر الصديق ثم عمر ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم
أصحاب رسول الله ﴿ ولم يختلفوا في ذلك"، وقال أيضا: "من تنقص أحدا من
أصحاب رسول الله { أو بغضه لحدث كان منه أو ذكر مساوئه فهو مبتدع
حتى يترحم عليهم جميعا فيكون قلبه لهم سليما"(٤).
رواياته في التاريخ:
نقل الذهبي عنه عدة روايات منها ما ارتبط بأحاديث النبي صل، فمنها دعاء
النبي ◌ٌُ يوم أحد، ومنها مقالة النبي ﴿ّ لجابر بن عبدالله بعد استشهاد والده(٥)،
ومنها ماهو في تحديد وفيات(٦).
(١)- تاريخ بغداد: ٤٦٣/١١.
(٢) - انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ١٣٨/٧.
(٣)- ميزان الاعتدال: ١٣٩/٣، سير أعلام النبلاء: ٤٧/١١.
(٤) - شرح أصول إعتقاد أهل السنة والجماعة، اللالكائي، دار طيبة: ١٦٧/١، ١٦٩.
(٥ )- تاريخ الإسلام: ١٩٧/٢-١٩٨، ٢١٤.
(٦) - انظر تاريخ الإسلام: ٥٨/٤، ٢٢١، ٣٥٧.
٢١٢
نصر بن علي الجهضمي
هو أبو عمرو نصر بن علي بن نصر بن صبهان بن أبي الجَهْضَمي(١)(٢)، من
أهل البصرة، دُعي للقضاء في خلافة المستعين(٣) فدعا الله أن يقبضه إذا كان ذلك
خيراً له(٤)، فمات سنة خمسين ومائتين من الهجرة(٥).
مصنفاته:
ذكر له آغا بزرك مؤلفا في التاريخ، وهو كتاب [تاريخ آل الرسول]، أو
كتاب [تواريخ الأئمة](٦).
تشيعه وأقوال العلماء فيه:
لم يذكره العلماء في المتشيعين، ونقل الخطيب البغدادي أنه كان يحدث بحديث
يسنده "أن رسول الله ﴿ أخذ بيد حسن وحسين، فقال: من أحبني وأحب هذين
(١)- الْجَهْضَمي: نسبة إلى جهضم بن عوف بن مالك بن فهم من بطون الأزد، ومنهم الجهاضم في
البصرة، وإليهم تنسب محلة بالبصرة. (انظر: جمهرة أنساب العرب: ٣٨٠، والأنساب: ١٣٢/٢).
(٢ )- تهذيب الكمال: ٣٥٥/٢٩.
(٣) - هو أبو العباس أحمد بن المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد، الخليفة العباسي الثاني عشر، كانت
خلافته من سنة ٢٤٨ هـ إلى سنة ٢٥٢هـ حيث خلع ثم قتل. (سير أعلام النبلاء: ٤٦/١٢).
(٤)- تاريخ بغداد: ٩٢٨/١٣.
(٥)- التاريخ الصغير: ٣٦٠/٢.
(٦)- الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ٢١٢/٣، ٤٧٣/٤، وقال آغا بزرك: "واسمه الثالث
[المواليد]، وأنه موجود في تبريز في مكتبة الخياباني، ثم كتب إلينا السيد محمد علي بن الحاج ميرزا باقر
القاضي التبريزي أنه استنسخ عن نسخة الخياباني نسخة لنفسه، وكتب إلينا تفصيل جملة من الأسانيد
المذكورة في الكتاب، ثم وجدت نسخة منه في النجف الأشرف ضمن مجموعة في مكتبة الشيخ محمد
السماوي، وهو مختصر في حدود مائتي بيت، ولما تصفحته تبين لي أنه بعينه هو كتاب [تاريخ الأئمة] الذي
ذكره النجاشي أنه لابن أبي الثلج ٠٠.". (٤٧٣/٤).
٢١٣
وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة"(١)، فلما سمع الخليفة المتوكل(٢)
بذلك أمر بضربه ألف صوت ظنا منه أنه رافضي، فلما أخبر أنه من أهل السنة
تر که(٣).
ولروايته لهذا الحديث اعتبر آغا بزرك تشيعه حيث قال: ظاهر حديثه في فضائل
الخمسة الطاهرة المروي عنه في تاريخ بغداد(٤) تشيعه(٥).
ويعتبر نصر بن علي من أئمة أهل السنة الأثبات(٦)، وقد رضيه الإمام أحمد
وقال: مابه بأس(٧)، وقال أبو حاتم(٨) والنسائي وابن خراش(٩): ثقة، وقال ابن
حجر: ثقة ثبت(١٠).
وإن فرض أن فيه تشيعا فهو تشيع يسير ليس فيه غلو، فقد ورد من طريقه خبر
(١)- مسند أحمد: ٧٧/١، المسند المحقق: ٢٥/٢، وقال أحمد شاكر: إسناده حسن، ولكن الذهبي قال
(سير أعلام النبلاء ١٣٥/١٢): هذا حديث منكر جدا، ثم قال: ماكان النبي # من حبّه وبث فضيلة
الحسنين ليجعل كل من أحبهما في درجته في الجنة، فلعله قال: "فهو معي في الجنة"، وقد تواتر قوله عليه
السلام: "المرء مع من أحب".
(٢)- هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد، الخليفة العباسي العاشر، كانت خلافته من
سنة ٢٣٢ هـ إلى سنة ٢٤٧هـ، وهو الذي رفع فتنة خلق القرآن، وكان فيه نصب، ومات مقتولا. (سير
أعلام النبلاء: ٣٠/١٢).
(٣)- تاريخ بغداد: ٢٨٧/١٣-٢٨٨.
(٤ )- تاریخ بغداد: ٢٨٧/١٣-٢٨٨.
(٥)- الذريعة في تصانيف الشيعة: ٢١٢/٣.
(٦)- سير أعلام النبلاء: ١٣٥/١٢.
(٧)- الجرح والتعديل: ٤٧١/٨، بحر الدم: ٤٢٨.
(٨)- الجرح والتعديل: ٤٧١/٨.
(٩ )- تاريخ بغداد: ٢٨٨/١٣، وتهذيب الكمال: ٣٥٨/٢٩.
(١٠) - تقريب التهذيب: ت٧١٢٠.
٢١٤
أمر الرسول $ ** وهو على فراش الموت بأن يصلي أبوبكر بالناس(١).
رواياته في التاريخ:
أشرنا إلى الخبر الذي أمر فيه النبي ◌ُ ** بأن يصلي أبوبكر بالناس وقد تضمن
هذا الخبر قصة الوفاة وبيعة أبي بكر(٢).
كما ورد من طريقه خبر حزن فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) والرسول و #
على فراش الموت(٣).
ويعتبر نصر بن علي الجهضمي أحد شبوخ الطبري، ومع ذلك لم يروِ عنه في
الفترة التي تناولها البحث، ورواياته عنه قليلة في المواضع الأخرى قد لاتتعدى
روایتین (٤).
محمد بن علي العلوي
هو أبو عبدالله محمد بن علي بن حمزة بن الحسين بن عبدالله بن العباس بن
علي بن أبي طالب العلوي، كان أحد الأدباء الشعراء العلماء برواية الأخبار(٥)،
توفي سنة ست وثمانين ومائتين(٦) أو سبع وثمانين ومائتين بعد الهجرة(٧).
(١)- سنن ابن ماجة: ٣٩٠/١، وقال ابن ماجة: هذا حديث غريب لم يحدث به غير نصر بن علي،
المعرفة والتاريخ: ٤٤٦/١، الشمائل المحمدية، الترمذي، الطبعة الأولى، دار العلم: ٣٠٨، كلاهما من
طريق نصر بن علي الجهضمي، وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن ابن ماجة، الألباني، الطبعة الأولى،
مكتب التربية العربي: ٢٠٥/١، مختصر الشمائل المحمدية، الألباني، الطبعة الأولى، المكتبة الإسلامية:
١٩٨.
(٢) - سنن ابن ماجة: ٣٩٠/١، المعرفة والتاريخ: ٤٤٦/١، الشمائل المحمدية، الترمذي: ٣٠٨.
(٣)- الشمائل المحمدية: ٣١٢.
(٤) - انظر تاريخ الطبري: ١٧٩/١، ١٩١، وانظر فهرس تاريخ الطبري: ٣٥٤/١٠.
٢١٥
مصنفاته:
له كتاب [مقاتل الطالبيين](١).
تشيعه وأقوال العلماء فيه:
لم تذكر المصادر السنية شيئا عن تشيعه بل قال عنه أبن أبي حاتم: سمعت منه
وهو صدوق ثقة(٢)، وقال ابن حجر: صدوق(٣).
ولكن المصادر الشيعية اعتبرته من رجالها فذكر النجاشي أنه صحيح
الاعتقاد(٤)، وقال: وفي داره حصلت(٥) أم صاحب الأمر عليه السلام بعد وفاة
الحسن عليه السلام(٦)، وقد وثقه النجاشي(٧) والحلي(٨) والمامقاني(٩).
ولعل لنسبه العلوي علاقة في توثيقهم له واعتبارهم إياه بأنه من رجالاتهم.
(٥)- تاريخ بغداد: ٦٣/٣.
(٦) - تاريخ بغداد: ٦٣/٣، تهذيب الكمال: ١٤٤/٢٦.
(٧) - تاريخ بغداد: ٦٣/٣.
(١) - رجال النجاشي: ٢٤٥، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ٣٧٧/٢١.
(٢) - الجرح والتعديل: ٢٨/٨.
(٣)- تقريب التهذيب: ت ٦١٥٣.
(٤ ) - يقصد أنه بما يوافق معتقده.
(٥) - لاأدري ما المقصود من العبارة، ولعلها تصحيف من حملت.
(٦)- رجال النجاشي: ٢٤٢/٢، وقال آغا بزرك معلقا: وكفى في جلالة المؤلف أن في داره حصلت أم
الحجة المنتظر بعد وفاة الإمام أبي محمد الحسن العسكري. (الذريعة في تصانيف الشيعة: ٣٧٧/٢١).
(٧) - المصدر السابق: ٢٤٢/٢.
(٨)- رجال الحلي: ١٥٦.
(٩) - خلاصة تنقيح المقال: ١٤١.
٢١٦
رواياته في التاريخ:
يعتبر كتاب محمد بن علي العلوي من مصادر أبي الفرج الأصفهاني في
كتابه [مقاتل الطالبيين](١).
النسائي
هو أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار
النسائي(٢)، ولد في نسا(٣)(٤) سنة ٢١٥هـ(٥)، وتوفي سنة ٣٠٣ هـ (٦).
مصنفاته:
له كتاب [خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب](٧)، وكتاب [السنن
الكبرى]، وكتاب [المجتبى](٨).
تشيعه:
قال محمد بن إسحاق الأصبهاني(٩): كان يتشيع(١٠)، وقال الذهبي: فيه قليل
(١)- التاريخ العربي والمؤرخون: ٢٢٨/١.
(٢) - تهذيب الكمال: ٣٢٨/١.
(٣)- نسا: هي مدينة بخراسان، بينها وبين سرخس يومان، وبينها وبين مرو خمسة أيام، وبين أبيورد یوم،
وبين نيسابور ستة أو سبعة أيام. (معجم البلدان: ٢٨٢/٥).
(٤ ) - سير أعلام النبلاء: ١٢٥/١٤.
(٥ ) - سير أعلام النبلاء: ١٢٥/١٤.
(٦) - وفيات الأعيان: ٥٩/١.
(٧)- وقد طبع بتحقيق أحمد ميرين البلوشي، ونشر مكتبة المعلا.
(٨)- وهو المشهور بإ سنن النسائي] وهو مطبوع.
٢١٧
تشيع، وانحراف عن خصوم الإمام علي كمعاوية وعمرو، والله يسامحه(١)، ومما
يدل على ميله عن معاوية، أنه خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق فسئل عن
معاوية وماروي في فضائله، فقال: لايرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضّل(٢)،
فمازالوا يدفعون في خصيتيه حتى أُخرج من المسجد، ثم حمل إلى الرملة (٣)، فمات
فدفن بها (٤).
ومن مصنفات النسائي التي اعتبرت دلالة على تشيعه، كتاب [خصائص أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه]، وقد سئل عن تأليفه لهذا الكتاب
وأنكروا عليه تركه تصنيف فضائل الشيخين، فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها
عن علي كثير، فصنفت كتاب [الخصائص] رجوت أن يهديهم الله تعالى، ثم
صنف بعد ذلك [فضائل الصحابة]، فقيل له: ألا تخرج فضائل معاوية ؟ فقال:
أي شيء أخرج؟ حديث: "اللهم لا تشبع بطنه"(٥)، فسكت السائل(٦).
(٩)- هو أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة العبدي الأصبهاني، ولد سنة ٣١٠هـ
أو ٣١١ هـ، حافظ، صاحب تصانيف، رحالة، توفي سنة ٣٩٥هـ. (سير أعلام النبلاء: ٢٨/١٧).
(١٠) - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: ١٥٦/١٣.
(١) - سير أعلام النبلاء: ١٣٣/١٤.
(٢)- يقصد به السلامة لاله ولا عليه، وهو جزء من مثل أول من قاله الفرزدق. (مجمع الأمثال، الميداني،
الطبعة الثانية، مطبعة السعادة: ٢٩٠/١).
(٣)- بلد مشهور بفلسطين.
(٤)- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: ١٥٦/١٣، والبداية والنهاية: ١٣٢/١١، أما في وفيات الأعيان
٥٩/١ وسير أعلام النبلاء ١٣٢/١٤، حضنه أو حضنیه، بمعنى جنبيه.
(٥)- صحيح مسلم: ٢٠١٠/٤ ح ٢٦٠٤، في البر والصلة ب٢٥، بلفظ: "لا أشبع الله بطنه"، قال
ابن كثير: لقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما أن رسول الله :﴿ قال:
"اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة
٢١٨
والنسائي رغم تشيعه اليسير فإنه علم من أئمة الأعلام، قال ابن خلكان: كان
إمام أهل عصره في الحديث(١)، وقال الذهبي عنه: الحافظ الإمام شيخ الإسلام(٢)،
وقال أيضا: لم يكن أحد على رأس الثلاثمائة أحفظ من النسائي، هو أحذق
بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى -يقصد
الترمذي-، وهو جارٍ في مِضمار البخاري، وأبي زرعة(٣).
الطبري
هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري(٤)، من أهل
آمل(٥) طبرستان(٦)، وكانت ولادته بها في سنة ٢٢٤ هـ(٧)، وكان كثير
الترحال(٨)، واستوطن في آخر عمره بغداد ومات فيها (٩)، وكانت وفاته
تقربه بها عندك يوم القيامة"، فركّب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية. (البداية
والنهاية: ١٢٣/٨).
(٦)- سير أعلام النبلاء: ١٢٩/١٤.
(١)- وفيات الأعيان: ٥٩/١.
(٢) - تذكرة الحفاظ: ٦٩٨/٢.
(٣) - سير أعلام النبلاء: ١٣٣/١٤.
(٤ ) - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: ٢١٥/١٣.
(٥) - آمل: اسم أكبر مدينة بطبرستان في السهل، لأن طبرستان سهل وجبل. (معجم البلدان: ٥٧/١).
(٦) - سير أعلام النبلاء: ٢٦٧/١٤.
(٧)- وفيات الأعيان: ٣٣٢/٣.
(٨)- سير أعلام النبلاء: ٢٦٧/١٤.
(٩ ) - تاريخ بغداد: ١٦٣/٢.
٢١٩
سنة ٣١٠ هـ(١).
مصنفاته:
كان لمحمد بن جرير الطبري مصنفات عديدة في مختلف العلوم الإسلامية(٢)،
ويعتبر الطبري إمام المؤرخين، ومن كتبه المشهورة كتابه [تاريخ الأمم والملوك]
وهو من أشهر كتب التاريخ(٣)، ويسمى أيضا [تاريخ الرسل والملوك](٤).
وقد ورد في خبر تأليفه أنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم
إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا من ثلاثين ألف ورقة -وهو الرقم الذي
وضعه لتفسير القرآن ثم اختصره إلى ثلاثة آلاف ورقة- فأجابه أصحابه: هذا مما
تفنى له الأعمار قبل تمامه، فقال ابن جرير: إنا لله ماتت الهمم، فأملاه في نحو ثلاثة
آلاف ورقة(٥).
وقد تعرضت نسخ الكتاب الأصلية إلى الضياع، وأقدم النسخ التي وصلت إلينا
يعود تاريخها إلى أوائل القرن السابع الهجري(٦).
وهذا يدل على أنه ليس لدينا نسخة بخط المؤلف أو نسخة نسخت في عصر
قريب من عصره، ولعل أقدم من نقل عنه ابن الجوزي(٧) في كتابه [المنتظم في
(١) - البداية والنهاية: ١٥٧/١١.
(٢)- انظر الفهرست لابن النديم: ٢٩١.
(٣)- تاريخ بغداد: ١٦٣/٥.
(٤) - معجم الأدباء: ٦٨/١٨، التاريخ العربي والمؤرخون: ٢٥٤/١.
(٥)- انظر تاريخ بغداد: ١٦٣/٢، تذكرة الحفاظ: ٧١٢/٢.
(٦) - انظر مقدمات الكتاب لمحققه: ٢٨/١، ٣١، ٥/٦، ٦/٧، ٥/٨، ٦/٩
٢٢٠