Indexed OCR Text

Pages 241-260

٤ - المدخل الى علم الصحيح وغيرها .
والذي يعنينا الكلام عليه هو المستدرك.
(المستدرك في الميزان ))
قد أودع الحاكم أبو عبد الله فيه ما ليس في الصحيحين مما هو على
شرطهما، أو على شرط أحدهما، وزاد قسما ثانيا وهو ما أداه اجتهاده
الى تصحيحه وان لم يكن على شرط واحد منهما، وربما أودع فيه ما لم
يصح مُنَبِّهاً على ذلك وقد اختلف العلماء في الأحاديث التي استدركها
الحاكم على الصحيحين، وهل هي كذلك في الواقع ونفس الأمر؟
فأنكر أبو سَعْد الماليني(١) أنه يوجد في ((المستدرك)» حديث على
شرط الشيخين قال الذّهبي: وهذا غلو وإسراف.
وقال ابن الصلاح في ((علومه)»: إن الحاكم استدرك عليها - اي
الصحيحين - أحاديث كثيرة، وإن كان في بعضها مقال - أي انتقاد
عليه: فيها - إلا أنه يصفو له شيء كثير، وقد نازعه ابن كثير في
((مختصره )) قائلا: ان ما يصفوا له من ذلك قليل لا كثير.
وللإمام الذهبي في ((المستدرك)) مقالة إنصاف وتحقيق، قال: ((في
المستدرك جملة وافرة على شرطهما أو شرط أحدهما، ولعل ذلك نحو
نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح عنده، وفيه بعض الشيء، وما
بقي وهو نحو الربع فهو مناكير واهيات لا تصح، وفي بعض ذلك
موضوعات )».
وكلام الذهبي كلام خبير، فقد لخص كتاب المستدرك، ووافق مؤلفه
في كثير مما حكم به وخالفه في البعض، وأبان ما في الكتاب من ضعيف أو
(١) نسبة الى مالين بفتح الميم وكر اللام قرى مجتمعه من أعمال حَرَاه وهو أحمد بن محمد الأنصاري المتوفي
سنة اثنتي عشرة واربعمائة .
٢٤١

موضوع، وجمع جزءا من الأحاديث الموضوعة فيه فبلغت مائة حديث،
وعلى المستدل بشيء من أحاديثه أن يتجنب الموضوع، والمنكر؛
والواهي.
وقد انتقد العلماء الحاكم في ((مستدركه)» بتخريج أحاديث يزعم أنها
على شرطهما أو على شرط أحدهما ولست كذلك مبينين وجهة النقد!
١ - قال ابن كثير في «الباعث الحثيث)) إنه - أي الحاكم يلزمهما
بإخراج أحاديث لا تلزمهما لضعف رواتها عندهما، أو لتعليلهما
ذلك، فالقول بأنها على شرطهما، أو شرط أحدهما غير صحيح)».
٢ - وقال الحافظ الكبير ابن حجر:
«وراء ذلك كله أن يروى بإسناد ملفق من رجالهما كسِمَاك (١)
عن عِكرمة عن ابن عباس، فسماك على شرط مسلم، وعكرمة
انفرد به البخاري، فالقول بأن مثل هذا على شرطهما غلط ..
وأدق من هذا أن يرويا عن أناسٍ ثقات ضعفوا في أناس مخصوصين
من غير حديث الذين ضعفوا فيهم، فيجيء عنهم حديث من طريق من
ضعفوا فيهم برجال كلهم في الكتابين أو أحدهما فنسبته أنه على شرط
من خرج له غلط كأن يقال: هشيم عن الزهري، كل من هشيم والزهري
أخْرجًا له فهو على شرطهما، فيقال: ليس على شرط واحد منها؛ لأنهما إلىما
أخرجا عن هشيم من غير حديث الزهري فإنه ضعيف فيه، لأنه كان
دخل إليه فأخذ عنه عشرين حديثا، فلقيه صاحب له، وهو راجع فسأله
رؤيتها ، وكان ثم ريح شديده فذهبت بالأوراق من يد الرجل، فصار
هشيم يحدث بما علق منها بذهنه ولم يكن أتقن حفظها، فوهم ؛ أي
(١) سِمَاك: بكر أوله، وتخفيف المبم ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبو المغيرة،"
صدوق يخطىء، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تُغيّر بأَخَرَة فكان ربما يلقن من الرابعة:
مات سنة ثلاث وعشرين ومائة.
٢٤٢

غلط - في أشياء منها ، ضعف في الزهري لسببها، وكذا همام ضعف في
ابن جريج مع أن كلا منهما أخرجا له لكن لم يخرجا له عن ابن جريج،
فعلى من يعزو إلى شرطهما، أو شرط واحد منهما أن يسوق ذلك السند
بنسق من رواية من نسب إلى شرطه، ولو في موضع من كتابه، وكذا
قال ابن الصلاح في شرح مسلم: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه
في صحيحه بأنه من شرط الصحيح فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقف
على النظر في كيفية رواية مسلم عنه وعلى أي وجه اعتمد)».
وان الباحث ليأخذه الدهش من وقوع هذه الموضوعات والواهيات
والمنكرات في المستدرك، ومؤلفه من الحفاظ والكبار.
· وقد أفصح عن السر في ذلك الحافظ ابن حجر : فقال:
: ((إنما وقع للحاكم التساهل لأنه سود الكتاب لتنقيحه فأعجلته المنية
وقد وجدت قريب نصف الجزء الثاني من تجزئه ستة من المستدرك:
((إلى هنا انتهى املاء الحاكم)) وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ إلا
بطريق الإجازة والتساهل في القدر المملي قليل جدا بالنسبة الى ما
بعده )» .
ويقال: ان السبب في ذلك أنه صنف المستدرك في أواخر حياته
وقد أدركته غفلة (١))» أقول ولا مانع من توارد السببين.
تصحيح الحاكم: وقد اختلف العلماء في حكم ما انفرد الحاكم
بتصحيحه، فمن العلماء من قبل تصحيحه مطلقا، ومنهم من قال: إنه
متساهل قال العلامة ابن الصلاح، إنه واسع الخطو في شرط الصحيح
متساهل في القضاء به فالأولى أن يتوسط في أمره، فما لم نجد فيه
تصحيحا لغيره، فإن لم يكن صحيحا فهو حسن يحتج به إلا أن يظهر
فيه علة توجب ضعفه)).
(١) تدريب الراوي. ص ٠٥١ ٠٥٢
٢٤٣

أقول: وهذا الذي ذهب إليه مبني على مذهبه في انتفاء التصحيح
والتضعيف في الأعصار المتأخرة، وقد خالفه في هذا الإمام النووي
والجمهور .
والحق - كما قال الإمام بدر الدين بن جماعة -: أنه يتتبع ويحكم
عليه بما يليق بحاله من الصحة أو الحسن أو الضعف والله أعلم.
((التعريف ببعض كتب الصحاح»
(١) ((صحيح ابن حبان))
مؤلفه هو الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي
البستي (٢) المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ..
وكان ابن حِبَّانَ كثير الإرتجال للقاء الشيوخ وجمع الأحاديث حتى
قيل: إنه كتب عن أكثر من ألفي شيخ، وكان من شيوخه أبو عبد
الرحمن النسائي وأبو بكر بن خُزَيْمة الذي وصف بإمام الأئمة وأبو يعلى
الموصلي وكثيرون غيرهم.
ومن تلاميذه الحاكم أبو عبد الله وأبو الحسن محمد بن أحمد بن هارون
: الزوزني، ومنصور بن عبد الله الخالدي وغيرهم كثيرون . .
. وكان إلى علمه بالحديث حتى عد من الحفاظ - عالما أيضا بالطب،
والفلك، والفلسفة، وغيرها من العلوم فمن ثم انحرف عليه بعض العلماء ،
وجرحوه، وطعنوا فيه فرقة الدين. قال أبو إسماعيل الهروي: سألت عنه
يحيى بن عمار فقال: نحن أخرجناه من سجستان كان له كبير علم، ولم
یکن له کبیر دین.
والحق أني لست مع من جَرَّحوه لا شْتِغاله بهذه العلوم بينما نجد
أئمة آخرين قد عدلوه وأثنوا عليه منهم الحاكم أبو عبيد الله
(١) نسبة الى بست - بصم الباء الموحدة بلد يحتان.
٢٤٤

قال: ((كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه، واللغة، والحديث،
والوعظ ومن عقلاء الرجال)) وقال الخطيب البغدادي: ((كان ثقة نبيلا
(١)
مؤلفاته: وله مؤلفات أجلها ((المسند الصحيح )) والظاهر انه
المعروف بكتاب ((التقاسيم والأنواع)) وقد نهج فيه منهجا آخر مغايرا
لمناهج المحدثين في التأليف، قسمه على خمسة أقسام: ١ - على الأوامر،
٢ - والنواهي ٣ - والأخبار، ٤ - والإباحات، ٥ - وأفعال
النبي عُ ◌ّه، ونوع كل قسم منها إلى أنواع، والكشف على الحديث عنه
عسر جدا، لأنه غير مرتب على الأبواب ولا المسانيد.
وقد رتبه على الأبواب بعض العلماء المتأخرين وهو الأمير علاء
الدين أبو الحسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الحنفي النحوي
المتوفى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وسمى ترتيبه («الإحسان في تقريب
صحيح ابن حبان)) وجرد أبو الحسن الهيثمي زوائده على الصحيحين في
مجلد .
منزلة صحيح ابن حبان: وقد نسب العلامة أبو عمرو بن الصلاح
لابن حبان تساهله في التصحيح فقال في مقدمته(٢): ويقاربه - يعني
مستدرك الحاكم - في حكمه صحيح أبي حاتم بن حبان البستي)) قال
العراقى: ((إنما المراد أنه يقاربه في التساهل، فالحاكم أشد تساهلا منه»
قال الحازمي: ((ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم)».
قال السيوطي: قيل: ((وما ذكر من تساهل ابن حبان ليس بصحيح
فإن غايته أن يُسمي الحَسَن صحيحا، فإن كانت نسبته الى
التساهل باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي لامشاحة في الاصطلاح،
(١). إرجع إلى ((أعلام المحدثين ص ٣٠٨، ٣٠٩.
(٢) ص ١٨ بشرح العراقي.
٢٤٥

وإن كان باعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه
: ثقة غير مُدَلِّس، سمع من شيخه، وسمع منه الآخذ عنه ولا يكون هناك
إرسال ولا انقطاع وإن لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل وكان كل
من شيخه، والرواي عنه ثقة، ولم يأتِه بحديث منكر فهو عنده ثقة وفي
كتاب ((الثقات)) له كثير ممن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعترض عليه
في جعلهم ثقات من لم يعرف حاله، ولا اعتراض عليه فإنه لا مُشاحَّة في:
ذلك، وهذا بعض شرط الحاكم: حيث شرط أن يخرج عن رواة أخرج
لمثلهم الشيخان في الصحيح فالحاصل: ان ابن حبان، وفى بالتزام
شروطه. ولم يوف الحاكم(١).
(٢) ((صحيح ابن خزيمة))
ومؤلفه: هو الإمام الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن خزيمة
النيسابوري الملقب بإمام الأئمة ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وتوفي
سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
حياته العلمية: عني بالحديث من حداثته وارتحل، وطاف البلاد
وسمع من الشيوخ الكبار، وسمع منه الكثيرون من أعيانهم البخاري
ومسلم في غير الصحيحين وأبو على النيسابوري وغيرهم.
وقد جمع إلى العلم بالحديث العلم بالفقه وبلغ رتبة الاجتهاد فيه وإن
كان يذكره المؤلفون في ((طبقات الشافعية))، شافعياً، روى عنه انه
قال: ما قلدت أحداً منذ بلغت ستة عشر وكان يرى رأي السلف في
الصفات، وان كان لم يسلم من تقولات المفترين عليه، وقد كذبهم فيما
(٢).
يدعون عليه
ثناء الائمة عليه: وقد حظي بثناء كثير من الأئمة عليه، قال فيه
تلميذه أبو حاتم محمد بن حبان البستي: ((ما رأيت على وجه الأرض من
(١) التدريب ص ٠٥٤٠٥٣
(٢) تذكرة الحفاظ جـ ٢ ص ٢٦٤ ط الأولى ..
٢٤٦ .

يُحْسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن السنن
بين عينيه الا محمد بن إسحاق بن خزيمة)) وقال الدارقطني ((كان ابن
خزيمة أماما ثبتا معدوم النظير)» ولما سئل عنه ابن أبي حاتم الرازي
قال: ((ويحكم هو يأل عنا ولا نسأل عنه، هو إمام يقتدى به)).
مؤلفاته: قال الحاكم في كتابه، ((معرفة علوم الحديث)): ((إن
مصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل، والمسائل المصنفة
مائة جزء، وله ((فقه بريرة)» في ثلاثة أجزاء وكتاب ((الصحيح)» وهو
من أجل الكتب وأنفعها، ومن مؤلفاته كتاب ((التوحيد وإثبات صفات
الرب)) وكتاب ((الفقه)) والذي يهمنا هنا هو كتابه ((الصحيح)).
وقد قالوا: صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان
لشدة تجريه حتى إنه كان يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد ،
فيقول: ان صح الخير، أو إن ثبت كذا ونحو ذلك (١).
أقول: ولعله تأثر في هذا بالإمام الجليل الشافعي فإنه كثيرا ما يعلق
قوله بالحديث على صحته أو ثبوته كما نقل ذلك ثقات الشافعية عنه.
ومن مميزات هذا الصحيح العناية بالتوفيق بين الأحاديث التي
ظاهرها التعارض، وليس هذا بالعجيب من هذا الإمام الذي كان ينكر
وجود تعارض حقيقي بين حديثين أو أكثر ويقول: ((من كان عنده
شيء من هذا فليأتني به لأؤلف له بينهما )».
(٣) ((المنتقى لابن الجارود))
ومؤلفه: الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود
النيسابوري المجاور بمكة المتوفى سنة ست أو سبع وثلاثمائة ومعنى
(١) صحيح ابن خزيمة ضاع معظمة وبقي بعضه. وقد طبع الموجود منه في أربعة أجزاء بتحقيق الدكتور
محمد مصطفى الأعظمي الهندي. وعسى ان يوفق أحد إلى العثور على باقي الكتاب.
٢٤٧

((المنتقى)) أي المختار من السنن المسندة إلى رسول الله عَّة في الأحكام،
وهو كالمستخرج على صحيح ابن خزيمة في مجلد لطيف وأحاديثه تبلغ
نحو الثمانمائة. وتُتُبِّعَت فلم ينفرد عن الشيخين منها إلا بيسير. وله شرح
يسمى: ((المرتقى في شرح المنتقى)) لأبي عمرو الأندلسي.
(٤) ((المنتقى لقاسم بن أُصْبَغ الأندلسي))
ومؤلفه: هو الإمام الحافظ قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البيَّاتي(١)
يحدث الأندلس أبو محمد الأموي مولاهم القرطبي المالكي، صاحب
التصانيف المفيدة المتوفى بقرطة سنة أربعين وثلاثمائة.
شيوخه وتلاميذه:
وقد ارتحل ولقي الشيوخ من أشهرهم بَقِيّ بن مَخْلَد الأندلسي
صاحب المسند، واسماعيل القاضي، وابن أبي خيثمة، وقد حَمل عنه
التاريخ وروى عنه الكثيرونَ ومن بينهم حفيده قاسم بن محمد ،
وعبد الله بن محمد الحافظ الباجى وعبد الوارث بن سليمان وغيرهم.
علمه والثناء عليه:
وكان إماماً جليلاً انتهى إليه علو الإسناد ، والحفظ والجلالة في بلاد.
الأندلس فلا عجب أنه حظي بثناء العلماء عليه، وفي آخر عمره كثر
نسيانه ولكن ما اختلط فلما أحس بذلك انقطع عن الرواية صوناً لعلمه،
وتحوظاً للحديث.
مؤلفاته :
وهي كثيرة منها (١) الصحيح (٢) والمنتقي من الآثار وهو على نحو
(١) البيَّاني: بفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء المثناة نسبة الي بيَّانة كجَبَّانة كورة بالأندلس بينها، وبين
قرطبة ثلاثون ميلا .
٢٤٨

كتاب ((الْمُنْتَقَى)) لابن الجاورد، قال ابن حزم: وهو أحسن انتقاء منه،
وقد جعله ابن حزم في المرتبة الأولى من كتب الحديث.
وقد ذكر الإمام الذهبي في ((التذكرة)» (١) الكتابين وأن الصحيح
على غرار صحيح مسلم فالظاهر أنهما كتابان له لا اسمان لكتاب واحد.
وأما العلامة الكثَّاني في ((الرسالة المستطرفة))(٢) فقد ذكر المنتقي
فحسب .
(٥) «صحيح ابن السَّكَن))
ومؤلفه الإمام الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي
نزيل مصر ولد سنة أربع وتسعين ومائتين وتوفي سنة ثلاث وخمسين
وثلاثمائة .
شيوخه وتلاميذه:
وقد أخذ العلم والحديث عن شيوخ كثيرين منهم: محمد بن يوسف
الْفِرَبْرِي راوية صحيح البخاري، وروى عنه أئمة أجلاء منهم: أبو عبد
الله بن منده، وعيد الغني بن سعيد.
مؤلفاته: وأجل مؤلفاته كتاب ((الصحيح المنتقي )) ويسمى أيضاً
((بالسنن الصحاح المأثورة عن رسول اللهع فة)) وهو كتاب محذوف
الأسانيد جعله أبواباً في جميع ما يحتاج إليه من الأحكام ضمنه ما صح
عنده من السنن المأثورة وقد جعله ابن حزم في المرتبة الأولى من كتب
(٣)
الحدیث
(١) ج ٣ ص ٨٥٣ و٨٥٤.
(٢) ص ٢٠.
(٣) تذكرة الحفاظ جـ ٢ ص ٩٢٧، ٩٢٨، والرسالة المتطرفة ص ٢٠.
٢٤٩

(٦) (المختارة للضياء المقدسِي))
ومن الكتب التي تَشْتَمِل على الكثير من الأحاديث الصحيحة كتاب
((الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما)).
ومؤلفها: هو الإمام الحافظ العالم الحجة محدث الشام، وشيخ السنة
ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد السعدي المقدسي ثم
الدمشقي الصالحي الحنبلي ولد سنة تسع وستين وخمسمائة وتوفي سنة ثلاث
وأربعين ، وستمائة .
ارتحاله وشيوخه: أرتحل ولقي الشيوخ الكثيرين منهم أبو القاسم
البوصيري وطبقته بمصر وابن الجوزي وطبقته ببغداد: وسمع منه
الكثيرون منهم ابن الخباز، وابن الخلال، والقاضي تقي الدين وغيرهم ...
وقد حظى بثناء العلماء عليه قال تلميذه الشيخ الإمام عمرين
الحاجب: ((شيخنا أبو عبد الله شيخ وقتة، ونسيج وحده علما،
وحفظاً، وثقة، ودِينا، من العلماء الربانيين (١))).
((كتاب المختارة)) وله مؤلفات كثيرة منها ((المختارة)) التزم فيها
الصحة فصحح أحاديث لم يسبق الى تصحيحها، ولم يتم الكتاب، وهي
مرتبة على المسانيد على حروف المعجم لا على الأبواب، وقد سلم له فيها
التصحيح إلا أحاديث يسيرة جداً تعقبت عليه، وذكر ابن تيمية
والزركشي وغيرهما أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وفي
((اللآلىء)» للسيوطي (ذكر الزركشي في تخريج الرافعي ان تصحيحه
أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي، وابن
حبان)) وذكر ابن عبد الهادي في (الصارم المنكى)) نحوه، وزاد، فإن
الغلط فيه قليل ليس هو مثل صحيح الحاكم فإن فيه أحاديث كثيرة
(١) من اراد ترجمة وافية له فليرجع إلى كتابي « أعلام المحدثين ص ٣٠٩ - ٢١٠.
٢٥٠

يظهر أنها كذب موضوعة فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره (١) )).
وقال ابن كثير في مختصره: ((وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن
عبد الواحد المقدسي في ذلك كتاباً سماه ((المختارة» كان بعض الحفاظ
من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم )) (٢) والظاهر ان مراده شيخه
ابن تَيمِيةِ.
:
((تنبيه مهم))
ومما ينبغي أن يعلم ان هذه الكتب التي التزم فيها مؤلفوها الصحة
لا تبلغ درجة الصحيحين في الصحة، وأن مؤلفيها لم يبلغوا شأو
البخاري ومسلم في التصحيح والتضعيف، ونقد الرجال، والعِلْم بعلل
الحديث، ولم يبالغوا في شروط الصحيح كما بالغ الشيخان، فمن ثَمَّ
تأخرت مرتبة كتبهم - مع التزامهم الصحيح - عن مرتبة
الصحيحين، وأنه لا ينبغي أن يؤخذ كل ما فيها من الأحاديث
الصحيحة على أنها قضية مسلمة في التصحيح، فقد وجدت في
((المختارة)) وغيرها من هذه الكتب أحاديث مصححة وتعقبها بعض
العلماء، وخالفوا في صحتها وصدق الله: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ والله
أعلم.
((عدد أحاديث الصحيحين )»
عدد أحاديث البخاري:
ذكر العلامة أبو عمرو بن الصلاح في كتابه ((علوم الحديث )» أن
عدد أحاديث صحيح البخاري سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون
(١) الرسالة المتطرفة ص ٢٠ ط الأولى.
(٢) اختصار علوم الحديث ص ١٥.
٢٥١

حديثاً بالمكرر وبغير المكرر أربعة آلاف حديث.
وتابعه الإمام النووي في مختصره ((التقريب)» والحافظ ابن كثير في
كتابه «إختصار علوم الحديث، وما قالوه غير صحيح(١)
والذي حرره الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري:
((هدي الساري)» أن أحاديثه المسندة المتصلة بغير المكرر الفان وستمائة
حديث وحديثان(٢) (٢٦٠٢) وأن جملة ما فيه من الأحاديث بالمكرر سوى:
المعلقات والمتابعات سبع وتسعون حديثا وثلاثمائة وسبعة آلاف حديث
(٧٣٩٧) وجملة ما فيه من المعلقات أحد واربعون وثلاثمائة (٣) حديث
فجميع ما فيه بالمكرر اثنان وثمانون وتسعة آلاف حديث (٩٠٨٢)(٤)
وهذا عدا الموقوفات على الصحابة والتابعين(٥) وقد بلغ الاستاذ المحقق:
محمد فؤاد عبد الباقي بأحاديث البخاري بالمكرر في النسخة التي قام
بترقيمها سبعة آلاف وخمسمائة وثلاث وستون حديثاً.
((عدد أحاديث صحيح مسلم ))
وجملة ما في صحيح مسلم بدون المكرر نحو أربعة آلاف حديث.
قال العراقي: وهو بالمكرر يزيد على صحيح البخاري بالمكرر لكثرة
طرقه، قال: وقد رأيت عن أبي الفضل أحمد بن سلمة أنه إثنا عشر
(١) قال الحافظ ابن حجر: وهذا أي العدد - قالوه تقليداً للحموبي فإنه كتب البخاري عنه - أي:
عن القربري - وعد كل باب منه ثم جمع الجملة، وقلده كل من جاء نظراً إلى أنه راوي الكتاب وله
به. العناية التامة وقد سمع صحيح البخاري من محمد بن يوسف الفربري وتوفي بعد سنة ثمانين وثلاثمائة
(٣٨٠).
(٢): هذا هو ما ذكره الحافظ في المقدمة، ونقله العلامة الخاوي وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري في شرح
الفيه العراقي والذي ذكره السيوطي في ((التدريب)) ص ٥٠ ألفان وخمسمائة وثلاثة عشر" حديثا
[٢٥١٣].
(٣) الذي في ((التدريب)» ص| ٥٠ أن عدتها ثلاثمائة وأربعة وثمانون حديثا (٣٨٤).
: (٤) وهذا الذي ذكرناه هنا هو مجموع المفردات المذكورة، أما على ما ذكره السيوطي فلا يؤدي الى هذا.
(٥) مقدمة فتح الباري من ض ٤٧٠ - ٤٧٨٠ ط بولاق.
٢٥٢

ألف حديث وقال الميانجي: ثمانية آلاف حديث والله اعلم (١).
وقد بلغ الأستاذ المحقق محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه الله تعالى -
بأحاديث مسلم بدون تكرار الى ثَلاثَة آلاف وثلاثَة وثلاثين حديثاً
بدون المكرر ويا ليته كان رقم المكرر ايضاً لنعرف عدة مجموع الكتاب.
وعسى أن يُقَيِّض الله لصحيح مسلم من يعده بالمكرر وبدون المكرر
على غرار ما صنع الإمام ابن حجر.
((المعلقات في صحيحي البخاري ومسلم))
ما ذكرناه من أن أحاديث الصحيحين في الدرجة العالية من الصحة
انما هو فيما ذكراه في كتابيهما بالإسناد المتصل وكان من مقصود كتابيهما
وموضوعه. وأما المعلقات (٢) الموجودة في الكتابين وهي كثيرة في صحيح
البخاري قليلة في صحيح مسلم حتى قيل إنها لا تعد وأربعة عشر
حديثاً - فلها حكم آخر.
((حكم المعلق عند البخاري))
ما علقه البخاري له حالان: (١) إما أن يكون بصيغة الجزم كقال.
ورَوْى، وذَكر (٢) وإما أن يكون بصيغة التضعيف كقيل. ورُوي.
وذُكِر. فأما الأول فيقيد الصحة إلى من علقه عنه ثم النظر بعد ذلك
فيمن أبرزه من رواة الحديث، فإن كان الإسناد متصلا، وكان الرواة
ثقات كان الحديث صحيحاً عند البخاري، وإن كان في السند انقطاع
أو في الرواة من ليس ثقة فلا يكون الحديث صحيحاً عنده.
وأما الثاني فلا يستفاد منه الصحة ولا عدمها بل يحتمل أن يكون
(١) تدريب الراوي ص ٥١ ط المحققة.
(٢) المعلق: هو ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر مثل قول البخاري مثلا: قال ابن عباس كذا،
وقال مجاهد عن ابن عباس كذا وكذا ما يرويه عن شيوخ شيوخه.
٢٥٣

صحيحاً وأن يكون غير صحيح فينبغي البحث عنه حتى تعرف منزلته:
من الصحة او الحسن أو الضعف وقد وجد بالإستقراء والتتبع في
الأحاديث التي علقها البخاري بصيغة التمريض ما هو صحيح عنده.
أخرجه في كتابه في موضع آخر مسنداً متصلاً أو ما هو صحيح عند
مسلم أو عند غيره مما ليس على شرطه ومنهاجه التي التزمه في كتابه
الصحيح والبخاري أحياناً يعلق ما صح عنده بغير صيغة الجزم لمعان
أخرى غير التضعيف وهي ما إذا أختصر الحديث، أو رواه بالمعنى أو
نحو ذلك، وذلك لاختلاف العلماء في جواز اختصار الحديث، أو الرواية.
بالمعنى فلملاحظة الخلاف يأتي به بصيغة التضعيف، ويكفي هذا القدر
هنا ومن أراد زيادة وتفصيلا أكثر في هذا المقام فليرجع إلى كتابي
((أعلام المحدثين)) ففيه ما يشْفي ويكفي(١) ....
ومما ينبغي أن يعلم أن ما كان من التعليقات صحيحاً ليس من نمط
الصحيح المسند فيه الذي قصد به أصل الكتاب، وموضوعه، فقد رسم
كتابه وسماه ((الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله:"مع اليه
وسننه وأيامه)) ثم إلى البخاري إنما يذكر التعاليق في تراجم الكتاب
وأبوابه دون مقاصده، وموضوعه، فثبته لذلك، وكن منه على يقين ..
(ما يذكره البخاري عن شيوخه بصيغة الجزَمُ)).
وأما ما يذكره البخاري عن شيوخه بصيغة قال، وذكر فليس من
المعلق الذي حذف من مبتدأ إسناده شيء وإنما هو إسناد متصل، وهذا
ما عليه جمهور المحدثين فكل ما رواه عن شيوخه هكذا فهو محمول
على الاتصال.
ومن العلماء المغاربة من ذهب إلى أنه معلق أيضاً يذكر للاستشهاد
(١) اعلام المحدثين ص ١٢٨° :-
١٣٢:
٢٥٤

لا للإحتجاج لأنه سمعه في حال المذاكرة والمناظرة، وأحاديث المذاكرة قَلَّمَا
يحتجون بها وقد رَدَّ هذا القول ابن الصلاح في مقدمته، وقد قال
الحافظ أبو جعفر بن حمدان النيسابوري: ((كل ما قال البخاري: قال لي
فلان فهو عرض ومناولة ))
والصحيح ما قدمناه أولا من إنه إسناد متصل ولا انقطاع فيه ومن
ثم يتبين لك جلياً خطأ ما ذهب إليه أبو محمد بن حزم إمام الظاهرية
في رده ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن غَنْم
عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري عن رسول الله عَ لّم قال: ((ليكون في
أمتي أقوام يخلون الحِرَ(١))) والحرير. والخمر، والمعازف)) وذلك لأن
البخاري لما رواه في صحيحه قال: وقال هشام بن عمار ... وساق بقية
إسناده فزعم ابن حَزْم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعل هذا
جواباً عن الاحتجاج بالحديث على تحريم المعازف وما قاله ابن حزم غير
صحيح والحديث معروف الإتصال وصحيح على شرط البخاري، ولا
انقطاع بين البخاري وشيخه هشام.
وقد روى هذا الحديث أيضاً الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في
سننه، وخرجه البرقاني في صحيحه، وغير واحد مسنداً متصلاً إلى هشام
مما يدل على أن الحديث صحيح ولا مطعن فيه وقد بين الحافظ ابن
حجر في ((الفتح ج ١٠ ص ٥٣)) أن السبب في ايراد البخاري له
بصيغة قال مع سماعه منه هو التردد الحاصل من هشام في اسم الصحابي
أهو أبو عامر أم أبو مالك والمعروف ان الحديث من رواية عبد
الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأَشْعَري.
(١) الحر بكسر الحاء وفتح الراء المُخَفَّفة وأصله حرح حذفت الحاء والحر هو الفرج والمراد استحلال
الزنا وقد تحذف الحاء ويعوض عنها راء وتدغم الراء في الراء فيقال: الجِرَّ بكسر الحاء المهملة،
وفتح الراء المشددة ولكن الرواية جاءت على الأول.
٢٥٥

((حكم التعليق عند الإمام مُسلم)»
قلت فيما سبق: ان المعلقان في صحيح البخاري كثيرة، وهي في
صحيح مسلم قليلة وقد ذكر الحافظ أبو علي الغساني الجياني: أن المعلق
في صحيح مسلم وقع في أربعة عشر موضعاً وقد أخذ هذا عنه أبو عبد
الله المازري صاحب «المعلم بشرح صحيح مسلم)».
ولكن الذي حققه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ونقله عنه النووي
أن عدتها اثنا عشر موضعاً.
أما حكم المعلق عند الإمام مسلم فهو نحو حكمه عند الإمام البخاري
قال الإمام النووي في مقدمة شرحه لمسلم:
((فصل )) قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله -
ما وقع في صحيحي البخاري ومسلم مما صورته صورة المنقطع ليس
ملتحقاً بالمنقطع في خروجه من حيز الصحيح إلى حيز الضعيف ويسمى
هذا النوع تعليقاً سماه به الإمام أبو الحسن الدارقطني، ويذكره
الحميدي في الجمع بين الصححين وكذا غيره من المغاربة وهو في كتاب
البخاري كثير جداً وفي كتاب مسلم قليل جداً، قال: فإذا كان التعليق
منها بلفظ فيه جزم بأن مَنْ بينهما وبينه الانقطاع قد قال ذلك أو رواه
واتصل الإسناد منه على الشرط مثل أن يقولا روى الزهري عن فلان
ويسوق إسناده الصحيح فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح
عندهما وكذلك ما روياه عمن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف به وأوْرَدَاه
أصلا محتجين به وذلك مثل حدثني بعض أصحابنا ونحو ذلك.
وبعد أن ذكر كلام الحافظ أبي علي الغساني في سرد المعلقات في مسلم
وتحقيق أنها إثنا عشر موضعاً، وذكر حكم المعلق بلفظ جازم عند
البخاري قال: أما إذا لم يكن ذلك منهما بلفظ جازم مثبت له عمن
ذكراه عنه على الصفة التي تقدم ذكرها مثل أن يقولا: روى عن فلان،
٢٥٦

أو ذكر عن فلان أو في الباب عن فلان ونحو ذلك فليس ذلك في حكم
التعليق الذي ذكر ولكنه يستأنس بإيرادهما له.
وأما قول مسلم في خطبة كتابه: وقد ذكر عن عائشة رضي الله عنها
أنها قالت: ((أمرنا رسول الله عَ لَّهِ أن تُنْزِل الناس منازلهم)) فهذا بالنظر
إلى أنَّ لَفْظَه ليس جازماً لا يقتضي حكمه بصحته، وبالنظر إلى أنه
احتج به وأورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد يقتضي حكمه
بصحته ومع ذلك فقد حكم الحاكم ابو عبد الله في كتابه ((معرفة علوم
الحديث)) بصحته(١) وأخرجه أبو دَاوُدَ في «سننه » بإسناده متفرداً به،
وذكر أنَّ الراوي له عن عائشة هو ميمون بن أبي شبيب، ولم يدركها
قال الشيخ: وفيما قاله أبو داود نظر، فهو كُوفِي متقدم قد أدرك المغيرة
ابن شعبة ومات المغيرة قبل عائشة وعند مسلم التعاصر مع إمْكان التلاقي
كاف في ثبوت الإدراك والاتصال)) ... الخ ما قال.
الأحاديث المنتقدة على الصحيحين))
قد انتقد بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره أحاديث ذكرها البخاري
ومسلم في صَحِيحَيْهما أو أحدهما وليس معنى هذا أن هذه الأحاديث
المنتقدة ضعيفة أو واهية، كلا، وإنما انتقدوها لكونها لم تبلغ الدرجة
العالية التي التزمها كل واحد منهما في كتابه.
وجملة هذه الأحاديث مائتان وعشرة أحاديث اشتركا في اثنين
وثلاثين منها، واختص البخاري بثمانية وسبعين حديثاً، ومسلم بالباقي
وهو مائة حديث، وما انتقده على البخاري وحده أو شاركه فيه مسلم
قد أجاب عنه الحافظ الكبير ابن حجر في مقدمة الفتح، وماخص مسلماً
أجاب عنه الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم.
(١) مقدمة شرح مسلم ص ١٦ - ١٩.
٢٥٧

وفي الحق أن الكثير مما انتقد كان الجواب عنه سهلاً مقبولاً ، لا يخل
بصحة الحديث في نفسه والبعض - وهو قليل جداً - قد تكلف فيه
المجيب عنه غاية التكلف وهي لا تعدو بضعة أحاديث أكثرها في
صحيح مسلم وهي على قلتها لا تَفُض من قيمة الكتابين، وبلوغهما الغاية.
في الصحة فلا تلتفت إلى ما يهرف به بعض من لا يعرف من الزعم بأن
في الصححين أحاديث موضوعة أو ضعيفة واهية فهذا تخرص وكذب
على الشيخين الجليلين وكتَابَيْهما الصحيحين ومن أراد زيادة في تحقيق
الحق في هذا المقام فليرجع إلى ما كتبته في كتابي ((أعلام المحدثين(١)))
وكتابي ((دفاع عن السنة ورد شُبَه المستشرقين والكتاب المعاصرين)) فقد
أفضت في الأول القول في كل المباحث المتعلقة بالصحيحين، وغيرهما من
كتب الأحاديث المشهورة.
((الحَدِيثُ الصَّحيح أيفيد العلم القطعي اليقيني أم
الظن )»؟
اتفق العلماء على أن الحديث المتواتر لفظاً أو معنى يفيد القطع
واليقين في ثبوته، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم، ولكنهم
اختلفوا في الحديث الصحيح أيفيد العلم القطعي اليقيني أم الظن؟
فذهب الكثيرون إلى أنه لا يفيد القطع، بل هو ظني الثبوت وهو
الذي رجحه الإمام النووي في التقريب.
وذهب آخرون إلى أنه يفيد العلم اليقيني في ثبوته وهو مذهب
داود الظاهري والحسن بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي
وحكاه ابن خُوَيْزَ مَنْدادَ عن مالك، وهو الذي اختاره وذهب إليه ابن
حزم قال في الإحكام: ((إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول
(١) أعلام المحدثين من ص ١٣٤ - ١٤١ ومن ص ١٨٧ - ١٨٩.
٢٥٨

1
الله عَ لَه يوجب العلم والعمل معا ... )) ثم أطال في الإحتجاج له والرد.
على مخالفته في بحث طويل نفيس(١).
هل أُحَاديث الصحيحين تفيد اليقين والعلم القطعي؟
ذهب العلامة ابن الصلاح إلى أن ما أخرجه الشيخان أو أحدهما
بالإسناد الصحيح المتصل مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل به،
وذلك لتلقي الأمة لكتابيهما بالقبول، والأمة في مجموعها معصومة من
الخطأ، وقد إستثنى ابن الصلاح من هذا الأحاديث القليلة التي انتقدها
الدار قطني وغيره على الصحيحين(٢) وقد أشرنا إليها آنفا وخالف ابن
الصلاح في هذا الإمامُ النووي: وقال: إن المحققين والأكثرين على أنه يفيد
الظن ما لم يتواتر وعلل ذلك بأنه شأن الآحاد، ولا فرق في ذلك بين
الشيخين وغيرهما، وتلقى الأمة لكتابيهما بالقبول إنما أفاد وجوب العمل
بما فيهما من غير توقف بخلاف غيرهما فلا يقبل حتى ينظر فيه، ويوجد
فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما
إجتماعهم على القطع بأنه كلام النبي عدله(٣).
وقد رد بعض العلماء كلام النووي: بأن العلماء متفقون على وجوب
العمل بكل ما صح ولو لم يخرجه الشيخان فلم يبق للصحيحين في هذا
مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة،
وليس ذلك إلا إفادة أحاديثهما العلم والقطع كما قال ابن الصلاح.
وممن وافق ابن الصلاح الشيخ العلامة ابن تيمية، وقد نقل القطع
بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة منهم القاضي
عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الاسفرايني ، والقاضي أبو الطيب
(١) الإحكام جـ١ ص ١١٩ - ١٢٧ عن الباعث الحثيث ص ٣٥ - ٣٦ هامش.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٤١، ٤٢ ط العاصمة ..
(٣) التقريب شرحه ((التدريب)) ص ٧٠ وما بعدها ط المحققة ..
٢٥٩

الطبري، والشيخ أبو اسحاق الشيرازي من الشافعية وابن حامد، وأبو
يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب وابن الزغوني وأمثالهم من الحنابلة وشمس
الأئمة السرخسي من الحنفية، وهو قول اكثر أهل الكلام من الأشعرية
كالأستاذ أبي اسحاق الاسفرايني وهو مذهب أهل الحديث قاطبة،
ومذهب السلف عامة (١)
وقد وافق ابن الصلاح الحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر في
شرح النخبة حيث قال بعد أن قسم الخبر إلى متواتر وآحاد: ((وقد يقع
في أخبار الآحاد ما يفيد العلم النظري بالقَرَائِن على المختار ... إلى أن
قال والخبر المحتف بالقرائن أنواع منها (١) ما أخرجه الشيخان أو أحدهما
في صحيحيهما مما لم يبلغ حد المتواتر فإنه احتف به قرائن: جلالتهما في
هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقى العلماء
لكتابيهما بالقبول وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة
الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده احد من
الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب - أي التعارض - بين
مدلوليها في الكتابين(٢) حيث لا ترجيح لأحدهما؛ لاستحالة أن يفيد
المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا
ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته.
والحق هو ما ذهب إليه ابن الصلاح وموافقوه من أن أحاديث
الصحيحين - عدا ما انتقد - تفيد العلم النظري، وهذا العلم إنما
يحصل للعالم المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة وهذا العلم اليقيني
النظري يبدو واضحاً لكل من تبحر في علم من العلوم، وتشبعت نفسه
بأصوله وقواعده ومسائله، واطمأن قلبه إليها، وإنما يستبعد هذا من لم
(١) الباعث الحثيث لابن كثير ص|٣٦).
(٢) هذا شيء آخر استئناه الحافظ زيادة على ما استثناه ابن الصلاح.
(٣) النخبة بشرحها وحاشية القاري عليها ص ٤١ وما بعدها.
٢٦٠