Indexed OCR Text
Pages 301-320
قال: ويغاير المعلل بأن ذلك وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك، فتعريف الحاكم أخص من تعريف الخليلي(١). ((نقد هذين التعريفين )» وقد انتقد ابن الصلاح وتابعه النووي هذين التعريفين بأنهما منتقضان بالأحاديث التي انفرد بروايتها العدل الضابط. الحافظ وذلك كحديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) فإنه تفرد به عمر عن. النبي ◌ُ ◌ّهِ، وتفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، وتفرد به عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرد به عن محمد يحيى بن سعيد الأنصاري وحديث النهي عن بيع الولاء وهبته فقد تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وحديث مالك عن الزهري عن أنس أن النبي مُ له دخل مكة وعلى رأسه المغفر تفرد به مالك عن الزهري فكل هذه وأمثالها مخرجة في الصحيحين أو أحدهما مع أنها ليس لها إلا إسناد واحد، وقد قال الإمام مسلم: للزهري نحو تسعين حرفا برويه ولا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد والمراد بالحرف الحديث. ((تعريف ابن الصلاح » قال ابن الصلاح فهذا الذي ذكرناه لك. وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي قالاه وحينئذ فالصحيح التفصيل: فإن كان الثقة بتفرده مخالفاً لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك كان ما انفرد به شاذاً مردوداً، وإن لم يخالف الراوي بتفرده غيره وإنما روى أمراً لم يروه. غيره فينظر في هذا الراوي المتفرد فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بضبطه كان تفرده صحيحاً وإن لم يوثق بحفظه ولكن لم يبعد عن درجة الضابط كان ما انفرد به حسناً، وإن بعد من ذلك كان شاذاً منكراً (١) المصدر السابق ص ٨١ . ٣٠١ مردوداً فتحصل من هذا أن الشاذ المردود قسمان(١). (١) الحديث الفرد الذي خالف فيه رواية من هو أولى منه بالحفظ والضبط . (٢) الفرد الذي ليس في رَاوِيه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد من النكارة والضعف. ((تعريف الحافظ ابن حجر)) قال: الشاذ ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات كفقه الراوي وعُلُو سنده قال الحافظ: وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الإصطلاح، والمراد بالمقبول أعم من أن يكون ثقة أو صدوقاً . : ((مثاله في السند)) ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق سفيان بن عيينة عن عمروبن دينار عن عوسجة عن ابن عباس ((أن رجلاً توفي على عهد رسول الله عَّ ولم يدع وارثاً إلا مولى هو أعتقه فقال ◌َّهِ: ((هل له أحد))؟ قالوا: لا، إلاَّ غُلاَمٌ كان اعتقه فجعل رسول الله حَ لِّ ميراثه له)، وتابع ابن عيينة على وصله إلى ابن عباس ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زيد فرواه مرسلاً عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عينية فحماد بن زيد من أهل (١). قد اعترض على ما ذكره ابن الصلاح من حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) وتالييه بأنه رواه من الصحابة سبعة عشر صحابيا وقيل اكثر من ذلك وأنه رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير محمد، وعن محمد غير يحيى، وبأن حديث النهي عن بيع الولاء وهبته رواه غير ابن دينار عن ابن عمر، وبأن حديث المغفر لم ينفرد به مالك بل تباعه عن الزهري ابن أخي الزهري وآخرون، وأجيب عن الاعتراض على الحديث الأول بأنه لم يصح بهذا اللفظ الا عن عمر وأن معظم ما روى عن الصحابة إنما هو في مطلق الكذب لا في هذا اللفظ بعينه وأنه لم يصح عن عمر إلا من الطريق الذي ذكره ابن الصلاح وكذلك الحديث الثاني لم يصح الا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وأما الحديث الثالث فقد سلم للمعترض فقد تابع مالكا على روايته ابن أخي الزهري وآخرون [التدريب ص ٨٢ - ٨٣] ٣٠٢ العدالة والضبط ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عدداً منه فرواية حماد شاذة. ((مثاله في المتن)) ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً ((اذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه )» قال البيهقي خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا فإن الناس إنما رووه عن فعل النبي عَ للّه لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين الثِّقات عن الأعمش بهذا اللفظ . ((المحفوظ)) ويقابل الشاذ المحفوظ وهو ما رواه الراجح من الرواة مخالفا للمرجوح وذلك مثل رواية سفيان بن عينية السابقة فهي المحفوظة. ((المنكر)) عرفه الحافظ أبو بكر الْبَرْديجي(١) فقال: هو الحديث الذي لا يعرف متنه عن غير رَاوِيه وكذا أطلقه كثيرون من أهل الحديث. وقال ابن الصلاح: إن المنكر والشاذ بمعنى واحد وإنه ينقسم إلى قسمين على ما ذكر في الشاذ. ١ - الفرد المخالف لما رواه الثقات ٢ - الفرد الذي ليس في رواته من الثقة الإِثقَان ما يحتمل معه تفرده ومثل للأول بمثال ناقشه فيه العراقي ولم يسلم له، ومثل للثاني بمثال سلم له (٢). وقال الحافظ ابن حجر: المنكر، ما رواه الضعيف مخالفاً لمن هو أولى منه ومثاله ما رواه ابن أبي حاتم عن حُبَيِّب [بضم الحاءَ المهملة (١) بفتح الياء ويكون الراء وكسر الدال المهملة نسبة الى ((برديج ( قرب ((بردعة)) بلد بأذربيجان ويقال له: البردعى أيضًا. (٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٧ - ٩٠. ٣٠٣ : وفتح الموحدة وتشديد التحية المشددة] بن حبيب [بوزن كريم] وهو أخُو حمزة الزيات الإمام المقرىء عن أبي إسحاق السَّبِيْعِي [بفتح السين وكسر الباء] عن العيزار [بفتح العين وسكون الياء] عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي عّ لّ قال: ((من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرى الضيف دخل الجنة)) قال أبو حاتم: هو منكر يعني بسبب إسناده وإن كان معناه صحيحاً لأن غير حُبَيِّب من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفاً على ابن عباس وهو المعروف. وقد فرق الحافظ ابن حجر بين الشاذ والمنكر فقال بعد أن ذكر تعريفها: ((وعرف بهذا أن بين الشاذ والمنكر عموماً وخصوصاً من وجه (١) لأن بينهما اجتماعاً في اشتراط المخالفة وافتراقاً في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق والمنكر رواية ضعيف وقد غفل من سوى بينهما(٢) ومُرَادُه ابن الصلاح. (تعريف آخر للمنكر)» ويطلق المنكر ويراد به ايضاً ما رواه: الراوي الذي فحش غلطه أو كثرت غلفته أو ظهر فسقه وهذا على رأي من لم يشترط المخالفة في المنكر (٣) ويقرب من هذا ما ذكره ابن الصلاح في النوع الثاني للشاذ والمنكر اي ما انفرد به راويه الذي ليس بعدل ولا ضابط ومثله لا يقبل تفرده. ((المعروف )» وهو يقابل المنكر عبد الحافظ ابن حجر وعلى هذا فيعرف بأنه: ما رواه الراجح مخالفاً للضعيف ((ومثاله)) حديث ((من أقام الصلاة ، فالمعروف وقفه علي ابن عباس اما رفعه فمنكر والمحفوظ والمعروف من (١) العموم والخصوص الوجهي كما يكون باعتبار أَلَّمَا صدق يكون باعتبار المفهوم وهو المراد هنا واما يجبب الماصدق فينها مباينةٍ. (٢) شرح نخبة الفكر ص ٢١. (٣) شرح نخبة الفكر ص ٢٣. ٣٠٤ الأنواع التي أهملها العلامة ابن الصلاح واستدركها الحافظ ابن حجر ((فائدة)) قول بعض العلماء: أنكر ما رواه فلان لا يدل على أن الحديث منكر ضعيف لأن النكارة هنا نسبية فمن ذلك ما قاله ابن عدي: أنكر ما روى يزيد بن عبد الله بن أبي بردة ((إذا أراد الله بأمة خيراً قيض بنيها قبلها )) قال: وهذا طريق حسن رواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم والحديث في صحيح مسلم، وقال الذهبي: أنكر ما الوليد بن مسلم من الأحاديث حديث حفظ القرآن وهو عند الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. ((المتروك)) المتروك لغة: المرتحل عنه والمفارق رغبة عنه ففي المصباح المنير [تركت المنزل تركا رحلت عنه وتركت الرجل فارقته]. وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث الذي لا يروى الا من جهة المتهم بالكذب ولا يعرف ذلك الحديث الا من جهته ويكون مخالفاً للقواعد المعلومة من الشريعة أو رواه من عرف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي قال السيوطي في التدريب: وهو نوع مستقل ذكره شيخ الاسلام كحديث صدقة الدقيقي عن فَرْقد عن مرة عن أبي بكر، وحديث عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث عن علي(١). ((الْمُعَلُّ)) لا ((المعلول)) ولا ((الْمُعَلَّل)) تحقيق التسمية لغة: قال ابن الصلاح ويسميه أهل الحديث المعلول وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: العلة والمعلول - مرذول: عند أهل العربية واللغة، وتبعه الشيخ محيى الدين النووي (١) شرح النخبة ص ٣٢، والتدريب ص ٨٤. ٣٠٥ فقال: إنه الحق وذلك لآن معلول اسم مفعول من عله بمعنى سقاه ثانيا لا بمعنى المعنى المقصود وهو العلة ضد الصحة. وقد تُعُقِّبَ ما ذكراه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة منهم قطرب والجوهري في الصحاح والمطرزي في المغرب وأنه يقال: مُلَّ فلانٍ إذا أصابته علة، وما دام له وجه في العربية، وغلب استعماله في : عبارات أهل الفن فليكن أولى في الاستعمال وقد أجاب عن ابن الصلاح الحافظ العراقي: فقال: لا شك انه ضعيف وإن حكاه بعض من صنف في الأفعال كإبن القوطية، وقد أنكره غير واحد من أهل اللغة كابن سيده والحريري وغيرهما وبعد أن ساق كلامهم قال: والأحسن أن يقال مُعَلَّ بلامٍ واحد لا مُعَلَل فإن الذي بلامَين يستعمله اهل اللغة بمعنى الهاه بالشيء من تعليل الصبي بالطعام وأما بلام واحدة فهو الأكثر في كلام أهل اللغة وفي عبارة أهل الحديث؛ لأن أكثر عبارات أهل الحديث في الفعل أن يقولوا: أعله فلان بكذا، والمفعول منه مُعَل، وتقدم قول صاحب المحكم - هو ابن سيده - أن المعروف إنما هو أعله الله فهو مُعَلّ، وقال الجوهري: لا أعلك الله أي لا أصابك بعلة (١) وعلى هذا اخترت ان يكونُ العنوان ((المعَلّ)) لا ((المعلول)) ولا (( المعلل)» العلة في اللغة: [المرض الشامل والجمع علل ... واعتل اذا مرض ... وأعله جعله ذا علة] المصباح المنير وفي القاموس المحيط [العل والعلَل محركة الشربة الثانية أو الشرب بعد الشرب تباعاً ... وعلله بطعام وغيره شغله تعليلا شغله به ... والغلة بالكسر المرض عَل يعل واعتل، وأعله الله فهو مُعَل وعليل ولا تقل معلول والمتكلمون يقولونها ولنست منها على ثلج] فالعلة في الأصل للأجسام واستعمالها في المعاني مجاز. والعلة في اصطلاح العلماء: سبب غامض خفي فَادِحَ في الحديث مع (١) شرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح ص ٩٦، ٩٧. ٣٠٦ أن الظاهر السلامة منه فالحديث المُعَلَّ، هو الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر سلامته منها . ((علم العلل)) وهذا الفن من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله فهما ثاقباً، وحفظاً واسعاً، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه الا القليل من أهل هذا الشأن كعلي بن المديني ، وأحمد بن حنبل والبخاري، والدار قطني وأبي حاتم، وأبي زرعة وأمثالهم. والطريق إلى معرفة العلل جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته، وفي ضبطهم واتقانهم فيقع في نفس العالم العارف بهذا الشأن ان الحديث معلول، فيغلب على ظنه ذلك فيحكم بعدم صحته، أو يتردد فيتوقف فيه. وقد تقصر عبارة المعلل الناقد عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي الماهر في نقد الدراهم والدنانير والطبيب الحاذق المتمرس الذي يدرك المرض بمجرد النظر إلى المريض وقد يعجزان عن ابداء سبب ظاهري قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: ((معرفة علل الحديث إلهام لو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك)» وقيل له أيضاً: إنك تقول للشيء هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمن تقول ذلك؟ قال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك فقال: هذا جيد وهذا بهرج(١)، أكنت تسأل عمن ذلك أم تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر قال: فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخبرة، وسئل أبو زرعة: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن (١) بهرج على وزن جعفر أي رَدِيٌ مغشوش. : ٣٠٧ وارة (١) فتسأله عنه، فيذكر علته، ثم تَقْصِد أبا حاتم(٢) فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث فإن وجدت بيننا خلافاً فاعلم أن كُلاَّ مِنَّا تكلم على مُرَاده وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام (٣) .. ((بم تكون العلة)» والعلة قد تكون بالارسال في الموصول، أو الوقف في المرفوع او بدخول حديث في حديث، أو وهم واهم أو غير ذلك . ((العلة تكون في السند والمتن)) والعلة قد تكون في سند الحديث وهو الأكثر وقد تكون في متنه وما يقع في الاسناد قد يقدح في صحة الاسناد والمتن معا كما في التعليل بالإرسال في الموصول والوقف في المرفوع وقد تقدح في صحة الاسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن ((مثال ما وقعت)) العلة في سنده من غير قدح في المتن. ما رواه الثقة يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النّبي ◌َّ قال: ((البيعان بالخيار)) الحديث فهذا الإسناد متصل بثقل العدل عن العدل وهو معلل والعلة في قوله: عمرو بن دينار، وإنما هو عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه فوهم يعلى بن عبيد فذكر عمرو بن دينار بدل عبد الله، والمتن على كل حال صحيح لأن كليهما ثقة. ((مثال العلة في المتن)) الحديث الذي انفرد مسلم بإخراجه في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم بسنده عن أنس بن مالك أنه قال: صليت خلف النبي ◌َّ وأبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة (١) هو الحافظ محمد بن مسلم بنُّ وارة. (٢) هو الحافظ أبو حاتم محمد بن ادريس الرازي المتوفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. (٣) شرح نخبة الفكر ص ٢٢، وتدريب الراوي ص ٧٩ ط القديمة. ٣٠٨ . ولا في آخرها . قال ابن الصلاح: فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له ففهم من قوله: ((كانوا يستفتحون بالحمدلله)» أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ؛ لأن معناه أن السورة التي كانوا يَسْتفتحون بها من السور هي الفاتحة وليس فيه تعرض لذكر البَسْملة ومما يدل على أن أنْساً لم يرد نفي البسملة، وأن الذي زاد ذلك في آخر الحديث روي بالمعنى فأخطأ ما صح عنه أن أبا سلمة سأله: أكان رسول الله عد اله يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو بسم الله الرحمن الرحيم فقال: إنك سألتني عن شيء ما حفظته، وما سألني عنه أحد قبلك وقد أطال الحافظ العراقي والحافظ السيوطي الكلام في تعليل حديث مسلم هذا فمن أراد الاستقصاء فليرجع إلى ما ذكراه(١). ((التوسع في اطلاق اسم العلة)) قال ابن الصلاح: وقد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة الى حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح، وسمى الترمذي النسخ علة فإن أراد أنه علة في العمل بالحديث فَصحيح أو في صحته فلا لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة ، وأطلق أبو يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) العلة على مخالفة لا تقدح في صحة الحديث كإرسال ما وصله الثقة الضابط حتى قال: من الصحيح صحيح معل كما (١) شرح العراقي على المقدمة ص ٩٨، ١٠٣، تدريب الراوي ص ٩٠، ٩١ ط القديمة." ٣٠٩ قيل منه صحيح شاذ وهو ممن يرى أن الشذوذ مطلق التفرد كما أسلفنا. في بحث الشاذ. ((الكتب المؤلفة في العلل)) لقد ألفت في علل الحديث كتب كثيرة من أجلها كتاب العلل لعلي بن المديني والعلل لعبد الرحمن بن أبي حاتم. وهو مرتب على أبواب الفقه، وكتاب الغلل للخلال والعلل للدار قطني قال ابن كثير: وهو من أجل كتاب بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد ان يأتي بعده، ولكن يعوزه شيء لا بد منه وهو أن يرتب على الأبواب ليقرب تناوله على الطلاب قال السيوطي: وصنف شيخ الاسلام فيه (الزهر المطلول في الخبر المعلول )) وقد قسم الجاكم أنواع المعلل الى عشرة اقسام؛ وقد أوجزها. السيوطي بأمثلتها في ((التدريب(١))) فمن أراد معرفتها. فليرجع إليه. «المَضْطَرب)) المضطرب: بكسر الراء إسم فاعل من اضطرب والاضطراب في اللغة: الاختلاف كما في المصباح المنير. وفي اصطلاح المحدثين : - هو الحديث الذي يختلف الرواة فيه فيرويه بعضهم على وجُه وبعضهم على وجه آخر أو يرويه راو واحد على وجه، ومرة أخرى على وجه آخر من غير إمكان الترجيح. أما إذا ترجحت إحدى الروايتين أو الروايات بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبةً للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات كانت الراجحة صحيحة والمرجوجة شاذة أو منكرة. : ((حكم الإضطراب)) أنه يوجب ضعف الحديث لاشعاره بأن الراوي لم يضبط ، والضبط شرط في الصحيح والحسن، إلا في حالة ذكرها شيخ (١) تدريب الراوي من ص ١٦٧ - ١٦٩ ط المحققة. ٣١٠ الاسلام ابن حجر وهي أن يقع الإختلاف في اسم راو او اسم ابيه أو نسبته مثلا ويكون الراوي على أي حال ثقة، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره فقال: وقد يدخل القلب والشذوذ والإضطراب في قسم الصحيح والحسن». ((أقسامه)) الإضطراب قد يكون في السند فقط وقد يكون في المتن ، وقد يكون فيهما معا وقد يكون من راو واحد، وقد يكون من أكثر من راو. ((مثال الاضطراب في الاسناد » حديث أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: ((يا رسول الله: أراك، شبْت قال: شيبتني هود وأخواتها)» قال الدار قطني: هذا حديث مضطرب فإنه لم يرو إلا من طريق أبي اسحاق، وقد اختلف فيه على نحو عشرة أوجه: فمنهم من رواه مرسلا ، ومنهم من رواه موصولا ، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضها على بعض والجمع متعذر. ((ومثال الاضطراب في المتن)) حديث البسملة الذي ذكرناه في المعل فقد أعله الإمام ابن عبد البر بالإضطراب، والمضطرب بجامع المعل لأنه قد تكون علته ذلك، وقد مثل ابن الصلاح لِمَضطرب الإسناد بمثال لم يسلم له، ومثل العراقي المضطرب المتن بحديث الواهبة نفسها ولم يسلم له ذلك لأن هذا الحديث صحيح ثابت والجمع بين ألفاظه سهل فإنها راجعة إلى معنى واحد وشرط الإضطراب عدم إمكان الجمع أو (١) الترجيح (١). (١) تدريب الراوي ص ٩٤، ٩٥، مقدمة ابن الصلاح يشرحها للعراقي ص ٠١٠٤ ٣١١ ((الْمَدْرَج)). المدرج: إسم مفعول من أدرج، والإدراج في اللغة ان يدخل في الشيء ما ليس منه. وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث الذي زيد فيه ما ليس منه في السند أو في المتن ويعرف المدرج بوروده منفصلا في رواية أخرى أو بالنص على ذلك من الراوي أو من بعض الأئمة المطلعين أو باستحالة كونه محّ يقول ذلك. أقسامه: ينقسم إلى قسمين (١) مدرج المتن (٢) ومدرج السند. مدرج المتن: هو أن يدخل في حديث رسول الله عَ لّم شيء من كلام بعض الرواة فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه، وقد يكون في أول الحديث، وقد يكون في وسطه وقد يكون في آخره وهو الأكثر. مثال المدرج في أول الحديث: ما رواه الخطيب البغدادي من رواية أبي قطن عمرو بن الهيثم وشبابة بن سوار عن شعبة عن محمد بن زياد عن: أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((اشبغوا الوضوء)) ويل للأعقاب من النار)) فقوله (أسيغوا الوضوء مدرج من كلام أبي هريرة وقد بينت: ذلك رواية البخاري في صحيحه عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء: فإن أبا القاسمِ عَ ◌ّه قال: ((ويل للأعقاب من النار )) فقد وهم في الأولى أبو قطن، وشبابة عن شعبة وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم. ((ومثال المدرج في الوسط)) ما رواه الدارقطني في السنن من: طريق عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بُسْرةَ بِنت صفوان قالت: سمعت رسول الله عَلّه يقول: ((من مس ذكره أو أنشييه أو رفغيه فليتوضأ)» قال الدارقطني: هكذا رواه عبد الحميد عن ٣١٢ : هشام ووهم في ذكر الأنثيين والرفع وأدرجه كذلك في حديث بسرة. والمحفوظ أن ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام منهم: أيوب وحماد بن زيد وغيرهما، ثم رواه من طريق أيوب بلفظ ((من مس ذكره فليتوضأ )» قال: وكان عروة يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ وكذا قال الخطيب، فعروة لما فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة انه من صلب الخبر فنقله مدرجاً فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال فَفَصلوا . وقد يكون الإدراج في الوسط على سبيل التفسير من الراوي لكلمة غريبة مثل ما وقع في حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي في صحيح البخاري وغيره ففيه (ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التّعَبُّد - الليالي ذوات العدد )» ... فقوله وهو التعبد تفسير من الزهري للتحنث أدرج في الحديث. ((ومثال المدرج في آخر الحديث)) ما روى في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعاً ((للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)) فهذا مما يتبين بادىء الرأي أن قوله: ((والذي نفسي بيده)» الخ مدرج من قول أبي هريرة لاستحالة ان يقوله النبي ◌َ ◌ّه لأن أمه ماتت وهو صغير، ولأنه يمتنع منه أن يتمنى الرق وهو أفضل الخلق على الإطلاق. ((الثاني)» مدرج السند: ومرجعه في الحقيقة إلى المتن وهو أقسام. ((الأول)) أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راو فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الاسانيد ولا يبين الاختلاف. ((الثاني)» أن يكون المتن عند راو الا طرفا منه فإنه عنده بإسناد آخر فيرويه رأو عنه تاما بالإسناد الأول ومنه ان يسمع الحديث من ٣١٣ شيخه الا طرفا منه فيسمعه عن شيخه بواسطة فيرويه راو عنه تاما بحذف الواسطة. ((الثالث)) أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين فيروبهما راو عنه مقتصراً على أحد الاسنادين أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاص به لكن يزيد فيه من المتن ما ليس في الأول. ( مثال الأول)) ما رواه الترمذي عن بندار عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن واصل ومنصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل هكذا رواه جماعة عن واصِل، وقد بين الإسنادين معا يحيى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان وفصل أحدهما عن الآخر، وروايته أخرجها البخاري في صحيحه. ((مثال الثاني )) حديث رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك فرقهما: والنسائي من رواية سفيان بن عيينة كلهم عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله عَيَّةٍ، وقال فيه: ثم جئتهم بعد ذلك في زمان برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب تحرك أيديهم تحت الثياب، فقوله: ثم جئتهم)) ... ليس هو بهذا الإسناد، وإنما ادرج عليه، وهو من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض اهله عن وائل وهكذا رواه مبينا زهير بن معاوية، وأبو بدر شجاع بن الوليد فميزا قصة تحريك الايدي، وفصلاها من الحديث وذكرا إسنادها . ((حكم الادراج)) ما كان من الراوي عن عَمد فإنه حرام كله على اختلاف أنواعه باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول لما يتضمن من التدليس والتلبيس وعزو القول إلى غير قائله ونسبة ما ليس من كلام رسول الله إليه قال السمعاني: من تعمد الادراج فهو ساقط العدالة وممن يحرف الكلم عن مواضعه وهو ملحق بالكذابين، وأما ما وقع من الراوي ٣١٤ خطأ من غير عمد فإن كان قليلا فلا حرج عليه الا إن كثر حطؤه فيكون جرحاً وطعناً في ضبطه وإتقانه أما الإدراج لتفسير شيء من معنى الحديث ففيه تسامح ولذلك فعله الزهري وغير واحد من الأئمة والأولى أن ينص الراوي على بيانه(١). المؤلفات في المدرج: قد ألف فيه الخطيب البغدادي كتابا سماه ((الفصل للوَصل المدرج في المتن». فَشَفى وكفى على ما فيه من إعواز، وقد لخصه شيخ الإسلام ابن حجر وزاد عليه قدره مرتين أو أكثر في كتاب سماه «تقريب المنهج بترتيب المدرج)». ((المقلوب )» المقلوب: اسم مفعول من قلب وهو في اللغة المحول والمصروف عن وجهه الصحيح قال في المصباح [قلبته قلبا من باب ضرب حولته عن وجهه وكلام مقلوب مصروف عن وجهه، وقلبت الرداء حولته وجعلت اعلاه أسفله] وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث الذي وقع تغيير في متنه أو في سنده بإبدال او تقديم وتأخير ونحو ذلك. وهو قسمان: (١) مقلوب المتن، (٢) مقلوب السند. ((مثال مقلوب المتن)) حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله . بظله يوم لا ظل الا ظله )» ... ففي بعض طرق مسلم ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) فقد انقلب على أحد الرواة، وإنما هو كما في صحيح البخاري وبعض طرق مسلم «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )» (١) تدريب الراوي ٩٦ - ٩٨. مقدمة ابن الصلاح ص ١٠٦ - ٠١٠٨ ٣١٥ وهو الصحيح فالإعطاء عادة باليمين لا باليسار، ومنه حديث أخرجه الترمذي مرفوعاً ((إذا سجد أحدكم فلا ببرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه )» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب، وأخرجه ابن ماجة والنسائي بدون جملة ((وليضع)» ... وأخرجه الترمذي أيضاً وحسنه وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد والحاكم وقال: على شرط مسلم وغيرهم من حديث وائل بن حجر بلفظ ((رأيت رسول الله عَ لّم اذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)) ولهذا صرح ابن القيم في زاد المعاد بأن الحديث الذي فيه «وليضع يديه قبل. ركبتيه)) انقلب على بعض رواته، فكان الأصل ((وليضع ركبتيه قبل يديه)) فقدم بعض الرواة اليدين على الركبتين، والرواية المقلوبة يناقض أولها آخرها . وأما القلب في الإسناد فقد يكون خطأ من بعض الزواة في اسم راو أو نسبه كأن يقول في مرة بن كعب، كعب بن مُرَّة أو يكون حديثاً مشهوراً عن راو فيجعله عن راو آخر ليصير مرغوباً فيه كأن يكون الحديث مروياً عن سالم بن عبد الله فيجعله عن نافع، أو يبدل الإسناد بإستاد آخر مثل ما روى حماد بن عمرو النصيبي - الكذاب - عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤهم بالسلام)) الحديث فإنه مقلوب قلبه حماد فجعله عن الأعمش وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه مسلم وهذا الصنيع هو الذي يطلق على راويه انه يرق الحديث اذا قصد إليه وكما يقع القلب قصداً من الراوي يقع غلطا ومثاله ما روى اسحاق ابن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم عن ثابت البناني عن أنس قال: قال رسول الله ع بلة: ((إذا اقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) ٣١٦ قال اسحاق بن عيسى فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث فقال: وهم أبو النضر - هو جرير بن حازم - إنما كنا جميعاً في مجلس ثابت، وحجاج ابن ابي عثمان معنا فحدثنا حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله عن الله قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني )» فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس فقد انقلب الإسناد على جرير، والحديث معروف من رواية يحيى بن أبي كثير رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف. ((القلب عمداً)) قد يقلب بعض المحدثين إسناد حديث قصداً للإمتحان كما فعل علماء بغداد حين قدم عليهم الإمام البخاري، فإنهم اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الإسناد آخر وإسناد هذا لِمَتْن آخر ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه وهكذا حتى انتهى من أحاديثه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فهم الرجل، ومن كان منهم غير ذلك يحكم على البخاري بالعجز والتقصير وقلة العلم، ثم انتدب إليه رجل آخر فصنع مثل ما صنع الأول والبخاري يقول لا أعرفه وهكذا حتى تم العشرة فلما انتهوا التفت البخاري إلى الأول فقال له: أما حديثك الأول فهو كذا وحديثك الثاني فهو كذا وهكذا حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له العلماء بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. ٣١٧ وهذا العمل لا يجوز الا إن كان يريد به فاعله الاختيار، وشرط الجواز - كما قال الحافظ ابن حجر - أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة، ولو وقع القلب عمدا لا لمصلحة بل للإغراب مثلا فهو من أقسام الموضوع، ولو وقع غلطا فهو كالموضوع عند السخاوي، وعِنْد كثير من العلماء من أقسام المقلوب على ما بينا(١). (( المطروح» بقي من أنواع الضعيف (المطروح)) ولم يذكره غير الحافظ الذهبي وقد خرجه من قولهم: ((فلان مطروح الحديث)). وقد عرفه بأنه ما كان دون الضعيف وأرفع من الموضوع. أقول: وعلى هذا يكون ذكره قبل الموضوع. وقد رتبت أنواع الضعيف من الضعيف إلى الأضعف ، وقد أجمع العلماء على أن شر انواع الضعيف هو الموضوع. والعجب من ابن الصلاح وصاحب ((التقريب» وهو الإمام النووي فقد جعلا بعد الموضوع (المقلوب)) وكان حقه ان يكون قبل الموضوع. وقد رتب أنواع الضعيف من الأعلى الى الأدنى الإمام الحافظ ابن حجر في «شرح النخبة)) وبدأ بالموضوع، ثم المتروك، ثم المنكر، ثم المعلل، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المضطرب. وفي القاموس مادة ((طرح)) (جـ ١ ص٢٣٧): ((طرحه، وبه كمَنَع رماه، وأبعده فاطَّرحه وطَرَّحه، والطّرح: بالكسر - يعني بكسر الطاء المهملة، وكقُبَّر، والطريخ المطروح)) .. فالمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة لأنه ما كان أدون (١) حاشية علي القاري على شرح النخبة ص ١٤٣، تدريب الراوي ض ١٠٥، ١٠٧. ٣١٨ : ٠ : : ٠ : : : : : الضعيف وأرفع من الموضوع مهمل مرمي به. قال الإمام الذهبي: يروى في الأجزاء كثيراً، وفي بعض المسانيد الطوال بل وفي سنن ابن ماجة، وجامع الترمذي مما يروي المتروكون، وهو داخل في أخبار المتروكين والضعفاء ، ودون آخر مراتبها. ((الحديث الموضوع)) الموضوع لغة: اسم مفعول مأخوذ من وضع الشيء يضعه وضعا، إذا حطه وأسقطه أو مأخوذ من الضعة وهي الانحطاط في الرتبة، أو من وضعت المرأة ولدها اذا ولدته ففي القاموس مادة ((وضع)» وضَعه يضعُه - بفتح ضادها - وضعا، وموضِعا وتفتح ضاده، وموضوعا: حطه، وعنه: حط من قدره .... وفلان نفسه وَضْعا، ووُضُوعاً، وضَعَة، وضِعة قبيحة أذلها، وعنقه: ضربها، والجنابة عنه: أسقطها والمرأة حملها وضعا، وتُضُعا بِضَمِّهما - أي التاء والضاد - وتفتح الأولى: ولَدَتْه والأحاديث الموضوعة: المختلفة، وفي حسبه ضَعَة - وبكسر -: انحطاط ، ولؤم وخسة )). ومن ثم نرى أن الوضع يأتي بمعنى السقوط ، وبمعنى الانحطاط والخسة، وبمعنى الولادة. وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث المختلق(١) المكذوب على النبي ◌َّ أو على من بعده من الصحابة أو التابعين. فالمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط وفيه انحطاط في رتبته عن غيره، وفيه معنى التوليد وايجاد ما لم يكن موجودا واذا اطلق الموضوع ينصرف إلى المفترى . (١) هو عند التحقيق لبس بحديث، لكن لما كانت صورته صورة الحديث من ذكر السند والمتن سموه كذلك أو هو باعتبار زعم واضعه. ٣١٩ : المكذوب على النبي ◌ُّ، وأما الموضوع على غيره فيقيد، فيقال مثلا: هذا موضوع على ابن عباس - رضي الله عنهما - أو على مجاهد، وقد وضعت آثار على ابن عباس، وعلي - رضي الله عنهما - وعلى غيرهما من التابعين والغالب في الموضوع ان يكون متعمدا، وقد يقع غلطا ، وقد مثلوا بما رواه ابن ماجة عن اسماعيل الطلحي عن ثابت بن موسى العابد الزاهد، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله عَلّ: ((وسكت ليكتب المستملي))، فلما نظر إلى ثابت قال: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) وقصد بذلك الثناء على ثابت لزهده، وورعه، فَظَنَّ ثابت أنه متن ذلك الإسناد فكان يحدث به، وقال ابن حبان: وإنما هو قول شريك قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا: ((يعقد الشيطان على قافية رأس احدكم ... )) الحديث فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء، وحدثوا به عن شريك، وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع ((الموضوع)» واعتبره شبه وضع لعدم التعمد فيه، وتبعه على ذلك النووي، وذكره في ((المدرج)) الحافظ ابن حجر، وهو به أشبه. الألفاظ الدالة على الوضع: من ذلك قولهم: هذا حديث موضوع، أو كذب، أو باطل، أو لا أعرفه اذا صرح بذلك أحد الأئمة الكبار، وكذا قولهم: هذا الحديث لا أصل له، أي ليس له إسناد يعرف أما قولهم: لا يثبت أو لا يصح فليسا نصا في ذلك لأنه لا يلزم من عدم الصحة أو عدم الثبوت الوضع ولقد أكثر ابن الجوزي في ((موضوعاته)» من استعمالها مريدا الوضع، والموصلي(١) كذلك وهو اصطلاح لهما (١) هو الشيخ عمر بن بدر الموصلي أبو حفص الحنفي المتوفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة أكثر فيه من قولهم: لم يصح في هذا الباب شيء وعليه في كثير مما ذكر انتقاد وإن كان له في كل باب من أبوابه سلف خصوصا المتقدمين (الرسالة المستظرفة ص ١١٤). ٣٢٠