Indexed OCR Text

Pages 201-220

اشتهر من الأحاديث على السنة الناس) وكلها عدا الأول مطبوعة.
وبهذه الكتب يسر العلماء - جازاهم الله خيراً - لأهل العلم
وغيرهم معرفة درجة كل حديث فلا يقعون في الإثم بسبب إشاعة
الكذب على رسول الله معد له بذكر أحاديث مشهورة وهي موضوعة باطلة
أو لا أصل لها أو واهية ساقطة أو ضعيفة شديدة الضعف لا يقوم بها
الإحتجاج حتى في فضائل الأعمال كما هو حاصل اليوم بين بعض
المتحدثين في الندوات والمحافل أو المؤلفين والكاتبين في المجلات
والصحف أو بعض الأئمة والخطباء والوعاظ والمدرسين في المدارس
والمعاهد والكليات وإني في هذا المقام أذكر بالحديث الذي ذكرته فيما
سبق (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) وحديث (من حدث
بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).
(٢) العزيز: ما لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين وهكذا
وقد يزيد في بعض طبقاته كما عرفه الحافظ ابن حجر، وهذا أحسن
وأدق من تعريفه بأنه ما رواه اثنان عن اثنين وهكذا فإن هذا الثاني
لا یکاد یوجد .
مثاله ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة والشيخان من حديث
أنسِ أن النبي عَ لَّه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من
والده وولده والناس أجمعين) فقدرواه من الصحابة أنس وأبو هريرة ورواه
عن أنس إثنان قتادة، وعبد العزيز بن صهيب ورواه عن قتاده إثنان
شعبة، وسعيد، ورواه عن عبد العزيز اثنان اسماعيل بن عُلَّيَّة، وعبد
الوارث ورواه عن كل منهما جماعة.
قال السخاوي: وسعيد ما يُحَرر فإني قلدت شيخناً(١) فيه، مع عدم
وقوفي عليه لعدم الفحص.
(٣) الغريب: هو الحديث الذي تفرد براويته راو واحد في كل
(١) هو الحافظ ابن حجر.
٢٠١

الطبقات أو بعضها، ومثاله حديث (إنما الأعمال بالنيات ... ) فهو حديث:
فردٍ غريب في أوله مستفيض في آخره وهو صحيح ثم الغريب إما أن
يقع التفرد به في أصل السند وهو طرفه الذي فيه الصحابة أو لا يكون
كذلك بأن يكون التفرد في أثنائه كأن يرويه عن الصحابة أكثر من
واحد ثم يتفرد براويته واحداً واكثر.
فالأول هو الفرد المطلق كحديث (النهي عن بيع الولاء وهبته١١)
تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد يتفرد به راو عن ذلك
المنفرد كحديث (شعب الإيمان) وهو ما رواه البخاري بسنده عن أبي.
هريرة عن النبي عَّة قال: (الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من
الإيمان) ورواه مسلم بزيادة (أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى
عن الطريق) فقد تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة وتفرد به عبد الله بن
دينار عن أبي صالح وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم وفي
مسند البزار، والمعجم الأوسط للطبراني وكذا الصغير أمثلة كثيرة لذلك
قال السخاوي: والدارقطني كتاب (الأفراد) في مائة جزء.
والثاني الفرد النني : - وسمى نسبياً لكون التفرد فيه حصل
بالنسبة إلى شخص معين ويقل إطلاق الفرد عليه، لأن الغريب والفرد
مُتَرادِفَان لغة واصطلاحاً إلا أن أهل الإصطلاح غايروا بينهما من
حيث كثرة الاستعمال وقلته فالفرد اكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق
والغريب أكثر ما يطلقوته على الفرد النسبي وهذا من حيث إطلاق
الاسمية عليهما وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون
فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان أو أغرب به فلان(٢). ويدخل
(١) وهو ما ورد مرفوعا ((الولاء لحمة كلمة النسب: لا يباع ولا يوهب)»، واللحمة بضم اللام اي
الاختلاط في الولاء كالاختلاط في النسب)) والمراد بالولاء ولاء العتيق. والحديث رواه: أحمد بن
منيع عن ابن عمر.
(٢) نخبة الفكر وشرحها ص ٠١١
٢٠٢

في الغريب ما انفرد راو بروايته أو بزيادة في متنه أو سنده لم يذكرها
غيره. ولا يدخل فيه أفراد البلدان كقولهم: تفرد به أهل مكة أو
المدينة؛ أو الشام أو مصر إلا أن يقال تفرد به أهل المدينة ويراد تفرد
واحد منهم تجوزاً .
أقامه : - وينقسم الغريب إلى صحيح كأفراد الصحيحين وإلى غير
صحيح وهو الغالب على الغَرَائب قال الإمام احمد بن حنبل: ((لا
تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء »
وقال الإمام مالك: ((شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه
الناس)) وقال عبد الرزاق: (كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو
شر) وقال ابن المبارك: ((العلم الذي يجيئك من ههنا وههنا يعني
المشهور)) رواها البيهقي في المدخل وروى عن الزهري قال: (ليس من
العلم ما لا يعرف إنما العلم ما عرف وتواطأت عليهم الألسن) إلى غير
ذلك.
وينقسم أيضاً إلى غريب منناً واسناداً كما إذا انفرد ممتنة راو واحد
وإلى غريب اسناداً لا متناً كحديث روى متنه جماعة من الصحابة انفرد
واحد براويته عن صحابي آخر وفيه يقول الترمذي: غريب من هذا
الوجه ولا يوجد غريب متناً لا إسناداً إلا إذا اشتهر الحديث الفرد في
آخره فيكون غريباً متناً لا إسناداً بالنسبة إلى طرفه المشهور الأخير
كحديث (إنما الأعمال بالنيات) وقد تقدم تحقيقه (١).
(١) التدريب ص ١٩١.
٢٠٣

«تقسيمُ الحَديث ◌ِ حَيث نِسِتُ إلى قائِلٌ:
<<
قسم علماء الحديث الحديث من هذه الحيثية إلى ثلاثة أقسام:
المرفوع، والموقوف، والمقطوع.
((المرفوع».
١ - عرفه جمهور المحدثين بأنه ما أضيف إلى النبي عد له قولا أو فعلا
أو تقريرا أو صفة خلقية أو خُلقية وسواء أكان متصلاً أم
منقطعاً أم مرسلا، وإذا أطلق المرفوع لا ينصرف إلا: إلى:
المضاف إلى النبي عَ ◌ّة .
٢ - وعرفه الخطيب البغدادي فقال: هو ما أخبر فيه الصحابي عن:
قول رسول الله أو فعله أو تقريره أوصفته وعلى تعريف الخطيب لا
يكون المرفوع مرسلا وهو ما سقط من سنده الصحابي.
«الموقوف )»
هو ما روي عن الصحابة - رضوان الله عليهم - من أقوالهم
وأفعالهم وتقريراتهم متصلا كان إسناده أو منقطعا. وإذا ذكر الموقوف
من غير تقييد أُريد به الموقوف على الصحابي. أما استعماله في غير
الصحابي فلا يكون الا مقيداً فيقال مثلا وقفه مالك عن نافع أو هذا
موقوف على الزهرى، ونافع والزهرى تابعيان.
ومن العلماء من لا يدخل التقرير في الموقوف، لأن تقرير النبي عليه
حجة بخلاف تقرير الصحابي فليس بحجة.
وأما فقهاء خراسان فيسمون الموقوف أثراً قال أبو القاسم الفوراني
٢٠٤

منهم: ((الخبر ما كان عن رسول الله عَ لّ والأثر: ما كان عن الصحابى،
وهو اصطلاح خاص لهم، ومن ثم يسمى كثير من العلماء الكتب الجامعة
لما جاء عن النبي وما جاء عن الصحابة ((السنن والآثار)) ككتابي
البيهقي والطحاوي.
(المقطوع)»
هو ما جاء عن التابعين موقوفاً عليهم من أقوالهم وأفعالهم وألحق
الحافظ ابن حجر في شرح النخبة بالمقطوع الموقوف على من بعد
التابعين من اتباع التابعين فمن بعدهم وإن شئت قلت: موقوف على
فلان .
وجمهور المحدثين والفقهاء ان المقطوع غير المنقطع فالأول من صفات
المتن والثاني من صفات الإسناد وربما وقع في كلام بعض العلماء اطلاق
المقطوع على المنقطع وبالعكس ومن هؤلاء الشافعي والحميدي
والدَّارَ قُطْنى والطبراني وهو تجوز وتوسع في الاصطلاح(١) وإن كان
يعتذر عن الإمام الشافعي بأن استعماله قبل استقرار الإصطلاح كقوله
في بعض الأحاديث حسن وهو على شرط الشيخين (٢) أي صحيح في غاية
الصحة .
((مَظَانٌ الموقوف والمقطوع))
نجد هذين النوعين كثيراً في مصنف ابن أبي شيبة ومصنف
عبد الرزاق وتفاسير ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم.
((إشتراك هذه الثلاثة في الصحيح والحسن والضعيف)»
وهذه الأقسام الثلاثة تشترك في الصحة والحسن والضعف فما اجتمع
(١) شرح النخبة ص ٤٨ ومقدمة ابن الصلاح ص ٥١.
(٢) التدريب ص ٠٦٥
٢٠٥

فيه شروط الصحة منها فهو صحيح وما اجتمع فيه شروط الحسن فهو
حسن وما فقد فيه شرط من شروط الصحيح والحسن فهو ضعيف.
: أما ما ثبت عن رسول الله عَّ صحيحاً كان أم حسناً فهو حجة
ويجب العمل يه باتفاق من يعتد به من العلماء.
وأما ما ثبت عن الصحابة صحيحاً كان أم حسناً فإن أجمعوا عليه
كان إجماعاً وحجة، وأما ما اختلفوا فيه فالجمهور على أنه حجة ويتخير.
منه ما كان أقرب الى القرآن والسنة وخالف في حجيته البعض(١).
وأما ما ثبت عن التابعين ففيه خلاف من الأئمة من احتج به ومنهم:
من لم يحتج، وما ذكرناه تبين سبب اعتناء بعض جامعي الأحاديث :
بجمع الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين.
وذكر صاحب «قواعد التحديث (٢))) الموقوف والمقطوع من الأنواع
التي تختص بالضعيف وهو غير صحيح ولا أعلم له سلفا في هذا وقد
خرج الإمام البخاري بعض الآثار الموقوفة والمقطوعة في تراجم صحيحه
لا في أصل كتابه تعليقًا ومنها ما هو صحيح ومنها ما ليس بصحيح كما
ستعلم ذلك فيما بعد.
«ما له حكم المرفوع مِنَ الموقوف وَالمقطوع))
وهنا مسائل يحسن ذكرها هنا لنبين حكمها وما يتعلق بها.
· (الأولى) قول الصحابي كنا نقول كذا أو تفعل كذا ما حكمه؟ إن لم
يضفه إلى زمان (٢) رسول الله عَ لّ فهو موقوف عند جمهور المحدثين والفقهاء
والأصوليين، وقال الحاكم والرازي والآمدي وغيرهم: إنه مرفوع ومثاله:
(١) انظر في هذا الفصل القيم الذي كتبه ابن القيم في («إعلان الموقعين، جـ ٤ ص ١٠٢ وما بعدها.
(٢). ص ١٣٠ ط ثانية.
٢٠٦
:

قول عائشة رضي الله عنها، ((كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه )) وما
رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال: ((كنا إذا صعدنا كبرنا واذا
نزلنا سبحنا ».
وإن أضيف إلى زمان رسول الله عَّ فالصحيح الذي عليه الجمهور
أنه مرفوع؛ لأن الظاهر أن رسول الله عَ لّم اطلع على ذلك وقررهم عليه
لتوفر دواعيهم على سؤاله عدِّ، وتقريره أحد وجوه السنن المعروفة،
ومن أمثلة ذلك قول جابر: ((كنا نعزل على عهد رسول الله عَ لَّه)) رواه
الشيخان وقوله: ((كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله عد له(١)))
رواه النسائي وابن ماجة وخالف في هذا أبو بكر الإسماعيلي فقال: إنه
موقوف، وهو بعيد جداً والصحيح الأول وقال آخرون: إن كان هذا
ممالا يخفي غالياً فمرفوع والا فموقوف، فإن كان فيه تصريح
باطلاعِهِ عَ لّ فمرفوع إجماعاً مثل قول ابن عمر: (( كنا نقول ورسول الله
حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان ويسمع ذلك
رسول الله عَّ فلا ينكره)» رواه الطبراني في المعجم الكبير والحديث في
الصحيح بدون ذكر التصريح المذكور، ومن المرفوع أيضاً اتفاقا
الأحاديث التي فيها ذكر صفة النبي ◌َّه ونحو ذلك ..
أما قول الصحابي: كنا لا نرى بأساً بكذا ورسول الله فينا، أو في
حياة رسول الله عَ ليه أو كانوا يقولون كذا في عهده أو كانوا يفعلون
كذا في حياته فكل هذا وأمثاله له حكم المرفوع، ومن المرفوع قول
المغيرة بن شعبة: كان أصحاب رسول الله عَ لّه يقرعون بابه بالأظافير)»
رواه البيهقي في المدخل قال ابن الصلاح: بل هو أحرى بأن يكون
رسول الله اطلع عليه وأقرهم عليه.
وأما قول التابعي: كنا نفعل كذا فليس بمرفوع قطعا، ثم إن لم
(١) هذا وما قبله مثالان للتقرير حكما.
٢٠٧

يضفه إلى زمن الصحابة فمقطوع وإن أضاف ففي احتمالان: الوَقْف
وعدمه وجه الأول: أنّ الظاهر اطلاعهم على ذلك وتقريرهم عليه ووجه
الثاني: أن تقرير الصحابي قد لا ينسب إليه بخلاف تقرير النبي عد ◌ّه.
(الثانية) قول الصحابي: أمرنا بكذا ومثل له السيوطي في التدريب
بقول أم عطية رضي الله عنها:
(أُمَرَنا إن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور(١)، وأمَر
الحيض أن يعتزلْنَ مصلى المسلمين)) أخرجه الشيخان، وقوله : نهينا عن كذا
كقولها أيضاً ((نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)) رواه الشيخان:
وقوله: من السنة كذا كقول علي ((من السنة وضع الكف على الكف في
الصلاة تحت السرة )) رواه أبو داود من رواية ابن داسه وابن الأعرابي،
وقوله: أُمِرَ فلان بكذا كقول أنس «أُمِرَ بلال أن يشفع الآذان ويوتر
الإقامة )) رواه الشيخان فكل هذا وما أشبهه مرفوع حكماً على الصحيح
الذي قاله الجمهور لأن ذلك بظاهر ينصرف إلى من له الأمر والنهي
ومن يجب اتباع سنته وهو رسول الله ع له، ولا فرق بين قول الصحابي
ما تقدم في حياة رسول الله عَ لّم أو بعده.
وخالف أبو بكر الإسماعيلي في هذا ايضا فقال: ليس بمرفوع
لإحتمال ان يكون الآمر غيره كأمر القرآن أو بعض الخلفاء، أو يريد
سنة غيره وأجيب عنه بأن هذا بعيد والأصل في الآمر والناهي والسنة
هو الأول.
ويدل على أن قول الصحابي من السنة كذا يريدون سنة النبي ما
رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم أن
(١): العوائق: جمع عاتق وهي من بلغت الحلم أو الكريمة على أهلها، الخُدُور جمع خِدْر وهو: ستر في ناحية
: البيتَ تَقْعُد البكر وراءه وهذا لفظ سلم، ورواه البخاري («أمرنا)» بالبناء للمجهول، وأما رواية
سلم في «أمرنا» و((أمر )» بالبناء للمعلوم من غير ذكل الفاعل، فهي أدل على الرفع
٢٠٨

الحجاج بن يوسف عام نزل بابن الزبير رضي الله عنهما سأل عبد الله
رضي الله عنه كيف تصنع في الموقف يوم عرفه؟ فقال سالم: إن كنت
تريد السنة فهجر (١) بالصلاة يوم عرفة فقال عبد الله بن عمر: صدق
إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة فقال ابن شهاب السالم
أفعله رسول الله عَّه؟ فقال سالم: وهل يتبعون(٢) في ذلك إلا سُنَّتَه؟ وفي
رواية ((يبتغون)) قال السيوطي: ((فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة
من أهل المدينة وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم كانوا إذا
أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي عد له.
وأما قول بعضهم إن كان مرفوعاً فلم لا يقولون فيه قال
رسول الله عَ ◌ّ فجوابه: ((أنهم تركوا الجزم بذلك تورعاً واحتياطاً))
وروى البخاري أيضاً عن سالم أنه قال للحجاج: إن كنت تريد السنة
فأقصر الخطبة وعجل الوقوف فجعل الحجاج ينظر إلى أبيه عبد الله بن
عمر فقال له: صدق قال ابن عبد البر تعليقا على هذه الرواية: هذا
الحديث يدخل عندهم في المسند لأن المراد بالسنة سنة رسول الله حد اله
اذا أطلقت ما لم تضف إلى صاحبها كسنة العمرين، قال الحافظ ابن
حجر: وهي مسألة خلاف عند أهل الحديث والأصول وجمهورهم على ما
قال ابن عبد البر وهي طريقة البخاري ومسلم ويقويه قول سالم لابن
شهاب: اذ قال له: أفعل ذلك رسول الله عَليه؟ فقال: وهل يتبعون في
ذلك الا سنته وهي القصة التي ذكرناها قبل.
ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس: ((من السنة اذا تزوج البكر على
(١) يعني عجل في الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم في الهاجرة وهي شدة الحر.
(٢) هكذا وردت الرواية في صحيح البخاري [كتاب الحج - باب الجمع بين الصلاتين بعرفة] قال
الحافظ في الفتح: وفي رواية: يبتغون وذكر السيوطي في التدريب تبعاً للحافظ في شرح النخبة رواية
البخاري بلفظ « وهل يعنون بذلك الا سنته» ولم أقف على هذه الرواية بهذا اللفظ فلعلها ذكراها
بالمعنى، انظر التدريب ص ٦٣، وشرح النخفة ص ٤٤ وهذه إحدى المسائل التي لم أجد من نبه
عليها من قَبْلُ.
٢٠٩

الثيب أقام عندها سبعاً)) أخرجه الشيخان قال أبو قلابة: لو شئت
لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي ◌ّ أي لو قلت لم أكذب، لأنه قوله من
السنة كذا هذا معناه لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى ..
وبعض العلماء خصص الخلاف بغير الصديق رضي الله تعالى عنه أما
هو فإن قال ذلك فمرفوع بلا خلاف ومثل قوله من السنة كذا قول ابن:
عباس في متعة الحج: ((سنة أبي القاسم)) وقول عمرو بن العاص في عدة:
أم الولد: ((لا تلبسوا علينا سنة نبينا)) رواه أبو داود، وقول عمر -
رضي الله عنه - في المسح: ((أصبت السنة)) صصحه الدارقطني في:
سننه وأقربها إلى الرفع سنة أبي القاسم ويليها سنة نبينا ويلي ذلك
أصبت السنة :
أما قول التابعي: أمرنا يكذا أو نهينا عن كذا فجزم أبو نصر
ابن الصباغ في كتاب «العدة » في أصول الفقه أنه مرسل، وحكي وجهين
فيما اذا قال ذلك سعيد بن المسيب أَيكون حجة: أم لا؟ وذكر الغزالي في
(الْمُسْتَصْفَى)) فيه احتمالين من غير ترجيح أيكون موقوفاً أم مرفوعاً
مرسلاً؟ وأمنا اذا قال التابعي: من السنة كذا كقول عبيد الله بن عبد الله
ابن عتبة: ((السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس
على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات )) رواه البيهقي في سننه أهو مرسل
مرفوع أم موقوف متصل؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام الشافعي حكاهما
النووي في شرح مسلم وشرح (المهذب)) وشرح (الوسيط)) وقال: ((الصحيح
أنه موقوف )» وحكى الداودي في شرح مختصر المزني: أن الشافعي -
رضي الله عنه - كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع ثم رجع عنه في
الجديد لأنهم قد يطلقونه ويريدون به سنة البلد (١) .
(الثالثة) قول الصحابي الذي لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات فيما
(١). شرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح ص ٥٤.
:
:

لا يقال بالرأي ولا مجال للاجتهاد فيه ولاَلَهُ تعلق ببيان لغة أو شرح
كلمة غريبة له حكم المرفوع وذلك كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء
الخلق وأخبار الأنبياء أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة
وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص وإنما
كان له حكم المرفوع لأن إخباره بذلك يقتضي مخبراً له وما لا مجال
للإجتهاد فيه يقتضي مُوقفاً للقائل به، ولا مُوقِف للصحابة الا
النبي ◌َّ او بعض من يخبر عن الكتب القديمة كأهل الكتاب الذين
أسلموا، وقد احترزنا عن الثاني فلم يبق مخبرا ومُؤْقِفاً الا النبي عَلّه ومن
أمْثِلته قول ابن مسعود رضي الله عنه: ((من أتى ساحراً أو كاهناً (١)
فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد عَ لَّه)) رواه أبو يعلى
والبزار.
ومن ذلك قول الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل في أسباب
النزول ونحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي عدّة ولا مدخل
للإجتهاد فيه ومثل له ابن الصلاح بما روي عن جابر رضي الله عنه قال:
كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قُبُلِها جاء الولد أحول
فأنزل الله عز وجل ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ رواه
مسلم أي على أي حالة شئتم.
فأما تفاسير الصحابة فيما للرأي فيه مجال ولم يرفعوها إلى
رسول الله فهي موقوفة عليهم ومثل ذلك تفسير الصحابي الذي عرف
بالأخذ عن أهل الكتاب فيما لا مجال للرأي فيه فهو موقوف أيضاً ومن
هنا يتبين لنا أن الإسرائيليات التي رواه بعض الصحابة في تفسير
قصص الأنبياء أو أسرار الوجود، وبدء الخلق مثلا، ولا توافق عقلاً
(١) السحر: تمائم وتعاويذ يتوصل بها إلى التأثير في الأبدان والأرواح والإفاد بين الناس والكهانة:
الإخبار بالمغيبات عن طريق استخدام الجن وقد يكون هذا وذاك شعوذة وتدجيلا على الماس.
٢١١

ولا نقلاً صحيحاً - مخال أن يكونوا تلقوها عن المعصوم عة، وإنما هي
من معارف أهل الكتاب الذين أخذوها عن شروح التوراة والكتب
القديمة التي دخلها الكثير من الزيف والتحريف، وقد نقلها بعض
الصحابة عنهم إما على سبيل العظة والذكرى وإما على سبيل الغرابة
والإستنكار لها أو التنبيه إلى شناعتها وكذبها لا أنهم صدقوا ذلك أو
استجازوا نسبته إلى المعصوم عّلّه، وحاشاهم أن يُظَنَّ بهم ذلك ..
وألحق الحافظ ابن حجر في شرح النخبة بِقَول الصحابي فيما لا مجال
للرأي فيه فعل الصحابيّ ما لا مجال للرأي فيه فينزل على أن ذلك عنده
عن النبي عَّ ومثل له بقول الشافعي رضي الله عنه في صلاة سيدنا علي
في صلاة الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين(١) وهو مثال المرفوع
من الفعل حكماً.
(الرابعة) من المرفوع اتفاقا ما ورد بصيغة الكِتَاية في موضع الصيغ
الصريحة في نسبة الحديث إلى رسول الله عَ لّم كالأحاديث التي يقال في
إسنادها عند ذكر الصحابي يَزْفع الحديث أو رفعه أو مرفوعاً كحديث
سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «الشفاء في ثلاثة: شربة عسل،
وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتى عن الكي)» رفع الحديث رواه
البخاري، أو يبلغ به مثل حديث الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به
((الناس تبع لقريش)» رواه الشيخان، أو ينميه (٢) مثل الحديث الذي
رواه مالك في الموطأ عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: ((كان الناس
(١) قال الشيخ على القارىء في شرح شرح النخبة: لعل هذا قول في مذهبه والا فالمشهور من مذهبه وهو
قول مالك وأحمد في كل ركعة زكوعان وعن أبي حنيفة ركوع واحد ثم قال: ولعل معناه أن الشافعي
حمل فعل عليٌ على أنه في حكم المرفوع ثم رجح غيره من الأدلة المقتصرة على ركوعين على فعله كرم
الله وجهه ..
. (٢) فمن ينمي بفتح الياء وسكون النون وكسر الميم قال الجوهري: نميت الأمر أو الحديث إلى غيري
إذا أسندته ورفعته.
٢١٢

يُؤمرون ان يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة))
قال أبو حازم: لا أعلم الا أنه ينمي ذلك.
أو يرويه أو رواية أو رواه: مثل حديث الزهرى عن سعيد
ابن المسيب عن أبي هريرة رواية: ((الفطرة خمس أو خمس من الفطرة:
الختان، والاستحداد، ونتف الابط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب ))
رواه البخاري في كتاب اللباس قال ابن الصلاح: «وحكم ذلك عند أهل
العلم حكم المرفوع صراحة)» وإنما اكتفوا بالكناية بدل التصريح إما
لكونه رواه بالمعنى أو مختصرا او لغير ذلك من الأغراض.
وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: وقد يقتصرون - أي
المحدثون - على القول مع حذف القائل اختصاراً بناءً على الوضوح
ويريدون بالقائل النبي عَّ ومثل ذلك بحديث ابن سيرين عن أبي هريرة
قال: قال(١): ((تقاتلون قوماً صغار الأعين)) الحديث (٢) والمراد بهم الترك
وقال الخطيب: إنه اصطلاح خاص بأهل البصرة ومنهم ابن سيرين روي
عنه أنه قال: كل شيء حدثت به عن أبي هريرة فهو مرفوع.
أما قول الراوي عن التابعي: يرفع الحديث أو يبلغ به ونحوهما فهو
مرفوع ولكنه مرفوع مرسل لسقوط الصحابي منه.
((فائدة )) قال شيخ الاسلام الحافظ ابن حجر: ولم يذكروا ما حكم
ذلك لو قيل عن النبي معَ له، قال: وقد ظفرت لذلك بمثال في مسند البزار
عن النبي ◌َّة يرويه أي عن ربه عز وجل فهو حينئذ من الأحاديث
القدسية .
أقول: أما ورود تصريح النبي بالرواية عن ربه فقد وردت في كثير
(١) فاعل قال الأولى أبو هريرة، وفاعل الثانية النبي ◌َّ وحذف لوضوح العلم به. والحديث أخرجه
البخاري.
(٢) شرح شرح النخبة لعلي القاري ص ١٧٠ ط استانبول.
٢١٣

من الأحاديث الصحيحة القدسية وعقد لذلك الإمام البخاري بابا في
كتاب التوحيد فقال: ((باب ذكر النبي ورواياته عن ربه)» وذكر في هذا
الباب أحاديث منها: ما رواه بسنده عن أنس عن النبي عد ◌ّه يرويه عن
ربه قال: ((إذا تقرب العبد إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً وإذا تقرب
مني ذراعاً تقربت منه باعاً واذا أتاني يمشي أتيته هرولة)) ومنها: ما
رواه بسنده عن محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة عن النبي مت لم يرويه
عن ربكم قال: ((لكل عمل كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به، ولخلوف
فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) وهذه الأحاديث وأمثالها مما
يرويها النبي عن ربه صراحة أو كناية تعرف بالأحاديث القدسية.
( الحديث القدسي))
وبمناسبة هذه الفائدة التي ذكر الإمام الحافظ ابن حجر أرى
لزاماً عَلَيَّ بيان ما يتعلق بالحديث القدسي فأقول وبالله التوفيق.
الحديث القدسي، ويقال له أيضاً (الحديث الإلهي)) ويقال له أيضاً
((الحديث الرباني».
وهذا المركب الوَصْفِي مكون من كلمتين ((الحديث)) و((القدسي))
أما الحديث فقد سبق تعريفه أول الكتاب، ولكن ليس هذا بمراد هنا
قطعا وإنما المراد به ما رفعه النبي ◌ُّ إلى الله تبارك وتعالى وسمي
حديثا لشبهة بالحديث النبوي في كون كل منهما مروي بالسند الى قائله
وذلك لو قلنا: إن لفظه من الله تبارك وتعالى، وإن قلنا: إن لفظه من
النبي ◌ُّ فتسميته حديثًا ظاهر.
و ((القدسي)) نسبة إلى القدس وهو الطهر.
وقد جاءت هذه الكلمة في القرآن الكريم وصفا لجبريل عليه السلام
٢١٤

قال عز شأنه: ﴿قل نزله روح القُدُس من ربك بالحق(١١) وهو من
اضافة الموصوف الى الصفة اي الروح المقدس اي المُطهَّر، وهو الروح
الأمين في قوله عز وجل: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من
المنذرين بلسان عربي مبين (٢)﴾، وجبريل هو الأمين على وحي الله الى
أنبيائه ورسله.
قال في ((القاموس المحيط)) مادة ((القدس)) حـ ٢ ص ٢٣٩ )):
((القُدْس بالضم - يعني ضم القاف - وبضمتين الطهر - اسم،
ومصدر والبيت المقدس، وجبريل، كروح القدس ... والقُدوس - يعني
بضم القاف - من أسماء الله تعالى، ويفتح - يعني أوله - أي الطاهر
أو المبارك، وكل فَقُول مفتوح - أي أوّله - غير قُدوس وسُبوح
وذُرُّوح، وقُّروج فبالضم، ويفتحن ... والتقديس: التطهير، ومن الأرض
المقدسة، وبيت المقدس كَمَجْلِس، ومُعَظَّم، وكُمُحَدِّث: الراهب، وتقدس:
تَطَهَّر )).
فمن هذا النص نرى ان مادة القدس وما تصرف تدور على معنى
الطهر ووصف الحديث بالقدسي لأن الأحاديث القدسية تدور معانيها
على تقديس الله وتنزيه ذاته العلية عن النقائص وما لا يليق به سبحانه،
وعلى تقديس صفاته والحديث القدسي قد يكون باعتبار سنده إما
صحيحا، وإما حسنا، وإما ضعيفا ولذلك كان ذكره ((في تقسيم الحديث
من حيث نسبته إلى قائله، أنسب وأولى فهو مثل المرفوع، والموقوف،
والمقطوع في كونها تشترك جميعا في الصحة أو الحسن أو الضعف.
((أقوال العلماء في الحديث القدسي ))
اختلف العلماء في الحديث القدسي: أهو بلفظه ومعناه من الله
(١) النحل / ٠١٠٢
(٢) سورة الشعراء / ١٩٢ - ١٩٥.
٢١٥٠

تبارك وتعالى أم هو لفظه من النبي عدة ومعناه بوحي من الله تعالى؟.
القولُ الأوَّلِ
فذهب كثير من العلماء إلى أن لفظه ومعناه من الله تعالى وأنه
اوحى به إلى النّبي ◌َّة بأي طريق من طرق الوحي وغالبا ما يكون
بغير الوحي الجلي(١). إما بمكالمة او إلهام، أو قذف في القلب، أو في
المنام، وعلى هذا يكون الفرق بينه وبين الحديث النبوي ظاهر ذلك ان:
هذا لفظه من النبي عَ لّمه وذاك لفظه من عند الله تبارك وتعالى وعلى:
هذا ايضا يكون موافقا للقرآن الكريم من حيث كونه كل منهما نزل
بلفظه على النبي عَِّ، وأن كلا منهما بوحي من الله تبارك وتعالى.
ويكون الفرق بينه وبين القرآن الكريم من هذه الوجوه:
١ - أن القرآن الكريم كله موحى به عن طريق الوجي الجلي وهو
جبريل عليه السلام وهذا أمر يكاد يكون مجمعاً عليه بين العلماء ومن
أراد يقينا في هذا فليرجع الى كتابي ((المدخل لدراسة القرآن (٢))) أما
الأحاديث القدسية فهي موحى بها بطريق الوحي الغير الجلي ولم أقف
على ما يدل على وقوع بعضه بوحي جلي وإن كان جائزاً.
٢ - إن القُرآن الكريم معجز بلفظه ومعناه، ولا كذلك الأحاديث
القدسية وهذا أمر ظاهر لا يخفى على البلغاء، وعلى كل ذي ملكة في
الأدب والبيان.
٣ - ان الصلاة لا تصح: إلاَّ بالقرآن الكريم أما الحديث القدسي
فلا تجوز به الصلاة.
٤ - أن القرآن الكريم متعبد بتلاوته ففي الحديث الذي رواه
الترمذي مرفوعا: ((من قرأ حرفاً(٣) من القرآن فله بكل حرف عشر
(١) الوحي المجلى: ما كان بوساطة جبريل. وما عدا ذلك فيسمى بالوحي الخفي وهذا تقسيم الأصوليين:
(٢) ص ٦١ - ٦٣.
(٣) المراد بالحرف هنا حرف الهجاء بدليل بقية الحديث.
٢١٦

حسنات، لا أقول ((أَلَمّ)) حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم
حرفٍ)) وأما الأحاديث القدسية فلا يتعبد بتلاوتها.
٥ - أن القرآن الكريم كله منقول بالتواتر المفيد للقطع واليقين في
نسبته إلى الله تبارك وتعالى، أما الأحاديث القدسية فليست كذلك، ولا
أعلم حديثا قدسيا متواترا.
٦ - أن القرآن الكريم مكتوب كله في المصاحف من أول سورة
الفاتحة إلى آخر سورة الناس، ولا كذلك الأحاديث القدسية ويكفر من
زاد مُتَعَمِّداً في القرآن حديثاً قدسياً.
٧ - أن القرآن الكريم لا يجوز مسه للمحدث بغير حائل، ويحرم
على الجنب(١) قراءته وكذا الحائض والنفساء بخلاف الأحاديث القدسية.
٨ - أن القرآن لا تجوز قراءته الا باللفظ النازل من عند الله ،
ولا تجوز قراءته بالمعنى بخلاف الأحاديث القدسية فيجوز روايتها
بالمعنى بشروطها .
٩ - أن القرآن لا يجوز اطلاقه شرعا الا على المنزل على نبينا محمد اله
اما الأحاديث القدسية فلا يجوز أن يطلق عليها اسم القرآن قط .
فإن سألني سائل: لِمَ لَمْ يُكْتف بالقرآن الكريم عن الأحاديث
القدسية ؟ .
والجواب: أن الله تبارك وتعالى أراد أن يبين أن بعض كلامه معجز
وهو القرآن الكريم وبعضَه غير معجز وهو الأحاديث القدسية، ألا ترى
ان التوراة والإنجيل المنزلين من عند الله لَيْسا بمعجزين وهذا امر لا
يختلف فيه إثنان.
(١) هو الحدث حدثا أكبر كالمباشر لا مرأته أو المحتلم.
٢١٧

((القول الثاني))
وهو ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الحديث القدسي لفظه من
عند النبي عَّ، ومعناه هو الذي أوحي به من الله تبارك وتعالى.
وعلى هذا يكون الفرق بينه وبين الحديث النبوي: أن معنى
الحديث النبوي قد يكون بالوحي وقد يكون بالإجتهاد، والذي عليه
المحققون من العلماء ان النبي مَ لّم يجتهد لكنه لا يُقَرُّ على الخطأ بل لا بد
ان ينزل الوحي من الله مصوبا ومنبها .
· وإذا اجتهد النبي ◌ُّ وسكت عن اجتهاده الوحي كان ذلك بمثابة
الموحى به، وأما الحديث القدسي ففيه التَّنْصِيصُ على أنه بوحي من الله
وبكون الفرق بينه وبين القرآن الكريم حينئذ هي الفروق التسعة التي
ذكرناها في القول الأول من باب أولى.
ونزيد هنا فرقا عاشرا: وهو أن القرآن الكريم لفظه من عند الله
قطعا، وأما الحديث القدسي فلفظه من عند النبي عَّة، والله اعلم.
أمثلة للأحاديث القدسية
الأحاديث القدسية كثيرة، ومن العلماء من بلغ بها الى نحو مائة او
تزيد، ومنهم من وصل الى أكثر من ضعف ذلك وإليك بعض الأمثلة في
هذا:
١ - ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن قتادة عن أنس رضي
الله عنه عن النبي ◌ُّ يرويه عن ربه قال: ((اذا تقرب العبد إليَّ شبرا(١)
تقربت إليه ذراعاً(٢) وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعاً(٣) واذا
(١) الشبر: ما بين طرفي الخنصر والإبهام من يد الإنسان.
(٢) الذراع: من اطراف اصابع اليد الى المِرْفَق.
(٣) السباع: ما بين أطراف أصابع اليد اليمنى، وأطراف أصابع اليد اليسرى.
٢١٨
؛

أتاني يمشي أتيته هرولة (١))). ورواه مسلم من ضمن حديث.
٢ - وما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن محمد بن زياد قال:
سمعت أبا هريرة عن النبي عَ لّه يرويه عن ربكم قال: «لكل عمل كفارة،
والصوم لي وأنا أجزى به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح
المسك)) والحديث رواه مسلم أيضاً.
٣ - ما رواه البخاري ومسلم في صحيحها بسنديهما عن ابن عباس
رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ فيما يرويه عن ربه قال: ((لا ينبغي لعبد
ان يقول: إنه خير من يونس بن مَتَّى، ونسبه إلى أبيه(٢) )) ولفظ مسلم:
((أنا خير ... ))
٤ - وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما (٣) بسنديها عن زيد
ابن خالد الجهني قال: ((صلى بنا رسول الله ع ◌َليه صلاة الصبح بالحُدَيْبية(٤)
في إثر سماء(٥) كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال:
((تدرون ماذا قال ربكم))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أصبح من
مبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك
مؤمن بي، كافر بالكواكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك
كافر بي مؤمن بالكواكب )».
٥ - وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي ذر الغفاري عن
النبي ◌َّ فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: ﴿يا عبادي اني حرمت
(١) الهرولة: الإسراع في المشي مع تقارب الخطا وهز الكتفين.
(٢) صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب ذكر النبي عيّةٍ وروايته عن ربه وانظر صحيح مسلم -
كتاب الفضائل - باب ذكر يونس عليه السلام.
(٣) صحيح البخاري كتاب الصلاة باب يستقبل الإمام الناس اذا سلم، وكتاب الاستقساء - باب:
(( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)». وصحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب كفر من قال: مطرنا بالنوء.
(٤) الحديبية: موضع بالقرب من مكة قبل خارج الحرم وقبل داخله.
.
(٥) أي مَطْر.
٢١٩

الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضَالَّ
إلا من هديته، فاسَتْهدوني (١) أَهْدِكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من
أطعمته، فاستطعموني أُطْعمكم يا عبادي كلكم عار الا من كسوته،
فاستكسوني أُكْسُكُم، يا عبادي إنكم تخطون بالليل والنهار، وأنا اغفر
الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري
فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم، وآخر كم،
وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في
ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على
أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً يا عبادي لو أن
أولكم، وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت
كل إنسان مسألته ما نُقص ذلك مما عندي الا كما ينقص المِخْيَطُ (٢) اذا
دخل البحر، يا عبادي انما هي اعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها (٣)،
فمن وجد خيرا: فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن الا :
نفسه(٤)﴾.
٦٠ - وروى البخاري ومسلم(٥) في ضَحِيحَيْهما بسندئها عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّه يقول الله عز وجل: (أنا عند
ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني: إن ذكرني في نفسه ذكرته في
نفسي، وإن ذكرني في ملأ(٦) ذكرته في ملأ هم خير منهم، وإن تقرب الي
شبرا تقربت منه ذراعا، وإن تقرب الي ذراعا تقربت منه باعاً، وان
أتاني يمشي أتيته هرولة).
(١) الين والتاء للطلب اي اطلبوا منى الهداية أهدكم، وكذلك السين والتاء في كل ما يأتي للطلب.
(٢) الإبرة المناء.
(٣) أي ثوابها.
(٤) صحيح مسلم - كتاب البر والصلة والأدب - باب تحريم الظلم.
(٥) البخاري - كتاب التوحيد باب «تعلم ما في نفسي ..... ومسلم - كتاب الذكر والدعاء - باب
فضل الذكر والدعاء.
(٦) الملأَّ: أشراف القوم ورؤساء هم.
٢٢٠